فصل: فوائد لغوية وإعرابية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وَالْمُتَبَادِرُ مِنَ الْآيَةِ الَّتِي نَحْنُ بِصَدَدِ تَفْسِيرِهَا: أَنَّ عَدَمَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ حُجَّةً لِلنَّاسِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِذَا أَرَادَ اللهُ أَنْ يُؤَاخِذَهُمْ وَيُعَذِّبَهُمْ عَلَى تَرْكِ الْهُدَى الَّذِي جَاءَهُمْ بِهِ أُولَئِكَ الرُّسُلُ. وَالْمُتَبَادِرُ مِنْ آيَةِ سُورَةِ الْإِسْرَاءِ أَنَّهُ لَيْسَ مِنْ شَأْنِ اللهِ تَعَالَى وَلَا مَنْ سُنَّتِهِ أَنْ يُعَذِّبَ الْأُمَمَ التَّعْذِيبَ السَّمَاوِيَّ الْعَامَّ الَّذِي عَبَّرَ عَنْهُ بِقَوْلِهِ: {فُكَلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [29: 40] إِلَّا إِذَا أَرْسَلَ إِلَيْهِمْ رَسُولًا فَكَذَّبُوهُ، وَسُنَّتُهُ فِي هَذَا النَّوْعِ مِنَ التَّعْذِيبِ مُبِيَّنَةٌ فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، فَهُوَ لَا يَأْخُذُ بِهِ كُلَّ قَوْمٍ كَذَّبُوا رَسُولَهُمْ، بَلْ مَنْ أَنْذَرَهُمُ الْعَذَابَ فَتَمَارَوْا بِالنُّذُرِ، وَتَمَادَوْا فِي عِنَادِ الرُّسُلِ وَكَانَ اللهُ عَزِيزًا حَكِيمًا.
وَمَنْ أَخَذَ الْقُرْآنَ بِجُمْلَتِهِ، وَفَقِهَ أَحْكَامَهُ وَحُكْمَهُ يَعْلَمُ أَنَّ الدِّينَ وَضْعٌ إِلَهِيٌّ لَا يَسْتَقِلُّ الْعَقْلُ الْبَشَرِيُّ بِالْوُصُولِ إِلَيْهِ بِنَفْسِهِ، بَلْ يُعْرَفُ بِالْوَحْيِ، وَأَنَّهُ مَعَ هَذَا مُوَافِقٌ لِسُنَنِ الْفِطْرَةِ فِي تَزْكِيَةِ النَّفْسِ، وَإِعْدَادِهَا لِلْحَيَاةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي عَالَمِ الْقُدُسِ، فَهُوَ مِنْ حَيْثُ هُوَ وَضْعٌ إِلَهِيٌّ، يَتَرَتَّبُ عَلَى الْعَمَلِ بِهِ وَالتَّرْكِ جَزَاءٌ وَضْعِيٌّ يُحَدِّدُهُ اللهُ تَعَالَى فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ، وَهَذَا الْجَزَاءُ خَاصٌّ بِمَنْ بَلَغَتْهُ دَعْوَتُهُ عَلَى وَجْهِهَا. وَمِنْ حَيْثُ إِنَّهُ مُوَافِقٌ لِسُنَنِ الْفِطْرَةِ يَتَرَتَّبُ عَلَى الِاهْتِدَاءِ بِهِ تَزْكِيَةُ النَّفْسِ، وَعَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهُ تَدْسِيَتُهَا. وَتَأْثِيرُ الْعَقَائِدِ الصَّحِيحَةِ وَالْأَعْمَالِ الصَّالِحَةِ وَالْآدَابِ الْعَالِيَةِ الَّتِي يَهْدِي إِلَيْهِ تَأْثِيرٌ فِطْرِيٌّ ذَاتِيٌّ. فَكُلُّ مَنِ اهْتَدَى بِهَا زَكَتْ نَفْسُهُ بِقَدْرِ اهْتِدَائِهِ بِهَا وَإِنْ لَمْ يَعْلَمْ أَنَّ رَسُولًا جَاءَ بِهَا، وَكَذَلِكَ تَأْثِيرُ الْعَقَائِدِ الْبَاطِلَةِ وَالْأَعْمَالِ الْقَبِيحَةِ وَالْأَخْلَاقِ الْفَاسِدَةِ الَّتِي يَنْهَى عَنْهَا، فَكُلُّ مَنْ تَلَوَّثَتْ بِهَا نَفْسُهُ فَسَدَتْ وَسَفُلَتَ، وَالْأَصْلُ فِي هَذَا وَذَاكَ الْإِخْلَاصُ فِي إِيثَارِ مَا يَعْتَقِدُ الْإِنْسَانُ أَنَّهُ الْحَقُّ، وَالْخَيْرُ عَلَى ضِدِّهِ، فَكَمَا دَلَّتِ الْآيَاتُ عَلَى أَنَّ اللهَ تَعَالَى لَا يُؤَاخِذُ النَّاسَ بِمُخَالَفَةِ مَا جَاءَتْ بِهِ الرُّسُلُ إِلَّا إِذَا بَلَغَتْهُمْ دَعْوَتُهُمْ، وَقَامَتْ عَلَيْهِمْ حُجَّتُهُمْ؛ لِأَنَّ هَذَا النَّوْعَ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ وَضْعِيٌّ لَا يَتَحَقَّقُ إِلَّا بِتَحَقُّقِ الْوَضْعِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ هُوَ عَلَيْهِ. كَذَلِكَ تَدُلُّ آيَاتٌ أُخْرَى عَلَى الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ الْعَامِّ بِالْقِسْطِ عَلَى حَسَبِ تَأْثِيرِ الْأَعْمَالِ فِي النُّفُوسِ، فَمَنْ دَسَّى نَفْسَهُ وَأَبْسَلَهَا، لَا يُمْكِنُ أَنْ يَكُونَ عِنْدَ اللهِ كَمَنْ زَكَّى نَفْسَهُ وَأَسْلَمَهَا، وَلَا يُمْكِنُ أَنْ يَقُولَ عَاقِلٌ: إِنَّ نُفُوسَ مَنْ لَمْ تَبْلُغْهُمُ الدَّعْوَةُ الصَّحِيحَةُ تَكُونُ سَوَاءً مَهْمَا اخْتَلَفَتْ عَقَائِدُهُمْ وَأَخْلَاقُهُمْ وَأَعْمَالُهُمْ، فَإِنَّ هَذَا مُخَالِفٌ لِحُكْمِ الْعَقْلِ وَإِدْرَاكِ الْحِسِّ، إِذْ لَمْ تُوجَدْ وَلَا تُوجَدُ أُمَّةٌ إِلَّا وَفِيهَا الصَّالِحُونَ وَالطَّالِحُونَ وَالْأَبْرَارُ وَالْفُجَّارُ، وَالَّذِينَ يُؤْثِرُونَ مَا يَرَوْنَهُ مِنَ الْهُدَى عَلَى دَاعِيَةِ الشَّهْوَةِ وَالْهَوَى وَالْعَكْسُ. فَهَلْ يَكُونُ الْفَرِيقَانِ عِنْدَ الْحُكْمِ الْعَدْلِ سَوَاءً؟ {قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ} [5: 100] {مَثَلُ الْفَرِيقَيْنِ كَالْأَعْمَى وَالْأَصَمِّ وَالْبَصِيرِ وَالسَّمِيعِ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا أَفَلَا تَذَكَّرُونَ} [11: 24].
