فصل: بلاغة وصف الأجل ب {مسمى}:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.بلاغة وصف الأجل ب {مسمى}:

في قوله تعالى: {إلى أجل مسمى} جاء الجار والمجرور ليكون وصفًا لقوله مسبقًا {بدين}، وكأن المعنى:- إذا تداينتم بدين مؤجل- ثم وصف الأجل أيضًا بقوله: {مسمى}.
وسيأتي حديث عن وصف آخر، وهو وصف الكاتب بأنه عَدْل في قوله: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل}؛ أي: عادل، وكثرة هذه الأوصاف تشير إلى عدة أمور:
منها: ضبط وتحديد الشروط اللازمة في عملية الديون، حتى لا يترك الأمر لاجتهاد أحد، فتختلف الرؤى، فيحدث الشقاق. ومنها: أن هذه الأوصاف إنما تضيِّق التعامل ولا توسعه.
وهذا معنًى يسري في جنبات الآية؛ أعني: وضع القيود والعقبات التي تقلل من هذه المعاملة، وفي ذات الوقت تضبط ما يتم منها.
ومنها: أن المفهوم من هذه الضوابط، والشروط أن من خالف شيئا منها كان آثما، أو على الأقل متهاونًا فيما أقره القرآن الكريم.
وقد يكون قوله: {إلى أجل} متعلقًا بالفعل {تداينتم}، والأجل هو: الوقت، أو هو: مدة من الزمان محدودة النهاية، مجعولة ظرفًا لعمل غير مطلوب فيه المبادرة؛ لرغبة تمام ذلك العمل عند انتهاء تلك المدة، أو في أثنائها.
والأجل: اسم وليس بمصدر؛ لأن المصدر: التأجيل، وهو إعطاء الأجل، ولما كان فيه من معنى التوسعة في العمل أطلق الأجل على التأخير، ولما نكّر الأجل وصف بقوله: {مسمى}؛ أي: معلوم بالأيام والأشهر، ونحو ذلك.، و{إلى} هنا هي الغائية، ومن معاني الغاية فيها: تحديد الوقت المخصوص للسداد بأن يكون عصرًا أو ظهرًا أو صباحًا أو في ساعة كذا، وهذا مفهوم من معنى الغائية الكامن في {إلى}.

.بلاغة الاستعارة في قوله: {مسمى}:

يرى الطاهر بن عاشور رحمه الله أن في كلمة {مسمى} استعارة تصريحية؛ حيث يقول: المسمى: حقيقته المميز باسم- يميزه عما يشابهه في جنسه أو نوعه...والمسمى هنا مستعار للمُعَيَّن المحدود، وإنما يقصد تحديده بنهاية من الأزمان المعلومة عند الناس، فشبه ذلك بالتحديد بوضع الاسم، بجامع التعيين؛ إذ لا يمكن تمييزه عن أمثاله إلا بذلك، فأطلق عليه لفظ التسمية، ومنه قول الفقهاء: المهر المسمى؛ فالمعنى: أجل معين بنهايته.
ولعل هذه الاستعارة تعيدنا إلى بيان النبي صلى الله عليه وسلم في تحديد الأجل؛ حيث استعمل لفظًا آخر، ففي الحديث الصحيح: «من أسلف في شيء فليسلف في كيل معلوم، ووزن معلوم، إلى أجل معلوم». ولا شك أن كلمة معلوم مع موافقتها لما سبق في تحديد الأجل، إلا أن لفظ {مسمى} أكثر إيضاحًا؛ لأن العلم قد يتحصل عن غير نطق وتصريح، لكن الأجل المسمى لا يقال له {مسمى} إلا إذا صُرِّح به لفظًا وكتابة أيضًا؛ فتسمية الأجل أكثر جلاءً من مجرد العلم به، وهذا يشير إلى أن هذه المعاملات ينبغي أن تقوم على الشفافية والتصريح؛ حتى لا يتلاعب الشيطان بالعقول والقلوب.
أضف إلى هذا: أن {المعلوم} قد يكون على العموم، كما في نحو البيع بالأجل إلى الحصاد، أو دخول الشتاء، أو انتهاء الصيف.
أما المسمى، فإنه معلوم باليوم، والشهر، والساعة، وهذا يتناغم مع دلالة {إلى} السابقة، ثم إن الأجل في القرآن الكريم لم يوصف قط بلفظ {معلوم}، لكنه وصف بكلمة {مسمى} وذلك كما في قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمّىً عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ} [الأنعام:2].
وقوله تعالى: {وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمّىً ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ} [الأنعام:60].
وقوله تعالى: {اللَّهُ الَّذِي رَفَعَ السَّمَاوَاتِ بِغَيْرِ عَمَدٍ تَرَوْنَهَا ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ كُلٌّ يَجْرِي لِأَجَلٍ مُسَمّىً يُدَبِّرُ الْأَمْرَ يُفَصِّلُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ بِلِقَاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ} [الرعد:2].
وقوله تعالى: {وَنُقِرُّ فِي الْأَرْحَامِ مَا نَشَاءُ إِلَى أَجَلٍ مُسَمّىً ثُمَّ نُخْرِجُكُمْ طِفْلًا} [الحج:5].
أما لفظ {معلوم} فإنه جاء وصفًا في القرآن الكريم لألفاظ مثل: الكتاب- القدر- يوم- رزق- مقام- حق- وقت....إلخ.
وهذا يشير إلى الاتساع في معنى اللفظة.
لكن يبقى سؤال:
ما وجه استخدام النبي صلى الله عليه وسلم لهذا اللفظ معلوم مع الأجل، مع أن السياق سياق تحديد؟.
لعله من باب المشاكلة؛ أعني أنه لما قال: «فليسلف في كيل معلوم ووزن معلوم» قال إلى أجل معلوم ليشاكل ما سبق من الكلام.
كما أن في قوله تعالى: {إلى أجل مسمى} إدماج، والإدماج: أن يضمَّن كلام سيق لمعنى معنى آخر.
وفي الآية أدمج تشريع الأجل في تشريع التسجيل، وكتابة الديون، وهذا ضرب من الإيجاز الموحِي إلى مكانة الأجل في البناء الحاكم، والضابط للدَّين؛ فالأجل جزء ولبنة من هذا البناء.
وأمر آخر، وهو أنه لو قيل: فاكتبوه، وأجلوا أجلًا، لَظُنَّ أن كتابة الدين مقصود بها المقدار فقط، ولظُن أيضًا إمكانية خلوّ العقد من تحديد الأجل، وهذا غير مراد- كما أفهم- لأن القصد إلى تضمين العقد موعد السداد، فهو جزء من العقد، وبند من بنوده، رتبت الكتابة عليه، وجاءت بعده لتشمله.

.بلاغة التعبير عن كتابة الديون:

جاء الأمر بكتابة الدين في صورتين:
الأولى: في قوله تعالى: {إذا تدينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه}.
والأخرى في قوله تعالى: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل}.
وهذان الجزآن قد جاءا بصيغة الأمر، وأول ما يلفت الانتباه هو اختلاف الصيغة، فالأمر بالكتابة عامة اصطُفي له صيغة افعل، وتعيين الكاتب اصطُفي له صيغة ليفعل.
وإذا تأملنا صورة الأمر ليفعل، وصورته افعل ألفينا أن دلالة ليفعل على حقيقة معنى الأمر أكثر من دلالتها على غيرها، بينما دلالة افعل على غير حقيقة معنى الأمر كثيرة جدًا، بل متنوعة الدلالة، وفي هذا ما قد يُعرب عن أن صيغة ليفعل لمَّا كانت هي الأصل في الوضع الأول وأقلّ استعمالًا كانت أليط بحقيقة معنى الأمر، بينما صيغة افعل أقدر على أن تتسع لدلالات عديدة على لاحب مساقات متباينة- مثل: الإباحة أو الندب، أو نحو ذلك.
فكان فقه الدلالة البيانية لصيغة افعل أصعب مراسًا، وأدعى إلى طول مراجعة، ونفاذ بصيرة في أغوار السياق المقالي والمقامي، فإن هذه المعاني السياقية لتلك الصيغة كثيرًا ما تتداخل، أو يستدعي بعضها بعضًا، مما يُدخل المرء في إشكالية الوعي بدقائق الوجوه الدلالية للصيغة.
ومن هنا يقف البحث أمام الأمر الأول: {فاكتبوه}.
وأول ما يلفت الانتباه في هذا التركيب ضمير المفرد الهاء الغائبة، فهل تعود إلى الدين، أم إلى الأجل؟
كلا الأمرين يجوز، وقد تكون الكتابة للدين والأجل معًا، وهنا يطرح سؤال آخر.
