فصل: من فوائد الشعراوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



ثُمَّ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: فَإِنْ قُلْتَ: فَمَا مَعْنَى قوله: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} قُلْتُ: فِيهِ أَوْجُهٌ:
أَحَدُهَا: أَنَّ الصِّرَّ فِي صِفَةِ الرِّيحِ بِمَعْنَى الْبَارِدَةِ فَوَصَفَ بِهَا الْقُرَّةَ بِمَعْنَى فِيهَا قُرَّةُ صِرٍّ كَمَا تَقُولُ بَرْدٌ بَارِدٍ عَلَى الْمُبَالَغَةِ.
وَالثَّانِي: أن يكون الصِّرُّ مَصْدَرًا فِي الْأَصْلِ بِمَعْنَى الْبَرْدِ فَجِيءَ بِهِ عَلَى أَصْلِهِ.
وَالثَّالِثُ: أن يكون مِنْ قوله تعالى: {لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [33: 21] وَمِنْ قَوْلِكَ: إِنْ ضَيَّعَنِي فُلَانٌ فَفِي اللهِ كَافٍ وَكَافِلٌ. قَالَ: وَفِي الرَّحْمَنِ لِلضُّعَفَاءِ كَافِي اهـ. وَنَقَلَ اللِّسَانُ عَنِ ابْنِ الْأَنْبَارِيِّ الْآيَةَ فِي ثَلَاثَةِ أَقْوَالٍ أَحَدُهَا فِيهَا صِرٌّ أَيْ بَرْدٌ، وَالثَّانِي فِيهَا تَصْوِيتٌ وَحَرَكَةٌ. وَنُقِلَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَوْلٌ آخَرُ: فِيهَا صِرٌّ قَالَ: فِيهَا نَارٌ اهـ. يَعْنِي حَرًّا شَدِيدًا، وَهُوَ أَحَدُ قَوْلَيْنِ عَنْهُ. وَمِنْ هُنَا أَخَذَ الْجَلَالُ قَوْلَهُ فِي تَفْسِيرِ الصِّرِّ: حَرٌّ وَبَرْدٌ، وَأَنْكَرَ عَلَيْهِ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ كَلِمَةَ الْحَرِّ، وَقَالَ: أنه لَا يَهْلِكُ الْحَرْثُ بِمُجَرَّدِ إِصَابَتِهِ وَإِنَّمَا يُهْلِكُهُ الْبَرْدُ فَهُوَ الْمُرَادُ حَتْمًا. أَقُولُ: وَقَدِ اخْتُلِفَ فِي مَعْنَى أَصْلِ مَادَّةِ الصِّرِّ هَلْ هُوَ الصَّوْتُ أَوِ الشِّدَّةُ؟ وَالصَّوَابُ أنه الشِّدَّةُ تَكُونُ فِي الصَّوْتِ وَمِنْهُ {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ} [51: 29] كَمَا تَكُونُ فِي الْبَرْدِ، فَالصِّرُّ هُنَا هُوَ الْبَرْدُ الشَّدِيدُ حَتْمًا، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ الَّذِي رَوَاهُ عَنْهُ وَعَنْ غَيْرِهِ ابْنُ جَرِيرٍ، وَلَعَلَّهُمْ أَخَذُوا قَوْلَهُمْ فِيهَا نَارٌ مِنْ إِحْرَاقِ الزَّرْعِ.
