فصل: وجوه الإعراب:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.وجوه الإعراب:

أولًا: {بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ} الجار والمجرور في: {بِسمِ الله} اختلف فيه النحويون على وجهين:
أ- مذهب البصريين: أنه في موضع رفع، لأنه خبر مبتدأ محذوف، وتقديره: ابتدائي بسم الله.
ب- مذهب الكوفيين: أنه في موضع نصب بفعل مقدّر وتقديره: ابتدأتُ بسم الله.
ثانيًا: قوله تعالى: {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين} الحمدُ مبتدأ ولفظ الجلالة خبره تقديره: الحمد مستحق لله، و: {رَبِّ العالمين} صفة، ومثله: {الرحمن الرحيم} و: {مالك يَوْمِ الدين} كلها صفات لاسم الجلالة.
ثالثًا: قوله تعالى: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ} اختلف المفسّرون في: {إِيَّاكَ} فذهب المحققون إلى أنه ضمير منفصل منصوب بالفعل بعده وأصله نعبدك ونستعينك فلما قُدّم الضمير المتصل أصبح ضميرًا منفصلًا، والكاف للخطاب ولا موضع لها من الإعراب.
وذهب آخرون إلى أنه ضمير مضاف إلى ما بعده، ولا يعلم ضمير أضيف إلى غيره.
قال أبو السعود: وما ادّعاه الخليل من الإضافة، محتجًا عليه بما حكاه عن بعض العرب: إذا بلغ الرجل الستين فإيّاه وإيّا الشوابّ، فممّا لا يعوّل عليه. وذكر ابن الأنباري وجوهًا عديدة ثمّ قال: والذي اختاره الأول، وقد بيّنا ذلك مستوفى في كتابنا الموسوم بالإنصاف في مسائل الخلاف.
رابعًا: قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ} {اهدنا} فعل دعاء وهو يتعدى إلى مفعولين المفعول الأول هو ضمير الجماعة نفي إهدنا، و: {الصراط} هو المفعول الثاني، و: {المستقيم} صفة للصراط، و: {صِرَاطَ} بدل من الصراط الأول.
خامسًا: آمين: اسم فعل أمر بمعنى استجب.

.الأحكام الشرعية:

.الحكم الأول: هل البسملة آية من القرآن؟

أجمع العلماء على أن البسملة الواردة في سورة النمل [30] هي جزء من آية في قوله تعالى: {إِنَّهُ مِن سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ الله الرحمن الرحيم} ولكنهم اختلفوا هل هي آية من الفاتحة، ومن أول كل سورة أم لا؟ على أقوال عديدة:
الأول: هي آية من الفاتحة، ومن كل سورة، وهو مذهب الشافعي رحمه الله.
الثاني: ليست آية لا من الفاتحة، ولا من شيء من سور القرآن، وهو مذهب مالك رحمه الله.
الثالث: هي آية تامة من القرآن أُنزلت للفصل بين السور، وليست آية من الفاتحة وهو مذهب أبو حنيفة رحمه الله.
دليل الشافعية:
استدل الشافعية على مذهبهم بعدة أدلة نوجزها فيما يلي:
أولًا: حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إذا قرأتم {الحمد لله رب العالمين}، فاقرؤوا {بسم الله الرحمن الرحيم}، إنها أمّ القرآن، وأمّ الكتاب، والسبعُ المثاني، و{بسم الله الرحمن الرحيم} أحدُ آياتها».
ثانيًا: حديث ابن عباس رضي الله عنهما أنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفتتح الصلاة ب {بسم الله الرحمن الرحيم}.
ثالثًا: حديث أنس رضي الله عنه أنه سئل عن قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: كانت قراءته مدًّا.. ثمّ قرأ: {بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين الرحمن الرحيم مالك يَوْمِ الدين}.
