فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وعبارة الزمخشري كالصريحة في ذلك، ودفعه العلامة الثاني بأن المراد من الأنعام ما هو أعم من الإنسي والوحشي مجازًا أو تغليبًا أو دلالة أو كيفما شئت، وإحلالها على عمومها مختص بحال كونكم غير محلين الصيد في الإحرام إذ معه يحرم البعض وهو الوحش، ولا يخفى أنه توجيه وحشي لا ينبغي لحمزة غابة التنزيل أن يقصده من مراصد عباراته، وذهب الأخفش إلى أن انتصاب غير على الحالية من ضمير أوفوا وضعف بأن فيه الفصل من الحال وصاحبها بجملة ليست اعتراضية إذ هي مبينة، وتخلل بعض أجزاء المبين بين أجزاء المبين مع ما يجب فيه من تخصيص العقود بما هو واجب أو مندوب في الحج، وإلا فلا يبقى للتقييد بتلك الحال مع أنهم مأمورون بمطلق العقود مطلقًا وجه.
وزعم العلامة أنه أقرب من الأول معنى وإن كان أبعد لفظًا، واستدل عليه بما هو على طرف الثمام، ثم قال: ومنهم من جعله حالًا من فاعل أحللنا المدلول عليه بقوله تعالى: {أُحِلَّتْ لَكُمْ} ويستلزم جعل {وَأَنتُمْ حُرُمٌ} أيضًا حالًا من مقدر أي حال كوننا غير محلين الصيد في حال إحرامكم وليس ببعيد إلا من جهة انتصاب حالين متداخلين من غير ظهور ذي الحال في اللفظ.
وتعقبه أبوحيان «بأنه فاسد لأنهم نصوا على أن الفاعل المحذوف في مثل هذا يصير نسيًا منسيًا فلا يجوز وقوع الحال منه، قد قالوا لو قلت: أنزل الغيث مجيبًا لدعائهم على أن مجيبًا حال من فاعل الفعل المبني للمفعول لم يجز لاسيما على مذهب القائلين: بأن المبني للمفعول صيغة أصلية ليست محولة عن المعلوم على أن في التقييد أيضًا مقالًا، وجعله بعضهم حالًا من الضمير المجرور في عليكم ويريده أن الذي يتلى لا يتقيد بحال انتفاء إحلالهم الصيد وهم حرم، بل هو يتلي عليهم في هذه الحال وفي غيرها»، ونقل العلامة البيضاوي عن بعض أن النصب على الاستثناء، وذكر أن فيه تعسفًا، وبينه مولانا شيخ الكل في الكل صبغة الله أفندي الحيدري عليه الرحمة بأنه لو كان استثناءًا لكان إما من الضمير في لكم أو في {أَوْفُواْ} إذ لا جواز لاستثنائه من بهيمة الأنعام وعلى الأول: يجب أن يخص البهيمة بما عدا الأنعام مما يماثلها، أو تبقى على العموم لكن بشرط إدارة المماثل فقط في حيز الاستثناء، وأن يجعل قوله تعالى: {وَأَنتُمْ حُرُمٌ} من تتمة المستثنى بأن يكون حالًا عما استكن في محلي ليصح الاستثناء إذ لا صحة له بدون هذين الاعتبارين، فسوق العبارة يقتضي أن يقال: وهم حرم لأن الاستثناء أخرج المحلين من زمرة المخاطبين، واعتبار الالتفات هنا بعيد لكونه رافعًا فيما هو بمنزلة كلمة واحدة، وعلى الثاني: يجب تخصيص العقود بالتكاليف الواردة في الحج، وتأويل الكلام الطلبي بما يلزمه من الخبر مع ما يلزمه من الفصل بين المستثنى والمستثنى منه بالأجنبي، وكل ذلك تعسف أي تعسف انتهى، وكأنه رحمه الله تعالى لم يذكر احتمال كون الاستثناء من الاستثناء، مع أن القرطبي نقله عن البصريين لأن ذلك فاسد كما قاله القرطبي.
