فصل: قال الأخفش:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الأخفش:

سورة النساء:
{يا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُواْ اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا}.
قال تعالى: {تَسَاءَلُونَ بِهِ} خفيفة لأنها من تساؤلهم فانههم {يَتَساءَلُونَ} فحذف التاء الأخيرة، وذلك كثير في كلام العرب نحو {تَكَلَّمُونَ} وان شئت ثقلّت فادغمت.
قال الله تعالى: {وَالأَرْحَامَ} منصوبة أي: اتقوا الأَرْحام. وقال بعضهم {والأَرْحامِ} جرّ. والأوَّلُ أحسن لأنك لا تجري الظاهر المجرور على المضمر المجرور.
وقال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} تقول من الرقيب: رَقَبَ يَرْقُبُ رَقْبًا ورَقُوبا.
{وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا}.
قال: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ} أي: مَعَ أَمْوالكُم {إِنَّهُ كَانَ حُوْبًا كَبِيرا} يقول: أَكْلُها كانَ حُوبًا كبيرًا.
{وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذلك أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ}.
قال: {وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى} لأنه من أَقْسَطَ يُقْسِطُ. والإِقْساطُ: العَدْل. واما قَسَطَ فإنَّه جَار قال: {وَأَمَّا الْقَاسِطُونَ فَكَانُواْ لِجَهَنَّمَ حَطَبًا} فأَقْسَطَ: عَدلَ وقَسَطَ: جارَ. قال: {وَأَقْسِطُواْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}.
قال: {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً} يقول: {فانكِحوا} واحدة {أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ}. أي: انكحوا ما ملكت ايمانكم. وأما ترك الصرف في {مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} فانه عدل عن اثنين وثَلاثٍ وأَربعٍ كما انه من عدل عُمَر عن عامِر لم يصرف. وقال تعالى: {أُوْلِي أَجْنِحَةٍ مَّثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ} فنصب. وقال: {أَن تَقُومُواْ لِلَّهِ مَثْنَى وَفُرَادَى} فهو معدول كذلك، ولو سميت به صرفت لأنه اذا كان اسما فليس في معنى اثنين وثلاثة وأربعة. كما قال نَزَالِ حين كان في معنى انزِلوا واذا سميت به رفعته.
قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثاني والستون بعد المائة]
أَحَمَّ اللّهُ ذلِكَ مِنْ لِقاءٍ ** أُحادَ أُسادَ في شَهْرٍ حَلال

وقال [من الطويل وهو الشاهد الثالث والستون بعد المائة]
وَلَكِنَّما أَهْلِي بِوادٍ أَنِيسُه ** ذِئابٌ تَبَغَّى الناسَ مَثْنَى وَمْوحَدا

وقال تعالى: {فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ} يقول: لِيَنْكِحَ كُلٌّ واحدٍ منكُمْ كلَّ واحدةٍ من هذهِ العِدَّة كما قال تعالى: {فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً} يقول: فاجْلُدُوا كلَّ واحدٍ منهم.
{وَآتُواْ النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا}.
قال: {وَآتُواْ النِّسَاءَ صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً} وواحد الصَّدُقاتِ: صَدُقَة وبنو عميم تقول: صُدْقة ساكنة الدال مضمومة الصاد.
وقال: {فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا} فقد يجري الواحد مجرى الجماعة لأنه انما اراد الهَوى والهَوى يكون جماعة. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الرابع والستون بعد المائة]
بِها جِيَفُ الحَسْرى فأَمَّا عِظامُها ** فَبِيضٌ وأمّا جِلْدُها فصَليبُ