لِمَ أفرد الضمير؟
إن الأولى بالفهم- عندي- هو عود الضمير إلى الدَيْن، وسبب إفراد الضمير هو دخول الأجل في بنود العقد المكتوب، فلا يقال: كتب الدين إلا وهو يريد كُتِب مقداره وأجله، ونحو ذلك.
يقول القرطبي: وفي قوله: {فاكتبوه} إشارة ظاهرة إلى أنه يكتبه بجميع صفته المبينة له، المُعرِبة عنه؛ للاختلاف المتوهم بين المتعاملين، المُعرِّفة للحاكم ما يحكم به عند ارتفاعهما إليه.
وعليه يكون في الكلام إيجاز؛ حيث كتابة قيمة الدين وصاحبة، وموعد السداد، ومكان السداد....إلى آخر هذه الأمور التي يُنصُّ عليها في العقد المكتوب؛ ولذلك يقول القرطبي أيضًا: {فاكتبوه} يعني الدين والأجل... ويقال: أُمر بالكتابة، ولكن المراد: الكتابة والإشهاد؛ لأن الكتابة بغير شهود لا تكون حجة.

.أثر السياق في تحديد حكم الكتابة:

ذهب البعض إلى أن كتب الديون واجب على أربابها فرضٌ بهذه الآية- بيعًا كان أو قرضًا؛ لئلا يقع فيه نسيان أو جحود.
قال ابن جُريج: من ادَّان فليكتب، ومن باع فليُشهد.
وقال الشعبي: كانوا يرون أن قوله: {فإن أمن بعضكم بعضًا} ناسخ لأمره بالكتب.
وذهب الربيع إلى أن ذلك واجب بهذه الألفاظ، ثم خففه الله تعالى بقوله: {فإن أمن بعضكم بعضًا}.
وقال الجمهور: الأمر بالكتب ندبٌ إلى حفظ الأموال، وإزالة الريب، وإذا كان الغريم تقيًا فلا يضره الكتب.
وقال بعضهم: إن أشهدتَ فحزمٌ، وإن ائتمنت ففي حلٍ وسعة؛ فالندب: إنما هو على جهة الحيطة للناس.
وقال الشافعي رحمه الله: لما أمر الله تعالى بالكتاب، ثم رخص في الإشهاد إن كانوا على سفر ولم يجدوا كاتبًا، احتمل أن يكون فرضًا، وأن يكون دلالة..، فلما قال جل ثناؤه: {فرهان مقبوضة} والرهن غير الكتاب والشهادة.. ثم قال: {فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤد الذي اؤتمن أمانته وليتق الله ربه}، دل كتابُ الله عز وجل على أن أمره بالكتاب ثم الشهود ثم الرهن إرشاد لا فرض عليهم؛ لأن قوله: {فليؤد الذي اؤتمن أمانته} إباحة لأن يأمن بعضهم بعضًا، فيدعَ الكتاب والشهود والرهن.
قال: وأحب الكتاب والشهود؛ لأنه إرشاد من الله تعالى، ونظرٌ للبائع والمشتري، وذلك أنهما إن كانا أمينين فقد يموتان، أو أحدهما فلا يُعرف حق البائع على المشتري فيتلف على البائع، أو ورثته حقه.
وقد يتغير عقل المشتري.. وقد يغلط فلا يقر؛ فيدخل في الظلم من حيث لا يعلم ويصيب ذلك البائع فيدي ما ليس له، فيكون الكتَّاب والشهادة قاطعًا عنهما وعن ورثتهما.
وكل ما سبق يبين أن القضية مثار خلاف، وأن الرؤى فيها لم تتحد، ولكل وجهة هو موليها، لكن السياق الذي وضعت فيه الآية، وهو سياق تهديد ووعيد وزجر، حيث سبقها قوله تعالى: {وَاتَّقُوا يَوْمًا تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللَّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ وَهُمْ لا يُظْلَمُونَ} [البقرة:281]، ولحقها قوله تعالى: {وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَو تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ} [البقرة:284].
هذا السياق يميل بالكفة تجاه الوجوب والفرض، حتى لو افترض جدلًا أنه إرشاد وندب..
فالسؤال الذي يطرح نفسه:
هل إذا أرشدنا الله تعالى وندبنا إلى كتابة الدين نستحسن نحن غير ذلك؟!
