فصل: من فوائد القاسمي في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من فوائد القاسمي في الآية:

قال رحمه الله:
{لاّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مّن نّجْوَاهُمْ} أي: مساررتهم، والسياق، وإن دل على مناجاة بعض قوم ذلك السارق مع بعض، إلا أنها في المعنى عامة، والمراد: لا خير فيما يتناجى فيه الناس ويخوضون فيه من الحديث، ثم استثنى النجوى في أعمال الخير بقوله سبحانه وتعالى: {إِلاّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ} أي: إلا في نجوى من أمر، بخفية عن الحاضرين، بصدقة ليعطيها سرًا، يستر به عار المتصدق عليه.
{أَوْ مَعْرُوفٍ} أي: بطاعة الله وأعمال البر كلها معروف، وسر التناجي فيه أن لا يأنف المأمور عن قبوله لو جهر به.
{أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النّاسِ} يعني الإصلاح بين المتخاصمين ليتراجعا إلى ما كانا فيه من الألفة والاجتماع، على ما أذن الله فيه وأمر به، وسر النجوى فيه أنه لو ظهر أولًا ربما لم يتم.
قال المهايمي: قيل في الحصر: الخير إما نفع جسماني وهو في الأمر بالصدقة، أو روحاني وهو في الأمر بالمعروف، وإما دفع وهو في الإصلاح ويمكن أن يقال: الخير إما نفع متعد من المأمور وهو الصدقة: أو لازم له وهو المعروف، أو دفع ضرر متعد أو لازم له، وهو الإصلاح، وإنما تتم خيريتها إذا ابتغى بها رضاء الله تعالى كما قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتَغَاء} أي: طلب.
{مَرْضَاتِ اللّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ} يعني في الآخرة.
{أَجْرًا عَظِيمًا} يساوي أجر الفاعل أو يفوقه، وقد دلت الآية على الترغيب في الصدقة والمعروف والإصلاح بين الناس، وقد أكد تعالى الترغيب بقوله: {عَظِيمًا} وأن النية فيها شرط لنيل الثواب، لقوله تعالى: {ابْتَغَاء مَرْضَاتِ اللّهِ} وعلى أن كلام الإِنسَاْن عليه لا له، إلا ما كان في هذا ونحوه، كما جاء في الحديث الذي رواه ابن مردويه بسنده إلى مُحَمَّدُ بْنُ يَزِيدَ بْنِ خُنَيْسٍ قَالَ: دَخَلْنَا عَلَى سُفْيَان الثَّوْرِيّ نَعُودهُ فَدَخَلَ عَلَيْنَا سَعِيد بْن حَسَّان، فَقَالَ لَهُ الثَّوْرِيّ: الْحَدِيث الَّذِي كُنْت حَدَّثْتنِيهِ عَنْ أُمّ صَالِح ارَدَّدَهُ عَلِيّ فَقَالَ: حَدَّثَتْنِي أُمّ صَالِح عَنْ صَفِيَّة بِنْت شَيْبَة عَنْ أُمّ حَبِيبَة قَالَتْ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كَلَام اِبْن آدَم كُلّه عَلَيْهِ لَا لَهُ، إِلَّا ذِكْر اللَّه عَزَّ وَجَلَّ، أَوْ أَمْر بِمَعْرُوفٍ أَوْ نَهْي عَنْ مُنْكَر».
فَقَالَ سُفْيَان: أَوَمَا سَمِعْت اللَّه فِي كِتَابه يَقُول: {لَا خَيْر فِي كَثِير مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوف أَوْ إِصْلَاح بَيْن النَّاس} فَهُوَ هَذَا بِعَيْنِهِ، أَوَمَا سَمِعْت اللَّه يَقُول: {يَوْم يَقُوم الرُّوح وَالْمَلَائِكَة صَفًّا لَا يَتَكَلَّمُونَ إِلَّا مَنْ أَذِنَ لَهُ الرَّحْمَن وَقَالَ صَوَابًا} [النبا: 38]، فَهُوَ هَذَا بِعَيْنِهِ، أَوَمَا سَمِعْت اللَّه يَقُول فِي كِتَابه: {وَالْعَصْر إِنَّ الْإِنْسَان لَفِي خُسْر} إِلَخْ [العصر: 1- 2] فَهُوَ هَذَا بِعَيْنِهِ.
وَقَدْ رَوَى هَذَا الْحَدِيث التِّرْمِذِيّ وَابْن مَاجَهْ مِنْ حَدِيث ابْنِ خُنَيْسٍ عَنْ سَعِيد بْن حَسَّان بِهِ، وَلَمْ يَذْكُر أَقْوَال الثَّوْرِيّ إِلَى آخِرهَا.
ثُمَّ قَالَ التِّرْمِذِيّ: حَدِيث غَرِيب حسن لَا يُعْرَف إِلَّا مِنْ حَدِيث اِبْن خُنَيْس.
قلت: هو مقبول، كما في «التقريب» لابن حجر، فحسن حديثه.
