فصل: من فوائد الشعراوي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فليعتن اللبيب الناصح نفسه بهذا الموضع، وليتب إلى الله ويستغفره كل وقت، من ظنه بربه ظن السوء. وليظن السوء بنفسه التي هي مادة كل سوء، ومنبع كل شر، المركبة على الجهل والظلم، فهي أولى بظن السوء من أحكم الحاكمين وأعدل العادلين وأرحم الراحمين، الغني الحميد، الذي له الغنى التام، والحمد التام، والحكمة التامة، المنزه عن كل سوء، في ذاته وصفاته وأفعاله وأسمائه. فذاته لها الكمال المطلق من كل وجه، وصفاته كذلك، وأفعاله كذلك، كلها حكمة ومصلحة ورحمة وعدل. وأسماؤه كلها حسنى. والمقصود ما ساقنا إلى هذا الكلام من قوله تعالى: {وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِالله غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ}.
ثم أخبر عن الكلام الذي صدر عن ظنهم الباطل بقوله: {يَقُولُونَ هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ} أي: هل لنا من أمر التدبير والرأي من شيء، استفهام على سبيل الإنكار. أي: ما لنا أمر يطاع. ونظيره ما حكاه الله عنهم أنهم قالوا: {لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا} [آل عِمْرَان: 168]. وذلك أن عبد الله بن أبيّ لما شاوره النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الواقعة، أشار عليه بأن لا يخرج من المدينة، ثم إن الصحابة ألحوا على النبي صلى الله عليه وسلم في أن يخرج إليهم، كما تقدم. ولما رجع عبد الله بن أبيّ بمن معه، وأخبر بكثرة القتلى من بني الخزرج، قال: هل لنا من الأمر شيء؟ يعني أن محمدًا صلى الله عليه وسلم لم يقبل قولي حين أمرته بأن يبقى في المدينة ولا يخرج منها: {قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ لِلَّهِ} أي: التدبير كله لله، فإنه تعالى قد دبر الأمر كما جرى في سابق قضائه فلا مرد له.
قال الإمام ابن القيم قدس الله روحه: ليس مقصودهم بقولهم: {هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ} وقولهم: {لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر شَيْءٌ مَا قُتِلْنَا هَاهُنَا}. إثبات القدر، ورد الأمر كله إلى الله. ولو كان ذلك مقصودهم بالكلمة الأولى لما ذموا عليه، لما حسن الرد عليهم بقوله: {إِنَّ الأمر كُلَّهُ لِلَّهِ} ولا كان مصدر هذا الكلام ظن الجاهلية. ولهذا، قال غير واحد من المفسرين: إن ظنهم الباطل هاهنا هو التكذيب بالقدر، وظنهم أن الأمر لو كان إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه تبعًا لهم، ويسمعون منهم؛ لما أصابهم القتل، ويكون النصر والظفر لهم. فأكذبهم الله عز وجل في هذا الظن الباطل، الذي هو ظن الجاهلية، وهو الظن المنسوب إلى أهل الجهل، الذين يزعمون، بعد نفاذ القضاء والقدر الذي لم يكن بد من نفاذه، أنهم كانوا قادرين على دفعه، أن الأمر لو كان إليهم لما نفذ القضاء، فأكذبهم الله بقوله: {قُلْ إِنَّ الأمر كُلَّهُ لِلَّهِ}. فلا يكون إلا ما سبق قضاؤه وقدره، وجرى به علمه وكتابه السابق، وما شاء الله كان ولابد، شاء الناس أم أبوا. وما لم يشأ لم يكن، شاء الناس أو لم يشاؤوه. وما جرى عليكم من الهزيمة والقتل، فبأمره الكوني الذي لا سبيل إلى دفعه، سواء كان لكم من الأمر شيء أو لم يكن، وأنكم لو كنتم في بيوتكم وقد كتب القتل على بعضكم، لخرج الذين كتب عليهم القتل من بيوتهم إلى مضاجعهم ولابد. سواء أن يكون لهم من الأمر شيء أو لم يكن. وهذا من أظهر الأشياء إبطالًا لقول القدرية النفاة، الذين يجوّزون أن يقع ما لا يشاؤه الله، وأن يشاء ما لا يقع- انتهى-.