وأبو حيان لا متعسف إذ يلزم عليه إباحة الصيد في الحرم لأن المستثنى من المحرم حلال، نعم ذكر أبو حيان أنه استثناء من بهيمة الأنعام على وجه عينه؛ وأنفه التكلف والتعسف فقد قال رحمه الله تعالى: إنما عرض الإشكال في الآية حتى اضطرب الناس في تخريجها من كون رسم محلي بالياء فظنوا أنه اسم فاعل من أحل، وأنه مضاف إلى الصيد إضافة اسم الفاعل المتعدي إلى المفعول، وأنه جمع حذف منه النون للإضافة، وأصل غير محلين الصيد.
والذي يزول به الإشكال ويتضح المعنى أن يجعل قوله تعالى: {غَيْرَ مُحِلّى الصيد} من باب قولهم: حسان النساء، والمعنى النساء الحسان، وكذا هذا أصله غير الصيد المحل، والمحلّ صفة للصيد لا للناس (ولا للفاعل المحذوف)، ووصف الصيد بأنه محل، إما بمعنى داخل في الحل كما تقول أحل الرجل أي دخل في الحل، وأحرم أي دخل في الحرم، أو بمعنى صار ذا حل أي حلالًا بتحليل الله تعالى، ومجيء أفعل على الوجهين المذكورين كثير في لسان العرب، فمن الأول: أعرق وأشأم وأيمن وأنجد وأتهم، ومن الثاني: أعشبت الأرض وأبقلت، وأغد البعير، وإذا تقرر أن الصيد يوصف بكونه محلًا باعتبار أحد الوجهين اتضح كونه استثناءًا ثانيًا، ثم إن كان المراد ببهيمة الأنعام أنفسها فهو استثناء منقطع، أو الظباء ونحوها فمتصل على تفسير المحل بالذي يبلغ الحل في حال كونهم محرمين، فإن قلت: ما فائدة هذا الاستثناء بقيد بلوغ الحل والصيد الذي في الحرم لا يحل أيضًا؟ قلت: الصيد الذي في الحرم لا يحل للمحرم ولا لغير المحرم، والقصد بيان تحريم ما يختص تحريمه بالمحرم.
فإن قلت: ما ذكرته من هذا التوجيه الغريب يعكر عليه رسمه في المصحف بالياء والوقف عليه بها.
قلت: قد كتبوا في المصحف أشياء تخالف النطق نحو {لاَذْبَحَنَّهُ} [النمل: 21] بالألف، والوقف اتبعوا فيه الرسم. انتهى.
وتعقبه السفاقسي بمثل ما قدمناه من حيث زيادة الياء، وفيها التباس المفرد بالجمع وهم يفرّون من زيادة أو نقصان في الرسم، فكيف يزيدون زيادة ينشأ عنها لبس؟ ومن حيث إضافة الصفة للموصوف وهو غير مقيس، وقال الحلبي: إن فيه خرقًا للإجماع فإنهم لم يعربوا {غَيْرِ} إلا حالًا، وإنما اختلفوا في صاحبها، ثم قال السفاقسي: ويمكن فيه تخريجان: أحدهما أن يكون {غَيْرِ} استثناءًا منقطعًا، ومحلي جمع على بابه، والمراد به الناس الداخلون حل الصيد، أي لكن إن دخلتم حل الصيد فلا يجوز لكم الاصطياد، والثاني: أن يكون متصلًا من بهيمة الأنعام وفي الكلام حذف مضاف، أي أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا صيد الداخلين حل الاصطياد وأنتم حرم فلا يحل، ويحتمل أن يكون على بابه من التحليل، ويكون الاستثناء متصلًا والمضاف محذوف، أي إلا صيد محلى الاصطياد وأنتم حرم، والمراد بالمحلين الفاعلون فعل من يعتقد التحليل فلا يحل، ويكون معناه أن صيد الحرم كالميتة لا يحل أكله مطلقًا، ويحتمل أن يكون حالًا من ضمير {لَكُمْ} وحذف المعطوف للدلالة عليه وهو كثير، وتقديره غير محلي الصيد محليه كما قال تعالى: {تَقِيكُمُ الحر} [النحل: 81] أي والبرد، وهو تخريج حسن.
هذا ولا يخفى أن يد الله تعالى مع الجماعة، وأن ما ذكره غيرهم لا يكاد يسلم من الاعتراض. اهـ.

