فصل: فوائد لغوية وإعرابية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وأهل العلم بالله يقولون: نجاة ألف كافر خير من قتل مؤمن واحد بغير حق.
وجاء في بعض الروايات الأخرى أنه المقداد، وذلك فيما رواه البزار بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية فيها المقداد بن الأسود فلما أتوا القوم وجدوهم قد تفرقوا وبقي رجل له مال كثير لم يبرح، فقال أشهد أن لا إله إلا الله، وأهوى إليه المقداد فقتله فقال له رجل من أصحابه: أقتلت رجلا شهد أن لا إله إلا الله، والله لأذكرن ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فلما قدموا على رسول الله صلى الله عليه وسلم قالوا يا رسول الله: إن رجلا شهد أن لا إله إلا الله فقتله المقداد فقال: ادعوا لي المقداد.
يا مقداد أقتلت رجلا يقول: لا إله إلا الله؟ فكيف لك بلا إله إلأا الله غدا؟ قال: فأنزل الله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ}.
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} و{ألقى إليكم السلام} يعني جاءكم مستسلمًا، أو قال تحية المسلمين، وليس من حق أن يلقي الاتهام بعدم الإيمان على من جاء مسلمًا، أو يقول بتحية الإسلام.
وكلمة {عرض} إذا ما سمعناها، فلنعلم أنها في المعنى اللغوي: كل ما يعرض ويزول وليس له دوام أو استقرار أو ثبات. ونحن البشر أعراض؛ لأنه ليس لنا دوام أبدًا، ويقال: إن الإنسان عرض إذا ما قاس الواحد منا نفسه بالنسبة للكون؛ لأن الكون لا يتم بناؤه على الإنسان؛ فالكون كله الذي نراه هو عرض وسيأتي يوم ويزول.
والعرض بالنسبة للإنسان أن الواحد منا قد يرى نفسه صحيحًا أو سقيمًا، هنا تكون الصحة عرضًا وكذلك المرض، وكذلك السمنة والنحافة، ولون البشرة إذا ما لوحته الشمس قد يتغير أبيض إلى أسمر، وكذلك الغنى والفقر. وكل شيء يمكن أن يذهب في الإنسان ويجيء هو عرض بالنسبة للإنسان، ويكون الإنسان جوهرًا بالنسبة له. فإذا قسنا الإنسان بالنسبة إلى ثابت عنه، فالإنسان عرض، فهذا أمر نسبي، وإلاّ فكل شيء عرض، وكل شيء زائل {وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ ذُو الْجَلاَلِ وَالإِكْرَامِ}.
{وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا}. وعرض الحياة الدنيا هنا هو أن يطمع القاتل فيما يملكه الذي يلقي السلام، وقد يكون عرض الحياة الدنيا- هنا- هو كبرياء نفس الإنسان عندما ينتقم من إنسان بينه وبينه إحن أو بغضاء.
وعندما نجد كلمة {عرض} وهذا العرض في {الحياة الدنيا} نفهم- إذن- أنه عرض فيما لا قيمة له. ولذلك نجد الشاعر يعبر عن مشاعر الإنسان حينما يحزن لفقدان شيء كان عنده، وينسى الإنسان أنه هو شخصيًا معرض للموت، أي للذهاب عن الدنيا فيقول: نفسي التي تملك الأشياء ذاهبة فكيف آسي على شيء لها ذهبا.
وكذلك عرض الحياة الدنيا. ونفهم كلمة «دنيا» على أساس الاشتقاق، فهي من «الدنو» ومقابله «العلو» ومقابل «الدنيا» هو «العليا». ومن يُقَوِّم عرض الحياة الدنيا التقويم الصحيح فهو يملك الذكاء والحكمة والفطنة؛ لذلك لا يأخذ هذا العرض ممن سيقتله عندما يلقي إليه بالسلام؛ لأنه يستخدم البصيرة الإيمانية ويأخذ الحياة الدنيا ممن خلقها.
