فصل: من أقوال المفسرين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقال في القاموس: النعم- وقد تسكن عينه- الإبل والشياء جمع أنعام، وجمع جمعه أناعيم.
وقال القزاز في جامعه: النعم اسم يلزم الإبل خاصة، وربما دخل في النعم سائر المال، وجمع النعم أنعام، وقد ذكر بعض اللغويين أن النعم في الإبل خاصة، فإذا قلت: الأنعام- دخل فيها البقر والغنم، قال: وإن أفردت الإبل والغنم لم يقل فيها نعم ولا أنعام.
وقال قوم: النعم والأنعام بمعنى، وقال في المجمل: والأنعام البهائم، وقال الفارابي في ديوان الأدب: والنعم واحد الأنعام، وأكثر ما يقع هذا الاسم على الإبل.
ولما ذكر هذه الأعيان التي زين حبها في نفسها أتبعها ما يطلب لأجل تحصيلها أو تنيتها وتكثيرها فقال: {والحرث}.
ولما فصلها وختمها بما هو مثل الدنيا في البداية والنهاية والإعادة أجمل الخبر عن ثمرتها وبيان حقيقتها فقال: {ذلك} أي ما ذكر من الشهوات المفسر بهذه الأعيان تأكيدًا لتخسيسه البعيد من إخلاد ذوي الهمم إليه ليقطعهم عن الدار الباقية.
وقال الحرالي: الإشارة إلى بعده عن حد التقريب إلى حضرة الجنة انتهى.
{متاع الحياة الدنيا} أي التي هي مع دناءتها إلى فناء.
قال الحرالي: جعل سبحانه وتعالى ما أحاط به حس النظر العاجل من موجود العادل أدنى، فافهم أن ما أنبأ به على سبيل السمع أعلى، فجعل تعالى من أمر اشتباه كتاب الكون المرئي به وذكر المشهود أن عجل محسوس العين وحمل على تركه وقبض اليد بالورع والقلب بالحب عنه، وأخر مشهود مسموع الأذن من الآخرة وأنبأ بالصدق عنه ونبه بالآيات عليه ليؤثر المؤمن مسمعه على منظره، كما آثر الناس منظرهم على مسمعهم، حرض لسان الشرع على ترك الدنيا والرغبة في الأخرى، فأبت الأنفس وقبلت قلوب وهيم لسان الشعر في زينة الدنيا فقبلته الأنفس ولم تسلم القلوب منه إلا بالعصمة، فلسان الحق يصرف إلى حق الآخرة ولسان الخلق يصرفه إلى زينة الدنيا، فأنبا سبحانه وتعالى أن ما في الدنيا متاع، والمتاع ما ليس له بقاء، وهو في نفسه خسيس خساسة الجيفة انتهى.
ثم أتبع ذلك سبحانه وتعالى حالًا من فاعل معنى الإشارة لقال: {والله} الذي بيده كل شيء، ويجوز أن يكون عطفًا على ما تقديره: وهو سوء المبدأ في هذا الذهاب إلى غاية الحياة، والله {عنده حسن المآب} قال الحرالي: مفعل من الأوب وهو الرجوع إلى ما منه كان الذهاب انتهى.
فأرشد هذا الخطاب اللطيف كل من ينصح نفسه إلى منافرة هذا العرض الخسيس بأنه إن حصل له يعرض عنه بأن يكون في يده، لا في قلبه فلا يفرح به بحيث يشغله عن الخير، بل يجعل عونًا على الطاعة وأنه إن منع منه لا يتأسف عليه لتحقق زواله ولرجاء الأول إلى ما عند خالقه الذي ترك ذلك لأجله. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال ابن عاشور:

{زُيِّنَ} استئناف نشأ عن قوله: {لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلا أَوْلادُهُمْ} [آل عمران: 10] إذ كانت إضافة أموال وأولاد إلى ضمير هم على أنها معلومة للمسلمين، قصد منه عظة المسلمين ألا يغتروا أولادهم بحال الذين كفروا فتعجبهم زينة الدنيا، وتلهيهم عن التهمم بها به الفوز في الآخرة، فإن التحذير يستدعي التحذير من البدايات، وقد صدر هذا الوعظ والتأديب ببيان مدخل هذه الحالة إلى النفوس، حتى يكونوا على أشد الحذر منها؛ لأن ما قرارته النفس ينساب إليها مع الأنفاس.
والتزيين تصيير الشيء زينا أي حسنا، فهو تحسين الشيء المحتاج إلى التحسين، وإزالة ما يعتريه من القبح أو التشويه، ولذلك سمي الحلاق مزينا.
وقال امرؤ القيس:
الحرب أول ما تكون فتية ** تسعى بزينتها لكل جهول

فالزينة هي ما في الشيء من المحاسن: التي ترغب الناظرين في اقتنائه، قال تعالى: {تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}. وكلمة زين قليلة الدوران في كلام العرب مع حسنها وخفتها قال عمر بن أبي ربيعة:
أزمعت خلتي مع الفجر بينا ** جلل الله ذلك الوجه زينا

وفي حديث سنن أبي داود: أن أبا برزة الأسلمي دخل على عبيد الله بن زياد وقد أرسل إليه ليسأله عن حديث الحوض فلما دخل أبو برزة قال عبيد الله لجلسائه: إن محمديكم هذا الدحداح. قال أبو برزة: ما كنت أحسب أني أبقى في قوم يعيرونني بصحبة محمد. فقال عبيد الله إن صحبة محمد لك زين غير شين. اهـ.

.قال الفخر:

