فصل: قال الصابوني:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الصابوني:

{وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الْأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُوا لَكُمْ عَدُوًّا مُبِينًا (101) وَإِذَا كُنْتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِنْهُمْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُوا فَلْيَكُونُوا مِنْ وَرَائِكُمْ وَلْتَأْتِ طَائِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّوا فَلْيُصَلُّوا مَعَكَ وَلْيَأْخُذُوا حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُمْ مَيْلَةً وَاحِدَةً وَلَا جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِنْ كَانَ بِكُمْ أَذًى مِنْ مَطَرٍ أَوْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَنْ تَضَعُوا أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُوا حِذْرَكُمْ إِنَّ اللَّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُهِينًا (102) فَإِذَا قَضَيْتُمُ الصَّلَاةَ فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ فَإِذَا اطْمَأْنَنْتُمْ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ إِنَّ الصَّلَاةَ كَانَتْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ كِتَابًا مَوْقُوتًا (103) وَلَا تَهِنُوا فِي ابْتِغَاءِ الْقَوْمِ إِنْ تَكُونُوا تَأْلَمُونَ فَإِنَّهُمْ يَأْلَمُونَ كَمَا تَأْلَمُونَ وَتَرْجُونَ مِنَ اللَّهِ مَا لَا يَرْجُونَ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104) إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ وَلَا تَكُنْ لِلْخَائِنِينَ خَصِيمًا (105) وَاسْتَغْفِرِ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (106) وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنْفُسَهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ خَوَّانًا أَثِيمًا (107)}
[7] صلاة الخوف:

.التحليل اللفظي:

{ضَرَبْتُمْ}: الضرب في الأرض السيرُ فيها قال تعالى: {وَآخَرُونَ يَضْرِبُونَ فِي الأرض} [المزمل: 20] أي سافرون.
{تَقْصُرُواْ}: القصر النقصُ وهو يحتمل النقص من عددها، والنقص من صفتها وهيئتها.
قال الراغب: قصر الصلاة جعلها قصيرة بترك بعض أركانها ترخيصًا.
وقال أبو عبيد: فيها ثلاث لغات: قصَرتُ الصلاة، وقصّرتها، وأقْصَرتها ذكره القرطبي.