والعاقل حتى لو أراد الحياة الدنيا فهو يطلبها من صاحب الحياة كلها، ولا يأخذها من إنسان مثله، فالحياة الدنيا لا تنفعه؛ بدليل أنه معرض للقتل.
{تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} والحق سبحانه وتعالى ساعة يخاطب النفس البشرية التي خلقها، ويعلم تعلقها بالأشياء التي تنفعها أو تطيل نفعها، مثال ذلك: أنّ الإنسان يكون سعيدًا إذا ما ملك غداءه، وتكون سعادته أكثر إذا امتلك الغداء والعشاء، ويكون أكثر سعادة واطمئنانا عندما يملك في مخزن طعامه ما يقيت شهرًا أو عامًا، ويكون أكثر إشراقًا عندما يمتلك أرضًا يأخذ منها الرزق، ويمتلكها أولاده من بعده.
إذن فالإنسان يحب الحياة لنفسه، ويحب امتداد حياته في غيره، ولذلك يحزن الإنسان عندما لا يكون له أولاد؛ فهو يعرف أنه ميت لا محالة، لذلك فهو يتمنى أن تكون حياته موصولة في ابنه، وإن جاء لابنه ابن وصار للإنسان حفيد فهو يسعد أكثر؛ لأن ذكره يوجد في جيلين. ونقول لمثل هذا الإنسان: لنفرض أنك ستحيا ألف جيل، لكن ماذا عن حالتك في الآخرة، أَلاَ تُنَشِّئ ولدك على الصلاح حتى يدعو لك؟
ولذلك يفاجئ الحق النفس البشرية التي تهفو إلى المغانم، ويكشفها أمام صاحبها، فيأتي بالحكم الذي يُظهر الخواطر التي تجول في النفس ساعة سماع الحكم. وعندما أراد سبحانه أن يُحرم دخول المشركين البيت الحرام، وسبحانه يعلم خفايا النفوس؛ لأن المشركين حين يدخلون البيت الحرام بتجاراتهم وأموالهم إنما يدخلون مكة من أجل موسم اقتصادي يبيعون فيه البضائع التي يعيشون من ريعها وربحها طوال العام. وساعة يحرم سبحانه دخول المشركين إلى البيت الحرام، يعلم أن أهل الحرم ساعة يسمعون هذا الحكم سيتذكرون مكاسبهم من التجارة، فقال: {إِنَّمَا الْمُشْرِكُونَ نَجَسٌ فَلاَ يَقْرَبُواْ الْمَسْجِدَ الْحَرَامَ بَعْدَ عَامِهِمْ هَذَا} [التوبة: 28].
وقبل أن يقول أهل الحرم في أنفسهم: وكيف نعيش ونصرف بضائعنا؟، يتابع سبحانه: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 28].
وبذلك يكشف الحق أمام النفوس خواطرها الدفينة؛ فهو العليم بأن الحكم ساعة ينزل ما الذي سيحدث في أذهان سامعيه؛ فهو خالقهم، ولذلك فلا أحد له من بعد ذلك تعليق!
وقوله الحق: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} ينطبق في كل عصر وفي كل زمان. ويقول الحق بعد ذلك: {فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ}. فسبحانه الرزّاق الوهاب. ولذلك أنا أحب أن يزين الناس أماكنهم ومساكنهم بلوحات فنية مكتوب عليها: {وَإِنْ خِفْتُمْ عَيْلَةً فَسَوْفَ يُغْنِيكُمُ اللَّهُ مِن فَضْلِهِ} [التوبة: 28].
وكذلك قول الحق: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ} [النساء: 94].
لعل ذلك يمس قلوب من بيدهم الأمر، فيلتفتوا إلى الله. وبعد ذلك يقول الحق: {كَذالِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}.
وفي هذا دعوة لأن يمر من نزل فيهم القرآن بتاريخهم القريب ويسترجعوا ماضيهم، فلماذا يتهم المسلم أخاه الذي يلقي السلام بأنه مازال كافرًا ولا يفكر أن الذي ألقى إليه السلام هو إنسان يستر إسلامه بين أهله لأنهم كفار؟ وكان المسلم يمر بهذه الحالة عند بداية الإسلام؛ كان المسلم يستر إسلامه عن أهله الذين كانوا كافرين.
