فصل: من فوائد الشعراوي في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قَالَ الْمُؤَلِّفُ: لَا رَيْبَ أَنَّ تَسْمِيَةَ الْأُقْنُومِ الثَّانِي مِنَ الثَّالُوثِ الْمُقَدَّسِ كَلِمَةً هُوَ مِنْ أَصْلٍ وَثَنِيٍّ مِصْرِيٍّ دَخَلَ فِي غَيْرِهِ مِنَ الدِّيَانَاتِ كَالْمَسِيحِيَّةِ وأَبُولُّو الْمَدْفُونُ فِي (دِهْلِي) يُدْعَى الْكَلِمَةَ وَفِي عِلْمِ اللَّاهُوتِ الْإِسْكَنْدَرِيِّ الَّذِي كَانَ يُعَلِّمُهُ (بِلَاتُو) قَبْلَ الْمَسِيحِ بِسِنِينَ عَدِيدَةٍ: الْكَلِمَةُ هِيَ الْإِلَهُ الثَّانِي وَيُدْعَى أَيْضًا: ابْنُ اللهِ الْبِكْرُ.
وَقَالَ بُونْوِيكُ (فِي ص402 مِنْ كِتَابِهِ: عَقَائِدُ قُدَمَاءِ الْمِصْرِيِّينَ): أَغْرَبُ عَقِيدَةٍ عَمَّ انْتِشَارُهَا فِي دِيَانَةِ الْمِصْرِيِّينَ هِيَ قَوْلُهُمْ بِلَاهُوتِ الْكَلِمَةِ، وَأَنَّ كُلَّ شَيْءٍ صَارَ بِوَاسِطَتِهَا، وَأَنَّهَا مُنْبَثِقَةٌ مِنَ اللهِ، وَأَنَّهَا هِيَ اللهُ، وَكَانَ بِلَاتُو عَارِفًا بِهَذِهِ الْعَقِيدَةِ الْوَثَنِيَّةِ، وَكَذَلِكَ أَرِسْطُو وَغَيْرُهُمَا، وَكَانَ ذَلِكَ قَبْلَ التَّارِيخِ الْمَسِيحِيِّ بِسِنِينَ- بَلْ بِقُرُونٍ- وَلَمْ نَكُنْ نَعْلَمُ أَنَّ الْكَلْدَانِيِّينَ وَالْمِصْرِيِّينَ يَقُولُونَ هَذَا الْقَوْلَ وَيَعْتَقِدُونَ هَذَا الِاعْتِقَادَ إِلَّا فِي هَذِهِ الْأَيَّامِ. اهـ.
أَقُولُ: الَّذِي يَظْهَرُ لِي أَنَّ الرُّسُلَ الَّذِينَ أَرْسَلَهُمُ اللهُ إِلَى الْمِصْرِيِّينَ وَأَمْثَالِهِمْ مِنَ الْقَائِلِينَ بِمِثْلِ قَوْلِهِمْ هَذَا كَانُوا يَقُولُونَ لَهُمْ: إِنَّ كُلَّ شَيْءٍ خُلِقَ بِكَلِمَةِ اللهِ، فَلَمَّا طَالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ، وَسَرَتْ إِلَيْهِمُ الْوَثَنِيَّةُ ظَنُّوا أَنَّ الْكَلِمَةَ ذَاتٌ تَفْعَلُ بِالْإِرَادَةِ وَالِاخْتِيَارِ، فَقَالُوا مَا قَالُوا، وَالْحَقُّ أَنَّهَا عِبَارَةٌ عَنْ تَعَلُّقِ إِرَادَةِ اللهِ الْوَاحِدِ الْأَحَدِ بِالشَّيْءِ الَّذِي يُرِيدُ خَلْقَهُ، وَمَتَى تَعَلَّقَتْ إِرَادَتُهُ بِخَلْقِ شَيْءٍ كَانَ كَمَا أَرَادَ {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} [36: 82] فَلَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَنَا مِنْ إِعْجَازِ الْقُرْآنِ إِلَّا بَيَانُ هَذِهِ الْحَقِيقَةِ الَّتِي ضَلَّتْ بِهَا الْأُمَمُ مِنْ أَقْدَمِهَا- كَالْهُنُودِ وَالْمِصْرِيِّينَ- إِلَى أَحْدَثِهَا قَبْلَ الْإِسْلَامِ كَالنَّصَارَى؛ لَكَفَى فِي الِاسْتِدْلَالِ عَلَى أَنَّهُ مِنْ عِنْدِ اللهِ، فَإِنَّهُ بَيَّنَ لَنَا ضَلَالَ تِلْكَ الْأُمَمِ، وَالْأَصْلَ الْمَعْقُولَ الْمَقْبُولَ الَّذِي يَتَّفِقُ مَعَ التَّوْحِيدِ الَّذِي نُقِلَ عَنْهُمْ أَجْمَعِينَ، فَتَجَلَّى بِذَلِكَ دِينُ اللهِ إِلَى جَمِيعِ رُسُلِهِ نَقِيًّا مِنْ أَدْرَانِ الشِّرْكِ وَنَزَغَاتِ الشَّيَاطِينِ.
4- التَّثْلِيثُ عِنْدَ الْفُرْسِ وَغَيْرِهِمْ مِنْ أَهْلِ آسِيَةَ:
قَالَ هِيجِينْ (فِي ص162 مِنْ كِتَابِهِ الْأَنْكِلُوسَكْسُونْ): كَانَ الْفُرْسُ يَدْعُونَ مِتْرُوسَا: الْكَلِمَةَ وَالْوَسِيطَ وَمُخَلِّصَ الْفُرْسِ اهـ. وَقَالَ مِثْلَ هَذَا دُونْلَابُ وَبِنْصُونُ، وَقَالَ دُوَانْ فِي كِتَابِهِ الَّذِي ذُكِرَ غَيْرَ مَرَّةٍ: كَانَ الْفُرْسُ يَعْبُدُونَ إِلَهًا مُثَلَّثَ الْأَقَانِيمِ مِثْلَ الْهُنُودِ، وَيُسَمُّونَهَا: أُوزْمِرْدَ وَمِتْرَاتَ وَأَهْرِمَنْ، فَأُوزْمِرْدُ الْخَلَّاقُ، وَمِتْرَاتُ ابْنُ اللهِ الْمُخَلِّصُ وَالْوَسِيطُ، وَأَهْرِمَن الْمَلَكُ. أَقُولُ: وَقَدْ بَيَّنْتُ آنِفًا أَصْلَ هَذَا الِاعْتِقَادِ وَكَيْفَ سَرَى إِلَيْهِ الْفَسَادُ. وَالْمَشْهُورُ عَنْ مَجُوسِ الْفُرْسِ التَّثْنِيَةُ دُونَ التَّثْلِيثِ، فَكَانُوا يَقُولُونَ بِإِلَهٍ مَصْدَرِ النُّورِ وَالْخَيْرِ، وَإِلَهٍ مَصْدَرِ الظُّلْمَةِ وَالشَّرِّ.
