فصل: قال نظام الدين النيسابوري:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال نظام الدين النيسابوري:

{الم (1) الله لا إله إلا هو الْحَيُّ الْقَيُّومُ (2) نَزَّلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهِ وَأَنْزَلَ التَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ (3) مِنْ قَبْلُ هُدًى لِلنَّاسِ وَأَنْزَلَ الْفُرْقَانَ إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآَيَاتِ الله لَهُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَالله عَزِيزٌ ذُو انْتِقَامٍ (4) إِنَّ الله لَا يَخْفَى عَلَيْهِ شَيْءٌ فِي الْأَرْضِ وَلَا فِي السَّمَاءِ (5) هُوَ الَّذِي يُصَوِّرُكُمْ فِي الْأَرْحَامِ كَيْفَ يَشَاءُ لا إله إلا هو الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (6) هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آَيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا الله وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آَمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الألباب (7) رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً أنك أَنْتَ الْوَهَّابُ (8) رَبَّنَا إنك جَامِعُ النَّاسِ لِيَوْمٍ لَا رَيْبَ فِيهِ إِنَّ الله لَا يُخْلِفُ الْمِيعَادَ (9) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ الله شَيْئًا وَأُولَئِكَ هُمْ وَقُودُ النَّارِ (10) كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِنَا فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ وَالله شَدِيدُ الْعِقَابِ (11)}.
التفسير:
أما قراءة عاصم فلها وجهان:
الأول نية الوقف ثم إظهار الهمزة لأجل الابتداء.
الثاني أن يكون ذلك على لغة من يقطع ألف الوصل. وأما من فتح الميم ففيه قولان:
أحدهما: قول الفراء واختيار كثير من البصريين وصاحب الكشاف أن أسماء الحروف موقوفة الأواخر تقول: ألف، لام، ميم كما تقول: واحد، اثنان، ثلاثة، وعلى هذا وجب الابتداء بقوله: {الله}.
فإذا ابتدأنا به تثبت الهمزة متحركة إلا أنهم أسقطوا الهمزة للتخفيف وألقيت حركتها على الميم لتدل حركتها على أنها في حكم المبقاة بسبب كون هذه اللفظة مبتدأ بها، فكأن الهمزة ساقطة بصروتها باقية بمعناها.
وثانيهما: قول سيبويه وهو أنه لما وصل {الله} بـ {آلم} التقى ساكنان بل سواكن ضرورة سقوط الهمزة في الدرج، فوجب تحريك الأول أعني الوسطاني منها وهو الميم وكان الأصل هو الكسر إلا أنهم فتحوا الميم محافظة على التفخيم. فالفتحة على هذا القول ليست هي المنقولة من همزة الوصل فلا يرد عليه ما يرد على القول الأول من أن الهمزة حيث لا وجود لها في الوصل أصلًا فكيف تنقل حركتها.
قال الواحدي: نقل المفسرون أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد نجران ستون راكبًا فبهم أربعة عشر رجلًا من أشرافهم وثلاثة منهم كانوا أكابر القوم، أحدهم أميرهم واسمه عبد المسيح والثاني مشيرهم ووزيرهم، وكانوا يقولون له السيد واسمه الأيهم، والثالث حبرهم وأسقفهم وصاحب مدراسهم يقال له أبو حارثة بن علقمة أحد بني بكر بن وائل. وكان ملوك الروم شرفوه وموّلوه فأكرموه لما بلغهم عنه عن علمه واجتهاده في دينهم، فلما قدموا من نجران ركب أبو حارثة بغلته وكان إلى جنبه أخوه كرز بن علقمة فبينما بغلة أبي حارثة تسير إذ عثرت فقال كرز أخوه: تعس الأبعد يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال أبو حارثة: بل تعست أمك. فقال: ولم يا أخي؟ فقال: أنه والله النبي صلى الله عليه وسلم الذي ننتظره. فقال له أخوه كرز: فما يمنعك منه وأنت تعلم هذا؟ قال: لأن هؤلاء الملوك أعطونا أموالًا كثيرة وأكرمونا. فلو آمنا بمحمد لأخذوا منا كل هذه الأشياء. فوقع ذلك في قلب أخيه كرز وكان يضمره إلى أن أسلم، وكان يحدث بذلك، ثم تكلم أولئك الثلاثة- الأمير والسيد والحبر- مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على اختلاف من أديانهم. فتارة يقولون عيسى هو الله، وتارة ابن الله، وتارة ثالث ثلاثة، ويحتجون لقولهم هو الله بأنه كان يحيي الموتى ويبرئ الأكمه والأبرص ويخبر بالغيوب ويخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيطير، ويحتجون في قولهم إنه ولد الله بأنه لم يكن له أب يعلم، ويحتجون على {ثالث ثلاثة} بقول الله تعالى: فعلنا وفعلنا ولو كان واحدًا لقال فعلت. وقد حان وقت صلاتهم فقاموا فصلوا في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: دعوهم. فصلوا إلى المشرق، فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: أسلموا فقالوا: قد أسلمنا قبلك. فقال صلى الله عليه وسلم: كذبتم. كيف يصح إسلامكم وأنتم تثبتون لله ولدًا، وتعبدون الصليب وتأكلون الخنزير؟ قالوا: فمن أبوه؟ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى في ذلك أول سورة آل عمران إلى بضع وثمانين آية منها آية المباهلة. ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم يناظر معهم فقال: ألستم تعلمون أنه لا يكون ولد إلا ويشبه أباه؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أنه حي لا يموت وأن عيسى يأتي عليه الفناء؟ قالوا: بلى. قال: ألستم تعلمون أن ربنا قيم على كل شيء يكلؤه ويحفظه ويرزقه؟ فهل يملك عيسى شيئا من ذلك؟ قالوا: لا. قال: ألستم تعلمون أن الله لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، فهل يعلم عيسى شيئًا من ذلك إلا ما علم؟ قالوا: لا.
قال: فإن ربنا صوّر عيسى في الرحم كيف شاء، فهل تعلمون ذلك؟ قالوا: بلى قال: ألستم تعلمون أن ربنا لا يأكل الطعام ولا يشرب الشراب ولا يحدث الحدث، وتعلمون أن عيسى حملته أمه كما تحمل المرأة ووضعته كما تضع المرأة وغذي كما يغذى الصبي، ثم كان يطعم الطعام ويشرب الشراب ويحدث الحدث؟ قالوا: بلى. فقال صلى الله عليه وسلم: فكيف يكون هو كما زعمتم؟ فعرفوا ثم أبوا إلا حجودًا ثم قالوا: يا محمد، ألست تزعم أنه كلمة الله وروح منه؟ قال: بلى، قالوا: فحسبنا. ففي ذلك نزل: {فأما الذين في قلوبهم زيغ} الآية. وتمام القصة سيجيء في آية المباهلة إن شاء الله تعالى.
واعلم أن مطلع هذه السورة له نظم عجيب ونسق أنيق. وذلك أن أولئك النصارى كأنه قيل لهم: إما أن تنازعوه في شأن الإله أو في أمر النبوة. أما الأول فالحق فيه معه لأنه تعالى حيّ قيوم كما مر في تفسير آية الكرسي، وأن عيسى ليس كذلك لأنه ولد وكان يأكل ويشرب ويحدث. والنصارى زعموا أنه قتل وما قدر على دفع القتل عن نفسه. وهذه الكلمة أعني قوله: {الله لا إله إلا هو الحي القيوم} جامعة لجيمع وجوه الدلائل على بطلان قول النصارى بالتثليث. وأما الثاني فقوله: {نزل عليك الكتاب بالحق} كالدعوى. وقوله: {وأنزل التوراة والإنجيل من قبل} كالدليل عليها. وتقريره أنكم وافقتمونا على أن التوراة والإنجيل كتابان إلهيأن لانه تعالى قرن بإنزالهما المعجزة الدالة على الفرق بين قولهما وبين أقوال