رابعًا: حديث أنس رضي الله عنه أنه قال: بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاؤة، ثمّ رفع رأسه متبسّمًا، فقلنا ما أضحكك يا رسول الله؟ قال: «نزلت عليّ آنفًا سورة، فقرأ: {بِسمِ الله الرحمن الرَّحِيمِ إِنَّآ أَعْطَيْنَاكَ الكوثر فَصَلِّ لِرَبِّكَ وانحر إِنَّ شَانِئَكَ هُوَ الأبتر}» [الكوثر: 1-3].
قالوا: فهذا الحديث يدل على أن البسملة آية من كل سورة من سور القرآن أيضًا، بدليل أن الرسول صلى الله عليه وسلم قرأها في سورة الكوثر.
خامسًا: واستدلوا أيضًا بدليل معقول، وهو أن المصحف الإمام كُتبت فيه البسملة في أول الفاتحة، وفي أول كل سورة من سور القرآن، ما عدا سورة براءة، وكتبت كذلك في مصاحف الأمصار المنقولة عنه، وتواتر ذلك مع العلم بأنهم كانوا لا يكتبون في المصحف ما ليس من القرآن، وكانوا يتشدّدون في ذلك، حتى إنهم منعوا من كتابة التعشير، ومن أسماء السّور، ومن الإعجام، وما وُجِد من ذلك أخيرًا فقد كتب بغير خطّ المصحف، وبمداد غير المداد، حفظًا للقرآن أن يتسرّب إليه ما ليس منه، فلما وجدت البسملة في سورة الفاتحة، وفي أوائل السور دلّ على أنه آية من كل سورة من سور القرآن.
دليل المالكية:
واستدل المالكية على أن البسملة ليست آية من الفاتحة، ولا من القرآن وإنما هي للتبرك بأدلة نوجزها فيما يلي:
أولًا: حديث عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير، والقراءة ب {الحمد لله ربِّ العالمين}.
ثانيًا: حديث أنس كما في الصحيحين قال: صلّيتُ خلف النبي صلى الله عليه وسلم وأبي بكر، وعمر، وعثمان، فكانوا يستفتحون ب {الحمد لله رب العالمين}. وفي رواية لمسلم: «لا يذكرون: {بسم الله الرحمن الرحيم} لا في أول قراءة ولا في آخرها».
ثالثًا: ومن الدليل أنها ليست آية من الفاتحة حديث أبي هريرة قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: قال الله عزّ وجل: «قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين، ولعبدي ما سأل. فإذا قال العبد: {الحمد للَّهِ رَبِّ العالمين}. قال الله تعالى: حمدني عبدي. وإذا قال العبد: {الرحمن الرحيم}. قال الله تعالى: أثنى عليّ عبدي. وإذا قال العبد: {مالك يَوْمِ الدين}. قال الله تعالى: مجدّني عبدي- وقال مرة فوّض إليّ عبدي-. فإذا قال: {إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ}. قال: هذا بيني وبين عبدي، ولعبدي ما سأل. فإذا قال: {اهدنا الصراط المستقيم صِرَاطَ الذين أَنْعَمْتَ عَلَيْهِمْ غَيْرِ المغضوب عَلَيْهِم وَلاَ الضآلين}. قال: هذا لعبدي ولعبدي ما سأل».
قالوا: فقوله سبحانه: «قسمت الصلاة» يريد الفاتحة، وسمّاها صلاة لأن الصلاة لا تصح إلا بها، فلو كانت البسملة آية من الفاتحة لذكرت في الحديث القدسي.
رابعًا: لو كانت البسملة من الفاتحة لكان هناك تكرار في: {الرحمن الرحيم} في وصفين وأصبحت السورة كالآتي: {بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم} وذلك مخلّ ببلاغة النظم الجليل.
خامسًا: كتابتها في أوائل السور إنما هو للتبرك، ولامتثال الأمر بطلبها والبدء بها في أوائل الأمور، وهي وإن تواتر كتبُها في أوائل السور، فلم يتواتر كونها قرآنًا فيها.
