فصل: من فوائد صاحب المنار في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من فوائد صاحب المنار في الآيات السابقة:

قال رحمه الله:
{وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا}.
بَيَّنَ- سُبْحَانَهُ وَتعالى- حَالَ الْمُنَافِقِينَ فِي قُعُودِهِمْ عَنِ الْقِتَالِ فِي سَبِيلِ اللهِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْحَقِيقَةِ وَتَثْبِيطِهِمْ إِخْوَانَهُمْ قَبْلَ الْقِتَالِ وَبَعْدَهُ، وَقَوْلِهِمْ فِيمَنْ قُتِلُوا إِنَّهُمْ لَوْ أَطَاعُوهُمْ مَا قُتِلُوا وَبَيَّنَ أَفْنَهُمْ وَفَسَادَ رَأْيِهِمْ فِي التَّوَقِّي مِنَ الْمَوْتِ بِعَدَمِ الْقِتَالِ وَالدِّفَاعِ وَهُوَ فِي الْحَقِيقَةِ مِنْ أَسْبَابِ الْهَلَاكِ لَا مِنْ أَسْبَابِ السَّلَامَةِ، وَبَعْدَ هَذَا كُلِّهِ أَرَادَ أَنْ يُبَيِّنَ حَالَ مَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَأَنَّهُ لَا يَكُونُ بِحَيْثُ يَظُنُّ أُولَئِكَ السُّفَهَاءُ فِي مَوْتِهِمْ فَقَالَ عَزَّ وَجَلَّ: {وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتًا}.
أَخْرَجَ الْإِمَامُ أَحْمَدُ وَغَيْرُهُ مِنْ حَدِيثِ ابْنِ عَبَّاسٍ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَمَّا أُصِيبَ إِخْوَانُكُمْ بِأُحُدٍ جَعَلَ اللهُ أَرْوَاحَهُمْ فِي أَجْوَافِ طَيْرٍ خُضْرٍ تَرِدُ أَنْهَارَ الْجَنَّةِ وَتَأْكُلُ مِنْ ثِمَارِهَا وَتَأْوِي إِلَى قَنَادِيلَ مِنْ ذَهَبٍ مُعَلَّقَةٍ فِي ظِلِّ الْعَرْشِ، فَلَمَّا وَجَدُوا طِيبَ مَأْكَلِهِمْ وَمَشْرَبِهِمْ وَحُسْنَ مَقِيلِهِمْ قَالُوا: يَا لَيْتَ إِخْوَانَنَا يَعْلَمُونَ مَا صَنَعَ اللهُ لَنَا- وَفِي لَفْظٍ- قَالُوا مَنْ يُبَلِّغُ إِخْوَانَنَا أَنَّنَا أَحْيَاءٌ فِي الْجَنَّةِ نُرْزَقُ لِئَلَّا يَزْهَدُوا فِي الْجِهَادِ وَلَا يَنْكُلُوا عَنِ الْحَرْبِ، فَقَالَ اللهُ تعالى مَا مَعْنَاهُ: «أَنَا أُبَلِّغُهُمْ عَنْكُمْ» فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَاتِ. وَأَخْرَجَ التِّرْمِذِيُّ وَحَسَّنَهُ، وَالْحَاكِمُ وَصَحَّحَهُ وَغَيْرُهُمَا مِنْ حَدِيثِ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللهِ رَضِيَ اللهُ عَنْهُ قَالَ: لَقِيَنِي رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَالَ: يَا جَابِرُ! مَالِي أَرَاكَ مُنْكَسِرًا؟ فَقُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ اسْتُشْهِدَ أَبِي وَتَرَكَ عِيَالًا وَدَيْنًا فَقَالَ: أَلَا أُبَشِّرُكَ بِمَا لَقِيَ اللهُ بِهِ أَبَاكَ؟ قُلْتُ: بَلَى. قَالَ: مَا كَلَّمَ اللهُ أَحَدًا قَطُّ إِلَّا مِنْ وَرَاءِ حِجَابٍ وَأَحْيَا أَبَاكَ فَكَلَّمَهُ كِفَاحًا وَقَالَ: يَا عَبْدِي تَمَنَّ عَلَى أُعْطِكَ. قَالَ: يَا رَبِّ تُحْيِينِي فَأُقْتَلَ فِيكَ ثَانِيَةً. قَالَ الرَّبُّ تعالى: قَدْ سَبَقَ مِنِّي أَنَّهُمْ لَا يُرْجَعُونَ. قَالَ: أَيْ رَبِّي فَأَبْلِغْ مَنْ وَرَائِي، فَأَنْزَلَ اللهُ هَذِهِ الْآيَةَ قَالُوا: وَلَا تَنَافِيَ بَيْنَ الرِّوَايَتَيْنِ لِجَوَازِ وُقُوعِ الأمريْنِ وَنُزُولِ الْآيَةِ فِيهِمَا مَعًا. وَأَقُولُ: إِنِ الْآيَةَ مُتَّصِلَةٌ بِمَا قَبْلَهَا مُتَمِّمَةٌ لَهُ، فَإِذَا صَحَّ الْخَبَرَانِ فَهُمَا مِنْ جُمْلَةِ وَقَائِعِ غَزْوَةِ أُحُدٍ الَّتِي نَزَلَ فِيهَا هَذَا السِّيَاقُ كُلُّهُ، وَالْمَعْنَى: لَا تَحْسَبَنَّ يَا مُحَمَّدُ أَوْ أَيُّهَا السَّامِعُ لِقَوْلِ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ يُنْكِرُونَ الْبَعْثَ أَوْ يَرْتَابُونَ فِيهِ فَيُؤْثِرُونَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا أَنَّ مَنْ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ قَدْ فَقَدُوا الْحَيَاةَ وَصَارُوا عَدَمًا.
وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ {قُتِّلُوا} بِضَمِّ الْقَافِ وَتَشْدِيدِ التَّاءِ لِلْمُبَالَغَةِ بَلْ هُمْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ فِي عَالَمٍ غَيْرِ هَذَا الْعَالَمِ هُوَ خَيْرٌ مِنْهُ لِلشُّهَدَاءِ وَغَيْرِهِمْ مِنَ الصَّالِحِينَ، وَلِكَرَامَتِهِ وَشَرَفِهِ أَضَافَهُ الرَّبُّ تعالى إِلَيْهِ فَهَذِهِ الْعِنْدِيَّةُ عِنْدِيَّةُ شَرَفٍ وَكَرَامَةٍ لَا مَكَانٍ وَمَسَافَةٍ. وَقِيلَ عِنْدِيَّةُ عِلْمٍ وَحُكْمٍ، وَإِذَا كَانَ الأمر كَذَلِكَ فَلَيْسَ يَضِيرُ أُولَئِكَ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللهِ قَتْلُهُمْ، وَلَيْسَ مَا صَارُوا إِلَيْهِ دُونَ مَا كَانُوا فِيهِ فَلَوْ فَرَضْنَا أَنَّ الْخُرُوجَ إِلَى الْقِتَالِ سَبَبٌ مُطَّرِدٌ لِلْقَتْلِ لَا يَتَخَلَّفُ كَمَا يُوهِمُ كَلَامُ الْمُنَافِقِينَ لَمَّا صَحَّ أن يكون مُثَبِّطًا لِلْمُؤْمِنِ عَنِ الْجِهَادِ عِنْدَ وُجُوبِهِ بِمِثْلِ مُهَاجَمَةِ الْمُشْرِكِينَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي أُحُدٍ، أَوْ بِفِتْنَةِ الْمُسْلِمِينَ عَنْ دِينِهِمْ وَمَنْعِهِمْ مِنَ الدَّعْوَةِ إِلَيْهِ وَإِقَامَةِ شَعَائِرِهِ، وَهُوَ مَا كَانَ عَلَيْهِ جَمِيعُ مُشْرِكِي الْعَرَبِ فِي زَمَنِ الْبَعْثَةِ، فَكَيْفَ وَالْخُرُوجُ إِلَى الْقِتَالِ هُوَ سَبَبٌ لِلسَّلَامَةِ فِي الْغَالِبِ؛ لِأَنَّ الْأُمَّةَ الَّتِي لَا تُدَافِعُ عَنْ نَفْسِهَا يَطْمَعُ غَيْرُهَا فِيهَا، فَإِذَا هَاجَمَهَا الْأَعْدَاءُ ظَفِرُوا بِهَا وَنَالُوا مَا يُرِيدُونَ مِنْهَا.
وَقَدْ ذَكَرْنَا الْخِلَافَ فِي هَذِهِ الْحَيَاةِ فِي تَفْسِيرِ قوله تعالى: {وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ} [2: 154] وَأَنَّ الْمُخْتَارَ فِيهَا أَنَّهَا حَيَاةٌ غَيْبِيَّةٌ لَا نَبْحَثُ عَنْ حَقِيقَتِهَا وَلَا نَزِيدُ فِيهَا عَلَى مَا جَاءَ بِهِ خَبَرُ الْوَحْيِ شَيْئًا فَلَا نَقُولُ كَمَا قَالَ بَعْضُ مُتَكَلِّمِي الْمُعْتَزِلَةِ إِنَّ الْمُرَادَ بِقَوْلِهِ بَلْ أَحْيَاءٌ أَنَّهُمْ سَيَكُونُونَ فِي أَحْيَاءِ الْآخِرَةِ، فَإِنَّ ظَاهِرَ الْآيَةِ أَنَّهُمْ أَحْيَاءٌ مُذْ قُتِلُوا، وَلَا تَخْصِيصَ فِي قَوْلِهِمْ لِلشُّهَدَاءِ وَلَا يَتَّفِقُ مَعَ مَا يَأْتِي، وَلَا بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ أَحْيَاءٌ بِحُسْنِ الذِّكْرِ وَطَيِّبِ الثَّنَاءِ كَمَا يُقَالُ مَنْ خَلَّفَ مِثْلَكَ مَا مَاتَ. وَقَالَ الشَّاعِرُ:
يَقُولُونَ: إِنَّ الْمَرْءَ يَحْيَا بِنَسْلِهِ ** وَلَيْسَ لَهُ ذِكْرٌ إِذَا لَمْ يَكُنْ نَسْلُ

فَقُلْتُ لَهُمْ: نَسْلِي بَدَائِعُ حِكْمَتِي ** فَإِنْ لَمْ يَكُنْ نَسْلٌ فَإِنَّا بِهَا نَسْلُو