في كيفية النظم قولان الأول: ما يتعلق بالقصة فإنا روينا أن أبا حارثة بن علقمة النصراني اعترف لأخيه بأنه يعرف صدق محمد صلى الله عليه وسلم في قوله إلا أنه لا يقر بذلك خوفًا من أن يأخذ منه ملوك الروم المال والجاه، وأيضا روينا أنه عليه الصلاة والسلام لما دعا اليهود إلى الإسلام بعد غزوة بدر أظهروا من أنفسهم القوة والشدة والاستظهار بالمال والسلاح، فبيّن الله تعالى في هذه الآية أن هذه الأشياء وغيرها من متاع الدنيا زائلة باطلة، وأن الآخرة خير وأبقى.
القول الثاني: وهو على التأويل العام أنه تعالى لما قال في الآية المتقدمة {والله يُؤَيّدُ بِنَصْرِهِ مَن يَشَاء إِنَّ في ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِى الأبصار} ذكر بعد هذه الآية ما هو كالشرح والبيان لتلك العبرة وذلك هو أنه تعالى بيّن أنه زين للناس حب الشهوات الجسمانية، واللذات الدنيوية، ثم أنها فانية منقضية تذهب لذاتها، وتبقى تبعاتها، ثم أنه تعالى حث على الرغبة في الآخرة بقوله: {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم} [آل عمران: 15] ثم بيّن طيبات الآخرة معدة لمن واظب على العبودية من الصابرين والصادقين إلى آخر الآية. اهـ.
فصل:
قال الفخر:
اختلفوا في أن قوله: {زُيّنَ لِلنَّاسِ} من الذي زين ذلك؟ أما أصحابنا فقولهم فيه ظاهر، وذلك لأن عندهم خالق جميع الأفعال هو الله تعالى وأيضا قالوا: لو كان المزين الشيطان فمن الذي زين الكفر والبدعة للشيطان، فإن كان ذلك شيطانًا آخر لزم التسلسل، وإن وقع ذلك من نفس ذلك الشيطان في الإنسان فليكن كذلك الإنسان، وإن كان من الله تعالى، وهو الحق فليكن في حق الإنسان كذلك، وفي القرآن إشارة إلى هذه النكتة في سورة القصص في قوله: {رَبَّنَا هَؤُلاء الذين أَغْوَيْنَا أغويناهم كَمَا غَوَيْنَا} [القصص: 63] يعني إن اعتقد أحد أنا أغويناهم فمن الذي أغوانا، وهذا الكلام ظاهر جدًا.
أما المعتزلة فالقاضي نقل عنهم ثلاثة أقوال:
القول الأول: حكي عن الحسن أنه قال: الشيطان زين لهم، وكان يحلف على ذلك بالله، واحتج القاضي لهم بوجوه أحدها: أنه تعالى أطلق حب الشهوات، فيدخل فيه الشهوات المحرمة ومزين الشهوات المحرمة هو الشيطان وثانيها: أنه تعالى ذكر القناطير المقنطرة من الذهب والفضة وحب هذا المال الكثير إلى هذا الحد لا يليق إلا بمن جعل الدنيا قبلة طلبه، ومنتهى مقصوده، لأن أهل الآخرة يكتفون بالغلبة وثالثها: قوله تعالى: {ذلك متاع الحياة الدنيا} ولا شك أن الله تعالى ذكر ذلك في معرض الذم للدنيا والذم للشيء يمتنع أن يكون مزينًا له ورابعها: قوله بعد هذه الآية: {قُلْ أَؤُنَبّئُكُمْ بِخَيْرٍ مّن ذلكم} [آل عمران: 15] والمقصود من هذا الكلام صرف العبد عن الدنيا وتقبيحها في عينه، وذلك لا يليق بمن يزين الدنيا في عينه.