أَمَّا الْمَعْنَى فَقَدْ قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّ الرِّيحَ الْمُهْلِكَةَ مِثَالٌ لِلْمَالِ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ فِي لَذَّاتِهِمْ وَجَاهِهِمْ وَنَشْرِ سُمْعَتِهِمْ وَتَأْيِيدِ كَلِمَتِهِمْ فَيَصُدُّهُمْ عَنْ سَبِيلِ اللهِ، وَإِنَّ الْعُقُولَ وَالْأَخْلَاقَ الْحَسَنَةَ الَّتِي هِيَ أَصْلُ جَمِيعِ الْمَنَافِعِ هِيَ مِثَالُ الْحَرْثِ، أَيْ إِنَّ الْمَالَ الَّذِي يُنْفِقُونَهُ فِيمَا ذُكِرَ هُوَ الَّذِي أَفْسَدَ أَخْلَاقَهُمْ وَأَهْلَكَ عُقُولَهُمْ بِمَا صَرَفَهَا عَنِ النَّظَرِ الصَّحِيحِ وَلَفَتَهَا عَنِ التَّفَكُّرِ فِي عَوَاقِبِ الْأُمُورِ، ثُمَّ أَشَارَ إِلَى مَا قَالُوهُ فِي جَعْلِ التَّشْبِيهِ فِي الْمَثَلِ مُرَكَّبًا وَهُوَ أَنَّ حَالَهُمْ فِيمَا يُنْفِقُونَهُ وَإِنْ كَانَ فِي الْخَيْرِ كَحَالِ الرِّيحِ ذَاتِ الصِّرِّ الْمُهْلِكَةِ لِلزَّرْعِ، فَهُمْ لَا يَسْتَفِيدُونَ مِنْ نَفَقَتِهِمْ شَيْئًا. وَمِنَ الْمُفَسِّرِينَ مَنْ جَعَلَ هَذَا فِيمَا يُنْفِقُونَهُ فِي عَدَاوَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمُقَاوَمَةِ دَعْوَتِهِ سَوَاءٌ كَانَ الْمُنْفِقُونَ هُمُ الْيَهُودُ أَوْ أَهْلُ مَكَّةَ، وَمِنْهُمْ مَنْ جَعَلَ ذَلِكَ فِيمَا يُنْفِقُ الْمُنَافِقُونَ رِيَاءً أَوْ تَقِيَّةً، وَقَدْ خَابَ الْفَرِيقَانِ وَخَسِرُوا بِنَصْرِ اللهِ نَبِيَّهُ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَبِفَضِيحَةِ الْمُنَافِقِينَ فِي سُورَةِ (بَرَاءَةَ). وَبَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ يَخُصُّ هَذَا الْإِنْفَاقَ بِمَا يَفْعَلُهُ الْكَافِرُ عَلَى سَبِيلِ الْبِرِّ وَهُوَ لَا يُفِيدُهُ فِي الْآخِرَةِ شَيْئًا، إِذِ الإيمان شَرْطٌ لِقَبُولِ الْأَعْمَالِ وَنَفْعِهَا فِي تِلْكَ الدَّارِ.
أَمَّا وَصْفُ الْقَوْمِ الَّذِينَ أَهْلَكَتِ الرِّيحُ حَرْثَهُمْ بِكَوْنِهِمْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَقَدْ قَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي الْكَشَّافِ مُبَيِّنًا نُكْتَتَهُ مَا نَصُّهُ: فَأُهْلِكُ عُقُوبَةً لَهُمْ لِأَنَّ الأهلاكَ عَنْ سُخْطٍ أَشَدُّ وَأَبْلَغُ وَفِي هَامِشِهِ كَتَبَ بِإِمْلَائِهِ فِي ذَلِكَ: أَنَّ النُّكْتَةَ فِي ذَلِكَ هِيَ إِفَادَةُ أَنَّ أُولَئِكَ الْمُنْفِقِينَ لَا يَسْتَفِيدُونَ شَيْئًا مِنْهُ؛ لِأَنَّ حَرْثَ الْكَافِرِينَ الظَّالِمِينَ هُوَ الَّذِي يَذْهَبُ عَلَى الْكُلِّيَّةِ إِذْ لَا مَنْفَعَةَ لَهُمْ فِيهِ لَا فِي الدُّنْيَا وَلَا فِي الْآخِرَةِ، فَأَمَّا حَرْثُ الْمُسْلِمِ الْمُؤْمِنِ فَلَا يَذْهَبُ عَلَى الْكُلِّيَّةِ لِأَنَّهُ وَإِنْ كَانَ يَذْهَبُ صُورَةً إِلَّا أنه لَا يَذْهَبُ مَعْنًى لِمَا فِيهِ مِنْ حُصُولِ أَغْرَاضٍ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَالثَّوَابِ بِالصَّبْرِ عَلَى الذَّهَابِ. اهـ.