وَلَا بِقَوْلِ مَنْ قَالَ: إِنَّهُمْ أَحْيَاءٌ بِأَجْسَادِهِمْ كَحَيَاتِنَا الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ وَيَشْرَبُونَ وَيَنْكِحُونَ فِي قُبُورِهِمْ كَسَائِرِ أَهْلِ الدُّنْيَا، وَلَا بِقَوْلِ مَنْ يَقُولُ إِنَّ أَجْسَادَهُمْ تُرْفَعُ إِلَى السَّمَاءِ، قَالَ الْإِمَامُ الرَّازِيُّ فِي الْقَائِلِينَ بأنها حَيَاةٌ جَسَدِيَّةٌ مَا نَصُّهُ: وَالْقَائِلُونَ بِهَذَا الْقَوْلِ اخْتَلَفُوا فَقَالَ بَعْضُهُمْ: أنه تعالى يُصَعِّدُ أَجْسَادَ هَؤُلَاءِ الشُّهَدَاءِ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَإِلَى قَنَادِيلَ تَحْتَ الْعَرْشِ وَيُوَصِّلُ أَنْوَاعَ السَّعَادَةِ وَالْكَرَامَاتِ إِلَيْهَا، وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: يَتْرُكُهَا فِي الْأَرْضِ وَيُحْيِيهَا وَيُوَصِّلُ هَذِهِ السَّعَادَاتِ إِلَيْهَا، وَمِنَ النَّاسِ مَنْ طَعَنَ فِيهِ وَقَالَ: إِنَّا نَرَى أَجْسَادَ هَؤُلَاءِ الشُّهَدَاءِ قَدْ تَأْكُلُهَا السِّبَاعُ فَإِمَّا أَنْ يُقَالَ: إِنَّ اللهَ يُحْيِيهَا حَالَ كَوْنِهَا فِي بُطُونِ هَذِهِ السِّبَاعِ وَيُوَصِّلُ الثَّوَابَ إِلَيْهَا. أَوْ يُقَالَ: إِنَّ تِلْكَ الْأَجْزَاءَ بَعْدَ انْفِصَالِهَا مِنْ بُطُونِ السِّبَاعِ يُرَكِّبُهَا اللهُ وَيُؤَلِّفُهَا وَيَرُدُّ الْحَيَاةَ إِلَيْهَا وَيُوَصِّلُ الثَّوَابَ إِلَيْهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ مُسْتَبْعَدٌ وَلِأَنَّا قَدْ نَرَى الْمَيِّتَ الْمَقْتُولَ بَاقِيًا أَيَّامًا إِلَى أَنْ تَنْفَسِخَ أَعْضَاؤُهُ وَيَنْفَصِلَ مِنْهُ الْقَيْحُ وَالصَّدِيدُ، فَإِنْ جَوَّزْنَا كَوْنَهَا حَيَّةً مُتَنَعِّمَةً عَاقِلَةً عَارِفَةً لَزِمَ الْقَوْلُ بِالسَّفْسَطَةِ. اهـ.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: وَتَطَرَّفَ جَمَاعَةٌ فَزَعَمُوا أَنَّ حَيَاةَ الشُّهَدَاءِ كَحَيَاتِنَا هَذِهِ فِي الدُّنْيَا يَأْكُلُونَ أَكْلَنَا وَيَشْرَبُونَ شُرْبَنَا وَيَتَمَتَّعُونَ تَمَتُّعَنَا، وَهُوَ قَوْلٌ لَا يَصْدُرُ عَنْ عَاقِلٍ، لِأَنَّ مِنَ الشُّهَدَاءِ مَنْ يُحْرَقُ بِالنَّارِ وَمَنْ تَأْكُلُهُ السِّبَاعُ أَوِ الْأَسْمَاكُ. وَقَالَ بَعْضُهُمْ: الْمُرَادُ أَنَّ أَجْسَادَهُمْ لَا تَبْلَى وَلَمْ يَزِدْ عَلَى ذَلِكَ، وَلَكِنَّ هَذَا لَمْ يَثْبُتْ، عَلَى أَنَّ الْجَسَدَ لَا ثَمَرَةَ لَهُ إِذَا خَرَجَتْ مِنْهُ الرُّوحُ.
وَجُمْلَةُ الْقَوْلِ أَنَّ بَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّ هَذِهِ الْحَيَاةَ مَجَازِيَّةٌ، وَبَعْضَهُمْ يَقُولُ: إِنَّهَا حَقِيقِيَّةٌ وَمِنْ هَؤُلَاءِ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا دُنْيَوِيَّةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا أُخْرَوِيَّةٌ وَلَكِنْ لَهَا مَيْزَةٌ خَاصَّةٌ، وَمِنْهُمْ مَنْ يَقُولُ: إِنَّهَا وَاسِطَةٌ بَيْنَ الْحَيَاتَيْنِ. وَقَدْ تَقَدَّمَ أَنَّ الْمُخْتَارَ عِنْدَنَا هُوَ عَدَمُ الْبَحْثِ فِي كَيْفِيَّةِ هَذِهِ الْحَيَاةِ وَذَكَرْنَا فِي آيَةِ الْبَقَرَةِ بَحْثَ مَا وَرَدَ مِنْ كَوْنِ أَرْوَاحِهِمْ تَكُونُ فِي حَوَاصِلِ طَيْرٍ خُضْرٍ فَرَاجِعْهُ.
{فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ} أَيْ مَسْرُورِينَ بِمَا أَعْطَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ أَيْ زِيَادَةً عَلَى ذَلِكَ الرِّزْقِ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِعَمَلِهِمْ، فَالْفَضْلُ مَا كَانَ فِي غَيْرِ مُقَابَلَةِ عَمَلٍ، كَمَا قَالَ: {لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَيَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ أنه غَفُورٌ شَكُورٌ} [35: 30]. وَيَسْتَبْشِرُونَ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ الِاسْتِبْشَارُ: السُّرُورُ الْحَاصِلُ بِالْبِشَارَةِ، وَأَصْلُ الِاسْتِفْعَالِ طَلَبُ الْفِعْلِ، فَالْمُسْتَبْشِرُونَ بِمَنْزِلَةِ مَنْ طَلَبَ السُّرُورَ فَوَجَدَهُ بِالْبِشَارَةِ كَذَا قَالُوا، وَالْعِبَارَةُ لِلرَّازِيِّ وَيَصِحُّ أن يكون مَعْنَى الطَّلَبِ فِيهِ عَلَى حَالِهِ، وَالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ هُمُ الَّذِينَ بَقُوا فِي الدُّنْيَا.
قَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: إِنَّمَا قَالَ: {مِنْ خَلْفِهِمْ} لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّهُمْ وَرَاءَهُمْ يَقْتَفُونَ أَثَرَهُمْ وَيَحْذُونَ حَذْوَهُمْ قَدَمًا بِقَدَمٍ، فَهُوَ قَيْدٌ فِيهِ الْخَبَرُ وَالْحَثُّ وَالتَّرْغِيبُ وَالْمَدْحُ وَالْبِشَارَةُ وَهُوَ مِنَ الْبَلَاغَةِ بِالْمَكَانِ الَّذِي لَا يُطَاوَلُ، وَالْمَعْنَى عَلَى الْأَوَّلِ: وَيَطْلُبُونَ الْبُشْرَى بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ إِخْوَانِهِمْ أَيْ يَتَوَقَّعُونَ أَنْ يُبَشَّرُوا فِي وَقْتٍ قَرِيبٍ بِقُدُومِهِمْ عَلَيْهِمْ مَقْتُولِينَ فِي سَبِيلِ اللهِ كَمَا قُتِلُوا، مُسْتَحِقِّينَ مِنَ الرِّزْقِ وَالْفَضْلِ الْإِلَهِيِّ مِثْلَ مَا أُوتُوا، وَالْمَعْنَى عَلَى الثَّانِي: أَنَّهُمْ يُسَرُّونَ بِذَلِكَ عِنْدَ حُصُولِهِ.
هَذَا مَا رُوِيَ فِي وَجْهِ الِاسْتِبْشَارِ عَنِ ابْنِ جُرَيْجٍ وَقَتَادَةَ وَرُوِيَ عَنِ السُّدِّيِّ أَنَّ الشَّهِيدَ يُؤْتَى بِكِتَابٍ فِيهِ ذِكْرُ مَنْ يَقْدُمُ عَلَيْهِ مِنْ إِخْوَانِهِ يُبَشَّرُ بِذَلِكَ فَيُسَرُّ وَيَسْتَبْشِرُ كَمَا يَسْتَبْشِرُ أَهْلُ الْغَائِبِ بِقُدُومِهِ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا. وَاخْتَارَ أَبُو مُسْلِمٍ وَالزَّجَّاجُ أَنَّ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ: هُمْ إِخْوَانُهُمُ الَّذِينَ لَا يُحَصِّلُونَ فَضِيلَةَ الشَّهَادَةِ فَلَا يَنَالُونَ مِثْلَ دَرَجَتِهِمْ، وَأَنَّ اسْتِبْشَارَهُمْ بِهِمْ يَكُونُ عِنْدَ دُخُولِهِمُ الْجَنَّةَ بَعْدَ الْقِيَامَةِ قَبْلَهُمْ فَيَرَوْنَ مَنَازِلَهُمْ فِيهَا وَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ مِنْ أَهْلِهَا وَإِنْ فَاتَتْهُمْ دَرَجَةُ الشَّهَادَةِ، وَلاسيما إِذَا كَانَ الْمُرَادُ بِالَّذِينَ مِنْ خَلْفِهِمْ مَنْ جَاهَدَ مِثْلَهُمْ وَلَمْ يُقْتَلْ {فَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَةً وَكُلًّا وَعَدَ اللهُ الْحُسْنَى وَفَضَّلَ اللهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْرًا عَظِيمًا دَرَجَاتٍ مِنْهُ وَمَغْفِرَةً وَرَحْمَةً وَكَانَ اللهُ غَفُورًا رَحِيمًا} [4: 95، 96] وَالْآيَةُ الْآتِيَةُ تُؤَيِّدُ كَوْنَ الْمُرَادِ بِمَنْ خَلْفَهُمْ بَقِيَّةَ الْمُجَاهِدِينَ الَّذِينَ لَمْ يُقْتَلُوا.