وروى الجماعة عن أُمّ كُلْثُوم بِنْت عُقْبَة أَخْبَرَتْهُ أَنَّهَا سَمِعَتْ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُول: «لَيْسَ الْكَذَّاب الَّذِي يُصْلِح بَيْن النَّاس فَيَنْمِي خَيْرًا أَوْ يَقُول خَيْرًا».
وَقَالَتْ: لَمْ أَسْمَعهُ يُرَخِّص فِي شَيْء مِمَّا يَقُولهُ النَّاس إِلَّا فِي ثَلَاث: فِي الْحَرْب، وَالْإِصْلَاح بَيْن النَّاس، وَحَدِيث الرَّجُل اِمْرَأَته، وَحَدِيث الْمَرْأَة زَوْجهَا.
وروى الإمام أحمد وأبو داود والترمذيّ عَنْ أَبِي الدَّرْدَاء قَالَ: قَالَ رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَلَا أُخْبِركُمْ بِأَفْضَل مِنْ دَرَجَة الصِّيَام وَالصَّلَاة وَالصَّدَقَة؟»
قَالُوا: بَلَى يَا رَسُول اللَّه.
قَالَ: «إِصْلَاح ذَات الْبَيْن».
قَالَ: «وَفَسَاد ذَات الْبَيْن هِيَ الْحَالِقَة». قال الترمذيّ: حسن صحيح. اهـ.

.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{لاَّ خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِّن نَّجْوَاهُمْ إِلاَّ مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلاَحٍ بَيْنَ النَّاسِ}
وسبحانه يوضح أمر هذه النجوى التي تحمل التبييت للإضلال، ولكن ماذا إن كانت النجوى لتعين على حق؟ إنه سبحانه يستثنيها هنا؛ لذلك لم يصدر حكمًا جازمًا ضد كل نجوى، واستثنى منها نجوى مَن أمر بصدقة أو معروف أو إصلاح بين الناس، بل ويجزى عليها حسن الثواب. لذلك قال: {وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا}. ويستخدم الحق هنا كلمة سوف، وكان من الممكن أن يأتي القول: {فسنؤتيه أجرًا عظيمًا} لكن لدقة الأداء القرآني البالغة جاءت بأبعد المسافات وهي سوف.
ونعرف أن جواب شرط الفعل إذا ما جاء على مسافة قريبة فنحن نستخدم السين، وإذا ما جاء جواب الشرط على مسافة بعيدة فنحن نستخدم سوف. وجاء الحق هنا بسوف لأن مناط الجزاء هو الآخرة، فإياك أيها العبد المؤمن أن تقول: لماذا لم يعطني الله الجزاء على الطيب في الدنيا؟؛ لأن الحق سبحانه وتعالى لم يقل: فسنؤتيه ولكنه قال: {فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} مما يدل على أن الفضل والإكرام من الله؛ وإن كان عاجلًا ليس هو الجزاء على هذا العمل؛ لأن جزاء الحق لعبادة المؤمنين سيكون كبيرًا، ولا يدل على هذا الجزاء في الآخرة إلاّ فسوف. ونعرف أن الرسول صلى الله عليه وسلم حين يمني أمته الإيمانية بشيء فهو يمنيها بالآخرة، ولننظر إلى بيعة العقبة عندما جاء الأنصار من المدينة لمبايعة رسول الله:
فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم وحوله عصابة من أصحابه: «بايعوني على ألا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين أيديكم وأرجلكم ولا تعصوا في معروف، فمن وفَّى منكم فأجره على الله، ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب به في الدنيا فهو كفارة له، ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله إن شاء عفا عنه وإن شاء عاقبه».
لقد أخذت لنفسك يا رسول الله ونحن نريد أن نأخذ لأنفسنا، ماذا لنا إن نحن وفّينا بهذا؟ ولنر عظمة الجواب وإلهامية الرد، قال الرسول صلى الله عليه وسلم: «لكم الجنة».
كان في استطاعة رسول الله أن يقول لهم: إنكم ستنتصرون وإنكم ستأخذون مشارق الأرض ومغاربها وسيأتي لكم خير البلاد الإسلامية كلها. لكنه بحكمته لم يقل ذلك أبدًا فقد يستشهد واحد منهم في قتال من أجل نصرة دين الله، فماذا سيأخذ في الدنيا؟. إنه لن يأخذ حظه من التكريم في الدنيا، ولكنه سينال الجزاء في الآخرة.
لذلك جاء بالجزاء الذي سيشمل الكل، وهو الجنة ليدلهم على أن الدنيا أتفه من أن يكون جزاء الله محصورًا فيها، ويحض كل المؤمنين على أن يطلبوا جزاء الآخرة؛ ونعلم جميعًا هذه الحكاية، ونجد رجلًا يقول لصاحبه: أتحبني؟ فأجاب الصاحب: نعم أحبك. فسأل السائل: على أي قدر تحبني؟ قال الصاحب: قدر الدنيا. أجاب الرجل: ما أتفهني عندك!!.