لَكِنِ اللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَ إِلَيْكَ هَذَا اسْتِدْرَاكٌ عَلَى مَا عُلِمَ مِنَ السِّيَاقِ مِنْ إِنْكَارِهِمْ نُبُوَّتَهُ صلى الله عليه وسلم وَعَدَمِ شَهَادَتِهِمْ بِهَا، وَهِيَ عِنْدَهُمْ فِي مَرْتَبَةِ الْمَشْهُودِ بِهِ؛ لِوُضُوحِهَا، وَلَكِنَّهُمُ اسْتَبْدَلُوا الْمُبَاهَتَةَ وَالْمُكَابَرَةَ بِالشَّهَادَةِ وَالْإِيمَانِ، فَسَأَلُوهُ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْهِمْ كِتَابًا مِنَ السَّمَاءِ يُثْبِتُ دَعْوَاهُ وَيَكُونُ شَاهِدًا لَهُ مُقْنِعًا لَهُمْ، فَبَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لَهُ أَنَّ هَذَا الطَّلَبَ جَارٍ عَلَى شَنْشَنَتِهِمْ فِي مُعَامَلَةِ أَنْبِيَائِهِمْ مِنْ قَبْلُ، وَأَنْ وَحْيَهُ إِلَيْهِ هُوَ مِنْ جِنْسِ وَحْيِهِ إِلَى أُولَئِكَ الْأَنْبِيَاءِ الَّذِينَ يَزْعُمُونَ أَنَّهُمْ يُؤْمِنُونَ بِهِمْ وَيَشْهَدُونَ لَهُمْ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ لِرَسُولِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُمْ مَعَ وُضُوحِ أَمْرِ نُبُوَّتِكَ فِي نَفْسِهِ، لَا يَشْهَدُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ، وَإِنْ كَانُوا يَشْهَدُونَ لِمَا هُوَ مِنْ جِنْسِهِ، لَكِنَّ اللهَ يَشْهَدُ لَكَ بِهِ، فَإِنَّهُ: أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ أَيْ: مُتَلَبِّسًا بِعِلْمِهِ الْخَاصِّ الَّذِي لَمْ تَكُنْ تَعْلَمُهُ أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ إِنْزَالِهِ إِلَيْكَ {تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا} [11: 49] {مَا كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتَابُ وَلَا الْإِيمَانُ وَلَكِنْ جَعَلْنَاهُ نُورًا نَهْدِي بِهِ مَنْ نَشَاءُ مِنْ عِبَادِنَا} [42: 52] {وَمَا كُنْتَ تَتْلُو مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتَابٍ وَلَا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إذًا لَارْتَابَ الْمُبْطِلُونَ} [29: 48] فَهُوَ بِمَا فِيهِ مِنَ الْعُلُومِ الْإِلَهِيَّةِ وَالْأَدَبِيَّةِ وَالسِّيَاسِيَّةِ وَالْقَضَائِيَّةِ وَالِاجْتِمَاعِيَّةِ، وَمِنْ عُلُومِ الْأَنْبِيَاءِ وَالرُّسُلِ وَالْأُمَمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ، وَبِمَا جَاءَ بِهِ مِنَ الْأُسْلُوبِ الْبَدِيعِ الَّذِي لَمْ يُسْبَقْ إِلَيْهِ وَلَا يُلْحَقُ فِيهِ، مِنْ مَزْجِ هَذِهِ الْعُلُومِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ مَزْجًا دَقِيقًا يُؤَلِّفُ بَيْنَ مَا كَانَ مَوْضُوعُهُ مِنْهَا أَعْلَى الْمَوْضُوعَاتِ؛ كَالْمَسَائِلِ الْإِلَهِيَّةِ، وَمَا كَانَ مِنْهَا أَدْنَى كَشُئُونِ الْكُفَّارِ وَالْمُجْرِمِينَ، بِحَيْثُ يَكُونُ الْقَلِيلُ مِنْ آيَاتِهِ كَالْكَثِيرِ مِنْهَا مُؤَثِّرًا فِي جَذْبِ الْقُلُوبِ إِلَى الْإِيمَانِ، وَتَغْذِيَتِهَا بِالْحَقِّ وَالْخَيْرِ، وَبِمَا لَهُ مِنَ السُّلْطَانِ عَلَى الْأَرْوَاحِ بِهِدَايَتِهِ وَبَلَاغَتِهِ، وَبِمَا فِيهِ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ عَنِ الْمَاضِي وَالْحَاضِرِ وَالْمُسْتَقْبَلِ، وَبِمَا فِيهِ مِنَ التَّنَاسُقِ وَالتَّصَادُقِ، وَالسَّلَامَةِ مِنَ الْخِلَافِ وَالتَّعَارُضِ، عَلَى كَثْرَةِ عُلُومِهِ وَتَشَعُّبِ فُنُونِهِ، هُوَ بِمِثْلِ هَذِهِ الْخَصَائِصِ وَالْمَزَايَا الْبَارِزَةِ فِي أَعْلَى حَالِ الْفَصَاحَةِ وَالْبَلَاغَةِ، مُثْبِتٌ لِشَهَادَةِ اللهِ تَعَالَى بِهِ وَبِأَنَّهُ وَحْيٌ مِنْ عِنْدِهِ؛ لِأَنَّ تِلْكَ الْخَصَائِصَ وَالْمَزَايَا لَا يَقْدِرُ عَلَى الْإِتْيَانِ بِهَا أَفْرَادُ الْعُلَمَاءِ الْوَاسِعِي الِاطِّلَاعِ، فَضْلًا عَنْ أُمِّيٍّ نَشَأَ بَيْنَ الْأُمِّيِّينَ، وَوَصَلَ إِلَى سِنِّ الْكُهُولَةِ، وَلَمْ يَظْهَرْ مِنْهُ شَيْءٌ مِنْ مِثْلِ ذَلِكَ، وَلَا مِمَّا دُونَهُ مِنْ مَظَاهِرِ فَصَاحَةِ قَوْمِهِ؛ كَالشِّعْرِ وَالْخَطَابَةِ وَالْمُفَاخَرَةِ، فَإِذَا كَانَ لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهِ أَحَدٌ مِنْ عُلَمَاءِ الدُّنْيَا وَالدِّينِ وَفُحُولِ الْبَلَاغَةِ الْمُقَرَّمِينَ تَعَيَّنَ أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، فَكَأَنَّهُ تَعَالَى يَقُولُ لِنَبِيِّهِ: مَاذَا يَضُرُّكَ جُحُودُ الْيَهُودِ وَعَدَمُ شَهَادَتِهِمْ لَكَ، وَاللهُ يَشْهَدُ بِمَا أَنْزَلَهُ إِلَيْكَ، وَأَنْتَ عَلَى يَقِينٍ مِنْ ذَلِكَ بِالْوَحْيِ، وَقَدْ أَيَّدَ شَهَادَتَهُ لَكَ بِعِلْمِهِ الَّذِي أَوْدَعَهُ هَذَا الْقُرْآنَ، فَكَانَ بِذَلِكَ مُثْبِتًا لِحَقِيَةِ نَفْسِهِ وَكَوْنِهِ أُنْزِلَ عَلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ، بِأَقْوَى مِنْ إِثْبَاتِ الدَّعَاوَى بِالْبَيِّنَاتِ وَالشَّهَادَاتِ الَّتِي تَحْتَمِلُ النَّقْضَ، وَيُؤَيِّدُهَا كَذَلِكَ يَوْمًا بَعْدَ يَوْمٍ بِتَصْدِيقِ مَا أَنْزَلَهُ فِي هَذَا الْقُرْآنِ مِنَ الْوَعْدِ لَكَ بِالْفَلَاحِ وَالنَّصْرِ، وَوَعِيدِ مَنْ عَادَوْكَ بِالْخِذْلَانِ وَالْخُسْرِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ أَيْضًا بِذَلِكَ؛ لِأَنَّ الَّذِي نَزَلَ بِهِ إِلَيْكَ هُوَ الرُّوحُ الْأَمِينُ مِنْهُمْ، أَنْتَ تَرَاهُ وَتَتَلَقَّى عَنْهُ لَا رَيْبَ عِنْدَكَ فِي ذَلِكَ، وَاللهُ يُؤَيِّدُكَ بِجُنْدٍ مِنْهُمْ يَنْفُخُونَ رُوحَ التَّثْبِيتِ وَالسَّكِينَةِ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ؛ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَعَ إِيمَانِهِمْ {إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلَائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ} [8: 12] وَكُلُّ ذَلِكَ قَدْ كَانَ، وَثَبَتَتْ بِهِ شَهَادَةُ مَلَائِكَةِ اللهِ عِنْدَ نَبِيِّهِ وَعِنْدَ الْمُؤْمِنِينَ بِإِخْبَارِ اللهِ، وَبِمَا ظَهَرَ لَهُمْ مَنْ صِدْقِهَا فِي أَنْفُسِهِمْ وَكَفَى بِاللهِ شَهِيدًا فَشَهَادَتُهُ أَصْدَقُ وَقَوْلُهُ الْحَقُّ: {قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ} [6: 19].