{يَفْتِنَكُمُ}: الفتنة: الابتلاء والاختبار وتستعمل في الخير والشر قال تعالى: {وَنَبْلُوكُم بالشر والخير فِتْنَةً} [الأنبياء: 35].
قال الراغب: والفتنة كالبلاء يستعملان في الشدة والرخاء وهما في الشدة أظهر.
{عَدُوًّا مُّبِينًا}: أي أعداء ظاهري العداوة.
قال الطبرسي: «وإنما قال في الكافرين إنهم (عدُوّ) لأن لفظة فعول تقع على الواحد والجماعات».
{حِذْرَهُمْ}: الحِذْر بسكون الذال كالحَذر بفتحها معناه الاحتراز عن الشيء المخيف.
قال في اللسان: الحِذْر والحَذر الخيفة ومن خاف شيئًا اتقاه بالاحتراس من أسبابه.
قال الرازي: هما بمعنى واحد كالإِثْر والأثَر، والمِثْل والمَثَل، يقال: أخذ حذره إذا تيقظ واحترز من الخوف. والمعنى احذروا واحترزوا من العدو ولا تمكنوه من أنفسكم.
{تَغْفُلُونَ}: الغفلة: سهوٌ يعتري الإنسان من قلة التحفظ والتيقظ، قاله الراغب.
{جُنَاحٌ}: الجُناحُ: الإثم، وهو من جنحت إذا عدلت عن المكان وأخذت جانبًا عن القصد.
{قَضَيْتُمُ}: فرغتم وانتهيتم، وقيل: معناها أديتم قال تعالى: {فَإِذَا قُضِيَتِ الصلاة} [الجمعة: 10] أي أديت.
{اطمأننتم}: أمنتم وأصله السكون يقال: اطمأن القلب أي سكن، والمراد إذا زال الخوف عنكم فأقيموا الصلاة على الحالة التي تعرفونها، ويصح أن يكون المراد بالاطمئنان الإقامة.
{كتابا مَّوْقُوتًا}: أي فرضًا محدودًا بأوقات لا يجوز التقديم أو التأخير فيها، والتوقيت: التحديد بالوقت.
قال ابن قتيبة: {موقوتًا} أي موقّتًا يقال: وقِّته الله عليهم ووقَته أي جعله لأوقات معلومة ومنه {وَإِذَا الرسل أُقِّتَتْ} [المرسلات: 11].
{تَهِنُواْ}: تضعفوا وتتوانوا من الوهن بمعنى الضعف {قَالَ رَبِّ إِنَّي وَهَنَ العظم مِنِّي} [مريم: 4].
{ابتغاء القوم}: أي في طلبهم، يقال: ابتغى القوم أي طلبهم بالحرب، والمراد بالقوم هنا الكفار.
{تَأْلَمونَ}: الألم الوجع، وهو من الأعراض التي تصيب الإنسان. قال في الكشاف: المعنى «ليس ما تكابدون من الألم بالجرح والقتل مختصًا بكم، إنما هو أمر مشترك بينكم وبينهم، يصيبهم كما يصيبكم، ثم إنهم يصبرون عليه فما لكم لا تصبرون مثل صبرهم مع أنكم أولى بالصبر منهم».
{وَتَرْجُونَ}: الرجاء معناه الأمل، قال الزجّاج: هو إجماع أهل اللغة الموثوق بعلمهم.
وقال الراغب: الرجاء ظنّ يقتضي حصول ما فيه مسرة، ويأتي بمعنى الخوف قال الشاعر:
إذا لسَعَتْه النَّحلُ لم يرجُ لسعها ** وحالفها في بيت نُوبٍ عوامل

