فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال الفخر:
لفظة {كَانَ} قد تكون تامة وناقصة وزائدة على ما هو مشروح في النحو واختلف المفسرون في قوله: {كُنتُمْ} على وجوه الأول: أن (كان) هاهنا تامة بمعنى الوقوع والحدوث وهو لا يحتاج إلى خبر، والمعنى: حدثتم خير أمة ووجدتم وخلقتم خير أمة، ويكون قوله: {خَيْرَ أُمَّةٍ} بمعنى الحال وهذا قول جمع من المفسرين الثاني: أن (كان) هاهنا ناقصة وفيه سؤال: وهو أن هذا يوهم أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة وأنهم ما بقوا الآن عليها.
والجواب عنه: أن قوله (كان) عبارة عن وجود الشيء في زمان ماض على سبيل الإبهام، ولا يدل ذلك على انقطاع طارئ بدليل قوله: {استغفروا رَبَّكُمْ أنه كَانَ غَفَّارًا} [نوح: 10] قوله: {وَكَانَ الله غَفُورًا رَّحِيمًا} [الفتح: 14] إذا ثبت هذا فنقول: للمفسرين على هذا التقدير أقوال:
أحدها: كنتم في علم الله خير أمة.
وثانيها: كنتم في الأمم الذين كانوا قبلكم مذكورين بأنكم خير أمة وهو كقوله: {أَشِدَّاء عَلَى الكفار رُحَمَاء بَيْنَهُمْ} [الفتح: 29] إلى قوله: {ذَلِكَ مَثَلُهُمْ في التوراة} [الفتح: 29] فشدتهم على الكفار أمرهم بالمعروف ونهيهم عن المنكر.
وثالثها: كنتم في اللوح المحفوظ موصوفين بأنكم خير أمة.
ورابعها: كنتم منذ آمنتم خير أمة أخرجت للناس.
وخامسها: قال أبو مسلم قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} تابع لقوله: {وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ} [آل عمران: 107] والتقدير: أنه يقال لهم عند الخلود في الجنة: كنتم في دنياكم خير أمة فاستحقيتم ما أنتم فيه من الرحمة وبياض الوجه بسببه، ويكون ما عرض بين أول القصة وآخرها كما لا يزال يعرض في القرآن من مثله.
وسادسها: قال بعضهم: لو شاء الله تعالى لقال (أنتم) وكان هذا التشريف حاصلًا لكلنا ولكن قوله: {كُنتُمْ} مخصوص بقوم معينين من أصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم وهم السابقون الأولون، ومن صنع مثل ما صنعوا وسابعها: كنتم مذ آمنتم خير أمة تنبيهًا على أنهم كانوا موصوفين بهذه الصفة مذ كانوا.
الاحتمال الثالث: أن يقال (كان) هاهنا زائدة، وقال بعضهم قوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} هو كقوله: {واذكروا إِذْ كُنتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ} [الأعراف: 86] وقال في موضع آخر {واذكروا إِذْ أَنتُمْ قَلِيلٌ مُّسْتَضْعَفُونَ} [الأنفال: 26] وإضمار كان وإظهارها سواء إلا أنها تذكر للتأكيد ووقوع الأمر لا محالة: قال ابن الأنباري: هذا القول ظاهر الاختلال، لأن (كان) تلغى متوسطة ومؤخرة، ولا تلغى متقدمة، تقول العرب: عبد الله كان قائم، وعبد الله قائم كان على أن كان ملغاة، ولا يقولون: كان عبد الله قائم على إلغائها، لأن سبيلهم أن يبدؤا بما تنصرف العناية إليه، والمعنى لا يكون في محل العناية، وأيضا لا يجوز إلغاء الكون في الآية لانتصاب خبره، وإذا عمل الكون في الخبر فنصبه لم يكن ملغى.
الاحتمال الرابع: أن تكون (كان) بمعنى صار، فقوله: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} معناه صرتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، أي صرتم خير أمة بسبب كونكم آمرين بالمعروف وناهين عن المنكر ومؤمنين بالله. اهـ.

.قال الألوسي:

{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} كلام مستأنف سيق لتثبيت المؤمنين على ما هم عليه من الاتفاق على الحق والدعوة إلى الخير كذا قيل، وقيل: هو من تتمة الخطاب الأول في قوله سبحانه وتعالى: {يا أيها الذين ءامَنُواْ اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] وتوالت بعد هذا خطابات المؤمنين من أوامر ونواهي واستطرد بين ذلك من يبيض وجهه ومن يسود وشيء من أحوالهم في الآخرة، ثم عاد إلى الخطاب الأول تحريضًا على الانقياد والطواعية وكان ناقصة ولا دلالة لها في الأصل على غير الوجود في الماضي من غير دلالة على انقطاع أو دوام، وقد تستعمل للأزلية كما في صفاته تعالى نحو: {وَكَانَ الله بِكُلّ شيء عَلِيمًا} [الأحزاب: 40] وقد تستعمل للزوم الشيء وعدم انفكاكه نحو: {وَكَانَ الإنسان أَكْثَرَ شيء جَدَلًا} [الكهف: 54]، وذهب بعض النحاة إلى أنها تدل بحسب الوضع على الانقطاع كغيرها من الأفعال الناقصة والمصحح هو الأول وعليه لا تشعر الآية بكون المخاطبين ليسوا خير أمة الآن، وقيل: المراد كنتم في علم الله تعالى أو في اللوح المحفوظ أو فيما بين الأمم أي في علمهم كذلك، وقال الحسن: معناه أنتم خير أمة، واعترض بأنه يستدعي زيادة كان وهي لا تزاد في أول الجملة. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بالمعروف وَتَنْهَوْنَ عَنِ المنكر وَتُؤْمِنُونَ بالله}.
يتنزّل هذا منزلة التَّعليل لأمرهم بالدّعوة إلى الخير، وما بعده فإن قوله: {تأمرون بالمعروف} حال من ضمير كنتم، فهو موذن بتعليل كونهم خيرَ أمَّة فيترتب عليه أنّ ما كان فيه خيريتهم يجدر أن يفرض عليهم، إن لم يكن مفروضًا من قبل، وأن يؤكد عليهم فرضه، إن كان قد فرض عليهم من قبل.
والخطاب في قوله: {كنتم} إمَّا لأصحاب الرسول صلى الله عليه وسلم ونقل ذلك عن عمر بن الخطاب، وابن عبَّاس.
قال عمر: هذه لأوّلنَا ولا تكون لآخِرنا.
وإضافة خير إلى أمّة من إضافة الصفة إلى الموصوف: أي كنتم أمَّة خير أمَّة أخرجت للنَّاس، فالمراد بالأمّة الجماعة، وأهل العصر النبوي، مثل القَرن، وهو إطلاق مشهور ومنه قوله تعالى: {وادّكَر بعد أمَّة} [يوسف: 45] أي بعد مدة طويلة كمدة عصر كامل.
ولا شكّ أن الصحابة كانوا أفضل القرون التي ظهرت في العالم، لأن رسولهم أفضل الرسل، ولأن الهدى الذي كانوا عليه لا يماثله هدى أصحاب الرسل الذين مضوا، فإن أخذت الأمة باعتبار الرسول فيها فالصحابة أفضل أمة من الأمم مع رسولها، قال النبي صلى الله عليه وسلم «خير القرون قرني» والفضل ثابت للجموع على المجموع، وإن أخذت الأمة من عدا الرسول، فكذلك الصحابة أفضل الأمم التي مضت بدون رُسلها، وهذا تفضيل للهدى الذي اهتدوا به، وهو هدى رسولهم محمد صلى الله عليه وسلم وشريعته.
وإمّا أن يكون الخطاب بضمير {كنتم} للمسلمين كلّهم في كلّ جيل ظهروا فيه، ومعنى تفضيلهم بالأمر بالمعروف مع كونه من فروض الكفايات لا تقوم به جميع أفراد الأمّة لا يخلو مسلم من القيام بما يستطيع القيام به من هذا الأمر، على حسب مبلغ العلم ومنتهى القدرة، فمن التغيير على الأهل والولد، إلى التغيير على جميع أهل البلد، أو لأن وجود طوائف القائمين بهذا الأمر في مجموع الأمّة أوجب فضيلة لجميع الأمّة، لكون هذه الطوائف منها كما كانت القبيلة تفتخر بمحامد طوائقها، وفي هذا ضمان من الله تعالى بأنّ ذلك لا ينقطع من المسلمين إن شاء الله تعالى.