الكاذبين. ثم إن المعجز قائم في كون القرآن نازلًا من عند الله كما قام في الكتابين. وإذا كان الطريق مشتركًا فالواجب تصديق الكل كالمسلمين. أما قبول البعض ورد البعض فجهل وتقليد، وإذا لم يبق بعد ذلك عذر لمن ينازعه في دينه فلا جرم ختم بالتهديد والوعيد فقال: {إن الذين كفروا بآيات الله لهم عذاب شديد} وإنما خص القرآن بالتنزيل والكتابين بالإنزال لأنه نزل منجمًا، فكان معنى التكثير حاصلًا فيه، وأنهما نزلا جملة. وأما قوله: {الحمد لله الذي أنزل على عبده الكتاب} [الكهف: 1] فالمراد هناك نزوله مطلقًا من غير اعتبار التنجيم. قال أبو مسلم: قوله: {بالحق} أنه صدق فيما تضمنه من الأخبار عن الأمم، وأن ما فيه من الوعد والوعيد يحمل المكلف على ملازمة الطريق الحق في العقائد والأعمال ويمنعه عن سلوك الطريق الباطل، وأنه قول فصل وليس بالهزل. وقال الأصم: أي بالحق الذي يجب له على خلقه من العبودية، ولبعضهم على بعض من سلوك سبيل العدالة والإنصاف في المعاملات. وقيل: مصونًا من المعاني الفاسدة المتناقضة كقوله: {ولم يجعل له عوجًا قيمًا} [الكهف: 1، 2] {لوجدوا فيه اختلافا كثيرًا} [النساء: 82] وفي قوله: {مصدقًا لما بين يديه} أنه لو كان من عند غير الله لم يكن موافقًا لسائر الكتب المتقدمة، لأن من هو على مثل حاله من كونه أميًا لم يخالط أهل الدرس والقراءة إن كان مفتريًا استحال أن يسلم من التحريف والجزاف. وفيه أنه تعالى لم يبعث نبيًا قط إلا بالدعاء إلى توحيده وتنزيهه عما لا يليق به، والأمر بالعدل والإحسان وبالشرائع التي هي صلاح كل زمان. فإن قيل: كيف سمي ما مضى بأنه بين يديه؟ فالجواب أن هذا اللفظ صار مطلقًا في معنى التقدم، أو لغاية ظهور تلك الأخبار جعلها كالحاضر عنده. فإن قلت: كيف يكون مصدقًا لما تقدمه من الكتب مع أنه ناسخ لأحكامها أكثرها؟ قلنا: إذا كانت الكتب مبشرة بالقرآن وبالرسول ودالة على أن أحكامها تثبت إلى حين بعثته ثم تصير منسوخة عند نزول القرآن، كانت موافقة للقرآن، وكان القرآن مصدقًا لها. فأما فيما عدا الأحكام فلا شبهة في أن القرآن مصدق لها لأن المباحث الإلهية والقصص والمواعظ لا تختلف. والتوراة والإنجيل اسمان أعجميان أحدهما بالعبرية والآخر بالسريانية. فالاشتغال باشتقاقهما لا يفيد إلا أن بعض الأدباء قد تكلف ذلك فقال الفراء: التوراة معناها الضياء والنور من ورى الزند يرى إذا قدح وظهرت النار. قال: وأصلها تورية بفتح التاء والراء ولهذا قلبت الياء ألفًا. أو تورية بكسر الراء تفعلة مثل توفية إلا أن الراء فتحت على لغة طي فإنهم يقولون في بادية باداة.
وزعم الخليل والبصريون أن أصلها وورية فوعلة كصومعة فقلبت الواو الأولى تاء كتجاه وتراث. وأما الإنجيل فالزجاج: إفعيل من النجل الأصل أي هو الأصل المرجوع إليه في ذلك الدين. وقيل: من نجلت الشيء استخرجته أي أنه تعالى أظهر الحق بسببه. أبو عمرو الشيباني: التناجل التنازع سمي بذلك لأن القوم تنازعوا فيه. ومعنى قوله: {من قبل} أي من قبل أن ينزل القرآن. و{هدى للناس} إما أن يكون عائدًا إلى الكتابين فقط فيكون قد وصف القرآن بأنه حق، ووصف التوراة والإنجيل بأنهما هدى. وإنما لم يوصف القرآن بأنه هدى مع أنه قال في أول البقرة {هدى للمتقين} [البقرة: 2] لأن المناظرة هاهنا مع النصارى وهم لا يهتدون بالقرآن، فذكر أنه حق في نفسه سواء قبلوه أو لم يقبلوه، وأما الكتابان فهم قائلون بصحتهما فخصهما بالهداية لذلك، وإما أن يكون راجعًا إلى الكتب الثلاثة وهو قول الأكثرين.