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللهُ عَلِيمًا حَكِيمًا.
لَقَدْ تَجَلَّتْ فِي الْآيَاتِ السَّابِقَةِ الْحُجَّةُ، وَتَضَاءَلَ كُلُّ مَا أَوْرَدَهُ الْيَهُودُ عَلَى نُبُوَّةِ نَبِيِّنَا صلى الله عليه وسلم مِنْ شُبْهَةٍ، فَثَبَتَتْ هَذِهِ النُّبُوَّةُ بِشَهَادَةِ اللهِ تَعَالَى بِمَا أَنْزَلَهُ عَلَيْهِ، إِذْ لَا يَسْتَطِيعُ أَحَدٌ مِنَ الْخَلْقِ أَنْ يَأْتِيَ بِمِثْلِهِ، فَحَسُنَ بَعْدَ هَذَا أَنْ يُنْذِرَ الَّذِينَ يُصِرُّونَ عَلَى كُفْرِهِمْ، وَيَسْتَمِرُّونَ عَلَى صَدِّهِمْ وَظُلْمِهِمْ، وَإِنَّمَا يُنْذِرُهُمْ، عَزَّ وَجَلَّ، سُوءَ الْعَاقِبَةِ، وَيُبَيِّنُ لَهُمْ مَصِيرَهُمْ مِنَ الْهَاوِيَةِ، لِذَلِكَ قَالَ بَعْدَمَا تَقَدَّمَ:
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللهِ أَيْ أَعْرَضُوا عَنْ طَرِيقِ الْحَقِّ وَالْخَيْرِ الْمُوَصِّلَةِ إِلَى رِضْوَانِ اللهِ تَعَالَى، وَحَمَلُوا غَيْرَهُمْ عَلَى الْإِعْرَاضِ عَنْهَا بِسُوءِ الْقُدْوَةِ وَتَمْوِيهِ الشُّبْهَةِ قَدْ ضَلُّوا ضَلَالًا بَعِيدًا بِسَيْرِهِمْ فِي سُبُلِ الشَّيْطَانِ سَيْرًا حَثِيثًا، بَعُدُوا بِهِ عَنْ سَبِيلِ اللهِ بُعْدًا شَاسِعًا حَتَّى لَمْ يَعُودُوا يُبْصِرُونَ مَا اتَّصَفَتْ بِهِ مِنَ الْوُضُوحِ وَالِاسْتِقَامَةِ، وَلَا يَفْقَهُونَ أَنَّهَا هِيَ الْمُوَصِّلَةُ إِلَى خَيْرِ الْعَاقِبَةِ وَمَرْسَى السَّلَامَةِ.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ بِكُفْرِهِمْ وَقُبْحِ عَمَلِهِمْ، وَظَلَمُوا غَيْرَهُمْ بِإِغْوَائِهِمْ إِيَّاهُمْ بِزُخْرُفِ قَوْلِهِمْ وَسُوءِ سِيرَتِهِمْ لَمْ يَكُنِ اللهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ أَيْ لَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ وَلَا مِنْ مُقْتَضَى سُنَّتِهِ فِي خَلْقِهِ أَنْ يَغْفِرَ لَهُمْ ذَلِكَ الْكُفْرَ وَالظُّلْمَ يَوْمَ الْحِسَابِ وَالْجَزَاءِ؛ لِأَنَّ الْكُفْرَ وَالظُّلْمَ يُؤَثِّرَانِ فِي النَّفْسِ وَيُكَيِّفَانِهَا بِكَيْفِيَّةٍ خَاصَّةٍ مِنَ الظُّلْمَةِ وَفَسَادِ الْفِطْرَةِ، لَا يَزُولَانِ بِمُقْتَضَى سُنَّتِهِ تَعَالَى فِي النُّفُوسِ الْبَشَرِيَّةِ وَتَأْثِيرِ عَقَائِدِهَا وَأَعْمَالِهَا فِيهَا، إِلَّا بِمَا يُضَادُّ ذَلِكَ الْكُفْرَ وَالظُّلْمَ فِي الدُّنْيَا مِنَ الْإِيمَانِ الصَّحِيحِ، وَالْعَمَلِ الصَّالِحِ الَّذِي يُزَكِّي النَّفْسَ وَيُطَهِّرُهَا فَتَنْشَأُ خَلْقًا جَدِيدًا، وَلَا سَبِيلَ إِلَى ذَلِكَ فِي يَوْمِ الْحِسَابِ وَمَا يَتْلُوهُ مِنَ الْجَزَاءِ الْمُشَارِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ أَيْ وَلَيْسَ مِنْ شَأْنِهِ وَلَا مِنْ مُقْتَضَى سُنَّتِهِ أَنْ يَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا؛ أَيْ يُوَصِّلُهُمْ إِلَى طَرِيقٍ مِنْ طُرُقِ الْجَزَاءِ عَلَى عَمَلِهِمْ إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ، وَهِيَ تِلْكَ الْهَاوِيَةُ الَّتِي يَنْتَهِي إِلَيْهَا كُلُّ مَنْ يُدَسِّي نَفْسَهُ بِالْكُفْرِ وَالظُّلْمِ، وَهِيَ الطَّرِيقُ الَّتِي اخْتَارُوهَا لِأَنْفُسِهِمْ، وَأَوْغَلُوا فِي السَّيْرِ فِيهَا طُولَ عُمُرِهِمْ، كَالَّذِي يَهْبِطُ الْوَادِيَ يَكُونُ مُنْتَهَى شَوْطِهِ قَرَارَةُ ذَلِكَ الْوَادِي لَا قِمَّةَ الْجَبَلِ الَّذِي هُوَ فِيهِ، فَانْتِظَارُ الْمَغْفِرَةِ وَدُخُولِ الْجَنَّةِ لِهَؤُلَاءِ، كَانْتِظَارِ الضِّدِّ مِنَ الضِّدِّ وَالنَّقِيضِ مِنَ النَّقِيضِ، أَوِ انْتِظَارِ إِبْطَالِ نِظَامِ الْعَالَمِ وَنَقْضِ سُنَنِ اللهِ تَعَالَى وَحِكْمَتِهِ فِي خَلْقِ الْإِنْسَانِ، هَذَا هُوَ التَّحْقِيقُ فِي مِثْلِ هَذَا التَّعْبِيرِ، لَا مَا يَزْعُمُهُ الْقَائِلُونَ بِالْجَبْرِ لَفْظًا وَمَعْنًى أَوْ مَعْنًى فَقَطْ، وَلَا مَا يَزْعُمُهُ خُصُومُهُمْ مِنْ كُلِّ وَجْهٍ، وَقِيلَ: إِنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ فِي قَوْمٍ مُعَيَّنِينَ، عَلِمَ اللهُ مِنْهُمْ أَنَّهُمْ لَا يَتُوبُونَ مِنْ كُفْرِهِمْ وَظُلْمِهِمْ، وَإِلَّا وَجَبَ تَقْيِيدُ عَدَمِ الْمَغْفِرَةِ وَالْهِدَايَةِ لِغَيْرِ طَرِيقِ جَهَنَّمَ بِشَرْطِ عَدَمِ التَّوْبَةِ؛ لِأَنَّ مَنْ تَابَ تَابَ اللهُ عَلَيْهِ، كَمَا هُوَ ثَابِتٌ بِالنَّصِّ وَالْإِجْمَاعِ، وَمَا حَمَلَ قَائِلِي هَذَا الْقَوْلِ عَلَيْهِ إِلَّا غَفْلَتُهُمْ عَنْ كَوْنِ هَذَا هُوَ جَزَاءَ الْكَافِرِينَ الظَّالِمِينَ فِي الْآخِرَةِ، وَظَنَّهُمْ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: {وَلَا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا} إِلَخْ. هُوَ عِبَارَةٌ عَنْ حِرْمَانِهِمْ مِنَ الْهِدَايَةِ فِي الدُّنْيَا، وَهَذَا هُوَ الَّذِي سَاقَهُمْ إِلَى مُعْتَرَكِهِمْ فِي الْجَبْرِ وَالْقَدَرِ، لِعَدَمِ تَطْبِيقِ مِثْلِهِ عَلَى مُقْتَضَى الْحِكْمَةِ وَاطِّرَادِ الْأَسْبَابِ وَالسُّنَنِ.
وَلَمَّا كَانَ مُقْتَضَى سُنَّةِ اللهِ فِي أُولَئِكَ الْكَافِرِينَ الظَّالِمِينَ، أَنَّهُ لَا يَهْدِيهِمْ بِكُفْرِهِمْ وَظُلْمِهِمْ طَرِيقًا إِلَّا طَرِيقَ جَهَنَّمَ، وَعَلِمَ أَنَّهُمْ صَائِرُونَ إِلَيْهَا وَلابد أَنْ يَصِلُوهَا، قَالَ: خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا أَيْ يَدْخُلُونَهَا وَيَذُوقُونَ عَذَابَهَا حَالَ كَوْنِهِمْ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا. قِيلَ: إِنَّ لَفْظَ أَبَدًا يَنْفِي أَنْ يُرَادَ بِالْخُلُودِ طُولُ الْمُكْثِ، فَيَكُونُ مَعْنَى الْعِبَارَةِ الْخُلُودُ الدَّائِمُ الَّذِي لَا نِهَايَةَ لَهُ، وَالصَّوَابُ: أَنَّ هَذَا مَعْنًى اصْطِلَاحِيٌّ لَا لُغَوِيٌّ، أَمَّا مَعْنَى الْخُلُودِ فِي اللُّغَةِ فَهُوَ كَمَا يُؤْخَذُ مِنْ مُفْرَدَاتِ الرَّاغِبِ: بَقَاءُ الشَّيْءِ مُدَّةً طَوِيلَةً عَلَى حَالٍ وَاحِدَةٍ لَا يَطْرَأُ عَلَيْهِ فِيهَا تَغَيُّرٌ وَلَا فَسَادٌ، كَقَوْلِهِمْ لِلْأَثَافِيِّ (حِجَارَةِ الْمَوْقِدِ) خَوَالِدُ، قَالَ: (وَذَلِكَ لِطُولِ مُكْثِهَا، لَا لِدَوَامِ بَقَائِهَا) وَفَسَّرَ الْخُلْدَ فِي اللسان بِدَوَامِ الْبَقَاءِ فِي دَارٍ لَا يَخْرُجُ مِنْهَا. وَالْمُرَادُ بِالسُّكْنَى الدَّائِمَةِ فِي الْعُرْفِ: مَا يُقَابِلُ السُّكْنَى الْمُؤَقَّتَةَ الْمُتَحَوِّلَةَ كَسُكْنَى الْبَادِيَةِ، فَالَّذِينَ لَهُمْ بُيُوتٌ فِي الْمُدُنِ يَسْكُنُونَهَا يُقَالُ فِي اللُّغَةِ: إِنَّهُمْ خَالِدُونَ فِيهَا، قَالَ فِي اللِّسَانِ: وَخَلَدَ بِالْمَكَانِ يَخْلُدُ خُلُودًا، مِنْ بَابِ نَصَرَ، وَأَخْلَدَ: أَقَامَ، وَخَلَدَ- كَضَرَبَ وَنَصَرَ- خُلْدًا وَخُلُودًا: أَبْطَأَ عَنْهُ الشَّيْبُ. وَمَنْ كَبِرَ وَلَمْ يَشِبْ أَوْ لَمْ تَسْقُطْ أَسْنَانُهُ يُقَالُ لَهُ الْمُخَلَّدُ، وَقَالَ زُهَيْرٌ:
لِمَنِ الدِّيَارُ غَشَيْتُهَا بِالْغَرْقَدِ ** كَالْوَحْيِ فِي حَجَرِ الْمَسِيلِ الْمُخَلَّدِ

وَالْأَبَدُ كَمَا قَالَ الرَّاغِبُ: عِبَارَةٌ عَنْ مُدَّةِ الزَّمَانِ الْمُمْتَدِّ الَّذِي لَا يَتَجَزَّأُ كَمَا يَتَجَزَّأُ الزَّمَانُ، وَتَأَبَّدَ الشَّيْءُ: بَقِيَ أَبَدًا، وَيُعَبَّرُ بِهِ عَمَّا يَبْقَى مُدَّةً طَوِيلَةً وَفِي لِسَانِ الْعَرَبِ: الْأَبَدُ: الدَّهْرُ. وَفِيهِ تَسَاهُلٌ، وَقَالُوا فِي الْمَثَلِ: طَالَ الْأَبَدُ عَلَى لُبَدٍ يُضْرَبُ ذَلِكَ لِكُلِّ مَا قَدُمَ، وَقَالُوا: أَبَدَ بِالْمَكَانِ- مِنْ بَابِ ضَرَبَ- أُبُودًا: أَقَامَ بِهِ وَلَمْ يَبْرَحْهُ، وَلَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ شَيْءٌ بِمَعْنَى اللَّانِهَايَةِ يَدُورُ فِي كَلَامِهِمْ.
وَكَانَ ذَلِكَ عَلَى اللهِ يَسِيرًا أَيْ: وَكَانَ ذَلِكَ الْجَزَاءُ سَهْلًا عَلَى اللهِ دُونَ غَيْرِهِ؛ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى حِكْمَتِهِ وَسُنَّتِهِ، وَلَا يَسْتَعْصَى عَلَى قُدْرَتِهِ، فَعَلَى الْعَاقِلِ أَنْ يَتَدَبَّرَ وَيَتَفَكَّرَ لِيَعْلَمَ أَنَّهُ لَا مَلْجَأَ مِنَ اللهِ وَلَا مَفَرَّ، وَلِكُلِّ نَبَأٍ مُسْتَقِرٌّ. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قوله سبحانه: {وَلاَ لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقًا إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ} في هذا الاسْتِثْنَاء قولان:
أحدهما: أنه اسْتِثْنَاء مُتَّصِلٌ، لأن [المُرَادَ] بالطَّرِيق الأوَّلِ: العُمُوم، فالثَّانِي من جِنْسِهِ.
والثاني: انه مُنْقَطِعٌ إن أُريد بالطَّرِيق شَيْءٌ مَخْصُوصٌ؛ وهو العمل الصَّالِحُ الذي يَتَوَصَّلُون به إلى الجَنَّة، وانْتَصَب خَالِدِين على الحَالِ، والعَامِلُ فيه مَعْنَى لا يهديهم اللَّه؛ لأنه بِمَنْزِلَةِ: يُعَاقِبهُم خَالِدِين، وانْتَصَب أبَدًا على الظَّرْفِ، {وَكَانَ ذلك عَلَى الله يَسِيرًا} أي: لا يتعذَّر عليْه شيءٌ. اهـ.