وَنُقِلَ عَنِ الْكَلْدَانِيِّينَ وَالْأَشُورِيِّينَ وَالْفِينِيقِيِّينَ الْإِيمَانُ بِالْكَلِمَةِ عَلَى أَنَّهَا ذَاتٌ تُعْبَدُ، وَيُسَمِّيهَا الْكَلْدَانِيُّونَ (مِمْرَارُ) وَالْأَشُورِيُّونَ (مَرْدُوخُ) وَيَدْعُونَ مَرْدُوخَ ابْنَ اللهِ الْبِكْرَ، وَهَكَذَا الْأُمَمُ يَأْخُذُ بَعْضُهَا عَنْ بَعْضٍ، وَقَدْ قَالَ بِرْتِشِرْدُ (فِي ص285 مِنْ كِتَابِهِ: خُرَافَاتُ الْمِصْرِيِّينَ الْوَثَنِيِّينَ): لَا يَخْلُو شَيْءٌ مِنَ الْأَبْحَاثِ الدِّينِيَّةِ الْمَأْخُوذَةِ عَنْ مَصَادِرَ شَرْقِيَّةٍ مِنْ ذِكْرِ أَحَدِ أَنْوَاعِ التَّثْلِيثِ أَوِ التَّوَلُّدِ الثُّلَاثِيِّ. وَنَقُولُ: إِنَّ أَدْيَانَ أَسْلَافِهِ الْغَرْبِيِّينَ كَذَلِكَ، فَإِنْ لَمْ تَكُنْ أَعْرَقَ فِي الْوَثَنِيَّةِ، فَهُمْ تَلَامِيذُ الشَّرْقِيِّينَ فِيهَا، وَلاسيما الْمِصْرِيِّينَ مِنْهُمْ، وَلَكِنَّهُمْ هُمُ الَّذِينَ شَوَّهُوا الدِّيَانَةَ الْمَسِيحِيَّةَ الشَّرْقِيَّةَ، فَنَقَلُوهَا مِنَ التَّوْحِيدِ الْإِسْرَائِيلِيِّ إِلَى التَّثْلِيثِ الْوَثَنِيِّ.
5- التَّثْلِيثُ عِنْدَ أَهْلِ أُورُبَّةَ: الْيُونَانِ وَالرُّومَانِ وَغَيْرِهِمْ:
جَاءَ فِي كِتَابِ (سُكَّانُ أُورُبَّةَ الْأَوَّلِينَ) مَا تَرْجَمَتُهُ: كَانَ الْوَثَنِيُّونَ الْقُدَمَاءُ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْإِلَهَ وَاحِدٌ، وَلَكِنَّهُ ذُو ثَلَاثَةِ أَقَانِيمَ.
وَجَاءَ فِي كتاب [تَرَقِّي الْأَفْكَارِ الدِّينِيَّةِ] (ص307 م1): إِنَّ الْيُونَانِيِّينَ كَانُوا يَقُولُونَ: إِنَّ الْإِلَهَ مُثَلَّثُ الْأَقَانِيمِ، وَإِذَا شَرَعَ قِسِّيسُوهُمْ بِتَقْدِيمِ الذَّبَائِحِ يَرُشُّونَ الْمَذْبَحَ بِالْمَاءِ الْمُقَدَّسِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ إِشَارَةً إِلَى الثَّالُوثِ وَيَرُشُّونَ الْمُجْتَمِعِينَ حَوْلَ الْمَذْبَحِ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ، وَيَأْخُذُونَ الْبَخُورَ مِنَ الْمِبْخَرَةِ بِثَلَاثِ أَصَابِعَ، وَيَعْتَقِدُونَ أَنَّ الْحُكَمَاءَ قَالُوا: إِنَّهُ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ جَمِيعُ الْأَشْيَاءِ الْمُقَدَّسَةِ مُثَلَّثَةً، وَلَهُمُ اعْتِنَاءٌ بِهَذَا الْعَدَدِ فِي جَمِيعِ شَعَائِرِهِمُ الدِّينِيَّةِ. اهـ.
أَقُولُ: وَقَدِ اقْتَبَسَتِ الْكَنِيسَةُ بَعْدَ دُخُولِ نَصْرَانِيَّةِ قُسْطَنْطِينَ فِيهِمْ هَذِهِ الشَّعَائِرَ كُلَّهَا، وَنَسَخَتْ بِهَا شَرِيعَةَ الْمَسِيحِ الَّتِي هِيَ التَّوْرَاةُ، وَيُسَمُّونَ أَنْفُسَهُمْ مَعَ ذَلِكَ مَسِيحِيِّينَ وَيَعْمَلُونَ كُلَّ شَيْءٍ بَاسِمِ الْمَسِيحِ! فَهَلْ ظُلِمَ أَحَدٌ مِنَ الْبَشَرِ بِالِافْتِيَاتِ عَلَيْهِ كَمَا ظُلِمَ الْمَسِيحُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ؟ لَا لَا.