والقول الثاني: قول قوم آخرين من المعتزلة وهو أن المزين لهذه الأشياء هو الله واحتجوا عليه بوجوه أحدها: أنه تعالى كما رغب في منافع الآخر فقد خلق ملاذ الدنيا وأباحها لعبيده، وإباحتها للعبيد تزيين لها، فإنه تعالى إذا خلق الشهوة والمشتهى، وخلق للمشتهي علمًا بما في تناول المشتهى من اللذة، ثم أباح له ذلك التناول كان تعالى مزينًا لها وثانيها: أن الانتفاع بهذه المشتهيات وسائل إلى منافع الآخرة، والله تعالى قد ندب إليها، فكان مزينًا لها، وإنما قلنا: إن الانتفاع بها وسائل إلى ثواب الآخرة لوجوه الأول: أن يتصدق بها والثاني: أن يتقوى بها على طاعة الله تعالى والثالث: أنه إذا انتفع بها وعلم أن تلك المنافع إنما تيسرت بتخليق الله تعالى وإعانته صار ذلك سببًا لاشتغال العبد بالشكر العظيم، ولذلك كان الصاحب ابن عباد يقول: شرب الماء البارد في الصيف يستخرج الحمد من أقصى القلب وذكر شعرًا هذا معناه والرابع: أن القادر على التمتع بهذه اللذات والطيبات إذا تركها واشتغل بالعبودية وتحمل ما فيها من المشقة كان أكثر ثوابًا، فثبت بهذه الوجوه أن الانتفاع بهذه الطيبات وسائل إلى ثواب الآخر والخامس: قوله تعالى: {هُوَ الذي خَلَقَ لَكُم مَّا في الأرض جَمِيعًا} [البقرة: 29] وقال: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله التي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ والطيبات مِنَ الرزق} [الأعراف: 32] وقال: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا} [الكهف: 7] وقال: {خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلّ مَسْجِدٍ} [الأعراف: 31] وقال في سورة البقرة {وَأَنزَلَ مِنَ السماء مَاء فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثمرات رِزْقًا لَّكُمْ} [البقرة: 22] وقال: {كُلُواْ مِمَّا في الأرض حلالا طَيّبًا} [البقرة: 168] وكل ذلك يدل على أن التزيين من الله تعالى، ومما يؤكد ذلك قراءة مجاهد {زُيّنَ لِلنَّاسِ} على تسمية الفاعل.
والقول الثالث: وهو اختيار أبي علي الجبائي والقاضي وهو التفصيل، وذلك أن كل ما كان من هذا الباب واجبًا أو مندوبًا كان التزيين فيه من الله تعالى، وكل ما كان حرامًا كان التزيين فيه من الشيطان هذا ما ذكره القاضي، وبقي قسم ثالث وهو المباح الذي لا يكون في فعله ولا في تركه ثواب ولا عقاب والقاضي ما ذكر هذا القسم، وكان من حقه أن يذكره ويبيّن أن التزيين فيه من الله تعالى، أو من الشيطان. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {زُيِّنَ لِلنَّاسِ} زين من التزيين.
واختلف الناس مَن المزيِّن؛ فقالت فرقةٌ: الله زيَّن ذلك؛ وهو ظاهر قول عمر بن الخطاب رضي الله عنه، ذكره البخاريّ.
وفي التنزيل: {إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى الأرض زِينَةً لَّهَا} [الكهف: 7]؛ ولما قال عمر: الآن يا ربِّ حين زيّنتها لنا! نزلت {قُلْ أَؤُنَبِّئُكُمْ بِخَيْرٍ مِّن ذلكم} [آل عمران: 15] وقالت فرقة: المزيِّن هو الشيطان؛ وهو ظاهر قول الحسن، فإنه قال: مَنْ زيّنَها؟ ما أحدٌ أشدّ لها ذَمّا من خالقها.
فتزيين الله تعالى إنما هو بالإيجاد والتهيئة للانتفاع وإنشاء الجِبِلّة على الميل إلى هذه الأشياء.
وتزيين الشيطان إنما هو بالوَسْوَسة والخديعة وتحسين أخْذِها من غير وجوهها.
والآية على كلا الوجهين ابتداء وعظ لجميع الناس، وفي ضمن ذلك توبيخٌ لمعاصري محمد صلى الله عليه وسلم من اليهود وغيرهِم.
وقرأ الجمهور {زُيِّنَ} على بناء الفعل للمفعول، ورفع {حُبُّ}.
وقرأ الضحاك ومجاهد {زَيَّنَ} على بناء الفعل للفاعل، ونصب {حُبَّ}. اهـ.