وَقوله: {أَلَّا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ} بَدَلُ اشْتِمَالٍ {مِنَ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ} أَيْ {يَسْتَبْشِرُونَ بِهِمْ} مِنْ حَيْثُ أنه {لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ}، فَالْخَوْفُ وَالْحُزْنُ عَلَى هَذَا مَنْفِيَّانِ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ. أَوِ الْبَاءُ لِلسَّبَبِيَّةِ وَالْمَعْنَى بِسَبَبِ أنه لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ إِلَخْ. وَحِينَئِذٍ يَحْتَمِلُ أن يكونا مَنْفِيَّيْنِ عَنْهُمْ أَنْفُسِهِمْ، أَيْ إِنَّ الْفَرَحَ وَالِاسْتِبْشَارَ يَكُونَانِ شَامِلَيْنِ لَهُمْ بِحَالِهِمْ وَبِحَالِ مَنْ خَلْفَهُمْ مِنْ إِخْوَانِهِمْ بِسَبَبِ انْتِفَاءِ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ عَنْهُمْ وَهُمْ حَيْثُ هُمْ. كَمَا يَحْتَمِلُ أن يكون الْمُرَادُ نَفْيَهُمَا عَنِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحِقُوا بِهِمْ أيضا، وَالْمُخْتَارُ عِنْدِي أَنَّ الْمُرَادَ بِنَفْيِ الْخَوْفِ وَالْحُزْنِ نَفْيُهُمَا عَنِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِمَّنْ قَاتَلَ مَعَهُمْ وَلَمْ يُقْتَلْ، وَأَنَّ الْآيَةَ الْآتِيَةَ مُفَسِّرَةٌ لِذَلِكَ. وَالْخَوْفُ: تَأَلُّمٌ مِنْ مَكْرُوهٍ يُتَوَقَّعُ، وَالْحُزْنُ: تَأَلُّمٌ مِنْ مَكْرُوهٍ وَقَعَ، وَتَقَدَّمَ تَفْسِيرُ هَذَا التَّرْكِيبِ فِي الْجُزْءِ الْأَوَّلِ رَاجِعْ تَفْسِيرَ {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا} [2: 62] وَقَدْ قِيلَ إِنَّ الْمُرَادَ بِالْخَوْفِ وَالْحُزْنِ: مَا يَكُونُ فِي الدُّنْيَا، وَقِيلَ: بَلِ الْمُرَادُ مَا يَكُونُ فِي الْآخِرَةِ. وَيَجُوزُ أن يكون الْمَعْنَى أنه لَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ فِي الدُّنْيَا مِنِ اسْتِئْصَالِ الْمُشْرِكِينَ لَهُمْ أَوْ ظَفَرِهِمْ بِهِمْ ثَانِيَةً وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ فِي الْمُسْتَقْبَلِ الْبَعِيدِ عِنْدَمَا يَقْدُمُونَ عَلَى رَبِّهِمْ فِي الْآخِرَةِ، فَاعْرِضْ هَذَا عَلَى الْآيَاتِ الْآتِيَةِ إِلَى قَوْلِهِ فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ ضَمِيرُ يَسْتَبْشِرُونَ إِمَّا لِلشُّهَدَاءِ وَإِمَّا لِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ، فَإِنْ كَانَ لِلشُّهَدَاءِ فَهُوَ عَمَّا يَتَجَدَّدُ لَهُمْ مِنْ نِعْمَةٍ وَفَضْلٍ، أَوِ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ بِنِعْمَةٍ مَا ذَكَرَهُ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ مِنْ كَوْنِهِمْ أَحْيَاءً عِنْدَهُ يُرْزَقُونَ وَفَضْلٍ هُوَ عَيْنُ مَا ذَكَرَهُ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ مِنْ كَوْنِهِمْ فَرِحِينَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ وَإِنْ كَانَ لِلَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ فَالْمَعْنَى أَنَّهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ بِمِثْلِ مَا فَرِحَ بِهِ الشُّهَدَاءُ وَأَنَّ اللهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُؤْمِنِينَ وَقَرَأَ الْكِسَائِيُّ {وَإِنَّ} بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ عَلَى أنه تَذْيِيلٌ، أَوْ مُعْتَرِضٌ لِتَأْيِيدِ مَعْنَى مَا قَبْلَهُ، وَالْمُؤْمِنُونَ هُنَا عَامٌّ أُرِيدُ بِهِ خُصُوصُ الَّذِينَ وَصَفَهُمْ بِقوله: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَالرَّسُولِ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ} وَهُمْ إِخْوَانُ أُولَئِكَ الشُّهَدَاءِ الَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ فَدَعَاهُمُ الرَّسُولُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى اتِّبَاعِ أَبِي سُفْيَانَ فِي حَمْرَاءِ الْأَسَدِ فَاسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَلَهُ مِنْ بَعْدِ مَا أَصَابَهُمُ الْقَرْحُ فِي أُحُدٍ حَتَّى أَنْهَكَ قُوَاهُمْ وَتَقَدَّمَ بَيَانُ ذَلِكَ مُفَصَّلًا فِي أَوَّلِ السِّيَاقِ (رَاجِعْ غَزْوَةِ حَمْرَاءِ الْأَسَدِ) وَقِيلَ: هُوَ عَلَى عُمُومِهِ، وَقِيلَ: إِنَّ الْمُرَادَ بِهِ الشُّهَدَاءُ وَالْجُمْلَةُ عَلَى هَذَيْنِ الْقَوْلَيْنِ ابْتِدَائِيَّةٌ وَمَدْحِيَّةٌ.
وَقَالَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ: ذَكَرَ فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ اسْتِبْشَارَهُمْ بِالَّذِينَ لَمْ يَلْحَقُوا بِهِمْ مِنْ خَلْفِهِمْ وَأَنَّهُمْ فَرِحُونَ بِمَا آتَاهُمُ اللهُ مِنْ فَضْلِهِ ثُمَّ ذَكَرَ هُنَا أَنَّهُمْ يَسْتَبْشِرُونَ بِنِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَفَضْلٍ. فَالَّذِي آتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ مُجْمَلٌ تَفْصِيلُهُ مَا بَعْدَهُ وَهُوَ قِسْمَانِ: فَضْلٌ عَلَيْهِمْ فِي إِخْوَانِهِمُ الَّذِينَ وَرَاءَهُمْ، وَفَضْلٌ عَلَيْهِمْ فِي أَنْفُسِهِمْ وَهُوَ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِمْ، وَفَضْلُهُ الْخَاصُّ بِهِمْ فِي دَارِ الْكَرَامَةِ، وَقَدْ أَبْهَمَهُ فَلَمْ يُعَيِّنْهُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى عِظَمِهِ وَعَلَى كَوْنِهِ غَيْبًا لَا يُكْتَنَهُ كُنْهُهُ فِي هَذِهِ الدَّارِ، ثُمَّ اخْتَتَمَ الْكَلَامَ بِفَضْلِهِ عَلَى إِخْوَانِهِمْ كَمَا افْتَتَحَهُ بِهِ، وَتَرَكَ الْعَطْفَ لِتَنْزِيلِ الِاسْتِبْشَارِ الثَّانِي مَنْزِلَةَ الِاسْتِبْشَارِ الْأَوَّلِ حَتَّى كَأَنَّهُ هُوَ اهـ. لَيْسَ عِنْدِي فِي ذَلِكَ عَنْهُ غَيْرُ هَذَا.
وَقوله: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا مِنْهُمْ وَاتَّقَوْا أَجْرٌ عَظِيمٌ} جُمْلَةٌ ابْتِدَائِيَّةٌ عَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ، وَخَبَرِيَّةٌ عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْآخَرَيْنِ مِمَّا تَقَدَّمَ. وَقَدْ يُقَالُ: إِنَّ أُولَئِكَ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ فِي تِلْكَ الْحَالَةِ هُمْ خِيَارُ الْمُؤْمِنِينَ، وَكُلُّهُمْ مِنَ الْمُحْسِنِينَ الْمُتَّقِينَ، فَمَا مَعْنَى قَوْلِهِ: {مِنْهُمْ}؟ وَأَجَابُوا عَنْ ذَلِكَ بِأَنَّ مِنْ هُنَا لِلتَّبْيِينِ لَا لِلتَّبْعِيضِ، وَأَنَّ الْوَصْفَ بِالْإِحْسَانِ وَالتَّقْوَى لِلْمَدْحِ وَالتَّعْلِيلِ لَا لِلتَّقْيِيدِ، وَاخْتَارَ الْأُسْتَاذُ الْإِمَامُ قَوْلَ مَنْ قَالَ إِنَّ مِنْ لِلتَّبْعِيضِ وَقَالَ هِيَ فِي مَحَلِّهَا؛ لِأَنَّ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ مَنْ لَمْ يَخْرُجْ مَعَهُ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ أَيْ وَهُمْ مِنَ الَّذِينَ لَا يُضَيِّعُ اللهُ أَجْرَهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ لَا يَسْتَحِقُّونَ الْأَجْرَ الْعَظِيمَ الَّذِي اسْتَحَقَّهُ الَّذِينَ خَرَجُوا مَعَهُ وَهُمْ مُثْقَلُونَ بِالْجِرَاحِ وَمُرْهَقُونَ مِنَ الْإِعْيَاءِ إِلَى اسْتِئْنَافِ قِتَالِ أَضْعَافِهِمْ مِنَ الْأَقْوِيَاءِ.
أَقُولُ: فَالضَّمِيرُ فِي قوله: {مِنْهُمْ} رَاجِعٌ عَلَى هَذَا الْقَوْلِ لِلْمُؤْمِنِينَ لَا لِلَّذِينَ اسْتَجَابُوا، وَهُوَ لَا يَظْهَرُ إِلَّا إِذَا جَعَلْنَا قوله: {الَّذِينَ اسْتَجَابُوا} مَنْصُوبًا عَلَى الْمَدْحِ، وَالْجُمْلَةُ الْمَدْحِيَّةُ مُعْتَرِضَةٌ- قَالَ الْأُسْتَاذُ: وَثَمَّ وَجْهٌ آخَرُ وَهُوَ أنه وُجِدَ فِي نُفُوسِ بَعْضِ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أُحُدٍ شَيْءٌ مِنَ الضَّعْفِ، فَهَذِهِ الْآيَاتُ كُلُّهَا تَأْدِيبٌ لَهُمْ، وَلَمَّا دَعَاهُمْ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلْخُرُوجِ لَبَّوْا وَاسْتَجَابُوا لَهُ ظَاهِرًا وَبَاطِنًا، وَلَكِنْ عَرَضَ لِبَعْضِهِمْ عِنْدَ الْخُرُوجِ بِالْفِعْلِ مَوَانِعُ فِي أَنْفُسِهِمْ أَوْ أَهْلِيهِمْ فَلَمْ يَخْرُجُوا، فَأَرَادَ مَنِ الَّذِينَ أَحْسَنُوا وَاتَّقَوْا: الَّذِينَ خَرَجُوا بِالْفِعْلِ وَهُمْ بَعْضُ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا. وَالْإِحْسَانُ: أَنْ يَعْمَلَ الْإِنْسَانُ الْعَمَلَ عَلَى أَكْمَلِ وُجُوهِهِ الْمُمْكِنَةِ. وَالتَّقْوَى أَنْ يَتَّقِيَ الْإِسَاءَةَ وَالتَّقْصِيرَ فِيهِ.