{خَصِيمًا}: الخصيم بمعنى المخاصم أي المنازع والمدافع، والمعنى: لا تكن لأجل الخائنين مخاصمًا للبريئين قاله الزمخشري.
وقال الطبري: المعنى: «لا تكن لمن خان مسلمًا أو معاهدًا تخاصم عنه وتدافع عنه من طالبه بحقه الذي خانه».
{غَفُورًا رَّحِيمًا}: أي كثير المغفرة والرحمة لأن (فعولًا) و(فعيلًا) من صيغ المبالغة.

.المعنى الإجمالي:

إذا سافرتم أيها المؤمنون وسرتم في الأرض للجهاد أو التجارة أو السياحة أو غير ذلك، فليس عليكم حرج ولا إثم أن تقصروا من الصلاة المفروضة، فتصلّوا الرباعية ركعتين، لأن الإسلام دين اليسر والله تعالى يريد بكم اليسر، ولا يريد بكم العسر، وخاصة إذا خفتم على أنفسكم من فتنة الكافرين، فهم أعداء مظهرون للعداوة، لا يراقبون الله ولا يخشونه فيكم، ولا يمنعكم فرصة اشتغالكم بمناجاة الله أن يقتلوكم، لأنهم أعداء لكم في كل حين وزمان.
وإذا كنت يا محمد مع أصحابك في الحرب، وأردت أن تصلي بهم إمامًا فاقسمهم طائفتين: طائفة تقف معك في الصلاة، وطائفة أخرى تحرسك ومعهم أسلحتهم فإذا سجدت الطائفة الأولى وأدركوا ركعة فليتأخروا ولتتقدم الطائفة الأخرى التي كانت تتولى الحراسة فَلْيُصلوا معك كما فعل الذين من قبلهم، ثم يتمموا صلاتهم. ثم أخبر تعالى بأن الكافرين يتمنون أن يصيبوا من المؤمنين غفلة، حتى يأخذوهم على حين غرة ويحملوا عليهم حملة واحدة وهم مشغولون بالصلاة واضعون السلاح، ولهذا أمر الله تعالى بأخذ الحذر والحيطة، ثم أخبر بأنه لا إثم عليهم إن كانت بهم جراحات أو مرض وشق عليهم حمل السلاح أن يضعوا أسلحتهم مع أخذ الحذر الشديد من الأعداء، فإذا قضى المؤمنون الصلاة وأتموها فعليهم أن يكثروا من ذكر الله في حالة القيام والقعود والاضطجاع، فإذا ذهب عنهم الخوف واطمأنوا فليؤدوا الصلاة كما شرعها الله، لأن الصلاة كانت على المؤمنين فرضًا محدودًا بأوقات، ثابتة ثبوت الكتاب في اللوح.
ثم أمر تعالى المؤمنين بألاّ يضعفوا عن قتال الكفار، لأنهم يطلبون إحدى الحسنين: إما النصر والعزة، وإما الشهادة والجنة، وهم أحق بالثبات والصبر من المشركين.
وختم الله تعالى هذه الآيات الكريمة بأمر رسوله صلى الله عليه وسلم بالحكم بين الناس بالحق والعدل الذي أعلمه به، وألاّ يكون من أجل المنافقين خصيمًا للبريئين، وأن يستغفر الله من تحسين ظنه ببعض الناس الذين يتظاهرون بالتقى والدين وهم من المنافقين.

.وجه الارتباط بالآيات السابقة:

كان السياق في الآيات السابقة في أحكام الجهاد في سبيل الله، ثم في أحكام الهجرة من الوطن ابتغاء مرضاة الله، ولما كانت الصلاة فرضًا لازمًا في كل حال، لا تسقط في وقت القتال، ولا في أثناء الهجرة، ولا غيرها من أيام السفر، ولكن قد تتعذر أو تتعسر في حالة الحرب والسفر لذلك وردت هذه الآيات الكريمة تبيّن طريقة الصلاة في حالة الخوف وتأمر بالمحافظة على الصلاة حتى في حالة لقاء العدو، وقد رخص لهم القصر في حالة الخوف والسفر تيسيرًا على العباد، فناسب ذكر هذه الأحكام والله تعالى أعلم.

.سبب النزول:

أولًا: روى الإمام أحمد وأهل السنن عن أبي عيّاش الزّرقي قال: «كنّا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بعسفان، فاستقبلنا المشركون عليهم خالد بن الوليد، وهم بيننا وبين القبلة، فصلّى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم الظهر، فقالوا: لقد كانوا على حال لو أصبنا غرتهم، ثم قالوا يأتي عليهم الآن صلاة هي أحب إليهم من أبنائهم وأنفسهم، قال: فنزل جبريل بهذه الآيات بين الظهر والعصر {وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصلاة}» الآية.
ثانيًا: وروي أن (طُعْمة بن أُبَيْرق) سرق درعًا لقتادة بن النعمان، وكان الدرع في جراب فيه دقيق، فجعل الدقيق ينتشر من خرق في الجراب، حتى انتهى إلى الدار ثم خبأها عند رجل من اليهود، فالتمست الدرع عند طُعمة فلم توجد عنده، وحلف مالي بها علمٌ، فقال أصحابها: بلى والله لقد دخل علينا فأخذها، وطلبنا أثره حتى دخل داره فرأينا أثر الدقيق، فلما حلف تركوه واتبعوا أثر الدقيق حتى انتهوا إلى منزل اليهود فأخذوه، فقال: دفعها إليّ طعمة، فقال قوم طعمة: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وليجادل عن صحابنا فإنه بريء، فأتوه فكلّموه في ذلك فنزلت هذه الآيات {إِنَّا أَنْزَلْنَا إِلَيْكَ الكتاب بالحق}.