وكان المسلمون الأوائل قلة مستذلة تداري إيمانها، فهل سلط الله عليهم أحدًا يجترئ على التفتيش على النوايا؟ إذن فمثلما حدث لكم قدروه لإخوانكم.
{كَذالِكَ كُنْتُمْ مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ} والحق يمن عليهم بأنهم صاروا أهل رفعة بكلمة الإسلام، وصار المسلم منهم يمشي عزيز الجانب ولا يجرؤ واحد أن يوجه إليه أي شيء. ويأتي سبحانه هنا بكلمة {فتبينوا} مرة أخرى بعد أن قالها في صدر الآية. وكان مقصودًا بها ألا يقتل مسلم إنسانًا ألقى السلام لمجرد أن المسلم يفكر في المسألة الاقتصادية، وها هوذا يعيد سبحانه كلمة «تبينوا»، لقد جاءت أولًا كتمهيد للحيثية، وهي قوله: {تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا} وتأتي هاهنا نتيجة للحيثية {فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}.
وسبحانه حين يشرع لا يشرع عن خلاء، لكنه خبير بكل ما يصلح النفس الإنسانية، ولا يعتقدن أحد أنه خلقنا ثم هدانا إلى الإيمان ليخذلنا في نظام الحياة، بل خلقنا وأعطانا المنهج لنكون نموذجًا، وليرى الناس جميعًا أن الذي يحيا في رحاب المنهج تدين له الدنيا.
{إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا}. كأن الحق يقول: إياك أن تستر بلباقتك شيئًا وتخلع عليه أمرًا غير حقيقي؛ لأن الذي تطلب جزاءه هو الرقيب عليك والحسب، ويعلم المسألة من أولها إلى آخرها. فالذي قتل إنسانًا ألقى إليه السلام، لم يقتله لأنه لم يُسلم، ولكن لأن بينهما إحنًا وبغضاء، وعليه أن يعرف أن الله عليم بما في النفوس.
ويريد الحق أن يتثبت المؤمن من نفسه حين يوجهها إلى قتل أحد يشك في إسلامه أو في إيمانه، وحسبه من التيقن أن يبدأه صاحبه بالسلام، ويُذَكّر الحق سبحانه المؤمنين بأنهم كانوا قبل ذلك يستخفون من الناس بالإيمان وكانوا مستترين.
فإذا كنتم أيها المؤمنون قد حدث لكم ذلك فاحترموا من غيركم أن يحصل منه ذلك، وثقوا تمام الثقة أن الله عليم خبير، لا يجوز عليه سبحانه ولا يخفي عليه أن يدس أحدكم الإحن النفسية ليُبرر قتل إنسان مسلم كانت بينه وبين ذلك المسلم عداوة.
وبعد أن تكلم الحق عن قتال المؤمنين للكافرين، وبعد أن تكلم عن تحريم قتل المؤمن للمؤمن حتى لا يفقد المؤمنون خلية الإيمان، بل تكون حياة كل مؤمن خيرًا للحركة الإيمانية في الأرض، لذلك علينا أن نحافظ على حياة كل فرد مؤمن لأنه سيساعدنا في اتساع الحركة الإيمانية، فإن حدث أن قتل مؤمن مؤمنًا خطأ، فقد بين سبحانه وتعالى الحكم في الآية رقم 92 من سورة النساء. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قوله: {فتبينوا}: قرأ الأخوان من التَّثبُّت، والباقُون من البَيَان، هما متقاربان؛ لأن مَنْ تَثبت في الشَّيْء تَبَيَّنه، قاله أبو عبيد، وصحَّحه ابن عطيَّة.