وَنَقَلَ دُوَانْ عَنْ أُورْفِيُوسْ أَحَدِ كُتَّابِ الْيُونَانِ وَشُعَرَائِهِمْ قَبْلَ الْمَسِيحِ بِعِدَّةِ قُرُونٍ أَنَّهُ قَالَ: كُلُّ الْأَشْيَاءِ صَنَعَهَا الْإِلَهُ الْوَاحِدُ مُثَلَّثُ الْأَسْمَاءِ وَالْأَقَانِيمِ.
وَقَالَ فِسْكُ فِي ص(205) مِنْ كِتَابِ (الْخُرَافَاتُ وَمُخْتَرِعُوهَا): كَانَ الرُّومَانِيُّونَ الْوَثَنِيُّونَ الْقُدَمَاءُ، يُؤْمِنُونَ بِالتَّثْلِيثِ، يُؤْمِنُونَ بِاللهِ أَوَّلًا، ثُمَّ بِالْكَلِمَةِ، ثُمَّ بِالرُّوحِ.
وَقَالَ بَارْخُورِسْتُ فِي الْقَامُوسِ الْعِبْرَانِيِّ كَانَ لِلْفِنْلَنْدِيِّينَ (الْبَرَابِرَةُ الَّذِينَ كَانُوا فِي شَمَالِ بِرُوسْيَةَ) إِلَهٌ اسْمُهُ (تِرِيكْلَافُ) وَقَدْ وُجِدَ لَهُ تِمْثَالٌ فِي (هِرْتُونْجِرْ بِرْجَ) لَهُ ثَلَاثَةُ رُءُوسٍ عَلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ. أَقُولُ: تِرِيكْلَافُ مُرَكَّبٌ مِنْ كَلِمَةِ: تِرِي، وَمَعْنَاهَا ثَلَاثَةٌ، وَكَلِمَةِ: كِلَافَ، وَلَعَلَّ مَعْنَاهَا إِلَهٌ.
وَقَالَ دُوَانْ (فِي ص377 مِنْ كِتَابِهِ): كَانَ الْإِسْكِنْدِنَاوِيُّونَ يَعْبُدُونَ إِلَهًا مُثَلَّثَ الْأَقَانِيمِ يَدْعُونَهَا: أُودِينَ، وَتُورَا، وَفَرَى. وَيَقُولُونَ هَذِهِ الثَّلَاثَةُ الْأَقَانِيمُ إِلَهٌ وَاحِدٌ، وَقَدْ وُجِدَ صَنَمٌ يُمَثِّلُ هَذَا الثَّالُوثَ الْمُقَدَّسَ بِمَدِينَةِ (أُوبْسَالَ) مِنْ أَسُوجْ، وَكَانَ أَهْلُ أَسُوجْ وَنَرُوجْ وَالدِّنْمَارْكَ يُفَاخِرُ بَعْضُهُمْ بَعْضًا فِي بِنَاءِ الْهَيَاكِلِ لِهَذَا الثَّالُوثِ، وَكَانَتْ تَكُونُ جُدْرَانُ هَذِهِ الْهَيَاكِلِ مُصَفَّحَةً بِالذَّهَبِ، وَمُزَيَّنَةً بِتَمَاثِيلِ هَذَا الثَّالُوثِ، وَيُصَوِّرُونَ أُودِينَ بِيَدِهِ حُسَامٌ، وَتُورَا وَاقِفًا عَنْ شِمَالِهِ، وَعَلَى رَأْسِهِ تَاجٌ بِيَدِهِ صَوْلَجَانُ، وَفِرِي وَاقِفًا عَنْ شِمَالِ تُورَا، وَفِيهِ عَلَامَةُ الذَّكَرِ وَالْأُنْثَى. وَيَدْعُونَ أَوَدِينَ الْآبَ، وَتُورَا الِابْنَ الْبِكْرَ أَيِ ابْنَ الْأَبِ أُودِينَ وفِرِي مَانِحُ الْبَرَكَةِ وَالنَّسْلِ وَالسَّلَامِ وَالْغِنَى. اهـ.