{يُخْفُونَ فِي أَنفُسِهِم} أي: يضمرون فيها، أو يقولون فيما بينهم بطريق الخفية: {مَّا لاَ يُبْدُونَ لَكَ} لكونه لا يرضاه الله تعالى. ثم بين ذلك بعد إجماله فقال: {يَقُولُونَ لَوْ كَانَ لَنَا مِنَ الأمر} أي: المسموع: {شَيْءٌ مَّا قُتِلْنَا هاهنا} أي: ما غلبنا، أو ما قتل من قتل منا، لأنا كنا نمكث في المدينة ولا نخرج إلى العدو. ولما أخبر تعالى بما أخفوه جهلًا منهم، ظنًا أن الحذر يغني من القدر، أمره تعالى بالرد عليهم بقوله: {قُل لَّوْ كُنتُمْ فِي بُيُوتِكُمْ} أي: أجمع رأيكم على أن لا تبرحوا من منازلكم أنتم والمقتولون: {لَبَرَزَ} أي: خرج: {الَّذِينَ كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقَتْلُ} في اللوح المحفوظ: {إِلَى مَضَاجِعِهِمْ} أي: التي قدر الله قتلهم فيها، ولم يثبتوا في ديارهم، لأنه يوقع في قلوبهم الخروج إمضاء لقدره وحكمه المحتوم الذي لا يقع خلافه ولا يرد، لقوله: {مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتَابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَهَا إِنَّ ذَلِكَ عَلَى الله يَسِيرٌ} [الحديد: 22]. وفيه مبالغة في رد مقالتهم الباطلة، حيث لم يقتصر على تحقيق نفس القتل، بل عين مكانه أيضا. وفي التعبير بمضاجعهم من إجلالهم وتكريمهم ما لا يخفى على صاحب الذوق السليم {وَلِيَبْتَلِيَ الله مَا فِي صُدُورِكُمْ} أي: ليعاملكم معاملة الممتحن، ليستخرج ما في صدوركم من الإخلاص والنفاق، ليجعله حجة عليكم، فالمؤمن لا يزداد بذلك إلا إيمانًا وتسليمًا، والمنافق ومن في قلبه مرض لابد أن يظهر ما في قلبه على جوارحه ولسانه؛ وهو علة لفعل مقدر قبلها معطوفة على علل لها أخرى مطوية، للإيذان بكثرتها. كأنه قيل: فعل ما فعل لمصالح جمة وليبتلي... الخ، أو لفعل مقدر بعدها، أي: وللابتلاء المذكور فعل ما فعل، لا لعدم العناية بأمر المؤمنين. وجعلها عللًا لبرز يأباه الذوق السليم. فإن مقتضى المقام بيان حكمة ما وقع يومئذ من الشدة والهول، لا بيان حكمة البروز المفروض- أفاده أبو السعود- ثم ذكر تعالى حكمة أخرى بقوله: {وَلِيُمَحَّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ} أي: يخلصه وينقيه ويهذبه، فإن القلوب يخالطها بغلبة الطبائع، وميل النفوس، وحكم العادة، وتزيين الشيطان، واستيلاء الغفلة- ما يضاد ما أودع فيها من الإيمان والإسلام والبر والتقوى. فلو تركت في عافية دائمة مستمرة لم تتخلص من هذه المخالطة، ولم تتمحص منه، فاقتضت حكمة العزيز الرحيم أن يقضي لها من المحن والبلاء، ما يكون كالدواء الكريه لمن عرض له داء، إن لم يتداركه طبيبه بإزالته وتنقيته من جسده، وإلا خيف عليه منه الفساد والهلاك. فكانت نعمته سبحانه عليهم بهذه الكسرة والهزيمة، وقتل من قتل منهم، تعادل نعمته عليهم بنصرهم وتأييدهم وظفرهم بعدوهم. فله عليهم النعمة التامة في هذا وهذا. أفاده ابن القيم.
وقال القاشاني: البلاء سوط من سياط الله، يسوق به عباده إليهم بتصفيتهم عن صفات نفوسهم، وإظهار ما فيهم من الكمالات، وانقطاعهم من الخلق إلى الحق. ولهذا كان متوكلًا بالأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم بيانًا لفضله: «ما أوذي نبي مثل ما أوذيت». كأنه قال: ما صفى نبي مثل ما صفيت. ولقد أحسن من قال:
لله در النائبات فإنها ** صدأ اللئام وصيقل الأحرار

إذ لا يظهر على كل منهم إلا ما في مكمن استعداده.