وفعل (كان) يدل على وجود ما يسند إليه في زمن مضى، دون دلالة على استمرار، ولا على انقطاع، قال تعالى: {وكان الله غفورًا رحيمًا} [النساء: 96] أي وما زال، فمعنى {كنتم خير أمة} وجدتم على حالة الأخيرية على جميع الأمم، أي حصلت لكم هذه الأخيرية بحصول أسبابها ووسائلها، لأنّهم اتّصفوا بالإيمان، والدّعوة للإسلام، وإقامته على وجهه، والذبّ عنه النقصانَ والإضاعة لتحقّق أنّهم لمّا جُعل ذلك من واجبهم، وقد قام كُلّ بما استطاع، فقد تحقّق منهم القيام به، أو قد ظهر منهم العزم على امتثاله، كُلّما سنح سانح يقتضيه، فقد تحقّق أنهم خير أمَّة على الإجمال فأخبر عنهم بذلك.
هذا إذا بنَينا على كون الأمر في قوله آنفًا {ولتكن منكم أمة يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر} [آل عمران: 104] وما بعده من النهي في قوله: {ولا تكونوا كالذين تفرقوا} [آل عمران: 105] الآية، لم يكن حاصلًا عندهم من قبل.
ويجوز أن يكون المعنى: {كنتم خير أمة} موصوفين بتلك الصّفات فيما مضى تفعلونها إمَّا من تلقاء أنفسكم، حرصًا على إقامة الدّين واستحسانًا وتوفيقًا من الله في مصادفتكم لمرضاته ومراده، وإمّا بوجوب سابق حاصل من آيات أخرى مثل قوله: {وتواصوا بالحق} [العصر: 3] وحينئذٍ فلمَّا أمرهم بذلك على سبيل الجزم، أثنى عليهم بأنهم لم يكونوا تاركيه من قبل، وهذا إذا بنَينا على أنّ الأمر في قوله: {ولتكن منكم أمة} [آل عمران: 104] تأكيدًا لما كانوا يفعلونه، وإعلام بأنه واجب، أو بتأكيد وجوبه على الوجوه التي قدّمتها عند قوله: {ولتكن منكم أمة}.
ومن الحيرة التجاء جمع من المفسرين إلى جعل الأخبار عن المخاطبين بكونهم فيما مضى من الزمان أمة بمعنى كونهم كذلك في علم الله تعالى وقَدَره أو ثبوت هذا الكون في اللوح المحفوظ أو جعل كان بمعنى صار.
والمراد بأمَّة عمومُ الأمم كلّها على ما هو المعروف في إضافة أفعل التفضيل إلى النكرة أن تكون للجنس فتفيد الاستغراق. اهـ.

.قال الفخر:

احتج أصحابنا بهذه الآية على أن إجماع الأمة حُجَّة، وتقريره من وجهين:
الأول: قوله تعالى: {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق} [الأعراف: 159] ثم قال في هذه الآية: {كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} فوجب بحكم هذه الآية أن تكون هذه الأمة أفضل من أولئك الذين يهدون بالحق من قوم موسى، وإذا كان هؤلاء أفضل منهم وجب أن تكون هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق إذ لو جاز في هذه الآية أن تحكم بما ليس بحق لامتنع كون هذه الأمة أفضل من الأمة التي تهدي بالحق، لأن المبطل يمتنع أن يكون خيرًا من المحق، فثبت أن هذه الأمة لا تحكم إلا بالحق، وإذا كان كذلك كان إجماعهم حجة.
الوجه الثاني: وهو (أن الألف واللام) في لفظ {المعروف} ولفظ {المنكر} يفيدان الاستغراق، وهذا يقتضي كونهم آمرين بكل معروف، وناهين عن كل منكر ومتى كانوا كذلك كان إجماعهم حقًا وصدقًا لا محالة فكان حجة، والمباحث الكثيرة فيه ذكرناها في الأصول. اهـ.