وأما هَنِيءٌ مَريءُ فتقول: هَنُؤَ هذا الطعام ومرؤ وهَنِئ ومَرِىءَ كما تقول: فَقِهَ وفَقُهَ يكسرون القاف ويضمونها. وتقول: هَنَأَنِي وهنَئِتُهُ واستمرأته.
{وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} وقال: {فَإِنْ آنَسْتُمْ مِّنْهُمْ رُشْدًا} وقال: {آنَسْتُمْ} ممدودة. تقول: آنَسْتُ منهُ رُشْدًا وخيرًا و{آنَسْتُ نَارا} مثلها ممدودة وتقول: أنِسْتُ بالرَّجُلِ أُنْسًا فالف أَنِسْتُ مقصورة وألف أُنْسًا مضمومة*. ويقال أنَسَا.
وقال: {إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ} يقول لا تأكُلُوها مبادرةَ أَنْ يَشُبُّوا.
{لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا}.
قال: {لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ} الى قوله: {نَصِيبًا مَّفْرُوضًا} فانتصابه كانتصاب {كِتَابًا مُّؤَجَّلًا}.
{وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلًا مَّعْرُوفًا}.
قال: {وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ} ثم قال: {فَارْزُقُوهُمْ مِّنْهُ} لأن معناه المال والميراث فذكّر على ذلك المعنى.
{وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُواّ اللَّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلًا سَدِيدًا}.
قال: {وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً} لأنه يريد وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية يخافون عليهم مثل ما يركون منهم من ذرية غيرهم. أي: فلا يفْعَلُن ذلك حتى لا يفعله بهم غيرهم؛ فليخشوا أي: فَلْيَخْشَوْا هذا أي: فَلْيَتَّقُوا. ثم عاد أيضًا فقال: {فَلْيَتَّقُوا اللّهَ}.
{إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} [و] قال: {سَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا} فالياء تفتح وتضم هاهنا وكل صواب. وقوله: {فِي بُطُونِهِمْ} توكيد.
{يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاءً فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُنْ لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا أَوْ دَيْنٍ آبَاؤُكُمْ وَأَبناؤُكُمْ لاَ تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلِيمًا حَكِيمًا}.
قال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنْثَيَيْنِ} فالمثل مرفوع على الابتداء وانما هو تفسير الوصية كما قال: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ لَهُم مَّغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} فسر الوعد يقول: هكَذا وَعَدَهُمْ أي: قال: {لَهُمْ مَغْفِرَةٌ}. قال الشاعر: [من الطويل وهو الشاهد الخامس والستون بعد المائة]
عَشِيَّةَ ما وَدَّ ابْنُ غَرَّاءَ أْمُّهُ ** لَها مِنْ سِوانا إذْ دَعَا أَبَوانِ

قال: {فَإِن كُنَّ نِسَاءً} فترك الكلام الأول وقال إذا كان المتروكات نساءً نصب وكذلك {وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً}.
وقال: {وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ} فهذه الهاء التي في أبويه ضمير الميت لأنه لما قال: {يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ} كان المعنى: يوصي اللّهُ الميتَ قبلَ موتِهِ بأنَّ عَليْه لأَبويهِ كذا ولوَلَدِه كذا. أي: فلا يأخُذَنَّ إلاّ ماله.
وقال: {فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ} فيذكرون أن الأخوة اثنان ومثله إنّا فَعَلْنا وانتما اثنان، وقد يشبه ما كان من شيئين وليس مثله، ولكن اثنين قد جعل جماعة في قول الله عز وجل: {إِن تَتُوبَا إِلَى اللَّهِ فَقَدْ صَغَتْ قُلُوبُكُمَا} وقال: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا} وذلك ان في كلام العرب ان كل شيئين من شيئين فهو جماعة وقد يكون اثنين في الشعر [قال الشاعر]:
[من الطويل وهو الشاهد السادس والستون بعد المائة]
بِما فِي فُؤادَيْنا من الشَوْقِ والهَوى ** فَيُجْبَرُ مُنْهاضُ الفُؤَادِ المُشَعَّفُ

وقال الفرزدق: [من الطويل وهو الشاهد السابع والستون بعد المائة]
هُما نَفَثا فِي فِيَّ مِنْ فَمَوَيْهِما ** على النّابِحِ العاوِي أَشَدّ لِجامِ

وقد يجعل هذا في الشعر واحدا. قال: [من الرجز وهو الشاهد الثامن والستون بعد المائة]
لا نُنْكِرُ القَتْلَ وقد سُبِينا ** في حَلْقِكُمْ عَظْمٌ وَقَدْ شُجِينا

