فصل: من فوائد القاسمي في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وَلَقَدْ انْتَهَى الْجَهْلُ بِقَوْمٍ آخَرِينَ إلَى أَنْ قَالُوا: إنَّ الْكَلَامَ قَدْ تَمَّ فِي قَوْلِهِ: {مِنْ الصَّلَاةِ} وَابْتَدَأَ بِقَوْلِهِ: {إنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا} وَإِنَّ الْوَاوَ زَائِدَةٌ فِي قَوْلِهِ: {وَإِذَا كُنْت فِيهِمْ} وَهَذَا كُلُّهُ لَمْ يَفْتَقِرْ إلَيْهِ عُمَرُ وَلَا ابْنُهُ وَلَا يَعْلَى بْنُ أُمَيَّةَ مَعَهُمَا.
وَفِي الصَّحِيحِ عَنْ حَارِثَةَ بْنِ وَهْبٍ قَالَ: «صَلَّى بِنَا النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى، آمَنَ مَا كَانَ النَّاسُ وَأَكْثَرُهُ رَكْعَتَيْنِ»؛ فَهَؤُلَاءِ لَمَّا جَهِلُوا الْقُرْآنَ وَالسُّنَّةَ تَكَلَّمُوا بِرَأْيِهِمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ.
وَهَذَا نَوْعٌ عَظِيمٌ مِنْ تَكَلُّفِ الْقَوْلِ فِي كِتَابِ اللَّهِ تَعَالَى بِغَيْرِ عِلْمٍ، وَقَوْلٍ مَذْمُومٍ، وَلَيْسَ بَعْدَ قَوْلِ عُمَرَ وَابْنِ عُمَرَ مَطْلَبٌ لِأَحَدٍ إلَّا لِجَاهِلٍ مُتَعَسِّفٍ أَوْ فَارِغٍ مُتَكَلِّفٍ، أَوْ مُبْتَدِعٍ مُتَخَلِّفٍ.
وَهَذَا كُلُّهُ يُبَيِّنُ لَك أَنَّ الْقَصْرَ فَضْلٌ مِنْ اللَّهِ سُبْحَانَهُ وَرُخْصَةٌ لَا عَزِيمَةَ وَهِيَ:
الْمَسْأَلَةُ الثَّامِنَةُ: وَإِذَا ثَبَتَ ذَلِكَ، فَقَدْ اخْتَلَفَ النَّاسُ بَعْدَ ثُبُوتِ الْقَوْلِ بِأَنَّ الْقَصْرَ لَيْسَ بِفَرْضٍ عَلَى قَوْلَيْنِ: الْأَوَّلُ أَنَّ الْمُسَافِرَ مُخَيَّرٌ بَيْنَ الْقَصْرِ وَالْإِتْمَامِ لِحَدِيثِ عَائِشَةَ الْمُتَقَدِّمِ، وَبِهِ قَالَ الشَّافِعِيُّ، وَجَمَاعَةٌ مِنْ أَصْحَابِنَا.
وَمِنْهُمْ مَنْ قَالَ: إنَّ الْقَصْرَ سُنَّةٌ، وَعَلَى هَذَا جُمْهُورُ الْمَذْهَبِ؛ لِأَنَّ النَّبِيَّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاظَبَ عَلَيْهِ فِي الصَّحِيحِ، «وَإِنَّ عُثْمَانَ لَمَّا أَتَمَّ بِمِنًى قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ مَسْعُودٍ: صَلَّيْت مَعَ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ أَبِي بَكْرٍ رَكْعَتَيْنِ، وَمَعَ عُمَرَ رَكْعَتَيْنِ، فَلَيْتَ حَظِّي مِنْ أَرْبَعٍ رَكْعَتَانِ مُتَقَبَّلَتَانِ». اهـ.

.من فوائد القاسمي في الآية:

قال رحمه الله:
{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُواْ إِنّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّا مّبِينًا} [101]
وقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ} أي: سافرتم: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} أي: إثم.
{أَن تَقْصُرُواْ} أي: تنقصوًا شيئًا: {مِنَ الصّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ} أي: يقاتلكم.
{الّذِينَ كَفَرُواْ} في الصلاة: {إِنّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوّا مّبِينًا} ظاهر العداوة، فلا يراعون حرمة الصلاة لعدواتهم.