لقد أحسن الشافعي رحمه الله حين قال: إني أحب الكتاب والشهود وذكر مبررات وعللًا لا تجعل من الكتابة أمرًا مندوبًا، بل تجعله مفروضًا، وبخاصة أن هذا الندب والإرشاد جاء في تراكيب صارمة من الأمر والنهي والشرط.
فالسياق الداخلي للآية، وبناء العبارة، واصطفاء الألفاظ، يحمل من الصرامة، والشدة ما يميل بالكفة تجاه الوجوب، ولذلك أرى أن الرأي رأي الطبري؛ حيث يقول: الصواب من القول في ذلك عندنا: أن الله عز وجل أمر المتداينين إلى أجل مسمى باكتتاب كتب الدين بينهم، وأمر الكاتب أن يكتب ذلك بينهم بالعدل.، وأَمْرُ الله فرضٌ لازم إلا أن تقوم الحجة بأنه إرشاد وندب، ولا دلالة تدل على أن أمره- جل ثناؤه- باكتتاب الكتب في ذلك ندب وإرشاد.
فذلك فرضٌ عليهم لا يسعهم تضييعه، ومن ضيعه منهم كان حرجًا بتضييعه.
ولا وجه لاعتلال من اعتل بأن الأمر بذلك منسوخ بقوله: {فإن أمن بعضكم بعضًا فليؤدّ الذي اؤتمن أمانته}؛ لأن ذلك إنما أذن الله به حيث لا سبيل إلى الكتاب أو إلى الكاتب؛ فأما والكتاب، والكاتب موجودان؛ فالفرض إذا كان الدين إلى أجل مسمى ما أمر الله تعالى ذكره- في قوله: {فاكتبوه}.
وإنما يكون الناسخ ما لم يجز اجتماع حكمه، وحكم المنسوخ في حالٍ واحدة؛ فأما ما كان أحدهما غير نافٍ حكمَ الآخر، فليس من الناسخ والمنسوخ في شيء.
ولو وجب أن يكون قوله: {وإن كنتم على سفر} ناسخًا قوله: {إذا تداينتم} لوجب أن يكون قوله: {وإن كنتم مرضى} ناسخاٍ الوضوء بالماء في الحضر عند وجود الماء فيه، وفي السفر الذي فرضه الله عز وجل، لقوله: {يا أيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة}،وأن يكون قوله في كفارة الظهار: {فمن لم يجد فصيام شهرين متتابعين} ناسخًا قوله: {فتحرير رقبة من قبل أن يتماسا}.
فيسأل القائل: إن قول الله عز وجل: {فإن أمن بعضكم بعضًا} ناسخٌ قوله: {إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه} ما الفرق بينه وبين القائل في التيمم وما ذكرنا قوله، فزعم أن ثمَّ ما أبيح في حال الضرورة لعلة الضرورة ناسخ حكمه في حال الضرورة حكمه في كل أحواله، نظير قوله في أن الأمر باكتتاب كتْب الديون، والحقوق منسوخ بقوله: {وإن كنتم على سفر}؟
فإن قال: الفرق بيني وبينه أن قوله: {فإن أمن بعضكم بعضًا} كلام منقطع عن قوله: {وإن كنتم على سفر}، وقد انتهى الحكم في السفر إذا عدم فيه الكاتب بقوله: {فرهان مقبوضة}، وإنما عنى بقوله: {فإن أمن بعضكم بعضًا} {إذا تداينتم بدين}، قيل له: وما البرهان على ذلك من أصل أو قياس، وقد انقضى الحكم في الدين الذي فيه إلى الكاتب، والكتاب بقوله: {ويعلمكم الله والله بكل شيء عليم}؟!
وأما الذين زعموا أن قوله: {فاكتبوه}، وقوله: {ولا يأب كاتب} على وجه الندب، والإرشاد، فإنهم يُسألون البرهان على دعواهم في ذلك، ثم يُعارضون بسائر أمر الله عز وجل الذي أمر في كتابه، ويُسألون الفرق بين ما ادعوا في ذلك وأنكروه في غيره، فلم يقولوا في شيء من ذلك قولًا إلا ألزموا في الآخر مثله. وكلام الطبري رحمه الله هو الأقرب إلى السياق لعدة أسباب:
منها: أن القصد من الأمر بالكتابة التوثق للحقوق، وقطع أسباب الخصومات، وتنظيم معاملات الأمة، وإمكان الاطلاع على العقود الفاسدة، وهذا يجعل الأرجح أن الأمر للوجوب؛ لأنه الأصل في الأمر، وقد تأكد بهذه المؤكدات.