وقال الآخر: [من الوافر وهو الشاهد التاسع والستون بعد المائة]
كُلُوا في بَعْضِ بَطْنِكُمُ تَعَفُّوا ** فإِنَّ زَمانَخكُمْ زَمَنَ خَمِيصُ

ونظير هذا قوله: تِسْعُمائة وانما هو تِسْعُ مئات أو مِئيِن فجعله واحدا، وذلك ان ما بين العشرة الى الثلاثة يكون جماعة نحو: ثلاثة رجال وعشرةُ رجال ثم جعلوه في المِئينَ واحدا.
وقال: {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِي بِهَا} لأنه ذكر الرجل حين قال: {وَوَرِثَهُ أَبَواهُ} وقال بعضهم {يُوصِى} وكلٌّ حسن. ونظير {يُوصِي} بالياء.
{وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِنْ لَّمْ يَكُنْ لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصِينَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَلَهُنَّ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْتُمْ إِن لَّمْ يَكُنْ لَّكُمْ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَكُمْ وَلَدٌ فَلَهُنَّ الثُّمُنُ مِمَّا تَرَكْتُم مِّن بَعْدِ وَصِيَّةٍ تُوصُونَ بِهَا أَوْ دَيْنٍ وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ فَإِن كَانُواْ أَكْثَرَ مِن ذلك فَهُمْ شُرَكَاءُ فِي الثُّلُثِ مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ}.
{تُوْصُونَ} و{يُوصِينَ} حين ذكرهن، واحتج الذي قال: {يُوصِي} بالياء بقوله: {غَيْرَ مُضَآرٍّ وَصِيَّةً مِّنَ اللَّهِ} [فـ] نصب {وَصِيَّةً} و{فَرِيضَةً مِّنَ اللَّهِ} [11] كما نصب {كِتَابًا مُؤَجَّلًا}. وقال: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً} ولو قرئت {يُورِثُ} كان جيدا وتنصب {كَلاَلَةً} وقد ذُكِرَ عن الحسن، فإن شئت نصبت كلالةً على خبر {كانَ} وجعلت {يُورَث} من صفة الرجل، وإن شئت جعلت {كانَ} تستغني عن الخبر نحو {وَقَعَ}، وجعلت نصب {كَلالَةً} على الحال أي: {يورَثُ كلالةً} كما تقول: يُضْرَبُ قَائِمًا قال الشاعر في كان التي لا خبر لها: [من الطويل وهو الشاهد السبعون بعد المائة]
فِدَى لِبَنِي ذُهْلِ بنِ شَيْبانَ نَاقَتِي ** إذا كانَ يَوْمٌ ذُو كواكِبَ أشهَبُ