تنبيه في مسائل تتعلق بالآية:
الأولى: ذهب الجمهور إلى أن الآية عني بها تشريع صلاة السفر، وإن معنى قوله تعالى: {أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ} هو قصر الكمية، وذلك بأن تجعل الرباعية ثنائية، قالوا: وحكمها لمسافر في حال الأمن كحكمها في حال الخوف لتظاهر السنن على مشروعيتها مطلقًا.
روى الترمذيّ والنسائي وابن أبي شيبة عَنْ اِبْن عَبَّاس أَنَّ النَّبِيّ صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ خَرَجَ مِنْ الْمَدِينَة إِلَى مَكَّة لَا يَخَاف إِلَّا رَبّ الْعَالَمِينَ، فَصَلَّى رَكْعَتَيْنِ.
وروى البخاريّ وبقية الجماعة عن حارثة بن وهب قال: صَلَّى بِنَا رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ آمَن مَا كَانَ بِمِنًى رَكْعَتَيْنِ.
وروى البخاريّ والبقية عن أنس قال: خرجنا مع رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم من المدينة إلى مكة، فكان يصلي ركعتين ركعتين حتى رجعنا إلى المدينة، قلت: أقمتم بمكة شيئًا؟ قال: أقمنا بها عشرًا.
وحينئذ فقوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ} خرج مخرج الغالب، حال نزول الآية إذ كانت أسفارهم بعد الهجرة في مبدئها مخوفة، بل ما كانوا ينهضون لا إلى غزو عام، أو سرية خاصة، وسائر الأحياء حرب للإسلام وأهله، والمنطوق، إذا خرج مخرج الغالب فلا مفهوم له كقوله: {وَلا تُكْرِهُوا فَتَيَاتِكُمْ عَلَى الْبِغَاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصّنًا} [النور: من الآية 33] وكقوله تعالى: {وَرَبَائِبُكُمُ اللّاتِي فِي حُجُورِكُمْ مِنْ نِسَائِكُمُ} [النساء: 23] الآية.
قالوا: ويدل على أن المراد بالآية صلاة السفر ما رواه الإمام أحمد ومسلم وأهل السنن عن يعلى بن أمية قال: سألت عُمَر بن الخطاب، قلت له: قوله تعالى: {لَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُواْ} وقد أمن الناس؟ فقال لي عمر- رَضِي اللّهُ عَنْهُ-: عَجِبْتُ مِمَّا عَجِبْتَ مِنْهُ، فَسَأَلْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ ذَلِكَ فَقَالَ: «صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ».
وروى أبو بكر بن أبي شيبة عن أَبِي حَنْظَلَة الْحَذَّاء قال: سَأَلْت اِبْن عُمَر عَنْ صَلَاة السَّفَر فَقَالَ: رَكْعَتَانِ، فقلت: أَيْنَ قَوْله: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنكُمْ الَّذِينَ كَفَرُوا} وَنَحْنُ آمِنُونَ فَقَالَ: سُنَّة رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وروى اِبْن مَرْدَوَيْهِ عَنْ أَبِي الْوَدَّاك قَالَ: سَأَلْت اِبْن عُمَر عَنْ رَكْعَتَيْنِ فِي السَّفَر؟ فَقَالَ: هِيَ رُخْصَة نَزَلَتْ مِنْ السَّمَاء فَإِنْ شِئْتُمْ فَرُدُّوهَا.
قالوا: فهذا يدل على أن القصر المذكور في الآية هو القصر في عدد الركعات، وإن ذلك كان مفهومًا عندهم عن معنى الآية، قالوا: ومما يدل على أن لفظ (القصر) كان مخصوصًا في عرفهم بنقص عدد الركعات، ولهذا المعنى، لما صلى النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم الظهر ركعتين، قال له ذو اليدين: «أقصرت الصلاة أم نسيت؟».
هذا، وذهب كثير من السلف، منهم مجاهد والضحاك والسديّ، إلى أن هذه الآية نزلت في صلاة الخوف، وأن المعنيّ بالقصر هو قصر الكيفية لا الكمية، لأن عندهم كمية صلاة المسافر ركعتان، فهي تمام غير قصر، كما قاله عمر وابن عباس وعائشة رضي الله عنهم، قالوا: ولهذا قال تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الّذِينَ كَفَرُواْ} وقال تعالى بعدها: {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصّلاَةَ} الآية، فبين المقصود من القصر ههنا، وذكر صفته وكيفيته، ولهذا لما عقد البخاريّ (كتاب صلاة الخوف) صدره بقوله تعالى: {وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ إ} إلى قوله: {أَعَدّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مّهِينًا} وهكذا قال جويبر عن الضحاك في قوله: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ} قال: ذاك عند القتال، يصلي الراجل الراكب تكبيرتين حيث كان وجهه.