أَقُولُ: وَهَذَا الْوَجْهُ أَظْهَرُ الْوُجُوهِ وَأَحْسَنُهَا.
وَمِمَّا أَشَارَ إِلَيْهِ الْأُسْتَاذُ مَا رَوَاهُ ابْنُ إِسْحَاقَ أنه لَمَّا أَذَّنَ مُؤَذِّنُ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِطَلَبِ الْعَدُوِّ وَأَلَّا يَخْرُجَ مَعَنَا إِلَّا مِنْ حَضَرَ يَوْمَنَا بِالْأَمْسِ كَلَّمَهُ جَابِرُ بْنُ عَبْدِ اللهِ بْنِ حَرَامٍ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللهِ إِنَّ أَبَى كَانَ خَلَّفَنِي عَلَى أَخَوَاتٍ لِي سَبْعٍ وَقَالَ: يَا بُنَيَّ لَا يَنْبَغِي لِي وَلَا لَكَ أَنْ نَتْرُكَ هَؤُلَاءِ النِّسْوَةِ لَا رَجُلَ فِيهِنَّ، وَلَسْتُ بِالَّذِي أُوثِرُكَ بِالْجِهَادِ مَعَ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَلَى نَفْسِي فَتَخَلَّفْ عَلَى أَخَوَاتِكَ. فَتَخَلَّفَ عَلَيْهِنَّ، فَأَذِنَ لَهُ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَلْيَعْتَبِرِ الْمُسْلِمُونَ بِهَذِهِ الْآيَاتِ الَّتِي وَرَدَتْ فِي أُولَئِكَ الْأَبْرَارِ الْأَخْيَارِ الَّذِينَ بَذَلُوا أَمْوَالَهُمْ وَأَنْفُسَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ، وَكَيْفَ جَاءَ وَعْدُهُمْ بِالْأَجْرِ مَقْرُونًا بِوَصْفِ الْإِحْسَانِ وَالتَّقْوَى، وَأَنَّى يَعْتَبِرُ الْمَغْرُورُونَ الْمُسِيئُونَ الَّذِينَ هُمْ عَنْ صَلَاتِهِمْ سَاهُونَ وَالَّذِينَ هُمْ لِلزَّكَاةِ مَانِعُونَ، وَالَّذِينَ يَبْخَلُونَ بِأَنْفُسِهِمْ فَلَا يَبْذُلُونَهَا فِي سَبِيلِ الْحَقِّ وَلَا يَتْعَبُونَ، وَالَّذِينَ يَقُولُونَ الْكَذِبَ وَهُمْ يَعْمَلُونَ، وَالَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَ الْمُبْطِلِينَ وَيَنْصُرُونَ، وَيُشَاقُّونَ أَهْلَ الْحَقِّ وَيَخْذُلُونَ، وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ عَلَى شَيْءٍ! أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْكَاذِبُونَ، وَاللهُ يَعْلَمُ مَا يُسِرُّونَ وَمَا يُعْلِنُونَ.
الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ: هُمُ الَّذِينَ اسْتَجَابُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ فَخَرَجُوا إِلَى حَمْرَاءِ الْأَسَدِ لِلِقَاءِ الْمُشْرِكِينَ إِذْ عَادَ بِهِمْ أَبُو سُفْيَأن لاسْتِئْصَالِهِمْ وَكَانُوا سَبْعِينَ رَجُلًا كَمَا تَقَدَّمَ، وَلَكِنْ رُوِيَ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمُجَاهِدٍ وقَتَادَةَ وَعِكْرِمَةَ أَنَّ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي غَزْوَةِ بَدْرٍ الصُّغْرَى، وَذَلِكَ أَنَّ أَبَا سُفْيَانَ قَالَ حِينَ أَرَادَ أَنْ يَنْصَرِفَ مِنْ أُحُدٍ: يَا مُحَمَّدُ مَوْعِدُ مَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ مَوْسِمُ بَدْرٍ الْقَابِلُ إِنْ شِئْتَ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: ذَلِكَ بَيْنَنَا وَبَيْنَكَ إِنْ شَاءَ اللهُ (كَمَا تَقَدَّمَ) فَلَمَّا كَانَ الْعَامُ الْقَابِلُ خَرَجَ أَبُو سُفْيَانَ فِي أَهْلِ مَكَّةَ حَتَّى نَزَلَ مَجَنَّةً مِنْ نَاحِيَةِ مَرِّ الظَّهْرَانِ وَقِيلَ بَلَغَ عُسْفَانَ فَأَلْقَى اللهُ تعالى الرُّعْبَ فِي قَلْبِهِ فَبَدَا لَهُ الْجُوعُ، فَلَقِيَ نُعَيْمَ بْنَ مَسْعُودٍ الْأَشْجَعِيَّ وَقَدْ قَدِمَ مُعْتَمِرًا فَقَالَ لَهُ أَبُو سُفْيَانَ: إِنِّي وَاعَدْتُ مُحَمَّدًا وَأَصْحَابَهُ أَنْ نَلْتَقِيَ بِمَوْسِمِ بَدْرٍ وَإِنَّ هَذَا عَامُ جَدْبٍ وَلَا يُصْلِحُنَا إِلَّا عَامٌ نَرْعَى فِيهِ الشَّجَرَ وَنَشْرَبُ فِيهِ اللَّبَنَ، وَقَدْ بَدَا لِي أَنْ أَرْجِعَ وَأَكْرَهُ أَنْ يَخْرُجَ مُحَمَّدٌ وَلَا أَخْرُجُ أَنَا فَيَزِيدُهُمْ ذَلِكَ جُرْأَةً فَالْحَقْ بِالْمَدِينَةِ فَثَبِّطْهُمْ وَلَكَ عِنْدِي عَشَرَةٌ مِنَ الْإِبِلِ أَضَعُهَا فِي يَدَيْ سُهَيْلِ بْنِ عَمْرٍو. فَأَتَى نُعَيْمٌ الْمَدِينَةَ فَوَجَدَ الْمُسْلِمِينَ يَتَجَهَّزُونَ لِمِيعَادِ أَبِي سُفْيَانَ فَقَالَ لَهُمْ: مَا هَذَا بِالرَّأْيِ، أَتَوْكُمْ فِي دِيَارِكُمْ وَقَرَارِكُمْ فَلَمْ يُفْلِتْ مِنْكُمْ إِلَّا شَرِيدٌ، فَتُرِيدُونَ أَنْ تَخْرُجُوا إِلَيْهِمْ وَقَدْ جَمَعُوا لَكُمْ عِنْدَ الْمَوْسِمِ! فَوَاللهِ لَا يُفْلِتُ مِنْكُمْ أَحَدٌ. فَوَقَعَ هَذَا الْكَلَامُ فِي قُلُوبِ قَوْمٍ مِنْهُمْ فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: وَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَأَخْرُجَنَّ وَلَوْ وَحْدِي فَخَرَجَ وَمَعَهُ سَبْعُونَ رَاكِبًا يَقُولُونَ: {حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} حَتَّى وَافَى بَدْرًا فَأَقَامَ بِهَا ثَمَانِيَةَ أَيَّامٍ يَنْتَظِرُ أَبَا سُفْيَانَ فَلَمْ يَلْقَوْا أَحَدًا لِأَنَّ أَبَا سُفْيَانَ رَجَعَ بِجَيْشِهِ إِلَى مَكَّةَ (وَكَانَ مَعَهُ- كَمَا قَالَ ابْنُ الْقَيِّمِ- أَلْفَا رَجُلٍ) فَسَمَّاهُ أَهْلُ مَكَّةَ جَيْشَ السَّوِيقِ، وَقَالُوا لَهُمْ: إِنَّمَا خَرَجْتُمْ لِتَشْرَبُوا السَّوِيقَ. قَالَ بَعْضُهُمْ: وَوَافَى الْمُسْلِمُونَ سُوقَ بَدْرٍ وَكَانَتْ مَعَهُمْ نَفَقَاتٌ وَتِجَارَاتٌ فَبَاعُوا وَاشْتَرَوْا أُدْمًا وَزَبِيبًا وَرَبِحُوا وَأَصَابُوا بِالدِّرْهَمِ دِرْهَمَيْنِ وَانْصَرَفُوا إِلَى الْمَدِينَةِ سَالِمِينَ غَانِمِينَ. وَقَالَ فِي ذَلِكَ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ أَوْ كَعْبُ بْنُ مَالِكٍ:
وَعَدْنَا أَبَا سُفْيَانَ وَعْدًا فَلَمْ نَجِدْ ** لِمِيعَادِهِ صِدْقًا وَمَا كَانَ وَافِيَا

فَأُقْسِمُ لَوْ وَافَيْتَنَا فَلَقِيتَنَا ** لَأُبْتَ ذَمِيمًا وَافْتَقَدْتَ الْمَوَالِيَا

تَرَكْنَا بِهِ أَوْصَالَ عُتْبَةَ وَابْنَهُ ** وَعَمْرًا أَبَا جَهْلٍ تَرَكْنَاهُ ثَاوِيَا

عَصَيْتُمْ رَسُولَ اللهِ أُفٍّ لِدِينِكُمْ ** وَأَمْرِكُمُ الشَّيْءَ الَّذِي كَانَ غَاوِيَا

وَإِنِّي وَإِنْ عَنَّفْتُمُونِي لَقَائِلٌ ** فِدًى لِرَسُولِ اللهِ أَهْلِي وَمَالِيَا

أَطَعْنَاهُ لَمْ نَعْدِلْهُ فِينَا بِغَيْرِهِ ** شِهَابًا لَنَا فِي ظُلْمَةِ اللَّيْلِ هَادِيَا