أَقُولُ: فَهَلْ تَرَكَ الْأُورُبِّيُّونَ أَدْيَانَهُمُ الْوَثَنِيَّةَ إِلَى دِينِ الْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، الَّذِي هُوَ التَّوْرَاةُ الْمَبْنِيَّةُ عَلَى أَسَاسِ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ، أَمْ ظَلُّوا عَلَى وَثَنِيَّتِهِمْ، وَأَدْخَلُوا فِيهَا شَخْصَ الْمَسِيحِ، وَجَعَلُوهُ أَحَدَ آلِهَتِهِمُ الَّتِي كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ قَبْلُ...؟ إِنَّهُمْ نَقَلُوا عَنْهُ أَنَّهُ مَا جَاءَ لِيَنْقُضَ النَّامُوسَ شَرِيعَةَ مُوسَى، وَإِنَّمَا جَاءَ لِيُتَمِّمَهَا، وَلَكِنَّ مُقَدَّسَهُمْ بُولِسْ نَقَضَهَا حَجَرًا حَجَرًا وَلَبِنَةً لَبِنَةً، إِلَّا ذَبِيحَةَ الْأَصْنَامِ وَالدَّمَ الْمَسْفُوحَ، وَالزِّنَا الَّذِي لَا عِقَابَ عَلَيْهِ عِنْدَهُمْ، فَأَرَاحَهُمْ وَمَهَّدَ لَهُمُ السَّبِيلَ لِتَأْسِيسِ دِينٍ جَدِيدٍ لَا يَتَّفِقُ مَعَ دِينِ الْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي عَقَائِدِهِ وَلَا فِي أَحْكَامِهِ، وَلَا فِي آدَابِهِ، وَأَبْعَدُ النَّاسِ عَنْ دِينِ الْمَسِيحِ الْإِفْرِنْجُ الَّذِينَ بَذَلُوا الْمَلَايِينَ مِنَ الدَّنَانِيرِ لِتَنْصِيرِ الْبَشَرِ كُلِّهِمْ بِاسْمِ الْمَسِيحِ، وَغَرَضُهُمْ مِنْ ذَلِكَ اسْتِعْبَادُ جَمِيعِ الْبَشَرِ بِإِزَالَةِ مُلْكِهِمْ وَسَلْبِ أَمْوَالِهِمْ؛ لِتَكُونَ جَمِيعُ لَذَّاتِ الدُّنْيَا وَشَهَوَاتُهَا وَزِينَتُهَا وَعَظْمَتُهَا خَالِصَةً لَهُمْ، فَهَلْ جَاءَ الْمَسِيحُ لِهَذَا، وَبِهَذَا أَمَرَ أَمْ بِضِدِّهِ؟
وَاللهِ إِنَّنِي لَا أَرَى مِنْ عَجَائِبِ أَطْوَارِ الْبَشَرِ وَقَلْبِهِمْ لِلْحَقَائِقِ وَلَبْسِهِمُ الْحَقَّ بِالْبَاطِلِ أَعْجَبَ وَأَغْرَبَ مِنْ وُجُودِ الدِّيَانَةِ النَّصْرَانِيَّةِ فِي الْأَرْضِ! دِيَانَةٌ بُنِيَتْ عَلَى أَسَاسِ التَّوْحِيدِ الْخَالِصِ الْمَعْقُولِ، جَعَلُوهَا دِيَانَةً وَثَنِيَّةً بِتَثْلِيثٍ غَيْرِ مَعْقُولٍ، أَخَذُوهُ مِنْ تَثْلِيثِ الْيُونَانِ وَالرُّومَانِ الْمُقْتَبَسِ مِنْ تَثْلِيثِ الْمِصْرِيِّينَ وَالْبَرَاهِمَةِ اقْتِبَاسًا مُشَوَّهًا. دِيَانَةُ شَرِيعَةٍ سَمَاوِيَّةٍ، نَسَخُوا