وَأَقُولُ: إِنَّ الْوَصْفَ يُشْعِرُ بِأَنَّ الْجَوَائِحَ قَدْ تَنْزِلُ بِأَمْوَالِ النَّاسِ مِنْ حَرْثٍ وَنَسْلٍ عُقُوبَةً عَلَى ذُنُوبٍ اقْتَرَفُوهَا وَلَكِنَّهُ لَيْسَ نَصًّا فِي ذَلِكَ لِمَا عَلِمْتَ مِنْ تَعْلِيلِ الْكَشَّافِ آنِفًا، وَلَا يُعَارِضُ ذَلِكَ مَا ثَبَتَ مِنَ الْأَسْبَابِ الطَّبِيعِيَّةِ لَهَا لِأَنَّهُ لَا يُسْتَنْكَرُ عَلَى الْبَارِئِ الْحَكِيمِ الَّذِي وَضَعَ سُنَنَ ارْتِبَاطِ الْأَسْبَابِ بِالْمُسَبِّبَاتِ فِي عَالَمِ الْحِسِّ أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَهَا وَبَيْنَ سُنَنِهِ الْخَفِيَّةِ فِي إِقَامَةِ مِيزَانِ الْقِسْطِ فِي الْبَشَرِ لِهِدَايَتِهِمْ إِلَى مَا بِهِ كَمَالُهُمْ مِنْ طَرِيقِ الْعُلُومِ الْحِسِّيَّةِ الَّتِي يَسْتَفِيدُونَهَا مِنَ النَّظَرِ وَالتَّجْرِبَةِ، وَمِنْ طَرِيقِ الإيمان بِالْغَيْبِ الَّذِي يُرْشِدُ إِلَيْهِ الْوَحْيُ الْإِلَهِيُّ، وَيُسَمَّى مَا تَرَتَّبَ عَلَيْهِ حُدُوثُ الشَّيْءِ سَبَبًا لَهُ وَمَا قَارَنَ الْمُسَبِّبَ مِنْ نَفْعِ الْعِبَادِ وَضُرِّ بَعْضِهِمْ بِهِ حِكْمَةً لَهُ، وَكُلٌّ مِنْ سَبَبِ الشَّيْءِ وَحِكْمَتِهِ أَوْ حُكْمِهِ مَقْصُودٌ لِلْخَالِقِ الْحَكِيمِ.
رَأَيْنَا فِي مَذْهَبِ (دَارْوِنَ) الْعَالِمِ الطَّبِيعِيِّ الشَّهِيرِ أَنَّ الْحِكْمَةَ فِي أَلْوَانِ الثِّمَارِ كَالْمِشْمِشِ وَالْخَوْخِ وَالْبُرْقُوقِ هِيَ إِغْرَاءُ أَكَلَتِهَا مِنَ الطَّيْرِ وَالنَّاسِ بِهَا لِتَأْكُلَهَا فَيَسْقُطُ عَجَمُهَا عَلَى الْأَرْضِ لِيَنْبُتَ فِيهَا بِسُهُولَةٍ فَيَحْفَظَ نَوْعَهُ بِتَجَدُّدِ النَّسْلِ أَوْ مَا هَذَا حَاصِلُهُ. وَمِنَ الْمَعْلُومِ بِالضَّرُورَةِ أَنَّ لِتِلْكَ الْأَلْوَانِ أَسْبَابًا طَبِيعِيَّةً تَتَعَلَّقُ بِاسْتِعْدَادِ نَبَاتِهَا وَتَأْثِيرِ النُّورِ فِيهِ. فَهَلَّا تُسْتَنْكَرُ عَلَى حِكْمَةِ مَنْ وَفَّقَ بَيْنَ أَسْبَابِ تِلْكَ الْأَلْوَانِ ذَاتِ الْبَهْجَةِ فِي الثِّمَارِ وَبَيْنَ مَصْلَحَةِ الطَّيْرِ بِهِدَايَتِهِ إِلَيْهَا وَحِفْظِ النِّظَامِ الْعَامِّ بِبَقَاءِ أَنْوَاعِهَا أَنْ يُوَفِّقَ بَيْنَ أَسْبَابِ إِرْسَالِ الْعَوَاصِفِ وَالْأَعَاصِيرِ وَبَيْنَ عُقُوبَةِ الظَّالِمِينَ مِنَ الْبَشَرِ لِيَكُونَ لَهُمْ زَاجِرَانِ عَنِ الذُّنُوبِ، أَحَدُهُمَا: حَذَرُ آثَارِهَا الطَّبِيعِيَّةِ الضَّارَّةِ بِهِمْ فَإِنَّ لِكُلِّ ذَنْبٍ ضَرَرًا لِأَجْلِهِ كَانَ مُحَرَّمًا، إِذْ لَا يُحَرِّمُ اللهُ عَلَى عِبَادِهِ شَيْئًا لِإِعَانَتِهِمْ. وَثَانِيهِمَا: مَا يَتَخَوَّفُ الْمُؤْمِنُ مِنْ إِصَابَةِ الْعُقُوبَاتِ الْآفَاقِيَّةِ إِيَّاهُ بِذَهَابِ الْجَوَائِحِ بِمَالِهِ إِذَا هُوَ بَغَى وَظَلَمَ؟.
وَمِنْ هَذَا الْقَبِيلِ: مَا سَأَلَنِي عَنْهُ غَيْرُ وَاحِدٍ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْبَحْثِ، وَهُوَ مَا مَعْنَى جَعْلِ الشُّهُبِ رُجُومًا لِلشَّيَاطِينِ وَمَنْعِهَا إِيَّاهُمْ مِنِ اسْتِرَاقِ السَّمْعِ لِمَعْرِفَةِ الْوَحْيِ مِنَ الْمَلَائِكَةِ مَعَ الْعِلْمِ بِأَنَّ لِلشُّهُبِ أَسْبَابًا طَبِيعِيَّةً؟ وَجَوَابُهُ: أَنَّ الْحَكِيمَ الْخَبِيرَ- الَّذِي يُوَفِّقُ أَقْدَارًا لِأَقْدَارٍ فَيَجْمَعُ بَيْنَ السَّبَبِ وَمُسَبِّبِهِ وَبَيْنَ أُمُورٍ أُخْرَى تَسُوقُهَا أَسْبَابٌ خَاصَّةٌ بِهَا لِحِكْمَةٍ وَرَاءَ تِلْكَ الْأَسْبَابِ- هُوَ الَّذِي جَعَلَ لِهَذِهِ الظَّاهِرَةِ الطَّبِيعِيَّةِ تِلْكَ الْحِكْمَةَ الْغَيْبِيَّةَ الَّتِي بَيَّنَهَا الْوَحْيُ وَنَطَقَ بِهَا الذِّكْرُ، وَمِثْلُهَا فِي عَالِمِ الطَّبِيعَةِ كَثِيرٌ، وَلَعَلَّ لِبَعْضِ الْمَادِّيَّاتِ تَأْثِيرًا فِي الْأَرْوَاحِ الْغَيْبِيَّةِ كَتَأْثِيرِهَا فِي أَرْوَاحِنَا {وَمَا أُوتِيتُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِيلًا} [17: 85] أَكْتَفِي هُنَا بِهَذَا التَّنْبِيهِ إِلَى هَذِهِ الْمَسْأَلَةِ الَّتِي لَمْ أَرَ فِي كِتَابٍ وَلَمْ أَسْمَعْ مِنْ لِسَانِ أَحَدٍ قَوْلًا فِيهَا وَإِنَّ لَهَا لِمَوَاضِعَ أُخْرَى مِنَ التَّفْسِيرِ كَقوله تعالى: {وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ} [42: 30] وَسَنَعْقِدُ لَهَا فَصْلًا فِي الْمُقَدِّمَةِ، وَهُنَالِكَ نُجِيبُ عَمَّا يَرِدُ عَلَيْهَا مِنَ الشُّبُهَاتِ.