قال القرطبي: الصحيحُ من هذه الأقوال قول مالك، لأن القرآن لا يثبت بأخبار الآحاد وإنما طريقهُ التواتر القطعي الذي لا يختلف فيه.
قال ابن العربي: ويكفيك أنها ليست من القرآن اختلاف الناس فيها، والقرآن لا يختلف فيه. والأخبار الصحاح التي لا مطعن فيها دالة على أن البسملة ليست بآية من الفاتحة ولا غيرها إلاَّ في النمل وحدها.
ثم قال: إنّ مذهبنا يترجّح في ذلك بوجه عظيم وهو المعقول، وذلك أن مسجد النبي صلى الله عليه وسلم بالمدينة انقضت عليه العصور، ومرّت عليه الأزمنة، والدهور من لدن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى زمان مالك، ولم يقرأ أحد فيه قطّ {بسم الله الرحمن الرحيم} اتّباعًا للسُنّة، وهذا يردّ ما ذكرتموه، بيد أن أصحابنا استحبوا قراءتها في النفل، وعليه تُحمل الآثار الواردة في قراءتها أو على السعة في ذلك.
دليل الحنفية:
وأما الحنفية: فقد رأوا أنّ كتابتها في المصحف يدل على أنها قرآن ولكن لا يدل على أنها آية من سورة، والأحاديث الواردة التي تدل على عدم قراءتها جهرًا في الصلاة مع الفاتحة تدل على أنها ليست من الفاتحة، فحكموا بأنها آية من القرآن تامة- في غير سورة النمل- أنزلت للفصل بين السور.
ومما يؤيد مذهبهم: ما روي عن الصحابة أنهم قالوا: كنا لا نعرف انقضاء السور حتى تنزل: {بسم الله الرحمن الرحيم} وكذلك ما روي عن ابن عباس رضي الله عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السورة حتى ينزل عليه {بسم الله الرحمن الرحيم}.
قال الإمام أبو بكر الرازي: وقد اختلف في أنها آية من فاتحة الكتاب أم لا، فعدّها قرّاء الكوفة آية منها، ولم يعدّها قرّاء البصريين، وقال الشافعي: هي آية منها وإنْ تركها أعاد الصلاة، وحكى شيخنا أبو الحسن الكرخي عدم الجهر بها، ولأنها إذا لم تكن من فاتحة الكتاب فكذلك حكمها في غيرها، وزعم الشافعي أنها آية من كل سورة، وما سبقه إلى هذا القول أحد، لأن الخلاف بين السلف إنما هو في أنها آية من فاتحة الكتاب أو ليست بآية منها، ولم يعدّها أحد آية من سائر السور.
ثم قال: ومما يدل على أنها ليست من أوائل السور، ما روي عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: «سورة في القرآن ثلاثون آية شفعت لصاحبها حتى غفر له: {تَبَارَكَ الذي بِيَدِهِ الملك} [الملك: 1]» واتفق القرّاء وغيرهم أنها ثلاثون سوى {بسم الله الرحمن الرحيم} فلو كانت منها كانت إحدى وثلاثين وذلك خلاف قول النبي صلى الله عليه وسلم. ويدل عليه أيضًا اتفاق جميع قرّاء الأمصار وفقهائهم على أن سورة الكوثر ثلاث آيات، وسورة الإخلاص أربع آيات، فلو كانت منها لكانت أكثر ممّا عدّوا.