فصل:
قال الفخر:
قال القفال رحمه الله: أصل الأمة الطائفة المجتمعة على الشيء الواحد فأمة نبينا صلى الله عليه وسلم هم الجماعة الموصوفون بالإيمان به والإقرار بنبوته، وقد يقال لكل من جمعتهم دعوته أنهم أمته إلا أن لفظ الأمة إذا أطلقت وحدها وقع على الأول، ألا ترى أنه إذا قيل أجمعت الأمة على كذا فهم منه الأول وقال عليه الصلاة والسلام: «أمتي لا تجتمع على ضلالة» وروي أنه عليه الصلاة والسلام يقول يوم القيامة: «أمتي أمتي» فلفظ الأمة في هذه المواضع وأشباهها يفهم منه المقرون بنبوته، فأما أهل دعوته فإنه إنما يقال لهم: إنهم أمة الدعوة ولا يطلق عليهم إلا لفظ الأمة بهذا الشرط. اهـ.
وقال الفخر:
قوله تعالى: {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ}.
أما قوله: {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} ففيه قولان الأول: أن المعنى كنتم خير الأمم المخرجة للناس في جميع الأعصار، فقوله: {أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} أي أظهرت للناس حتى تميزت وعرفت وفصل بينها وبين غيرها.
والثاني: أن قوله: {لِلنَّاسِ} من تمام قوله: {كُنتُمْ} والتقدير: كنتم للناس خير أمة، ومنهم من قال: {أُخْرِجَتْ} صلة، والتقدير: كنتم خير أمة للناس. اهـ.

.قال ابن عاشور:

وقوله: {أخرجت للناس} الإخراج مجاز في الإيجاد والإظهار كقوله تعالى: {فأخرج لهم عجلًا جسدًا له خوار} [طه: 88] أي أظهر بصوغه عجلًا جسدًا.
والمعنى: كنتم خير الأمم التي وجدت في عالم الدنيا.
وفاعل {أخرجت} معلوم وهو الله موجد الأمم، والسائق إليها ما به تفاضلها.
والمراد بالناس جميع البشر من أوّل الخليقة. اهـ.
فصل:

.قال القرطبي:

وإذا ثبت بنَصِّ التنزيل أن هذه الأمة خير الأمم؛ فقد روى الأئمّة من حديث عِمران بن حصين عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير الناس قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم...» الحديث. وهذا يدل على أن أوّل هذه الأمة أفضل ممن بعدهم، وإلى هذا ذهب معظم العلماء، وأن من صحب النبيّ صلى الله عليه وسلم ورآه ولو مرّة في عمره أفضل ممن يأتي بعده، وأن فضيلة الصحبة لا يعدِلها عمل.
وذهب أبو عمر بن عبد البِّر إلى أنه قد يكون فيمن يأتي بعد الصحابة أفضل ممن كان في جملة الصحابة، وأن قوله عليه السَّلام: «خير الناس قرني» ليس على عمومه بدليل ما يجمع القرن من الفاضل والمفضول.
وقد جمع قرنه جماعة من المنافقين المظهِرين للإيمان وأهلِ الكبائر الذين أقام عليهم أو على بعضهم الحدود، وقال لهم: ما تقولون في السارق والشارب والزاني.
وقال مُوَاجهةً لمن هو في قرنه: «لا تسبوا أصحابي» وقال لخالد بن الوليد في عمّار: «لا تسب من هوخير منك» وروى أبو أمَامة أن النبيّ صلى الله عليه وسلم قال: «طوبى لمن رآني وآمن بي وطوبى سبع مرّات لمن لم يرني وآمن بي» وفي مسند أبي داود الطيالِسِيّ عن محمد بن أبي حميد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر قال: كنت جالسًا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «أتدرون أي الخلق أفضل إيمانًا» قلنا الملائكة، قال: «وحق لهم بل غيرهم» قلنا الأنبياء.
قال: «وحق لهم بل غيرهم» ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أفضل الخلق إيمانًا قوم في أصلاب الرجال يؤمنون بي ولم يروني يجِدون ورقا فيعملون بما فيها فهم أفضل الخلق إيمانًا».