{وأنزل الفرقان} قيل: أي جنس الكتب السماوية لأنها كلها تفرق بين الحق والباطل. وقيل: أي الكتب التي ذكرها كأنه وصفها بوصف آخر فيكون كما قال:
الى الملك القرم وابن الهمام ** وليث الكتيبة في المزدحم

وقيل: أي الكتاب الرابع وهو الزبور، وزيف بأن الزبور ليس فيه شيء من الشرائع والأحكام وإنما هو مواعظ، ويحتمل أن يجاب بأن غاية المواعظ هي التزام الأحكام المعلومة فيؤل إلى ذلك. وقيل: كرر ذكر القرآن بما هو مدح له ونعت بعد ذكره باسم الجنس تفخيمًا لشأنه وإظهارًا لفضله. وفي التفسير الكبير: أنه تعالى لما ذكر الكتب الثلاثة بيّن أنه أنزل معها ما هو الفرقان الحق وهو المعجز الباهر الذي يدل على صحتها، ويفيد الفرق بينها وبين كلام المخلوقين. ثم أنه تعالى بعد ذكر الإلهيات والنبوات زجرًا لمعرضين عن هذه الدلائل وهم أولئك النصارة أو كل من أعرض عن دلائله فإن خصوص السبب لا يمنع عموم اللفظ فقال: {إن الذين كفروا بآيات الله} من كتبه المنزلة وغيرها من دلائله {لهم عذاب شديد والله عزيز} لا يغالب إذ لا حد لقدرته {ذو انتقام} عقاب شديد لا يقدر على مثله منتقم. فالتنكير للتعظيم. وانتقمت منه إذا كافأته عقوبة بما صنع. فالعزيز إشارة إلى القدرة التامة على العقاب، وذو انتقام إشارة إل كونه فاعلًا للعقاب. فالأول صفة الذات، والثاني صفة الفعل.
قوله سبحانه: {إن الله لا يخفى عليه شيء} لما ذكر أنه حيّ قيوم والقيوم هو القائم بإصلاح مصالح الخلق، وكونه كذلك يتوقف على مجموع أمرين: أن يكون عالمًا بكميات حاجاتهم وكيفياتها وكلياتها وجزئياتها، ثم أن يكون قادرًا على ترتيبها. والأول لا يتم إلا إذا كان عالمًا بجميع المعلومات أشار إلى ذلك بقوله: {إن الله لا يخفى عليه شيء} والثاني لا يتأتى إلا إذا كان قادرًا على جميع الممكنات فأشار إليه بقوله: {هو الذي يصوركم} ثم فيه لطيفة أخرى وهي أنه لما ادعى كمال عمله بقوله: {إن الله لا يخفى عليه شيء} والطريق إلى إثبات كونه تعالى عالمًا لا يجوز أن يكون هو السمع، لأن معرفة صحة السمع موقوفة على العلم بكونه تعالى عالمًا بجميع المعلومات، بل الطريق إلى ذلك ليس إلا الدليل العقلي فلا جرم قال: {هو الذي يصوركم في ظلمات الأرحام} بهذه البنية العجيبة والتركيب الغريب من أعضاء مختلفة في الشكل والطبع والصفة، بعضها عظام، وبعضها أوردة، وبعضها شرايين، وبعضها عضلات. ثم أنه ضم بعضها إلى بعض على التركيب الأحسن والتأليف الأكمل، وذلك يدل على كمال علمه لأن التركيب المحكم المتقن لا يصدر إلا عن العالم بتفاصيله. ثم أنه تعالى لما كان قيومًا بمصالح الخلق ومصالحهم قسمان: جسمانية وأشرفها تعديل المزاج وأشار إليها بقوله: {هو الذي يصوركم} وروحانية وأشرفها إلى العلم فلا جرم أشار إلى ذلك بقوله: {هو الذي أنزل عليك الكتاب}. ويحتمل أن تنزل هذه الآيات على سبب نزولها. وذلك أن النصارى ادعوا إلهية عيسى وعولوا في ذلك على نوعين من الشبهة: أحدهما يتعلق بالعلم وهو أن عيسى عليه السلام كان يخبر عن الغيوب وذلك قوله تعالى: {وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم} [آل