وأما قوله: {فإن أمن بعضكم بعضًا}، فهي رخصة خاصة بحالة الائتمان بين المتعاقدين، وحالة الائتمان حالة سالمة من تطرق التناكر والخصام؛ لأن الله تعالى أراد من الأمة قطع أسباب التهارج والفوضى، فأوجب عليهم التوثق في مقامات المشاحنة؛ لئلا يتساهلوا ابتداءً، ثم يفضوا إلى المنازعة في العاقبة، ويظهر لي أن في الوجوب نفيًا للحرج عن الدائن إذا طلب من مدينه الكتب؛ حتى لا يعدُّ المدين هذا من سوء الظن به؛ فإنّ في القوانين معذرةً للمتعاملين أما قول ابن عطية بأن الصحيح عدم الوجوب؛ لأن للمرء أن يهب هذا الحق ويتركه بإجماع، فكيف يجب عليه أن يكتبه؟ وإنما هو ندب للاحتياط.
فهذا كلام قد يروج في بادئ الرأي، ولكنه مردود بأن مقام التوثق غير مقام التورع.
ومقصد الشريعة تنبيه أصحاب الحقوق؛ حتى لا يتساهلوا ثم يندموا، وليس المقصود إبطال ائتمان بعضهم بعضًا. كما أن من مقاصدها دفع موجدة الغريم من توثق دائنه إذا علم أنه بأمر من الله تعالى، ومن مقاصدها قطع أسباب الخصام.
إن المبدأ العام الذي يريد القرآن الكريم تقريره أن الكتابة أمر مفروض بالنص غير متروك للاختيار.
ومن الأسباب أيضًا أن قوله: {فإن أمن بعضكم بعضا} لمْ تُرتَّبْ على التداين، وإنما رتبت على الرهن، وعطفت عليه بالفاء، والفاء دليل الترتيب على السابق وليس على الأسبق؛ إذ لا دليل على نقله إلى العموم.
ومنها أيضا: أن كتابة الدين أصل في التداين حتى أثناء السفر؛ لأن الآية تقول: {وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبًا}؛ فالأصل أن يُبحث عن كاتب، وهذا يؤكد أن قوله تعالى: {فإن أمن بعضكم بعضًا} ليس مرتبطًا بالتداين العام، وإنما هو مرتبط بعدم وجود الكاتب، وكأن المعنى،: وإن كنتم على سفر فابحثوا عن كاتب واكتبوا الدين، فإن عُدم الكاتب لضيق الوقت فرهان مقبوضة.
ومنها: أن الأمن لو كان مرتبطًا بالتداين العام لوُضع أولًا؛ إذ هو الأصل بين المسلمين، ولكان قيل: إذا تداينتم بدين وأمن بعضكم بعضًا فليؤدّ الذي اؤتمن أمانته، وإلا فاكتبوا الدين.
وهكذا.. لكن سياق الآية وبناء جملها يميل بالمعنى إلى ارتباط الكتابة بالدين ارتباط تلازم، في الوقت الذي يشير فيه صراحةً إلى ارتباط جملة الأمن، وأداء الأمانة بحالة السفر، وخلط الأمرين دعوى بلا بينة واضحة.
ومنها: أن تصدير جملة {فإن أمن بعضكم بعضًا} بأداة الشرط إن، وهي تفيد الندرة والشك، ولو ارتبط هذا بالتداين العام؛ بمعنى: أن المسلمين يقل الأمن بينهم عند التداين، لكان- ذمّا وهجاءً.
أما ربط جملة: {فإن أمن بعضكم بعضًا} بالسفر، وهو مظنة ضياع المال، وحدوث المخاطر يجعل المعنى متساوقًا مع سياق الآية، ولو ربطنا هذا المعنى بالمفهوم العام من الآية لحدث خلاف وتناقض.
كيف؟
إن الآية نفسها تشير إلى أمن المؤمنين بعضهم بعضًا؛ إذ إنها تتحدث عن البيع بالأجل أو بالتقسيط أو القرض، وفي كل ذلك يعطي المؤمن أخاه السلعة أو المال ولا يأخذ شيئا،...نعم: لا يأخذ إلا وعدًا مكتوبًا بالسداد، وهذا دليل الأمن، فإذا كان جوهر الآية يدفع القارئ دفعًا إلى وجود الأمن بين المسلمين، فكيف ينسجم هذا مع جملة: {فإن أمن بعضكم بعضًا}؟!
إذًا فلابد أن يتعين الأمر حالة السفر، والآية تنطق بهذا؛ حيث تقول: {وَإِنْ كُنْتُمْ عَلَى سَفَرٍ وَلَمْ تَجِدُوا كَاتِبًا فَرِهَانٌ مَقْبُوضَةٌ فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُمْ بَعْضًا فَلْيُؤَدِّ الَّذِي اؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ} [البقرة:283].
فلِمَ نعمم والآية تنطق بالتخصيص، والمنطوق مقدم على المفهوم عند العلماء، والسفر مظنة ضياع المال، وهكذا ضياع السلعة، ومن هنا كان الإلحاح على الكتابة أشد، لكن أن عدم الكاتب، وضاق الوقت فواحدة من أمرين: إما عدم التداين، وإما الرهن.
نعم؛ لأن هذا هو المفهوم من ربط التداين أثناء السفر بهاتين الحالتين؛ إما الأمن، وإما الرهن، حيث يطرح العقل سؤالًا عفويًا: فإن عدم الأمن والرهن؟
فالجواب: لا تداين.
وهذا يعيدنا إلى القضية التي نحن بصددها، وهي أن الأمر في قوله: {فاكتبوه} للوجوب، وأن قوله: {فإن أمن بعضكم بعضًا} لا علاقة له بهذا الوجوب، فالوجوب من دلالة الأمر، ومن نسق التركيب، ومن عوامل أخرى ذكرتها، كما أن واقع الناس الآن يميل إلى هذا الوجوب، فالمخاطر التي تحيط بعلاقات المسلمين عند عدم الكتابة ظاهرة وواضحة، مما يعنى أن كتابة الدين مصلحةٌ للجميع، وغلقٌ لأبواب الشياطين.
وكلام الإمام الشافعي رحمه الله تعالى من أن موت البائع أو المشتري أو نسيانهما أو فساد عقيدة أحدهما، أو جنونه، أو غير ذلك من الأمور التي يمكن أن تعتور الإنسان، كل ذلك يبرهن بجلاء حكمة الوجوب.
وهذا لا يطعن في ذمة أو أمانة أحد، إنما هو للاحتراز والضمان وحفظ الأموال من الضياع.
كما أنه لا يخفى أن المعاملات المادية هي المحك الشديد، وهي الخطر الأكيد على علاقة الأخوة الإسلامية؛ لذلك كان التأكيد على أخذ الضمانات الحافظة لها.
بلاغة الإدماج في قوله سبحانه: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل}.
وهذه الجملة تفجر عدة أسئلة بلاغية، من أهمها:
1- ما الإدماج؟،وما موطنه في الآية؟، وما وجه جماله؟
2- لَمن الأمر في الجملة؟ وما وجه العطف بينها وبين سابقتها؟
3- لِم تأخرت هذه الجملة عن سابقتها؟
4- أين مفعول الفعل {ليكتب}؟ وما وجه تقييد الفعل بقوله: {بينكم}؟ وبِم تعلق الجار والمجرور {بالعدل}؟
5- هل في الكلام كناية؟
أما الإدماج: ففي اللغة يدل على الانطواء والستر، يقال: أدمجت الحبل: إذا أدرجته وأحكمت فتله.
وفي الاصطلاح: أن يُضَمَّن كلام سيق لمعنى معنى آخر لم يصرح به.
والمعنى الآخر وهو المضمن المدموج يجب ألا يكون مصرحًا به ولا يكون في الكلام إشعار بأنه مسوق لأجله، وإلا لم يكن ذلك من الإدماج.
أما موطنه في الجملة القرآنية فيشير إليها الطيبي فيقول:
الكلام هنا- يعني في قوله: {وليكتب بينك كاتب بالعدل} مسوق لمعنى، ومدمج فيه آخر بإشارة النص، وهو اشتراط الفقاهة في الكاتب؛ لأنه لا يقدر على التسوية في الأمور الخطرة، إلا من كان فقيهًا.