شَرِيعَتَهَا بِرُمَّتِهَا وَأَبْطَلُوهَا، وَاسْتَبْدَلُوا بِهَا بِدَعًا وَتَقَالِيدَ غَرِيبَةً عَنْهَا. دِيَانَةُ زُهْدٍ وَتَوَاضُعٍ وَتَقَشُّفٍ وَإِيثَارٍ وَعُبُودِيَّةٍ، جَعَلُوهَا دِيَانَةَ طَمَعٍ وَجَشَعٍ وَكِبْرِيَاءٍ وَتَرَفٍ وَأَثَرَةٍ وَاسْتِعْبَادٍ لِلْبَشَرِ. دِيَانَةٌ أُصُولُهَا الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا مُقْتَبَسَةٌ مِنَ الْوَثَنِيَّةِ الْأُولَى، لَمْ تَرِدْ كَلِمَةٌ تَدُلُّ عَلَى عَقِيدَتِهَا عَنْ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، وَلَكِنَّهُمْ زَعَمُوا أَنَّهَا مُسْتَمَدَّةٌ مِنْ جَمِيعِ كُتُبِ أَنْبِيَاءِ بَنِي إِسْرَائِيلَ، دِيَانَةٌ نَسَبُوهَا إِلَى الْمَسِيحِ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَلَيْسَ عِنْدَهُمْ نَصٌّ مِنْ كَلَامِهِ فِي أُصُولِ عَقِيدَتِهَا الَّتِي هِيَ التَّثْلِيثُ، وَإِنَّمَا بَقِيَ عِنْدَهُمْ نُصُوصٌ قَاطِعَةٌ مِنْ كَلَامِهِ فِي حَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ وَالتَّنْزِيهِ وَإِبْطَالِ التَّثْلِيثِ، وَعَدَمِ الْمُسَاوَاةِ بَيْنَ الْآبِ وَالِابْنِ الَّذِي أُطْلِقَ لَفْظُهُ مَجَازًا عَلَيْهِ وَعَلَى غَيْرِهِ مِنَ الْأَبْرَارِ، عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِهِ فِي الْأَكْثَرِ بِابْنِ الْإِنْسَانِ.
لَوْ لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُمْ مِنَ النُّصُوصِ فِي هَذِهِ الْعَقِيدَةِ إِلَّا مَا رَوَاهُ يُوحَنَّا فِي الْفَصْلِ السَّابِعِ عَشَرَ مِنْ إِنْجِيلِهِ لَكَفَى، وَهُوَ قَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ: (3 وَهَذِهِ هِيَ الْحَيَاةُ الْأَبَدِيَّةُ أَنْ يَعْرِفُوكَ أَنْتَ الْإِلَهُ الْحَقِيقِيُّ وَحْدَكَ وَيَسُوعُ الْمَسِيحُ الَّذِي أَرْسَلْتَهُ) فَبَيَّنَ أَنَّ اللهَ تَعَالَى هُوَ الْإِلَهُ وَحْدَهُ، وَأَنَّهُ هُوَ رَسُولُهُ، وَهَذَا هُوَ الَّذِي دَعَا إِلَيْهِ الْقُرْآنُ، وَكَانَ يَجِبُ أَنْ يَكُونَ أَسَاسَ عَقِيدَتِهِمْ، يُرَدُّ إِلَيْهِ كُلُّ مَا يُوهِمُ خِلَافَهُ، وَلَوْ بِالتَّأْوِيلِ، لِأَجْلِ الْمُطَابَقَةِ بَيْنَ الْمَعْقُولِ وَالْمَنْقُولِ.