قال: {وَإِن كَانَ رَجُلٌ يُورَثُ كَلاَلَةً أَو امْرَأَةٌ وَلَهُ أَخٌ أَوْ أُخْتٌ فَلِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا} يريد من المذكورين. ويجوز ان نقول للرجل اذا قلت زيدٌ أو عمرٌ مُنْطَلِقٌ: هذانِ رجلا سَوْء أي: اللذان ذكرت.
{وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَمَقْتًا وَسَاءَ سَبِيلًا}.
قال: {وَلاَ تَنكِحُواْ مَا نَكَحَ آبَاؤُكُمْ مِّنَ النِّسَاءِ إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ} لأن معناه: فانكم تؤخذون به. فلذلك قال: {إِلاَّ مَا قَدْ سَلَفَ}، أيْ: فليس عليكم جناح. ومثل هذا في كلام العرب كثير، تقول: لا نَصْنَعْ ما صَنَعْتَ ولا نَأْكُلْ ما أَكَلْتَ.
{وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِنْ مَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
قال: {وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلًا أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ} على ومن لم يجد طولا ان ينكح يقول إلى أنْ ينكِحَ لأن حرف الجر يضمر مع أن.
وقال: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} فرفع {بَعْضُكُمْ} على الابتداء. وقال: {بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ} لأن: الأَهْلَ جماعة ولكنه قد يجمع فيقال: أَهْلُونَ كما تقول: قَوْمٌ وأقوامٌ فتجمع الجماعة وقال: {شَغَلَتْنَا أَمْوَالُنَا وَأَهْلُونَا} فجمع. وقال: {قُواْ أَنفُسَكُمْ وَأَهْلِيكُمْ نَارًا} فهذه الياء ياء جماعة فلذلك سكنت وهكذا نصبها وجرها باسكان الياء وذهبت النون للاضافة.
وقال: {وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ} يقول: والصَبْر خَيْرٌ لكم.
قال: {وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُمْ مِّن بَعْضٍ} أي: اللّهُ أَعْلَم بإِيمان بعضكم من بعض.
{يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ}.
قال: {يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ} يقول: وَلِيَهْدِيَكُمْ ومعناه: يريد كذا وكذا ليبين لكم. وان شئت أوصلت الفعل باللام الى أن المضمرة بعد اللام نحو {إِن كُنتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ} وكما قال: {وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ} فكسر اللام أي: أمرت من أجل ذلك.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا}.
قال: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنْكُمْ} فقوله: {إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةٌ} استثناء خارج من أول الكلام و(تكونَ) هي تَقَعُ في المعنى وفي كانَ التي لا تحتاج الى الخبر فلذلك رفع التجارة.
{إِن تَجْتَنِبُواْ كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلًا كَرِيمًا}.
قال: {وَيُدْخِلْكُمْ مُّدْخَلًا كَرِيمًا} لأنها من أَدْخَلَ يُدْخِلُ: والموضع من هذا مضموم الميم لأنه مشبه ببنات الأربعة دحرج ونحوها. الا ترى انك تقول: هذا مُدَحْرَجُنا فالميم اذا جاوز الفعل الثلاثة مضمومة. قال أمَيَّةُ بن أبي الصلت: [من البسيط وهو الشاهد الحادي والسبعون بعد المائة]
الحَمْدُ للّهِ مُمْسانا وَمُصْبَحنَا ** بِالْخَيْرِ صَبَّحنا رَبِّي وَمَسَّانا

لأنه من أمْسى وأَصْبَحَ. وقال: {رَّبِّ أَدْخِلْنِي مُدْخَلَ صِدْقٍ وَأَخْرِجْنِي مُخْرَجَ صِدْقٍ}. وتكون الميم مفتوحة ان شئت اذا جعلته من دَخَل وخَرَج. وقال: {إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ} اذا جعلته من قاَم يَقوم، فان جعلته من أَقامَ يُقِيمُ قلت: مُقامٍ أَمين.
{وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ مَا فَضَّلَ اللَّهُ بِهِ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ لِّلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبُواْ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِّمَّا اكْتَسَبْنَ وَاسْأَلُواْ اللَّهَ مِن فَضْلِهِ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمًا}.
قال: {وَلاَ تَتَمَنَّوْاْ} ان شئت أدغمت التاء الأولى في الآخرة، فان قيل كيف يجوز ادغامها، وأنت اذا أدغمتها سكنت وقبلها الألف الساكنة التي في لا فتجمع ما بين ساكنين؟ قلت: إن هذه الألف حرف لين. وقد يدغم بعد مثلها في الاتصال وفي غيره نحو يضربانّي و{فَلاَ تّنَاجَوْاْ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ} وتدغم ايضًا ومثله {قُلْ أَتُحَآجُّونّا فِي اللَّهِ} أدغمت وقبلها واو ساكنة. وان شئت لم تدغم هذا كله. وقد قرأ بعض القراء {فَبِمَ تُبَشِّرُونِ} أراد {تُبَشِّرُونَنِي} فاذهب احد النونين استثقالا لاجتماعهما، كما قال: ما أَحسَسْتُ مِنْهُمْ أَحدا فأَلقوا إحدى السينين استثقالا. فهذا أجدر أَنْ يستثقل لأنَّهُما جميعا متحركان. قال الشاعر: [من الوافر وهو الشاهد الثاني والسبعون بعد المائة]
تَراهُ كالثُّغَامِ يُعَلُّ مِسْكًا ** يَسُوءُ الفالِياتِ إِذَا فَلَيْنِي

فحذف النون الآخرة لأنها النون التي تزاد ليترك ما قبلها على حاله وليست باسم. فاما الأولى فلا يجوز طرحها فانها الاسم المضمر وقال ابو حية النميري: [من الوافر وهو الشاهد الثالث والسبعون بعد المائة]