عمران: 49] والثاني يتعلق بالقدرة كإحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص وليس للنصارى شبهة غير هاتين. فأزال شبهتهم الأولى بقوله: {إن الله لا يخفى عليه شيء} فمن المعلوم بالضرورة من أحوال عيسى أنه ما كان عالمًا بجميع المعلومات. فعدم إحاطته بجميع الأشياء فيه دلالة قاطعة على أنه ليس بإله، ولكن إحاطته ببعض المغيبات لا تدل على كونه إلهًا لاحتمال أنه علم ذلك بالوحي أو الإلهام. وأزال شبهتهم الثانية بقوله: {هو الذي يصوركم} وذلك أن الإله هو الذي يقدر على أن يصور في الأرحام من قطرة صغيرة من النطفة هذا التركيب العجيب والتأليف الغريب، ومعلوم أن عيسى لم يكن قادرًا على الإحياء والإماتة بهذا الوجه. كيف ولو قدر على ذلك لأمات أولئك الذين أخذوه على زعم النصارى وقتلوه. فإماتة بعض الأشخاص أو إحياؤه لا يدل على الإلهية لجواز كونه بإظهار الله تعالى المعجزة على يده، والعجز على إماتة البعض أو إحيائه يدل على عدم الإلهية قطعًا، وأما الإحياء والإماتة لجميع الحيوانات فيدل على الإلهية قطعًا. ثم إنّهم عدلوا عن المقدمات المشاهدية إلى مقدمات إلزامية وهو أنكم أيها المسلمون توافقوننا على أنه ما كان له أب من البشر فيكون ابنًا لله. والجواب عنه بقوله أيضا {هو الذي يصوركم} لأن هذا التصوير لما كان منه صفة فإن شاء صوره من نطفة الأب، وإن شاء صوره ابتداء من غير أب. وأيضا قالوا للرسول صلى الله عليه وسلم: ألست تقول إن عيسى كلمة الله وروحه؟ وهذا يدل على أنه ابن لله. فأجاب الله تعالى عنه بأن هذا إلزام لفظي، محتمل للحقيقة والمجاز. وإذا ورد اللفظ بحيث يخالف الدليل العقلي كان من باب المتشابهات فوجب رده إلى التأويل، أو تفويضه إلى علم الله وذلك قوله: {هو الذي أنزل عليك الكتاب} الآية. فظهر أنه ليس في المسألة حجة ولا شبهة إلا وقد اشتملت هذه الآيات على دفعها والجواب عنها، فإن قيل: ما الفائدة في قوله: {في الأرض ولا في السماء} مع أنه لو أطلق كان أبلغ؟ قلت: الغرض تفهيم العباد كمال علمه وذلك عند ذكر السموات والأرض أقوى لعظمتهما في الحس، والحس متى أعان العقل على المطلوب كان الفهم أتم والإدراك أكمل، وهذه فائدة ضرب الأمثلة في العلوم. قال الواحدي: التصوير جعل الشيء على صورة، والصورة هيئة حاصلة للشيء عند إيقاع التأليف بين أجزائه، وأصله من صاره إذا أماله. وذلك أن الصورة مائلة إلى شكل أبويه. والأرحام جمع الرحم، والتركيب يدل على الرقة والعطف كما سلف. وقيل: سمي رحمًا لاشتراك الرحم فيما بوجب الرحمة والعطف.
وقرئ {تصوركم} أي صوركم لنفسه ولتعبده. و{كيف} في موضع الحال أي على أي حال أراد طويلًا أو قصيرًا، أسود أو أبيض، حسنًا أو قبيحًا إلى غير ذلك من الأحوال المختلفة. ثم أنه تعالى لما أجاب عن شبههم أعاد كلمة التوحيد ردًا على النصارى القائلين بالتثليث فقال: {لا إله إلا هو العزيز الحكيم} فالعزيز إشارة إلى كمال القدرة، والحكيم إلى كمال العلم. وفيه رد على من زعم إلهية عيسى فإن العلم ببعض الغيوب وإحياء بعض الأشخاص لا يكفي في كونه إلهًا.