وَنَقَلَ مُرْقُسُ فِي الْفَصْلِ الثَّانِي عَشَرَ مِنْ إِنْجِيلِهِ أَنَّ أَحَدَ الْكَتَبَةِ سَأَلَهُ عَنْ أَوَّلِ الْوَصَايَا قَالَ: فَأَجَابَهُ يَسُوعُ: أَوَّلُ الْوَصَايَا: اسْمَعْ يَا إِسْرَائِيلُ، الرَّبُّ إِلَهُنَا رَبٌّ وَاحِدٌ. إِلَخْ... 32 فَقَالَ لَهُ الْكَاتِبُ: جَيِّدًا يَا مُعْلِمُ بِالْحَقِّ قُلْتَ، لِأَنَّهُ وَاحِدٌ وَلَيْسَ آخَرُ سِوَاهُ... 34 فَلَمَّا رَأَى يَسُوعُ أَنَّهُ أَجَابَ بِعَقْلٍ قَالَ لَهُ: لَسْتَ بَعِيدًا عَنْ مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ فَعُلِمَ مِنْ هَذَا أَنَّ التَّوْحِيدَ الْخَالِصَ هُوَ الْعَقِيدَةُ الْمَعْقُولَةُ الَّتِي تُؤْخَذُ عَلَى ظَاهِرِهَا بِلَا تَأْوِيلٍ، فَإِنْ فَرَضْنَا أَنَّهُ وَرَدَ مَا يُنَافِيهَا، وَجَبَ رَدُّهُ أَوْ إِرْجَاعُهُ إِلَيْهَا.
وَرَوَى يُوحَنَّا عَنْهُ فِي الْفَصْلِ الْأَوَّلِ مِنْ إِنْجِيلِهِ أَنَّهُ قَالَ: (28 اللهُ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ قَطُّ) وَمِثْلُهُ فِي الْفَصْلِ الرَّابِعِ مِنْ رِسَالَةِ يُوحَنَّا الْأُولَى: (12 اللهُ لَمْ يَنْظُرْهُ أَحَدٌ قَطُّ) وَفِي الْفَصْلِ السَّادِسِ مِنْ رِسَالَةِ بُولِسَ الْأُولَى إِلَى أَهْلِ تيِمُوثَاوِسْ: (16 لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ وَلَا يَقْدِرُ أَنْ يَرَاهُ) وَقَدْ رَأَى النَّاسُ الْمَسِيحَ وَالرُّوحَ الْقُدُسَ.
وَرَوَى مُرْقُسُ فِي الْفَصْلِ الثَّالِثِ عَشَرَ مِنْ إِنْجِيلِهِ أَنَّهُ قَالَ فِي السَّاعَةِ وَيَوْمِ الْقِيَامَةِ مَا نَصُّهُ: (32 وَأَمَّا ذَلِكَ الْيَوْمُ وَتِلْكَ السَّاعَةُ فَلَمْ يَعْلَمْ بِهَا أَحَدٌ، وَلَا الْمَلَائِكَةُ الَّذِينَ فِي السَّمَاءِ، وَلَا الِابْنُ إِلَّا الْآبُ) فَلَوْ كَانَ الِابْنُ عَيْنَ الْآبِ لَكَانَ يَعْلَمُ كُلَّ مَا يَعْلَمُهُ الْآبُ، وَقَوْلُهُ، عَلَيْهِ السَّلَامُ، فِي الْقِيَامَةِ مُوَافِقٌ لِقَوْلِ اللهِ سُبْحَانَهُ فِي الْقُرْآنِ خِطَابًا لِخَاتَمِ رُسُلِهِ، صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: {قُلْ إِنَّمَا عَلَمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ} [7: 187].