وقال الفَارِسيّ: «التثبُّت هو خَلاَف الإقْدَام والمُراد التَّأنِّي، والتَّثَبُّت أشد اخْتِصَاصًا بهذا المَوْضِع؛ بدل عليه قوله: {وَأَشَدَّ تَثْبِيتًا} [النساء: 66] أي: أشدٌّ وَقْعًا لهم عَمَّا وُعِظُوا به بألاَّ يُقْدِمُوا عليه» فاختار قراءة الأخوين.
وعكس قومٌ فرجَّحوا قراءة الجماعة، قالوا: لأن المتثبِّت قد لا يَتَبيَّن، وقال الرَّاغب: لأنه قلَّ ما يكون إلا بَعْدَ تثبُّت، وقد يَكُون التَّثبُّت ولا تبيُّنَ، وقد قُوبِل بالعَجَلَة في قوله- عليه الصلاة والسلام-: «التبيُّن من الله والعَجَلُة من الشيطان» وهذا يُقَوِّي قراءة الأخَوَيْن أيضًا، وتَفَعَّل: في كلتا القراءتين بمعنى الدال على الطَّلب، أي: اطلبوا التثّبُّت أو البيان.
وقوله: {لمن ألقى} اللام للتَّبْلِيغ هنا، و«من» مَوْصُولة أو مَوْصُوفة، و«ألقى» هنا ماضي اللَّفْظِ، إلا أنه بمعنى المُسْتقبل، أي: لمن يُلْقَى، لأنَّ النهيَ لا يكونُ عمّا وقع وانْقَضَى، والمَاضِي إذا وقع صِلَة، صَلح للمُضِيِّ والاسْتِقْبَال.
وقرأ نافع وابن عَامِر وحَمْزة: {السَّلَم} بفتح السِّين واللام من غير ألف، وباقي السَّبْعَة: {السَّلام} بألف، ورُوي عن عَاصِمٍ: {السَّلْم} بكسر السِّين وسكون اللام، فأما {السَّلام} فالظَّاهِر أنه التَّحيّة.
والمعنى: لا تُقُولوا لمن حَيَّاكم بهذه التَّحِيّة إنه إنَّما قَالَها تَعَوُّذًا فتُقْدِمُوا عليه بالسَّيْف لتأخذوا مَالَه، ولكن كُفُّوا عَنْهُ، واقْبَلُوا منه ما أظْهَرَهُ.
وقيل: مَعْنَاه: الاستسْلام والانْقِياد، والمعنى: لا تَقُولوا لمن اعْتَزَلَكُم ولم يقاتلكم: لَسْتَ مُؤمِنًا، وأصْل هذا من السَّلامة؛ لأن المعتزل عن النَّاس طالبٌ للسَّلامة.
والسّلامةُ والسَّلَمُ- بفتحهما- الانقِيَاد فقط، وكذا {السَّلْم} بالكسر والسُّكُون، وقرأ الجَحْدري بفتحها وسُكُون اللام، وقد تَقَدَّم القول فيها في البقرة، والجُمْلَة من قوله: {لست مؤمنًا} في محل نَصْب بالقَوْل؛ والجُمْهُور على كَسْر الميم الثَّانِية من {مؤمنًا} اسم فاعل، وأبو جعفر بفتحها اسم مَفْعُول، أي: لا نُؤمِّنك في نَفْسِك، وتُرْوَى هذه القِرَاءَة عن عَلِيٍّ وابن عبَّاس ويَحْيَى بن يَعْمُر.
قوله: {تبتغون} في محل نَصْبٍ على الحَالِ من فَاعِل {يقولوا} أي: لا تَقُولوا ذلك مُبْتَعِين.
قوله: {إن الله كان بما تعملون خبيرًا} والجُمْهُور على كَسْرِ هَمْزة {إن الله}، وقرئ بفَتْحها على أنَّها معمُولة لـ {تبينوا}، أو على حذْف لاَم العِلَّةِ، وإن كان قد قُرِئ بالفَتْح مع التَثَبُّت، فيكونُ على لام العِلَّة لا غير.
والمُرادُ منه: الوَعِيد والزَّجْر عن إظْهَار خلافِ ما في الضَّمِير. اهـ. بتصرف يسير.