والناظر في الجملة يستطيع أن يلحظ بسهولة أنها جاءت لتحديد وتخصيص نوع خاص من الكُتَّاب ليقوم بهذه المهمة، أو إن شئت فقل: لتشترط أداءً خاصًا لهذه الكتابة المأمور بها سابقًا وهي أن تكون كتابةً عادلةً ضامنةً للحقوق، مانعة من التحايل؛ ذلك لأن الأمر كما قال الطيبي: خطير، ولذلك جاز تعلق الجار والمجرور {بالعدل} بكلٍ من الفعل والفاعل، أعني: يجوز تعلقه بالفعل {يكتب}، ويجوز تعلقه بالفاعل {كاتب}.
فإذا قدرنا تعلقه بالفعل {يكتب} يكون المعنى المدمج هو: وليكتب بينكم كاتب كتابة عادلة، تكون محل ثقة من أهل الاختصاص عند التنازع؛ بحيث تخلو من الثغرات التي تمكن أحدهما من المراوغة، أو الانفكاك مما في ذمته؛ فالعدل هنا ناتج عن موافقة الكتابة للشروط الواجب توافرها لضمان الحقوق؛ فهي صفة للكتابة.
وقد يكون الجار والمجرور متعلقًا بالفاعل {كاتب} فيكون المعنى المدمج هو: وليكتب بينكم كاتب مشهور بالفقه والعدل وعدم الميل إلى هذا أو ذاك، وهذا يعرف من خلال كتاباته السابقة بين الناس؛ فالأصل ألا يكتب الوثيقة إلا العدل في نفسه، وقد يكتبها الصبي والعبد... إذا أقاموا فقهها، أما المنتصبون لكتبها؛ فلا يجوز للولاة أن يتركوهم إلا عدولًا مرضيين، قال مالك رحمه الله تعالى: لا يكتب الوثائق بين الناس إلا عارف بها، عدلٌ في نفسه، مأمون؛ لقوله تعالى: {وليكتب بينكم كاتب بالعدل}.
وعلى هذا فالجار والمجرور في موضع الصفة للكاتب.
ففقه الكاتب، ومعرفته بأنواع الوثائق معنى مدمج في الجملة، مقصود منها في النهاية.
أما الأمر في الجملة فمتوجه إلى المتداينين، والسر في ذلك: المبالغة في أمر المتعاقدين بالاستكتاب.
ولا أرى أن الأمر هنا للكاتب لأنه ليس منوطًا بالحكم، كما أنه إما أن يكون أجيرًا أو متفضلًا، وفي كلتا الحالتين لا يمكن أمره وإرغامه على الكتابة، لكن الأقرب إلى الفهم هو توجيه الأمر إلى المتداينين أن يبحثا عن كاتب فقيه عدل ليقوم بكتابة الدين، وهذا ما جعل الألوسي رحمه الله يقول: والمراد أمر المتداينين على طريق الكناية، بكتابة عدلٍ، فقيهٍ، ديِّن؛ حتى يكون ما يكتبه موثقوقًا به، متفقًا عليه بين أهل العلم.
وهو لا يعني هنا الكناية الاصطلاحية، وإنما أراد- كما أفهم- مخاطبة الكاتب وأمره بالكتابة عن طريق المتداينين.
ومن بلاغة ذلك إشعار الكاتب بأهمية الأمر، حتى يرفع الحرج عن المتداينين، ويلبي دعوتهما، ويكتب؛ لأن رفضه قد يوقعهما في الحرج، لكنه على جميع الأحوال في حل من الأمر، وإن كان الأولى تلبية الطلب؛ إذ ليس كل من كتب صالحًا لهذه المهمة؛ لأن الجملة جاءت لتحديد الفقيه، وهذا بلا شك قيد آخر من القيود التي تكاد تعرقل إتمام مثل هذه المعاملات، وهو أمر مقصود، فوضع العقبات في هذا النوع من التعامل قُصد به التضييق عليه؛ حتى لا يشيع، لما يترتب عليه من أضرار عند التساهل في ضوابطه.
ولقد جمعت الواو بين جملة: {فاكتبوه} وجملة: {وليكتب بينك كاتب بالعدل}؛ لأنهما من باب التوسط بين الكمالين؛ فكل منهما أمر لفظًا ومعنى، وهذا الربط بالواو يشير إلى أن كل جملة من الجملتين تمثل خيطا من خيوط هذا النسيج الواحد، وهي خيوط متشابهة، متشاكلة ترسم في النهاية صورة وغرضًا واحدا تتشابك ملامحه، وتتعانق جوانبه.