وقال أسباط عن السدي، في هذه الآية: إن الصلاة إذا صليت ركعتين في السفر فهي تمام التقصير، لا يحل إلا أن يخاف من الذين كفروا أن يفتنوه عن الصلاة فالتقصير ركعة.
وقال ابن أبي نَجِيْح عن مجاهد: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ} يوم كان النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم وأصحابه بعسفان، والمشركون بضجنان فتوافقوا، فصلى النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم بأصحابه صلاة الظهر أربع ركعات، بركوعهم وسجودهم وقيامهم معًا جميعًا، فهمّ بهم المشركون أن يُغيروا على أمتعتهم وأثقالهم، روى ذلك أبن أبي حاتم.
ورواه ابن جرير عن مجاهد والسدي، وعن جابر وابن عمر، واختار ذلك أيضًا، فإنه قال، بعد ما حكاه من الأقوال في ذلك: وهو الصواب، ثم روي عن أمية أنه قال لعبد الله بن عُمَر: إنا نجد في كتاب الله قصر صلاة الخوف ولا نجد قصر صلاة المسافر: فقال عبد الله: إنا وجدنا نبينا صَلّى اللهُ عليّه وسلّم يعمل عملًا عملنا به، فقد سمى صلاة الخوف مقصورة، وحمل الآية عليها، لا على قصر صلاة المسافر، وأقره ابن عمر على ذلك، واحتج على قصر الصلاة في السفر بفعل الشارع، لا بنص القرآن، وأصرح من هذا ما رواه أيضًا عن سِمَاك الحنفي قال: سألت ابن عمر عن صلاة السفر؟ فقال: ركعتان تمام غير قصر، إنما القصر في صلاة المخافة، فقلت: وما صلاة المخافة؟ فقال: يصلي الإمام بطائفة ركعة، ثم يجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، ويجيء هؤلاء إلى مكان هؤلاء، فيصلي بهم ركعة، فيكون للإمام ركعتان، ولكل طائفة ركعة ركعة.
هذا ما نقله ابن كثير، وهو موافق لما نقله بعض مفسري الزيدية عن الهادوية والقاسمة؛ أن الآية واردة في صلاة الخوف، وأن المراد بالقصر في الآية قصر الصفة، بمعنى أن المأموم يقصر ائتمامه فيأتم بركعة، ويصلي منفردًا في ركعة. انتهى.
قال العلامة أبو السعود: إن هذه الآية الكريمة مجملة في حق مقدار القصر وكيفيته، وفي حق ما يتعلق به من الصلوات، وفي مقدار مدة الضرب الذي نيط به القصر، فكل ما ورد عنه صَلّى اللهُ عليّه وسلّم من القصر في حال الأمن، وتخصيصه بالرباعيات على وجه التنصيف، وبالضرب في المدة المعينة- بيان لإجمال الكتاب.
المسألة الثانية: إذا حمل القصر على قصر العدد، وأن الرباعية تكون ركعتين، فما حكم هذا القصر؟ قلنا: في هذا مذاهب أربعة:
الأول: أن القصر رخصة والإتمام أفضل.
الثاني: أنه حَتْمٌ.
الثالثة: أنه سنة غير حتم.
الرابع: أنه مخير كما يخير في الكفارات، وأنهما، أعني القصر والإتمام واجبان.
وهناك بيان متعلق هذه المذاهب:
تعلق أهل القوم الأول بقوله تعالى: {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصّلاَةِ} وهذه الكلمة تستعمل فيما هو مباح جائز، لا فيما هو فرض، نحو: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يَتَرَاجَعَا} [البقرة: من الآية 230] و: {لَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ طَلّقْتُمُ النّسَاء} [البقرة: من الآية 236]: {فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا فِيمَا افْتَدَتْ بِهِ} [البقرة: من الآية 229]، إن قيل: قد يستعمل ذلك في الواجب مثل: {فَمَنْ حَجّ الْبَيْتَ أَوِ اعْتَمَرَ فَلا جُنَاحَ عَلَيْهِ أَنْ يَطّوّفَ بِهِمَا} [البقرة: من الآية 158]، أجابوا بأن ذلك على سبيل المجاز.