الترجيح:
وبعد استعراض الأدلة وما استدل به كل فريق من أئمة المذاهب نقول: لعلّ ما ذهب إليه الحنفية هو الأرجح من الأقوال، فهو المذهب الوسط بين القولين المتعارضين، فالشافعية يقولون إنها آية من الفاتحة ومن أول كل سورة في القرآن، والمالكية يقولون: ليست بآية لا من الفاتحة ولا من القرآن: {وَلِكُلٍّ وِجْهَة هُوَ مُوَلِّيهَا} [البقرة: 148] ولكنْ إذا أمعنا النظر وجدنا أن كتابتها في المصحف، وتواتر ذلك بدون نكير من أحد- مع العلم بأنّ الصحابة كانوا يجرّدون المصحف من كل ما ليس قرآنًا- يدلّ على أنها قرآن، لكن لا يدل على أنها آية من كل سورة، أو آية من سورة الفاتحة بالذات، وإنما هي آية من القرآن وردت للفصل بين السور، وهذا ما أشار إليه حديث ابن عباس السابق إنّ رسول الله صلى الله عليه وسلم كان لا يعرف فصل السور حتى ينزل عليه: {بسم الله الرحمن الرحيم} ويؤكد أنها ليست من أوائل السور أن القرآن نزل على مناهج العرب في الكلام، والعربُ كانت ترى التفنّن من البلاغة، لاسيما في افتتاحاتها، فلو كانت آية من كل سورة لكان ابتداء كلّ السور على منهاجٍ واحد، وهذا يخالف روعة البيان في معجزة القرآن.
وقول المالكية: لم يتواتر كونها قرآنًا فليست بقرآن غير ظاهر- كما يقول الجصّاص- إذ ليس بلازم أن يقال في كل آية إنها قرآن وتواتر ذلك، بل يكفي أن يأمر الرسول صلى الله عليه وسلم بكتابتها ويتواتر ذلك عنه صلى الله عليه وسلم، وقد اتفقت الأمة على أن جميع ما في المصحف من القرآن، فتكون البسملة آية مستقلة من القرآن كرّرت في هذه المواضع على حسب ما يكتب في أوائل الكتب على جهة التبرك باسم الله تعالى، وهذا ما تطمئن إليه النفس وترتاح، وهو القول الذي يجمع بين النصوص الواردة والله أعلم.

.الحكم الثاني: ما هو حكم قراءة البسملة في الصلاة؟

اختلف الفقهاء في قراءة البسملة في الصلاة على أقوال عديدة:
أ- فذهب مالك رحمه الله: إلى منع قراءتها في الصلاة المكتوبة، جهرًا كانت أو سرًّا، لا في استفتاح أم القرآن، ولا في غيرها من السور، وأجاز قراءتها في النافلة.
ب- وذهب أبو حنيفة رحمه الله: إلى أن المصلي يقرؤها سرًا مع الفاتحة في كل ركعة من ركعات الصلاة، وإن قرأها مع كل سورة فحسن.
ج- وقال الشافعي رحمه الله: يقرؤها المصلي وجوبًا. في الجهر جهرًا، وفي السرّ سرًا.
د- وقال أحمد بن حنبل رضي الله عنه: يقرؤها سرًّا ولا يسنّ الجهر بها.
وسبب الخلاف: هو اختلافهم في: {بسم الله الرحمن الرحيم} هل هي آية من الفاتحة ومن أول كل سورة أم لا؟ وقد تقدم الكلام على ذلك في الحكم الأول.
وشيء آخر: هو اختلاف آراء السلف في هذا الباب.
قال ابن الجوزي في زاد المسير: وقد اختلف العلماء هل البسملة، من الفاتحة أم لا؟ فيه عن أحمد روايتان، فأمّا من قال: إنها من الفاتحة، فإنه يوجب قراءتها في الصلاة إذا قال بوجوب الفاتحة، وأمّا من لم يرها من الفاتحة فإنه يقول: قراءتها في الصلاة سنّة، ما عدا مالكًا رحمه الله فإنه لا يستحب قراءتها في الصلاة.
واختلفوا في الجهر بها في الصلاة فيما يجهر به، فنقل جماعة عن أحمد: أنه لا يسُن الجهر بها، وهو قول أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، وابن مسعود، ومذهب الثوري، ومالك، وأبي حنيفة.
وذهب الشافعي: إلى أن الجهر بها مسنون، وهو مرويّ عن معاوية، وعطاء، وطاووس.