وأخرت جملة: {وليكتب بينكم} عن جملة: {فاكتبوه}؛ لأنه لم يكن ثمة هاجس في تحديد الكاتب، إنما الهاجس الذي النفوس، ولا يزال هو: هل نكتب الدين أم لا؟
وهل إذا أمن بعضنا بعضًا في الحضر يكتب أيضًا أم لا؟
هذا هو ما يشغل النفوس، ولا يزال يتردد في الأفئدة حتى صار محل خلاف؛ لذا، كان تقديمه والتنصيص عليه أولًا قبل تعيين الكاتب.
وإن كنتُ أرى أن تعيين الكاتب ما هو إلا تأكيد للكتابة وفرضيتها، ولو كان الأمر في {فاكتبوه} للإرشاد لتُرك تعيين الكاتب للمتعاقدين ليختاروا مَن يرونه مناسبًا؛ إذ كيف يكون الأمر للإرشاد ثم يؤمرون بتعيين كاتب فقيه عدل؟
وفي حذف المفعول من الجملة شمول وإحاطة لكل ما يتعلق بالدين من قيمة، وموعد سداد..
وفي ذكر المفعول تضييق على هذه المعاني، وضياع لكثير من الضوابط، وفتح باب الخلاف في المقصود من الدين، هل هو قيمته أم ماذا؟
فالحذف هنا وسّع المعنى، وتساوق مع الروح المهيمنة على الآية الداعية إلى أخذ كافة الضمانات.
وفي الوقت الذي حذف فيه المفعول من جملة: {وليكتب بينكم كاتب} نجد في الجملة قيدًا مذكورًا، وهو: {بينكم}، وجيء به حتى لا ينفرد بالكاتب أحد المتعاملين، دفعًا للتهمة، ويقول الألوسي في علته: إنما قال: {بينكم} ولم يقل: {أحدكم}؛ لأنه لما كان الذي له الدين يتهم في الكتابة الذي عليه الدين، وكذلك بالعكس شرع الله كاتبًا غيرهما يكتب بالعدل، لا يكون في قلبه، ولا قلمه موادّة لأحدهما على حساب الأخر كما أن في هذا اللفظ {بينكم} يشير إلى اجتماع الأطراف: الدائن والمدين، وكذلك الشهود؛ ولو اقتصر الاجتماع على الدائن والمدين والكاتب لقيل: وليكتب بينكما، لكن في صيغة الجمع ما يفيد حضور جميع الأطراف حتى الشهود، وفي ذلك إبلاغ في التوثيق والحيطة.
وفي مجيء لفظ {كاتب} نكرةً، ثم تعريفه بالصفة، وهي شبه الجملة: {بالعدل} قصد إلى المعنيين؛ أعني: النكرة والمعرفة المخصوصة، فمجيء لفظ {كاتب} نكرة قصد به عدم تحديد كاتب بعينه، أو باسمه، أو بقرابته، وهذا قد يُفهم إن عرِّف اللفظ بغير الصفة؛ كأن يقال وليكتب بينك كاتبكم، أو كاتب المسلمين، أو الكاتب، أو نحو ذلك؛ فمجيء اللفظ- في ذاته- نكرة قُصد به البحث عن الوصف، وليس عن الشخص؛ ولذلك جاء بعد اللفظ النكرة تعريف لها بالوصف، وهو قوله: {بالعدل}.
وفي هذا الوصف مجاز مرسل علاقته المسببية؛ لأن المقصود هنا: وليكتب بينكم كاتب فقيه، عالم بضوابط العقود، وهذا الفقه- بلا شك- سبب في حدوث العدل بين المتداينين.
لكن يبقى السؤال: لمَ عبّر بالمسبب عن السبب؟
الذي أراه أن وجه ذلك هو أن الفقه وسيلة للوصول إلى العدل، والعدل غاية، ولما كان الفقه لا يقتصر على معرفة الضوابط الشرعية، بل يشمل معرفة الزمان والمكان والأحوال، وكل ما يوصل إلى العدل عبر بالعدل ليراعي الكاتب كل ذلك، وهذا إيجاز بديع يلفت النظر إلى الغاية من الكتابة، وهي ضمان الحقوق، فيدفع الكاتب إلى الأخذ بها ما دامت في إطار الشرع.