ومن جهة السنة، ما روي عَنْ عَائِشَةَ قالت: [أَنَّهَا] اعْتَمَرَتْ مَعَ النبي صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ الْمَدِينَةِ إِلَى مَكَّةَ حَتَّى إِذَا قَدِمَتْ مَكَّةَ، قَلَتْ: يَا رَسُولَ اللَّهِ! بِأَبِي أَنْتَ وَأُمِّي! قَصَرْتَ وَأَتْمَمْتُ وَصُمْتُ وَأَفْطَرْتَ. فَقَالَ: «أَحْسَنْتِ يَا عَائِشَةُ». وَمَا عَابَ عَلَيَّ.
وكان عثمان يقصر ويتم.
ومن جهة المعنى، أو المعقول والمفهوم من لفظ (القصر) إنما هو الرخصة لأجل مشقة المسافر، كما خص له في الإفطار، وفي الحديث: «تلك صَدَقَةٌ تَصَدَّقَ اللَّهُ بِهَا عَلَيْكُمْ فَاقْبَلُوا صَدَقَتَهُ».
تعلق أهل المذهب الثاني بأن قالوا: حملنا لفظ الجناح على الفرض، وإن كان مجازًا، لما روي عن ابن عباس قال: فرضت الصلاة في الحضر أربعًا وفي السفر ركعتين.
وعن عمر: صلاة الجمعة ركعتان وصلاة السفر ركعتان، تمام غير قصر، على لسان نبيكم، وكانت صلاة رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم في أسفاره ركعتين، وأقام بمكة ثمانية عشر يومًا يقصر ويقول: «أَتِمُّوا، يا أَهْلُ مَكَّةَ! فَإِنَّا قَوْمٌ سَفْرٌ».
وعن الشعبي: من أتم في السفر فقد رغب عن ملة إبراهيم.
وروي أن عثمان أتم الصلاة بمنى، فأنكر عليه عبد الله بن مسعود، وقال: صليتُ خلف رسول لله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم ركعتين، وخلف أبا بكر ركعتين، منفصلتين، فاعتذر عثمان بضروب من الأعذار، منها أنه قد تأهل، وقيل: أتم لأن مذهبه أن القصر لمن لم يكن له زاد ولا راحلة، وهو مذهب سعد بن أبي وقاص، فيكون قولنا: قصرت الصلاة، مجازًا، لأنها تامة إذا نقص من الأربع، ويقولون: هذه الأخبار تعرض ما يفهم من معقولية التسهيل، ومتعلق أهل القول الثالث والرابع بالجمع بين الروايات، وسائر الوجوه التي تعلق بها أهل القولين الأولين، فكان واجبًا مخيرًا، ومن قال: إنه سنة فلأن المشهور عنه صَلّى اللهُ عليّه وسلّم في القصر في الأسفار، كذا في تفسير بعض الزيدية.
أقول: حديث عائشة المذكور، رواه النسائي والدارقطني والبيهقيّ، واختلف قول الدارقطني فيه، فقال في «السنن»: إسناده حسن، وقال في «العلل»: المرسل أشبه، وقال ابن حزم: هذا حديث لا خير فيه، وطعن فيه، وقال ابن النحوي «في البدر المنير»: في متن هذا الحديث نكارة، وهو كون عائشة خرجت مع النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم في عَمْرة رمضان، والمشهور أن عمره كلهن في ذي القعدة، وأطال في ذلك.
وقال الإمام ابن القيم في «زاد المعاد»: وكان صَلّى اللهُ عليّه وسلّم يقصر الرباعية، فيصليها ركعتين من حين خرج مسافرًا إلى أن يرجع إلى المدينة، ولم يثبت عنه أنه أتم الرباعية في سفره البتة، وأما حديث عائشة أن النبي صَلّى اللهُ عليّه وسلّم كان يقصر في السفر ويتم، ويفطر ويصوم فلا يصح، وسمعت شيخ الإسلام ابن تيمية يقول: هو كذب على رسول الله صَلّى اللهُ عليّه وسلّم. انتهى.