وَلَوْ كَانَ هَؤُلَاءِ النَّصَارَى يَقْبَلُونَ نُصُوصَ إِنْجِيلِ بِرْنَابَا لَأَتَيْنَاهُمْ بِشَوَاهِدَ مِنْهُ عَلَى التَّوْحِيدِ مُؤَيَّدَةً بِالْبَرَاهِينِ الْعَقْلِيَّةِ وَالنَّقْلِيَّةِ عَنْ أَنَّ الْمَسِيحَ بَشَرٌ رَسُولٌ، قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ، وَلَيْسَ بِدْعًا فِيهِمْ، وَنَاهِيكَ بِالْفَصْلِ الرَّابِعِ وَالسِّتِّينَ مِنْهُ الَّذِي يَحْتَجُّ بِهِ الْمَسِيحُ بِمَا آتَى اللهُ الْأَنْبِيَاءَ مِنَ الْآيَاتِ عَلَى أَنَّ الْآيَاتِ لَا تُنَافِي الْبَشَرِيَّةَ وَالْعُبُودِيَّةَ لِلَّهِ تَعَالَى، وَبِالْفَصْلِ الْخَامِسِ وَالتِّسْعِينَ الَّذِي يَحْتَجُّ فِيهِ بِأَقْوَالِ الْأَنْبِيَاءِ فِي التَّوْحِيدِ، وَأَنَّهُ تَعَالَى خَلَقَ كُلَّ شَيْءٍ بِكَلِمَتِهِ، وَأَنَّهُ يَرَى وَلَا يُرَى، وَأَنَّهُ غَيْرُ مُتَجَسِّدٍ وَغَيْرُ مُرَكَّبٍ وَغَيْرُ مُتَغَيِّرٍ، وَأَنَّهُ لَا يَأْكُلُ وَلَا يَشْرَبُ وَلَا يَنَامُ، ثُمَّ قَالَ: (19 فَإِنِّي بَشَرٌ مَنْظُورٌ، وَكُتْلَةٌ مِنْ طِينٍ تَمْشِي عَلَى الْأَرْضِ، وَفَانٍ كَسَائِرِ الْبَشَرِ 20، وَإِنَّهُ كَانَ لِي بِدَايَةٌ، وَسَيَكُونُ لِي نِهَايَةٌ، وَإِنِّي لَا أَقْتَدِرُ أَنْ أَبْتَدِعَ خَلْقَ ذُبَابَةٍ).
وَحَسْبُنَا مَا كَتَبْنَاهُ هُنَا فِي مَسْأَلَةِ التَّثْلِيثِ الْآنَ، وَسَنُبْقِي بَقِيَّةَ مَبَاحِثِهَا إِلَى تَفْسِيرِ سُورَةِ الْمَائِدَةِ. اهـ.

.من فوائد الشعراوي في الآية:

قال رحمه الله:
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ}
يبدأ الحق بأمر موجه لأهل الكتاب: {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ} والغلو هو الخروج عن حد الاعتدال في الحكم، لأن كل شيء له وسط وله طرفان، وعندما يمسك شخص طرفًا نطلب منه ألا يكون هناك إفراط أو تفريط. وقد وقع أهل الكتاب في هذا المأزق، فلم يأخذوا الأمر بالاعتدال دون إفراط أو تفريط، لقد كفر اليهود بعيسى واتهموا مريم بالزنا، وهذا غلو في الكُرْه، وغالى النصارى في الحب لعيسى فقالوا: إنه إله أو ابن إله أو ثالث ثلاثة؛ وهذا غلو، ويطلب الحق منهم أن يقفوا من أمر الدين موقف الاعتدال: {لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ وَلاَ تَقُولُواْ عَلَى الله إِلاَّ الحق}.
إن أمر المنهج لا يحتاج إلى غلو، ولذلك جاء محمد صلى الله عليه وسلم من عند الله بالدين الوسط الذي يضع كل أمر في نصابه. وشرح لنا بإخبارات النبوة وإلهامها ما سوف يحدث للإمام علي بن أبي طالب- رضي الله عنه-، وقد حدث ما تنبأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فالخوارج كفَّروا عليًا، والمسرفون بالتشيع قالوا: إنه نبي، وبعضهم زاد الإسراف فجعله إلهًا.