وروى صالح بن جبير عن أبي جُمْعَة قال: قلنا يا رسول الله، هل أحد خير منا؟ قال: «نعم قوم يجِيئون من بعدكم فيجدون كتابًا بين لوحين فيؤمنون بما فيه ويؤمنون بي ولم يروني» وقال أبو عمر: وأبو جمعة له صحبة واسمه حَبِيب بن سِبَاع، وصالح بن جبير من ثِقَات التابعين.
وروى أبو ثعلبة الخشنِي عن النبيّ صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إن أمامكم أيامًا الصّابر فيها على دينه كالقابض على الجَمْر للعامل فيها أجر خمسين رجلًا يعمل مثل عمله» قيل: يا رسول الله، منهم؟ قال: «بل منكم» قال أبو عمر: وهذه اللفظة «بَل منكُمْ» قد سكت عنها بعض المحدّثين فلم يذكرها.
وقال عمر بن الخطاب في تأويل قوله: {كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ} قال: من فعل مثل فعلِكم كان مثلكم.
ولا تعارض بين الأحاديث؛ لأن الأوّل على الخصوص، والله الموفِّق.
وقد قيل في توجيه أحاديث هذا الباب: إن قرنه إنما فُضِّل لأنهم كانوا غُرَبَاء في إيمانهم لكثرة الكفار وصبرِهم على أذاهم وتمسكهم بدينهم، وإن أواخر هذه الأمّة إذا أقاموا الدِّين وتمسّكوا به وصبروا على طاعة ربهم في حين ظهور الشر والفسق والهَرَج والمعاصي والكبائر كانوا عند ذلك أيضا غُرَبَاء، وزكت أعمالهم في ذلك الوقت كما زَكَتْ أعمال أوائلهم، و(مما) يشهد لهذا قوله عليه السَّلام: «بدأ الإسلام غريبًا وسيعود كما بدأ فطوبى للغرباء» ويشهد له أيضا حديث أبي ثعلبة، ويشهد له أيضا قوله صلى الله عليه وسلم: «أُمَّتي كالمطر لا يُدْرَى أوّلُه خيرٌ أم آخره» ذكره أبو داود الطيالسِيّ وأبو عيسى الترمذي، ورواه هشام بن عبيد الله الرازي عن مالكٍ عن الزهري عن أنس قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مثل أمتي مثل المطرِ لا يُدْرَى أوّله خيرٌ أم آخره» ذكره الدارقطنِي في مسند حديث مالك.
قال أبو عمر: هشام بن عبيد الله ثقةٌ لا يختلفون في ذلك.
وروي أن عمر بن عبد العزيز لما ولي الخلافة كتب إلى سالم بن عبد الله أن اكتب إليّ بسيرة عمر بن الخطاب لأعمل بها؛ فكتب إليه سالم: إن عملت بسيرة عمر؛ فأنت أفضل من عمر لأن زمانك ليس كزمان عمر، ولا رجالك كرجال عمر.
وكتب إلى فقهاء زمانه، فكلُّهم كتب إليه بمثل قول سالم.
وقد عارض بعض الجِلّة من العلماء قوله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس قرنِي» بقوله صلى الله عليه وسلم: «خير الناس من طال عمره وحَسُن عملُه وشرُّ الناس من طال عمره وساء عمله» قال أبو عمر: فهذه الأحاديث تقتضي مع تَوَاتُر طرقها وحسنها التّسْويةَ بين أوّلِ هذه الأمّة وآخرِها.
والمعنى في ذلك ما تقدّم ذكره من الإيمان والعمل الصالح في الزمان الفاسد الذي يرفع فيه من أهل العلم والدين، ويكثر فيه الفسق والهَرَج، ويُذَلّ المؤمنُ ويُعَزُّ الفاجر ويعود الدين غَرِيبًا كما بدا غَرِيبًا ويكون القائمُ فيه كالقابض على الجمر، فيستوي حينئذ أوّل هذه الأمّة بآخرها في فضل العمل إلاَّ أهل بدَرُ والحُديبية، ومن تدبّر آثار هذا الباب بان له الصّواب، والله يؤتي فضله من يشاء. اهـ.