.قال ابن عاشور:

والحرام وصف لمن أحرم بحجّ أو عمرة، أي نواهما.
ووصف أيضًا لمن كان حالًا في الحرم، ومن إطلاق المحرم على الحالّ بالحرم قول الراعي:
قَتَلوا ابنَ عفّان الخليفةَ مُحْرِما ** أي حالًا بحرم المدينة.

والحَرَم: هو المكان المحدود المحيط بمكة من جهاتها على حدود معروفة، وهو الذي لا يصاد صيده، ولا يُعضد شجره ولا تحلّ لقطته، وهو المعروف الذي حدّده إبراهيم عليه السلام ونصَب أنصابًا تعرف بها حدوده، فاحترمه العرب، وكان قُصّي قد جدّدها، واستمرّت إلى أن بَدَا لقريش أن ينزعوها، وذلك في مدّة إقامة النبي بمكة، واشتدّ ذلك على رسول الله، ثم إنّ قريشًا لم يلبثوا أن أعادوها كما كانت.
ولمَّا كان عامُ فتح مكة بعث النبي تميمًا بن أسد الخُزاعي فجدّدها.
ثم أحياها وأوضحها عمر بن الخطاب في خلافته سنة سبع عشرة، فبعث لتجديد حدود الحرم أربعة من قريش كانوا يتبدّون في بوادي مكة، وهم: مخرمة بن نوفل الزهري، وسعيد بن يربوع المخزومي، وحوَيطب بن عبد العزّى العامري، وأزهر بن عوف الزهري، فأقاموا أنصابًا جعلت علامات على تخطيط الحرم على حسب الحدود التي حدّدها النبي وتبتدئ من الكعبة فتذهب للماشي إلى المدينة نحو أربعة أميال إلى التنعيم، والتنعيم ليس من الحرم، وتمتدّ في طريق الذاهب إلى العراق ثمانية أميال فتنتهي إلى موضع يقال له: المقطع، وتذهب في طريق الطائف تسعة (بتقديم المثناة) أميال فتنتهي إلى الجعرانة، ومن جهة اليمن سبعة (بتقديم السين) فينتهي إلى أضاةِ لِبْن، ومن طريق جُدّة عشرة أميال فينتهي إلى آخر الحديبية، والحديبية داخلة في الحرم.
فهذا الحرم يحرم صيده، كما يحرم الصيد على المحرم بحجّ أو عمرة.
فقوله: {وأنتم حرم} يجوز أن يراد به محرِمون، فيكون تحريمًا للصيد على المحرم: سواء كان في الحرم أم في غيره، ويكون تحريم صيد الحرم لغير المحرم ثابتًا بالسنّة، ويجوز أن يكون المراد به: محرمون وحالّون في الحرم، ويكون من استعمال اللفظ في معنيين يجمعهما قدر مشترك بينهما وهو الحُرمة، فلا يكون من استعمال المشترك في معنييه إن قلنا بعدم صحّة استعماله فيهما، أو يكون من استعماله فيهما، على رأي من يصحّح ذلك، وهو الصحيح، كما قدّمناه في المقدّمة التاسعة.
وقد تفنّن الاستثناء في قوله: {إلاّ ما يتلى عليكم} وقوله: {غير مُحِلّي الصيد}، فجيء بالأول بأداة الاستثناء، وبالثاني بالحالين الدالّين على مغايرة الحالة المأذون فيها، والمعنى: إلاّ الصيد في حالة كونكم مُحْرمين، أو في حالة الإحرام.
وإنَّما تعرّض لحكم الصيد للمحرم هنا لمناسبة كونه مستثنى من بهيمة الأنعام في حال خاصّ، فذكر هنا لأنّه تحريم عارض غير ذاتيّ، ولولا ذلك لكان موضع ذكره مع الممنوعات المتعلّقة بحكم الحرم والإحرام عند قوله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تحلّوا شعائر الله} [المائدة: 2] الآية.
والصيد يجوز أن يكون هنا مصدرًا على أصله، وأن يكون مطلقًا على اسم المفعول: كالخَلْق على المخلوق، وهو إطلاق شائع أشهر من إطلاقه على معناه الأصليّ، وهو الأنسب هنا لتكون مواقعه في القرآن على وتيرة واحدة، فيكون التقدير: غير محلي إصابة لصيد.
والصيد بمعنى المصدر: إمساك الحيوان الذي لا يألف، باليد أو بوسيلة ممسكة، أو جارحة: كالشباك، والحبائل، والرماح، والسهام، والكلاب، والبُزاة؛ وبمعنى المفعول هو المَصيد.
وانتصب {غيرَ} على الحال من الضمير المجرور في قوله: {لكم}.
وجملة {وأنتم حرم} في موضع الحال من ضمير {مُحلّي}، وهذا نسج بديع في نظم الكلام استفيد منه إباحة وتحريم: فالإباحة في حال عدم الإحرام، والتحريم له في حال الإحرام. اهـ.

