فصل: بحث نفيس يتعلق بالآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



إن الحق سبحانه وتعالى يعطي لنا فكرة تقرب لنا الفهم، فنحن عندما كنا نتعلم الهندسة مثلًا؛ عرفنا أن الهندسة مكونة من نظريات، تبدأ من نظرية واحد، وتنتهي إلى ما لا نهاية، وحين جاء لنا مدرس ليبرهن لنا على نظرية مائة، استخدم في البرهان على ذلك النظرية التسع والتسعين، وعندما كان يبرهن على النظرية التسع والتسعين استعمل ما قبلها.
إذن فكل برهان على نظرية يستند إلى ما قبلها، والعقل الواعي المفكر المستنبط هو الذي يرتب المقدمات ويستخلص منها النتائج. وكل شيء في الكون يشترك فيه كل الناس. لكن العقل الذي يرتب ويستنبط يخيل إليه وإلى الناس أنه جاء بجديد، وهو لم يأت بجديد. بل ولَّد من الموجود جديدًا، مثال ذلك الطفل عندما يولد من أبويه، هل هما جاءا به من عدم؟ لا، بل جاء الولد من تزاوج، وعندما نسلسل الأمر نصل إلى آدم، فمن الذي جاء بآدم؟. إنه الله.
إذن فالبديهيات التي في الكون هي خميرة كل علم تقدمي وهي من صنع الله الذي أتقن كل شيء صنعًا، وكل نظرية مهما كانت معقدة في الكون منشؤها من الأمر البديهي، مثال ذلك البخار؛ عندما اكتشفوه وقبل أن يسيروا به الآلات ماذا حدث؟. كان هناك من يجلس فالتفت فوجد الإناء الذي به الماء يغلي ثم وجد غطاء الإناء يرتفع وينخفض، وعندما تعرف على السرّ، اكتشف أن كل بخار يستطيع أن يعطي. قوة دافعة، وبذلك بدأ عصر البخار. إذن فهو ذكي، وقد أخذ اكتشافه من بديهية موجودة في الكون، فإياك أن تغتر وتقول: إن العقل هو الذي اخترع، ولكن العقل عمل بالجهد في مطمورات الله في الوجود، ورتب ورتب ثم أخرج الاكتشاف.
لذلك فعندما يبتكر العقل البشري شيئًا جديدًا نقول له: أنت لم تبتكر، بل اكتشفت فقط، والحق سبحانه وتعالى يترك هذه العملية في الوجود. ويقول: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ} [فصلت: 53].
والبشرية عندما تكتشف شيئًا جديدًا، نقول لهم: القرآن مسّها وجاء بها، فيقولون: عجبًا هل فعل القرآن ذلك منذ أربعة عشر قرنًا، على الرغم من أنه نزل ليخاطب أمة أمية، وجاء على لسان رسول أميّ. ونقول: نعم.
والآية التي نحن بصددها فيها هذا: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا} [النساء: 56].
والجلود والأحاسيس شرحناها من قبل، ونظرية الحسّ- كما نعرف- شغلت العلماء الماديين، وأرادوا أن يعرفوا كيف نحسّ؟ منهم من قال: نحن نحسّ بالمخ. نقول لهم: لكن هناك مسائل لا تصل للمخ ونحس بها، بدليل أنه عندما يأتي واحد أمام عيني ويوجه أصبعه ليفتحها ويثقبها يصل أصبعه أغلق عيني أي أن شيئًا لم يصل للمخ حتى أحسّ. وبعض العلماء قال: إن الإحساس يتم عن طريق النخاع الشوكي والحركة العكسية، ثم انتهوا إلى أن الإحساس إنما ينشأ بشعيرات حسية منبطحة مع الجلد؛ بدليل أنك عندما تأخذ حقنة في العضل، فالحقنة فيها إبرة، ويكون الألم مثل لدغة البرغوث يحدث بمجرد ما تنفذ الإبرة من الجلد، وبعد ذلك لا تحس.
إذن فمركز الإحساس في الإنسان هو الشعيرات الحسية المنبطحة على الجلد، بدليل أن ربنا أوضح: أنه عندما يحترق الجلد يمتنع الإحساس، فأنا أبدل لهم الجلد ليستمر الإحساس: {كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ} أي صارت محترقة احتراقًا تاما وتعطلت عن الإحساس بالألم، آتيهم بجلد آخر لأديم عليهم العذاب؛ لأنه هو الذي سيوصل للنفس الواعية فتتألم، إذن فالآية مسّت قضية علمية معملية، لو أن القرآن تعرض لها بصراحة وجاء بصورة في الإحساس تقول: يا بني آدم محلّ الإحساس عندكم الجلد، لما فهموا شيئًا. لكنه تركها لتنضج في العقول على مهل.
{كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُواْ الْعَذَابَ}. فتكون علّة التبديل للجلود التي أحرقت بجلود جديدة كي يدوم العذاب ويذيل الحق الآية: {إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} والعزيز: هو الذي لا يُغلب ولا تَقدر أن تحتاط من أنه يهزمك أبدًا، فقد يقول كافر: لقد تلذذنا بالمعصية مرة لمدة خمس دقائق، ومرة لمدة ساعتين فيما يضيرني أن يحترق جلدي وتنتهي المسألة!! نقول له: لا إن الذي يعذبك لا يُغلب فسوف يديم عليك العذاب بأن يبدل لك الجلد بجلد آخر، وسبحانه حكيم. فالمسألة ليست مسألة جبروت يستعمله، لا. هو يستعمل جبروته بعدالة.
وبعد أن جاء بالعذاب أو بالجزاء المناسب لمن رفضوا الإيمان، لم ينس المقابل؛ لكي يكون البيان للغايتين: غاية الملتزم وغاية المنحرف. ولذلك يقول الحق بعد ذلك: {وَالَّذِينَ آمَنُواْ...}. اهـ.

.بحث نفيس يتعلق بالآية:

للدكتور زغلول النجار:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه أجمعين.
قبل أن نبدأ هذه الرحلة فلنتعرف على هذا العضو:
للجلد أسرار كثيرة تجعله شاهدا على عظمة الله تعالى: فالجلد هو العضو الأكبر في الجسد، فهو يمثل سدس 6/1 وزن الإنسان. وهو مكون من ثلاث طبقات كما يتبين لنا من خلال التشريح الدقيق:
1- الطبقة الخارجية: تظهر رقيقة وهي البشرة (Epiderme) وسنراها بتفصيل في صورة أخرى بتكبير أكبر.
الطبقة الوسطى: تسمى الأدمة (Derme) والتي تتكون من:- جريبات الشعر (Follicules pileux) المشار إليه بالحرف F.
- (Glandes) الغدد الدهنية: بجانب جريب الشعر: (Sébacées).
- (Glandes Sudoripares)الغدد العرقية:
- عضلة انتصاب الشعر.
والكل ملتم داخل النسيج الضام: (Tissu Conjonctif).
2- الطبقة الداخلية: تحت الأدمة: (Hypoderme) مكونة من الخلايا الدهنية (Tissu graisseux adipocytes) (انظر الصورة رقم 2).
وإذا أردنا أن نصف بتفصيل الطبقة الخارجية وهي البشرة، فهي مكونة من خمسة أنواع من الطبقات:
3- الطبقة الداخلية: وهي فوق الأدمة، تسمى الطبقة القاعدية وهي تتكون من خلايا قاعدية (Cellules basales) وهذه الخلايا تهاجر من الأسفل إلى أعلى سطح البشرة وتقع فيها تغيرات في النواة وفي هيلولها (Cytoplasme) إلى أن تصل إلى خارج البشرة بعد أن تفقد نواتها فتكون الطبقة الخارجية وهي الطبقة القرنية: (Couche Cornée). وهي التي يتخلص منها على شكل أوساخ عند الاستحمام.
إن طبقة البشرة تتكون من عدة طبقات يصل عددها إلى 25 طبقة متراصة ومتماسكة الجوانب.
تتجدد خلايا البشرة بمعدل مليون خلية جديدة كل 40 دقيقة ليحل محلها خلايا قاعدية جديدة أكثر شبابا وحيوية، ولكن يقل معدل هذا التجديد مع تقدم العمر ليصل إلى % 50 نقصان ما بين 30- 70 سنة وهذا ما يفسر تجعد الجلد وانكماشه.
وظائف الجلد:
نحن أمام جهاز تتعدد وظائفه مما يبعث على الانبهار والإعجاب.
1- (Effet protecteur) تمثل البشرة درعا واقيا يمنع وصول الجراثيم إلى الجسم.
2- في الجلد يتم صنع الفيتامين D بتأثير أشعة الشمس.
3- (Récepteur sensoriel) الجلد هو الرسول الأمين والحارس اليقظ الذي يستقبل الحس.
4- الجلد يحفظ درجة حرارة الجسم ثابتة بواسطة الغدد العرقية.
5- كما أن مع العرق يخرج جزء من الفضلات السامة التي تطرحها الأنسجة في الدم والتي يعتمد الجسم في خلاصه منها على الكليتين والجلد والرئتين.