قال تعالى: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ} يَعْنِي أُولَئِكَ الَّذِينَ أَهْلَكَتِ الرِّيحُ ذَاتُ الصِّرِّ حَرْثَهُمْ وَذَلِكَ أَنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ كَانُوا ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ كَمَا تَقَدَّمَ، فَكَانَ هَلَاكُ زَرْعِهِمْ عُقُوبَةً لَهُمْ لَا إِيذَاءً آنِفًا، وَعَلَى هَذَا يَكُونُ قوله: {وَلَكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} تَأْكِيدًا ذَاهِبًا بِكُلِّ شُبْهَةٍ. وَالظَّاهِرُ الْمُخْتَارُ أَنَّ الضَّمِيرَ فِي قوله: {وَمَا ظَلَمَهُمُ اللهُ} لِلْمُنْفِقِينَ الَّذِينَ ضُرِبَ الْمَثَلُ لِبَيَانِ حَالِهِمْ، فَهُمُ الْمَقْصُودُونَ بِالذَّاتِ. وَالْمَعْنَى مَا ظَلَمَهُمُ اللهُ بِأَنْ لَمْ يَنْفَعْهُمْ بِنَفَقَاتِهِمْ بَلْ هُمْ هُمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَحْدَهَا دُونَ غَيْرِهَا بِإِنْفَاقِ تِلْكَ الْأَمْوَالِ فِي الطُّرُقِ الَّتِي تُؤَدِّي إِلَى الْخَيْبَةِ وَالْخُسْرَانِ بِحَسَبِ سُنَّةِ اللهِ فِي أَعْمَالِ الْإِنْسَانِ.
أَمَّا كَوْنُهُمْ يَظْلِمُونَ أَنْفُسَهُمْ دُونَ غَيْرِهَا أَوْ دُونَ أَنْ يَظْلِمَهُمْ أَحَدٌ- كَمَا تَقَدَّمَ أَخْذًا مِنْ تَقْدِيمِ أَنْفُسَهُمْ عَلَى عَامِلِهِ- فَهُوَ ظَاهِرٌ عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِيمَا كَانَ يُنْفِقُهُ أَهْلُ مَكَّةَ كُلُّهُمْ أَوْ بَعْضُهُمْ أَوِ الْيَهُودُ فِي عَدَاوَةِ النَّبِيِّ صلى الله عليه وسلم وَمُقَاوَمَتِهِ، إِذْ كَانُوا هُمُ الَّذِينَ اخْتَارُوا ذَلِكَ لِأَنْفُسِهِمْ وَلَمْ يَضُرُّوهُ صلى الله عليه وسلم وَمَنْ مَعَهُ بِهِ، بَلْ كَانُوا سَبَبَ سِيَادَتِهِ عَلَيْهِمْ وَتَمَكُّنِهِ مِنْهُمْ، وَظَاهِرٌ أيضا عَلَى الْقَوْلِ بِأَنَّ الْمُرَادَ بِتِلْكَ النَّفَقَاتِ مَا كَانَ يَضَعُهُ الْمُنَافِقُونَ فِي بَعْضِ طُرُقِ الْبِرِّ رِيَاءً وَسُمْعَةً أَوْ تَقِيَّةً، مِنْ حَيْثُ إِنَّهَا لَا يُنْتَفَعُ بِهَا فِي الْآخِرَةِ، وَيَقُولُونَ مِثْلَ هَذَا فِي الْكَافِرِ الَّذِي يُنْفِقُ فِي طُرُقِ الْبِرِّ حُبًّا فِي الْبِرِّ وَرَغْبَةً فِي الْخَيْرِ، فَإِنَّهُ- وَإِنْ كَانَ أَحْسَنَ حَالًا مِنَ الْمُرَائِي- لَا تُفِيدُهُ نَفَقَتُهُ فِي الْآخِرَةِ لِأَنَّ شَرْطَهَا الإيمان، وَقَدْ ظَلَمَ نَفْسَهُ بِتَرْكِ النَّظَرِ فِي الْآيَاتِ وَالْبَيِّنَاتِ عَلَيْهِ بَعْدَمَا ظَهَرَتْ لَهُ، أَوْ بِالْجُحُودِ بَعْدَ النَّظَرِ وَنُهُوضِ الْحُجَّةِ، وَإِنَّمَا يَعْنُونَ بِقَوْلِهِمْ: إِنَّ نَفَقَتَهُ لَا تُفِيدُهُ فِي الْآخِرَةِ أَنَّهَا لَا تَجْعَلُهُ مِنْ أَهْلِ الْجَنَّةِ. وَلَا يُوجَدُ عَاقِلٌ قَطُّ يَقُولُ: إِنَّ الْكَافِرِينَ فِي الْآخِرَةِ كُلُّهُمْ سَوَاءٌ لَا فَرْقَ بَيْنَ الْمُحْسِنِ عَمَلًا وَالْمُسِيءِ، وَبَيْنَ فَاعِلِ الْخَيْرِ وَمُقْتَرِفِ الْإِثْمِ. وَسَنَعُودُ إِلَى هَذَا الْبَحْثِ فِي مَوَاضِعَ أُخْرَى. اهـ.