يقول الحق: {وَمَن يَفْعَلْ ذلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاتِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا} ومن صاحب «نؤتيه» والفاعل لهذا العطاء؟ إنه الحق سبحانه وتعالى الذي وصف الأجر بأنه أجر عظيم. وكأن الحق يبلغنا:
- يا معشر الأمة الإيمانية التحموا بمنهج رسول الله وامتزجوا به لتكونوا معه شيئًا واحدًا. وإياكم أن يكون لكم رأي منفصل عن المنهج؛ فهو مبلغ عن الله، فمن آمن به فليلتحم به. ولذلك نجد سيدنا أبا بكر الصديق رضي الله عنه ساعة حدثوه في حكاية الإسراء والمعراج نجده يسأل محدثه: أقال رسول الله ما قلتموه..؟ فيقولون: بلى، لقد قال. فيرد عليهم الصديق: إن كان قال فقد صدق؛ فالصديق أبو بكر لا يحتاج إلى دليل على صدق ما قال رسول الله.
ويأتي الحق بالمقابل فيقول: {وَمَن يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِن بَعْدِ...} اهـ.

.فوائد بلاغية:

قال في صفوة التفاسير:
البلاغة:
تضمنت الآيات الكريمة من البلاغة والبيان والبديع أنواعا نوجزها فيما يلي:
1- الاستفهام الذي يراد به التوبيخ والتقريع في {قالوا فيم كنتم}؟ وفي {ألم تكن أرض الله واسعة}؟.
2- إطلاق العام وإرادة الخاص {فإذا قضيتم الصلاة} أريد بها صلاة الخوف، التي شرعت في أيام الحرب.
3- الجناس المغاير في {يعفو.. عفوا} وفي {يهاجر.. مهاجرا} وفي {يختانون.. خوانا} وفى {يستغفر.. غفورا}.
4- اطلاق الجمع على الواحد في {توفاهم الملائكة} يراد به ملك الموت، وذكر بصيغة الجمع تفخيما له وتعظيما لشأنه.
5- طباق السلب {يستخفون من الناس ولا يستخفون من الله}، الأول مثبت، والثاني منفي.
6- الاطناب بتكرار لفظ الصلاة تنبيها على فضلها {فأقيموا الصلاة} {إن الصلاة كانت على المؤمنين كتابا موقوتا}.
قال الله تعالى: {لا خير في كثير من نجواهم..} الى.. {فعند الله ثواب الدنيا والآخرة} {وكان الله سميعا بصيرا} من آية [114] الى نهاية آية [134]. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قال الوَاحِدِي: النَّجْوى في اللُّغَة سر بين اثْنَيْن، يُقَال: ناجَيْت الرَّجل مُنَاجَاة ونِجَاء، ويقال: نجوت الرَّجُل أنْجُو بِمَعْنَى: نَاجَيْتُه، والنَّجْوى قد تكون مَصْدرًا بمنزلة المُنَاجَاةِ، قال تعالى: {مَا يَكُونُ مِن نجوى ثَلاَثَةٍ إِلاَّ هُوَ رَابِعُهُمْ} [المجادلة: 7] وقد يُطْلَق على الأشْخَاص مَجَازًا، قال تعالى: {وَإِذْ هُمْ نجوى} [الإسراء: 47] ومَعْنَاها: المُسَارّة، ولا تكون إلا مِن اثْنَيْن فأكثَر.
وقال الزَّجَّاج: النَّجْوى ما تفرَّد به الاثْنَان فأكْثر، سِرًّا كان أو ظَاهِرًا.
وقيل: النَّجْوى جمع نَجِيّ؛ نقله الكَرْمَاني، والنَّجْوى مشتقَّةٌ من نَجَوْتُ الشيء، أنْجُوه، إذا خَلَّصْتَه وأفْرَدْتَه، والنَّجْوة المُرْتَفِعُ من الأرْضِ؛ لانْفِرَاده بارتفاعه عمَّا حَوْله.
والنَّجْوى: هي الإسْرَار في التَّدْبِير.
وقيل: النَّجْوى: ما يَنْفَرِدُ بِتَدْبِيرِه قَوْمٌ، سِرًّا كان أوْ عَلاَنِيَة، ومَعْنَى الآيَة: لا خَيْر في كَثِيرٍ مما يُدَبِّرُونه بَيْنَهُم، إلاَّ من أمَرَ بِصَدَقَة، أوْ معروفٍ، أو إصلاحٍ بين النَّاسِ فالاستِثْنَاء يكون مُتَّصِلًا، وقيل: هو استِثْنَاء مُنْقَطِع بمعنى: لكن من أمر بِصَدقَةٍ، وهذان القَوْلان مبنيّان على أن النَّجْوى يجوز أن يراد بها: المَصْدرُ كالدَّعْوى؛ فتكون بِمعنَى: التناجي، وأنْ يُرادَ بها: القَوْمُ المتناجُون إطلاقًا للمَصْدرِ على الوَاقِع منه مجازًا، نحو: «رجلٌ عَدْلٌ وصَوْمٌ».