6- كما أن الجلد يشارك في عملية التنفس ولو بقدر ضئيل بواسطة المسام المنتشرة فيه كما تتنفس الرئتان فيمتص الأكسجين O2ويطرح ثاني أوكسيد الكربون CO2.
وإذا أهمل تنظيف الجلد، تراكمت قشور الطبقة القرنية وتراكمت عليها المادة الدهنية والغبار والأوساخ والجراثيم، وانسدت مسام الجلد، وضعف إفرازه للعرق ضعفا كبيرا وعجز عن ضبط حرارة الجسم، وتأثرت وظائف الجسم الأخرى إذن فالعناية بنظافة الجلد ضرورية ما دامت وظائفه الفيزيولوجية ضرورية لا يستغنى عنها. وهذه هي الأهداف الصحيحة التي رمى إليها الشرع الاسلامي حين أوجب غسل الأعضاء المتعرضة أكثرللأوساخ والغبار مرات عديدة في الوضوء وهي الوجه والأطراف. وسبحان الله الوجه هو الذي يوجد به عدد كبير من الغدد الدهنية واليدان والرجلان يوجد بهما عدد كبير من الغدد العرقية. وجعل الشرع غسل الجنابة وغسل يوم الجمعة فرصة متجددة لتنظيف سائر الجسد وهذه هي الشروط الصحية المتناهية في الحكمة فرضت علينا من عند أحكم الحاكمين الذي يعلم السر وما يخفى.
والآن سنتطرق لوظائف الجلد المهمة بتفصيل:
وظيفة الإحساس:
إن الجلد عضو رئيسي من أعضاء الحس، فهو يلعب دورا حيويا في حماية الجسم من عوامل البيئة التي تحيط به. ويستشعر المؤثرات الحسية التي تعتري الجسم من تغيرات حرارية وآلام ولمس وضغط وذلك بواسطة المستقبلات الحسية والنهايات العصبية التي توجد بمواقع مختلفة من الأدمة حسب طبيعة عملها. (Meissner- Pacini- Krauss- Ruffini- Cellules de Merckel)
وتعود العلاقة بين المخ والجلد إلى أول الخلق حيث أنه نشأ مع الجهاز العصبي من طبقة واحدة في مرحلة المضغة وهي (Ectoderme)ثم ينفرد الجهاز العصبي ويتحول إلى المخ والحبل الشوكي والعصاب ويبقى الجلد عينا حارسا ورسولا أمينا للجهاز العصبي بما لديه من النهايات العصبية تجعله باتصال دائم مع المخ ينقل له جميع أنواع الإحساس.
وصدق الله العظيم إذ يقول في محكم آياته {إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا العَذَابَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَزِيزًا حَكِيمًا} [النساء: 56] ما يجعل هذا العلم يقينا.
التفسير اللغوي:
{سوف نصليهم}: الإصلاء، مصدر أصلاه، ويقال صلاه صليا ومعناه شي اللحم على النار.
قال سيبويه: سوف كلمة تذكر للوعد والوعيد وتفيد التأكيد.
{نضجت}: بلغت نهاية الشئ، يقال نضج الشواء، إذا بلغ حد الشي.
ومعنى كلمة نضجت جلودهم: كلما احترقت فلم يبق فيها حياة.
{بدلناهم}: عوضناهم جلودا غيرها.
{ليذوقوا العذاب}: تعليلا لقوله: {بدلناهم} ليدوم ذوقهم للعذاب.
إن الله كان عزيزا حكيما: فالعزة يأتي بها تمام القدرة في عقوبة المجترئ على الله.
والحكمة يتأتى بها تلك الكيفية في إصلائهم النار.
وبعد الاطلاع على عدة تفاسير نلاحظ أنه كان هناك اختلافا كبيرا وتساؤلات في شرح هذه الآية من قبل المفسرين الكبار.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: يبدلون جلودا بيضاء كأمثال القراطيس.
وروي أن هذه الآية قرأت عند عمر رضي الله عنه فقال للقارئ أعدها فأعادها وكان عنده معاذ بن جبل فقال معاذ: عندي تفسيرها، يبدل الجلد في كل ساعة مائة مرة فقال عمر رضي الله عنه: هكذا سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول.
وكان التساؤل المطروح من عدة مفسرين: كيف تعذب جلود لم تعص مكان جلود عاصية؟ قال بعضهم إنما العذاب يصل إلى نفس الإنسان الذي هو غير الجلد، أما الجلد فلا يتألم.