.من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {حُبُّ الشهوات}:

.قال القرطبي:

حركت الهاء من {الشَّهَوَاتِ} فرقًا بين الاسم والنعت.
والشّهوات جمع شَهْوة وهي معروفة.
ورجل شهوان للشيء، وشيء شهيّ: أي مُشْتَهًى.
واتباع الشهوات مردٍ وطاعتها مهلكة.
وفي صحيح مسلم: «حُفِّت الجنة بالمكاره وحُفّت النار بالشهوات» رواه أنس عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
وفائدة هذا التمثيل أن الجنة لا تنال إلا بقطع مفاوز المكاره وبالصبر عليها.
وأن النار لا ينْجَى منها إلا بترك الشهوات وفِطام النفس عنها.
وقد روى عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «طريق الجنة حزْنٌ برَبْوة وطريق النار سهل بسَهْوَة»؛ وهو معنى قوله: «حفت الجنة بالمكاره وحفت النار بالشهوات» أي طريق الجنة صعبة المسلك فيه أعلى ما يكون من الرّوَابِي، وطريق النار سهل لا غِلظ فيه ولا وعورة، وهو معنى قوله: «سهل بسهوة» وهو بالسين المهملة. اهـ.

.قال الفخر:

قوله: {حُبُّ الشهوات} فيه أبحاث ثلاثة:
البحث الأول: أن الشهوات هاهنا هي الأشياء المشتهيات سميت بذلك على الاستعارة للتعلق والاتصال، كما يقال للمقدور قدرة، وللمرجو رجاء وللمعلوم علم، وهذه استعارة مشهورة في اللغة، يقال: هذه شهوة فلان، أي مشتهاه، قال صاحب الكشاف: وفي تسميتها بهذا الاسم فائدتان: إحداهما: أنه جعل الأعيان التي ذكرها شهوات مبالغة في كونها مشتهاة محروصًا على الاستمتاع بها والثانية: أن الشهوة صفة مسترذلة عند الحكماء مذمومة من اتبعها شاهد على نفسه بالبهيمية، فكان المقصود من ذكر هذا اللفظ التنفير عنها.
البحث الثاني: قال المتكلمون: دلّت هذه الآية على أن الحب غير الشهوة لأنه أضاف الحب إلى الشهوة والمضاف غير المضاف إليه، والشهوة من فعل الله تعالى، والمحبة من أفعال العباد وهي عبارة عن أن يجعل الإنسان كل غرضه وعيشه في طلب اللذات والطيبات.
البحث الثالث: قال الحكماء: الإنسان قد يحب شيئًا ولكنه يحب أن لا يحبه مثل المسلم فإنه قد يميل طبعه إلى بعض المحرمات لكنه يحب أن لا يحب، وأما من أحب شيئًا وأحب أن يحبه فذاك هو كمال المحبة، فإن كان ذلك في جانب الخير فهو كمال السعادة، كما في قوله تعالى حكاية عن سليمان عليه السلام {إِنّى أَحْبَبْتُ حُبَّ الخير} [ص: 32] ومعناه أحب الخير وأحب أن أكون محبًا للخير، وإن كان ذلك في جانب الشر، فهو كما قال في هذه الآية فإن قوله: {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات} يدل على أمور ثلاثة مرتبة أولها: أنه يشتهي أنواع المشتهيات وثانيها: أنه يحب شهوته لها وثالثها: أنه يعتقد أن تلك المحبة حسنة وفضيلة، ولما اجتمعت في هذه القضية الدرجات الثلاثة بلغت الغاية القصوى في الشدة والقوة، ولا يكاد ينحل إلا بتوفيق عظيم من الله تعالى، ثم أنه تعالى أضاف ذلك إلى الناس، وهو لفظ عام دخله حرف التعريف فيفيد الاستغراق، فظاهر اللفظ يقتضي أن هذا المعنى حاصل لجميع الناس، والعقل أيضا يدل عليه، وهو أن كل ما كان لذيذًا ونافعًا فهو محبوب ومطلوب لذاته واللذيذ النافع قسمان: جسماني وروحاني، والقسم الجسماني حاصل لكل أحد في أول الأمر، وأما القسم الروحاني فلا يكون إلا في الإنسان الواحد على سبيل الندرة، ثم ذلك الإنسان إنما يحصل له تلك اللذة الروحانية بعد استئناس النفس باللذات الجسمانية، فيكون انجذاب النفس إلى اللذات الجسمانية كالملكة المستقرة المتأكدة، وانجذابها إلى اللذات الروحانية كالحالة الطارئة التي تزول بأدنى سبب فلا جرم كان الغالب على الخلق إنما هو الميل الشديد إلى اللذات الجسمانية وأما الميل إلى طلب اللذات الروحانية فذاك لا يحصل إلا للشخص النادر، ثم حصوله لذلك النادر لا يتفق إلا في أوقات نادرة، فلهذا السبب عم الله هذا الحكم فقال: {زُيّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشهوات}. اهـ.

.قال ابن عاشور:

تعليق التزيين بالحب جرى على خلاف مقتضى الظاهر؛ لأن المزين للناس هو الشهوات، أي المشتهيات نفسها، لا حبها، فإذا زينت لهم أحبوها؛ فإن الحب ينشأ عن الاستحسان، وليس الحب بمزين، وهذا إيجاز يغني عن أن يقال زينت للناس الشهوات فأحبوها، وقد سكت المفسرون عن وجه نظم الكلام بهذا التعليق.