.من فوائد الشعراوي:

قال رحمه الله:
{مَثَلُ مَا يُنْفِقُونَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ}.
إن الحق يصف ما ينفقه هؤلاء الكافرون في أثناء الحياة الدنيا وهم بعيدون عن منهج الله أنه سبحانه يشبهه بريح فيها صر، أي شدة، فمادة الصاد والراء تدل على الشدة والضجة والصخب، ومثال ذلك ما قاله الحق عن إمرأة إبراهيم: {فَأَقْبَلَتِ امْرَأَتُهُ فِي صَرَّةٍ فَصَكَّتْ وَجْهَهَا وَقَالَتْ عَجُوزٌ عَقِيمٌ} [الذاريات: 29].
إنها أتت وجاءت بضجيج؛ لأنها عجوز وعقيم ويستحيل عادة أن تلد. ومثل قوله الحق: {وَأَمَا عَادٌ فَأُهْلِكُواْ بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عَاتِيَةٍ} [الحاقة: 6].
والريح الصرصر هي التي تحمل الصقيع ولها صوت مسموع.
وقوله الحق: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ} أي أن الريح جعلت البرد شائعا وشديدا، فالبرد قد يكون في منطقة لا ريح فيها، ويظل باقيا في منطقته تلك، وعندما تأتي الريح فإنها تنقل هذا البرد من مكان إلى مكان آخر، فتتسع دائرة الضرر به. وماذا تفعل الريح التي فيها شِدة برد؟ إنها تفعل الكوارث، ويقول عنها الحق: {أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ} وساعة نسمع كلمة {حرث} فنحن نعرف أنه الزرع، وقد سماه الله حرثًا، ليعرف الإنسان أنه إن لم يحرث فلن يحصد، يقول الحق: {أَفَرَأَيْتُم مَّا تَحْرُثُونَ أَأَنتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ لَوْ نَشَاءُ لَجَعَلْنَاهُ حُطَامًا فَظَلْتُمْ تَفَكَّهُونَ} [الواقعة: 63- 65].
كأن الريح العارمة تفسد الحرث، وهو العملية اللازمة للإنبات؛ فالحرث إثارة للأرض، أي جعل الأرض هشة لتنمو فيها الجذور البسيطة، وتقوى على اختراقها، وأخذ الغذاء منها، وهذه الجذور تستطيع- أيضا- من خلال هشاشة الأرض المحروثة أن تأخذ الهواء اللازم للإنبات.