{وَالله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ} أي: الضمائر الملازمة لها، وعد ووعيد. اهـ.

.من فوائد الشعراوي:

قال رحمه الله:
{ثُمَّ أَنزَلَ عَلَيْكُمْ مِّن بَعْدِ الْغَمِّ أَمَنَةً نُّعَاسًا يَغْشَى طَائِفَةً مِّنْكُمْ}.
وكلمة {أَنزَلَ} تدل على أن هذا عطاء عُلوي ليس له شأن بالأسباب المادية ولا بالقوانين البشرية؛ لأن النوم عرض من الأعراض التي تطرأ على الأحياء، هذا العرض تستوجبه عمليات كيماوية في نفسك، وهذه العمليات الكيماوية حتى الأن لا يعرفون ما هي، وأقصى ما فُهم منه أنه ردع ذاتي لجسم الإنسان. فكأن الجهاز المتحرك المكون من مخ يعمل، وعين ترى، وأذن تسمع، وحواس وحركة هذا الجهاز له طاقة، ساعة تنتهي منه الطاقة، لا يقول لك: أنت الذي تترك العمل. لا، بل يقول لك: أنا لم أعد صالحا للعمل. أنه ردع ذاتي، مثلما يريدون أن يصلوا إليه الآن في مجال الآلآت بمجرد فصل تيار الكهرباء آليا عن تلك الآلآت فهي تتوقف.
فالردع الذاتي هو في النوم ويأتيك النعاس. وتبين بالبحث العلمي أن هناك أشياء في الجسم لا تخرج كفضلات. بل تحتاج إلى التعادل والتوازن الكيميائي. ونحن نعلم أن هناك بقايا كنتيجة للحركة، وهناك احتراق للطاقة، وكل حركة فيها احتراق، وبقايا هذا الاحتراق تخرج مرة على هيئة بول، ومرة يخرج غائطا ومرة يخرج مخاطًا، وهكذا، إذن كثير من هذه الفضلات هي نتيجة عمليات الاحتراق، لكن هناك أشياء لا نريد لها أن تخرج ولكن نريدها أن تتعادل، فعندما تنام لا يوجد لك حركة وتبتدئ الكيماويات داخل الجسم في التعادل، وهذا هو ما يفعله لك النوم الذي تستوجبه أسبابك المادية.
وصاحب الهم والغم لا ينام أبدا؛ فهو يسهو عن نفسه ويرهق جسمه أكثر وتكون المصيبة كبيرة عليه، وهنا ينزل الحق فضله عليكم بالنوم لأن أسبابكم لا تساعد أيا منكم على أن ينام.
وأنتم تذكرون قديما أننا قلنا: إن الإمام عليًّا كرم الله وجهه لما اشْتُهِرَ بالفتيا، وكلما سألوه عن أمر أفتى فيه، فقالوا: نأتي له بمسألة معقدة ونرى كيف يأتي بالفتيا، وكأنهم نسوا أنه يُفتى لأنه تربى في حضن النبوة، فقد جاءت النبوة رسول الله صلى الله عليه وسلم وسيدنا على مازال صغيرا، أما الصحابة الآخرون فقد جاءت النبوة لرسول الله صلى الله عليه وسلم وهم كبار في السن، فهناك معلومات دخلت عندهم من أيام الجاهلية، ولكن سيدنا عليًّا كرم الله وجهه لم تدخل عليه معلومة من معلومات الجاهلية. كل المعلومات التي عنده نبوية، فكل هذا التفاعل ينشأ عنه فُتيا؛ لذلك كان سريعا في الإفتاء.
على سبيل المثال، تأتي له امرأة فتقول: يا ابن أبي طالب كيف يعطونني دينارا من ستمائة؟ مورثي خَلَّفَ ستمائة دينار فأعطوني دينارا واحدا. فقال لها: لعله مات عن زوجة، وعن بنتين، وعن أم، الزوجة تأخذ الثُمن (خمس وسبعين دينارا) والبنتان تأخذان الثلثين (أربعمائة دينار) وللأم السدس وهو مائة دينار، ولعل له اثنى عشر أخا وأختا واحدة، أشقاء أو لأب، وأنت هذه الأخت وقد بقي من التركة خمسة وعشرون دينارا توزع على الاثني عشر أخا والأخت، فيكون نصيبك دينارا.