ولنذكر هاهنا مسائل:

.المسألة الأولى: القرآن دل على أنه بكليته محكم:

وذلك قوله: {الر كتاب أحكمت آياته} [هود: 1] {الر تلك آيات الكتاب الحكيم} [يوسف: 1] والمراد كون كله كلامًا ملحقًا فصيح الألفاظ صحيح المعاني، وأنه بحيث لا يتمكن أحد من الإتيان بمثله لوثاقة مبانية وبلاغة معانيه. ودل على أنه بتمامه متشابه {كتابًا متشابهًا مثاني} [الزمر: 23] والمراد أنه يشبه بعضه بعضًا في الحسن والإعجاز والبراءة من التناقض والتناقض. ثم إن هذه الآية: {هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات} دلت على أن بعض القرآن محكم وبعضه متشابه. فيعني هاهنا بالمحكم ما هو المشترك بين النص والظاهر، وبالمتشابه القدر المشترك بين المجمل والمؤول كما تقرر في المقدمة التاسعة من مقدّمات هذا الكتاب. والإحكام في اللغة المنع وكذا سائر تراكيبه. فالحاكم يمنع الظالم من الظلم، وحكمة اللجام تمنع الفرس من الاضطراب، وفي حديث النخعي حكم اليتيم كما تحكم ولدك أي امنعه من الفساد. وسميت الحكمة حكمة لأنها تمنع عما لا ينبغي وأما التشابه فهو كون الشيئين بحيث يعجز الذهن عن التمييز بينهما. ثم يقال لكل ما لا يهتدي الإنسان إليه متشابه إطلاقًا لاسم السبب على المسبب، ونظيره المشكل لأنه أشكل أي دخل في شكل غيره، ثم إن كل أحد من أصحاب المذاهب يدعي أن الآيات الموافقة لمذهبه محكمة، ولقول خصمه متشابهة. فالمعتزلي يقول: {فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر} [الكهف: 29] محكم {وما تشاؤون إلا أن يشاء الله} [التكوير: 29] متشابه. والسني يقلب الأمر في ذلك. وكذا المعتزلي يقول: {لا تدركه الأبصار} [الأنعام: 103] محكم وقوله: {وجوه يومئذٍ ناضرة إلى ربها ناظرة} [القيامة: 22، 23] متشابه. والسني بالعكس. فلابد من قانون يرجع إليه فنقول: صرف اللفظ عن الراجح إلى المرجوح لابد فيه من دليل منفصل.
وهو إما لفظي أو عقلي. والدليل اللفظي لا يكون قاطعًا ألبتة لتوقفه على نقل اللغات، وعلى وجوه التصريف والإعراب، وعلى عدم الاشتراك وعدم المجاز وعدم التخصيص وعدم الإضمار وعدم المعارض النقلي والعقلي، وكل ذلك مظنون، والموقوف على المظنون أولى أن يكون مظنونًا فلا يجوز التعويل عليه في المسائل الأصولية، فإذن لا سبيل إلى صرف اللفظ عن معناه الراجح إلى معناه المرجوح إلا بالدلالة القطعية العقلية، على أن معناه الراجح محال عقلًا فإذا قامت هذه الدلالة وعرف المكلف أنه ليس مراد الله تعالى من هذه اللفظ ما أشعر به الظاهر، فعند هذا لا يحتاج إلى أن يعرف أن ذلك المرجوح الذي هو المراد ماذا، لأن السبيل إلى ذلك إنما يكون بترجيح مجاز على مجاز، وترجيح تأويل على تأويل، وذلك الترجيح لا يمكن إلا بالدلائل اللفظية وهي ظنية كما بينا ولاسيما المستعملة في ترجيح مرجوح على مرجوح آخر، فإذن الخوض في تعيين التأويل غير جائز والله أعلم.