إن الحق سبحانه يريد أن يضرب لنا المثل وهو عن جماعة غير مؤمنين أنفقوا أموالهم في الخير، لكن ذلك لا ينفعهم ولا جدوى منه. مصداقا لقوله تعالى: {كَمَثَلِ رِيحٍ فِيهَا صِرٌّ أَصَابَتْ حَرْثَ قَوْمٍ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَأَهْلَكَتْهُ وَمَا ظَلَمَهُمُ الله وَلَاكِنْ أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} وهكذا يكون مصير الإنفاق على نية غير مؤمنة، كهيئة الحرث الذي هبت عليه ريح فيها صوت شديد مصحوب ببرد، فالصر فيه الشدة والبرودة والعنف، وحاتم الطائي كريم العرب يقول لعبده:
أوقد؛ فإن الليل ليل قر ** والريح يا غلام ريح صر

عَلَّ يرى نارك من يمر ** إن جلبت ضيفا فأنت حر

إن هذا الرجل الكريم يطلق سراح العبد إذا ما هدى ضيفاّ إلى منزل حاتم الطائي. والليل القر: هو الليل الشديد البرودة. والريح الصر: هي الريح الشديدة المصحوبة بالبرد. ونعرف في قُرَاَنا أن الصقيع ينزل على بعض المزروعات، فيتلفها. ونلاحظ هنا أن الحق سبحانه قد جاء بهذه الآية الكريمة بعد أن أوضح لنا في الآية السابقة عليها أن الذين كفروا لن تغني عنهم أموالهم ولا أولادهم شيئا ومصيرهم النار، وهو سبحانه يدفع أي شبهة تطرأ على السامع، وهي أن هذه الأموال التي أنفقها الكافرون لعمل الخير، لن تغني عنهم شيئا في الآخرة؛ لأنهم لا يملكونها.
لماذا؟
لأن العمل إنما يراد للثواب عليه، والنية دائما هي التي تحدد الهدف من كل حركة.. فهل كان في نية الكفار حين أنفقوا أموالهم في الخير الذي يعلمه الناس كالمساعدات، وتفريج الكرب، وإنشاء المستشفيات هل كان في بال هؤلاء الكفار رَبُّ هذه النعم، أو كانوا يعملونها طمعا في جاه الدنيا، وتقدير التاريخ وذكر الإنسانية؟
لا شك أنهم كانوا يعملونها للجاه، أو للتاريخ، أو للإنسانية؛ لأنهم لا يؤمنون بما وراء ذلك، فهم لا يؤمنون بوجود إله، ولا يؤمنون بوجود يوم آخر يُحَاسبون فيه على ما قدموا. وقلنا من قبل: إن الذي يعمل عملا فليطلب أجره ممن عمل له، وما داموا قد عملوا للدنيا وذكرها، وجاهها، والفخر فيها، فقد أعطتهم الدنيا كل شيء.
الحق سبحانه وتعالى يضرب لنا مثلا، وهو الذي يضرب الأمثال للناس لعلهم يتذكرون. ومعنى المثل: أن يأتي إلى أمر معنوي قد يغيب عن بعض العقول فهمه، فيشخصه ويمثله بأمر حسي يعرفه الجميع، ونحن نعرف أن المحسات هي أصل المعنويات في الفهم. ونعرف أن الطفل أول ما تتفتح إدراكاته يدرك الشيء المحس أولا، ثم بعد ذلك يكوّن من المحسات المعقولات.
فالطفل- على سبيل المثال- يرى نارا فيمسكها فتحرقه، فيتكون عند الطفل اقتناع بأن النار محرقة. ويشرب الطفل عسلا، فيجده حلوا، فيتكون عنده اقتناع بأن العسل حلو الطعم، ويأكل الطفل شيئا مرا كالحنظل، فتتكون عنده قضية معلومة وهي أن هذا الشيء مر الطعم، فكل المعلومات التي يعرفها الإنسان بوسائل إدراكه المتعددة إنما تأتي من الأمور المحسة أولا.
والأمور المحسة- كما علمنا- وسائلها الحواس الخمس الظاهرة، وهي: العين لترى، والأذن لتسمع، والأنف ليشم، واللسان ليذوق، والأنامل لتلمس، وهكذا نعرف أن كل حاسة ظاهرة لها غاية في الإدراك. والإنسان يتمتع بحواس أخرى ندرك أعمالها، ولكنا لا ندرك أجهزتها أو آلاتها.