كيف عرف ذلك؟ إنها دقة الحساب عند من تعلم في بيت النبوة.
وفي الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها نجد أن الحق قد أنزل عليهم نعاسا ليؤمنهم فلم ينشأ النوم هنا من حركة الاختيار، ولكن الله أنزله، ومعنى أنزله؛ أنه بعث رحمة جديدة من السماء ليُخرج القوم الذين أصابهم الغم على ما فعلوا مما هم فيه. ولذلك قال أبو طلحة: غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد فكان السيف يسقط من أحدنا فيأخذه ثم يسقط فيأخذه.
إذن فهي عملية قسرية. والنعاس حينما ينزل من الحق سبحانه وتعالى يكون عملية إنقاذ من حركة فاتت فرصتها على النفس البشرية فعوضها الله، ولكن القوم الذين نافقوا ماذا كان حالهم؟ لا شك أن الذين جاءوا نفاقا لم يصبهم غم على ما حدث. بل بالعكس، لابد أن يكون قد أصابهم فرح أو اطمئنان على ما حدث، وهؤلاء لا يكونون أهلا لأن ينزل الله عليهم أمنة النعاس. بل يتركهم الله لذواتهم؛ لأنهم لم يكونوا في حصن الله باتباع منهج الإسلام أو بالاخلاص- على الأقل- لفكرة الإسلام، هؤلاء يسلمهم الله لذواتهم.
إذن فلن يُنزل عليهم أمنة النعاس. وما دام لن ينزل عليهم أمنة النعاس، فقد أصبحوا في قلق، لماذا؟ لأن نفوسهم قد أهمتهم. والإنسان حين يؤمن ويتقبل الإسلام من ربه يكون قد باع نفسه لربه، وما دام قد باع نفسه لربه فالصفقة الإيمانية لابد أن تستمر. وإذا استيقظ المسلم مرة لنفسه نقول له: لقد رجعت في عقد الصفقة. وما دمت قد رجعت في عقد الصفقة فالله الذي كان قد اشتراك يتركك لنفسك، فقوله: {أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ} أي خرجوا عن صفقة الإيمان؛ لأن الذي يعقد صفقة بالإيمان مع ربه، هو من قال الله فيه: {إِنَّ الله اشْتَرَى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنفُسَهُمْ وَأَمْوَالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الّجَنَّةَ يُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ الله فَيَقْتُلُونَ وَيُقْتَلُونَ وَعْدًا عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْرَاةِ وَالإِنْجِيلِ وَالْقُرْآنِ وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ الله فَاسْتَبْشِرُواْ بِبَيْعِكُمُ الَّذِي بَايَعْتُمْ بِهِ وَذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ} [التوبة: 111].
وما دام الله قد اشترى من المؤمن نفسه فيجب على المؤمن ألا تهمه نفسه، فيدخل المعركة بالصفقة الإيمانية، فإذا أهمته نفسه يبدأ القلق، والبلبلة، والاضطراب، وتوهم الأشياء، والشيء الواحد يتوهمه على ألف لون. إذن فنفسه تكون غير مطمئنة، وما دام الإنسان قد شغله هم نفسه حتى لو كان النعاس استجابة لأمر طبيعي من ذات النفس فلا يأتي النعاس أبدا.
ولذلك نجد أن الإمام عليًّا- رضوان الله عنه وكرم الله وجهه- حينما سُئل عن أشد جنود الله؟ بسط يديه وقال: أشد جنود الله عشرة: الجبال الرواسي، والحديد يقطع الجبال، إذن فالحديد أشد من الجبال، والنار تذيب الحديد، والماء يطفئ النار، والسحاب المسخر بين السماء والأرض يحمل الماء، والريح يقطع السحاب، وابن آدم يغلب الريح يستتر بالثوب أو الشيء ويمضي لحاجته، والسُكر يغلب ابن آدم، والنوم يغلب السُكر، والهم يغلب النوم، فأشد جنود الله الهم.