.لطائف التفسير:

اللطيفة الأولى:
التعبير بقوله تعالى: {إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الذين كفروا} ليس للشرط وإنما خرج الكلام مخرج الغالب، إذ كان الغالب على المسلمين الخوف في الأسفار، ولهذا قال (يَعْلَى بن أمية) لعمر رضي الله عنه: ما لنا نقصر وقد أمّنا؟ فقال عمر: عجبتُ مما عجبتَ منه فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك فقال: «صدقةٌ تصدّق الله بها عليكم فاقبلوا صدقته».
اللطيفة الثانية:
أمر تعالى المجاهدين حين شروعهم بالصلاة بعدم طرح الأسلحة، وعبّر عن ذلك بالأخذ {وليأخذوا أسلحتهم} للإيذان بالاعتناء بضرورة الحذر من الكافرين، والتنبيه على ضرورة اليقظة وعدم التساهل في الأخذ بالأسباب.
اللطيفة الثالثة:
«روي أن النبي صلى الله عليه وسلم غزا محارًا مع أصحابه، فنزلوا واديًا ولا يرون من العدوّ أحدًا، فوضع الناس أسلحتهم وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم لحاجة له، فلما قطع طرف الوادي بصرَ به (غورث بن الحارث) فانحدر من الجبل وهو السيف، فلم يشعر به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو قائم على رأسه يقول: قتلني الله إن لم أقتلك وقد سلّ سيفه من غمدة فقال يا محمد: من يعصمك منيّ الآن؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: الله عز وجل، فأهوى بالسيف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ليضربه فزلقت رجله وسقط على الأرض، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف وقال: من يمنعك مني الآن يا غورث؟ فقال: لا أحد، كن خير آخذ فعفا عنه الرسول عليه السلام، فرجع إلى قومه فقصّ عليهم قصته فآمن بعض قومه ودخلوا في الإسلام».
اللطيفة الرابعة:
قوله تعالى: {لِتَحْكُمَ بَيْنَ الناس بِمَا أَرَاكَ الله} أي بما عرّفك وأعلمك وأوحى إليك، سمي ذلك العلم بالرؤية لأن العلم اليقيني المبرأ عن جهات الريب يكون جاريًا مجرى الرؤية في القوة والظهور.
قال الزمخشري: كان عمر يقول: «لا يقولَّنّ أحدكم قضيتُ بما أراني الله، فإن الله لم يجعل ذلك إلا لنبيه صلى الله عليه وسلم، ولكن ليجتهد رأيه، لأن الرأي من رسول الله صلى الله عليه وسلم كان مصيبًا، لأن الله كان يريه إياه، وهو منّا الظن والتكلف».
اللطيفة الخامسة:
قال الرازي: واعلم أن في الآية تهديدًا شديدًا، وذلك لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما مال طبعه قليلًا إلى جانب طُعْمة، وكان في علم الله أن (طُعْمة) كان فاسقًا، فالله تعالى عاتب رسوله على ذلك القدر من إعانة المذنب، فكيف حال من يعلم من الظالم كونه ظالمًا ثم يعينه على ذلك الظلم، بل يحمله عليه ويرغّبه فيه أشد الترغيب؟.
اللطيفة السادسة:
أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بالاستغفار لا يدل على وقوع المعصية منه عليه السلام وإنما هو لزيادة حسناته ورفع مقامه، قال القاضي عياض في «الشفا»: إن تصرف الأنبياء عليهم السلام بأمورٍ لم يُنهوا عنها، ولا أُمروا بها، ثم عوتبوا بسببها، إنما هي ذنوب بالإضافة إلى عليّ منصبهم، وإلى كمال طاعتهم، لا أنها كذنوب غيرهم ومعاصيهم، وأطال في هذا المقام وأطاب، ثم قال: وأيضًا فإن في التوبة والاستغفار معنى لطيفًا أشار إليه بعض العلماء وهو: استدعاء محبة الله، قال الله تعالى: {إِنَّ الله يُحِبُّ التوابين وَيُحِبُّ المتطهرين} [البقرة: 222].