مثال ذلك: حاسة البعد وهي أن يعرف الإنسان هل الشيء الذي يراه قريب منه أو بعيد عنه؟ وكذلك حاسة الثقل فيحمل الإنسان الشيء فيعرف مدى ثقله، أنه يدرك ذلك الثقل بحاسة غير الحواس الخمس الظاهرة، هذه الحاسة هي حاسة الثقل يكتشف بها الإنسان أن شيئا أثقل من شيء آخر؛ ذلك أن العضلات التي تحمل الشيء تعرف قدر الجهد المبذول في الحمل. وهناك حاسة أخرى غير ظاهرة هي حاسة البَين فيمسك الإنسان القماش بأنامله ليعرف هل سمك هذا القماش أكبر من سمك قماش آخر؟ ولمعرفة سمك الشيء لابد أن يكون واقعا بين لامسين.
إذن فهناك حواس كثيرة تربي المعاني عندنا؛ فكل الإدراكات بنت الحس، ولذلك يقول الحق سبحانه وتعالى: {وَالله أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لاَ تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ الْسَّمْعَ وَالأَبْصَارَ وَالأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ} [النحل: 78].
هذه هي الوسائل للإدراك، وقد أورد سبحانه السمع والأبصار أولا لأنهما الوسيلتان الأساسيتان، وأورد من بعد ذلك الأفئدة وهي المختصة بالمعاني والقلبيات وغيرها، فإذا أراد الله أن يضرب مثلا في أمر معنوي قد تختلف فيه العقول فهو سبحانه يأتي بأمر حسيّ تتفق فيه الحواس. ونعلم أن في اللغة أمرا اسمه التشبيه، فعندما يجهل إنسان شيئا يقول لمعلمه: شبه لي الأمر الذي أجهله بأمر أعرفه. والإنسان منا قد يسأل صاحبه: أتعرف فلانا؟ فيقول الصاحب: لا أعرفه، فيقول الإنسان منا لصاحبه: إن فلانا الذي لا تعرفه يساوي فلانا في الطول، ويساوي فلانا في اللون. وهكذا ينتقل الإنسان من أمر لا يعرفه إلى أمر يعرفه. والحق سبحانه يضرب لنا المثل بالأمور الحسية، لنفهم الأمور المعنوية، والله يوضح لنا أن الذين كفروا ساعة تكون لهم آلهة متعددة فملكاتهم تصاب بالاضطراب يقول سبحانه: {ضَرَبَ الله مَثَلًا رَّجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا الْحَمْدُ للَّهِ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لاَ يَعْلَمُونَ} [الزمر: 29].
إنه سبحانه يوضح لنا بالمثل الواضح مصير وحال رجل مملوك لعدد من الشركاء، والشركاء الذين يملكون هذا العبد ليسوا متفقين، بل بينهم نزاع وشقاق، وبطبيعة الحال لابد أن يكون هذا العبد مرهقا، وهكذا تكون قضية الشرك بالله، إن العبد في مثل هذه الحالة يكون مُشتّتًا وموزع النفس بين الذين يملكونه وهم متشاكسون، أما قضية التوحيد فالحق يشبهها بالقول: {وَرَجُلًا سَلَمًا لِّرَجُلٍ}.
وهكذا ينقلنا الحق سبحانه- رحمة بنا- من المعنى العقدي العالي إلى معنى محس من الجميع، لنرى أن الرجل المملوك لسيد واحد يتلقى أوامره من واحد فقط، وكذلك يريد الله في هذه الآية أن يضرب مثلا لمن ينفق شيئا على غير نية إرضاء الله في طاعته، فمهما أنفق هذا الإنسان فإن إنفاقه حابط. ونحن عندما نقرأ أمثال القرآن الكريم علينا ألا نأخذ جزئية فقط، لا، لكن يجب أن نأخذ الجملة كلها لنفهم المثل كله كصورة مؤتلفة مثلما ضرب الله لنا مثلا بالشركاء المتشاكسين الذين يملكون رجلا، فعلينا إذن ألاّ نأخذ المثل بحرفيته، ولكن نأخذ الأمر بمجموع المثل. مثال آخر، يقول الحق سبحانه: {وَاضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ فَاخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ الأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيمًا تَذْرُوهُ الرِّياحُ وَكَانَ الله عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِرًا} [الكهف: 45].