فساعة يدخل الهم على النفس البشرية، هذا أشد جنود الله؛ لأن الهم يدخل على النفس البشرية بألوان متعددة للخطب الواحد، فيتصور أمورًا معقدة في أمر واحد، وواقعة على لون واحد، ولكن الهم يجول به في كل لون؛ فهؤلاء قد أهمتهم أنفسهم وما داموا قد أهمتهم أنفسهم فقد خرجوا عن صفقة الإيمان. وما داموا قد خرجوا عن صفقة الإيمان الذي بوساطته اشترى الله من المؤمنين أنفسهم، فالله يتخلى عنهم. وما دام الله قد تخلى عنهم فعليهم مواجهة المصير.
إن القلق والاضطراب يستبدان بهم ويصابون بالفزع من كل شيء. لكن حال الصنف الأول والطائفة الأولى يختلف؛ فالله سبحانه وتعالى يعاملهم معاملة من بقي في الصفقة الإيمانية وإن كانت نفوسهم البشرية قد فسرت الأحداث تفسيرا خاطئا، فظنوا أن المسألة في المعركة انتهت، فذهبوا لأخذ الغنيمة، إن هؤلاء قد احترم الله بقاءهم على الإخلاص للإسلام، وأدبهم على تفسيرهم للأحداث تفسيرا غير حق، فأثابهم غما لما خالفوا فيه، وأنزل عليهم أمنه لإخلاصهم في قضية الإسلام.
{وَطَائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِالله غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجَاهِلِيَّةِ} وإذا سمعت كلمة {طائفة} فاعلم أنها جماعة، لكن هذه الجماعة لها مواصفات خاصة هي التي تجمعها على فكرة واحدة كأنهم يطوفون حولها، إنها ليست مطلق جماعة لكنها جماعة تدور حول فكرة واحدة، ويأتي القول الحكيم هنا ليبين لك ما قالوه في نفوسهم، وما داموا قد قالوا في نفوسهم، أسمعهم أحد؟ لا، ولكن الله أخبر به، وأخبر بما في نفوسهم جميعا بقول واحد، مما يدل على أنهم يطوفون حول فكرة واحدة، فالنضح الوجداني يجعلهم يقولون جملة واحدة هي: {هَل لَّنَا مِنَ الأمر مِن شَيْءٍ} وما داموا سيقولون في نفوسهم فمن الذي سمعهم وهم جماعة؟ أنه الله سبحانه: {وَالله عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ}.
وأنت إذا قلت {طائفة} تجد أنها في عرف اللفظ مفرد، وعندما تجمعها تقول: طوائف، لكن هي لفظ مفرد يدل على جمع، فمرة يلحظ المفرد، ومرة يلحظ ما يؤديه المفرد من الجمع. وهذه لا يتنبه إليها إلا البليغ، فيفرق بينها كلفظ مفرد وبين ما تدل عليه كجمع، ولذلك تجد هذا في إعجاز القرآن، فالحق يقول: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِياءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ الله يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ} [الحجرات: 9] وحينما يقول: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} فهو هنا يأتي بالخبر، اقتتلتا أو اقتتلوا؟ أنه سبحانه يقول: {اقْتَتَلُواْ}، اللفظة طائفتان لكن الدقة البلاغية لاحظت أن كل طائفة مكونة من جماعة.
{وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ} فماذا نفعل؟ {فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا}، فمرة رجع للجماعة ومرة رجع للاثنتين، ففي ساعة الاقتتال لا تقف الطائفة بسيف واحد وتضرب ضربة واحدة، لا، ففي ساعة القتال كل فرد من الطائفة له عمل، إذن فالفردية المكونة للطائفة متعددة.
لكن عندما نصلح هل نأتي بكل فرد من هذه الطائفة وبكل فرد من الطائفة الأخرى أو نأخذ هذه الطائفة ممثلة في رؤوسها والطائفة الأخرى ممثلة في رؤسها ونعقد الصلح بين الطائفتين؟ فدقة القرآن تقول: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُواْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} وبعد ذلك يعود الحق للتثنية فيقول: {فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الأُخْرَى فَقَاتِلُواْ الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِياءَ إِلَى أَمْرِ الله فَإِن فَاءَتْ فَأَصْلِحُواْ بَيْنَهُمَا} والصُلح يكون بين جماعة ممثلة في قيادة وجماعة أخرى ممثلة في قيادة.