.قال الفخر:

اعلم أن ظاهر الآية يقتضي أن الصيد حرام على المحرم، ونظير هذه الآية قوله تعالى: {وَإِذَا حَلَلْتُمْ فاصطادوا} فإن {إِذَا} للشرط، والمعلق بكلمة الشرط على الشيء عدم عند عدم ذلك الشيء، إلا أنه تعالى بيّن في آية أخرى أن المحرم على المحرم إنما هو صيد البر لا صيد البحر، قال تعالى: {أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ البحر وَطَعَامُهُ متاعا لَّكُمْ وَلِلسَّيَّارَةِ وَحُرّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ البر مَا دُمْتُمْ حُرُمًا} [المائدة: 96] فصارت هذه الآية بيانًا لتلك الآيات المطلقة. اهـ.
قال الفخر:
انتصب {غَيْرِ} على الحال من قوله: {أُحِلَّتْ لَكُمْ} كما تقول: أحل لكم الطعام غير معتدين فيه.
قال الفرّاء: هو مثل قولك: أحل لك الشيء لا مفرطًا فيه ولا متعديًا، والمعنى أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا أن تحلوا الصيد في حال الإحرام فإنه لا يحل لكم ذلك إذا كنتم محرمين. اهـ.

.من لطائف وفوائد المفسرين:

.قال الفخر:

قال أبو حنيفة رحمه الله: الجمع بين الطلقات حرام، وقال الشافعي رحمه الله: ليس بحرام، حجة أبي حنيفة أن النكاح عقد من العقود لقوله تعالى: {وَلاَ تَعْزِمُواْ عُقْدَةَ النكاح} [البقرة: 235] فوجب أن يحرم رفعه لقوله تعالى: {أَوْفُواْ بالعقود} ترك العمل به في الطلقة الواحدة بالإجماع فيبقى فيما عداها على الأصل، والشافعي رحمه الله خصص هذا العموم بالقياس، وهو أنه لو حرم الجمع لما نفذ وقد نفذ فلا يرحم. اهـ.

.قال ابن القيم:

ومن استقرئ الأسماء الحسنى وجدها مدائح وثناءً تقصر بلاغات الواصفين عن بلوغ كنهها، وتعجز الأوهام عن الإحاطة بالواحد منها ومع ذلك فالله سبحانه محامد ومدائح وأنواع من الثناء لم تتحرك بها الخواطر ولا هجست في الضمائر ولا لاحت لمتوسم ولا سنحت في فكر.
ففى دعاء أعرف الخلق بربه تعالى وأعلمهم بأسمائه وصفاته ومحامده: «أَسْأَلُكَ بِكُلِّ اسْمٍ هُوَ لَكَ سَمَّيْتَ بِهِ نَفْسَكَ أَوْ أَنْزَلْتَهُ في كِتَابِكَ أَوْ عَلَّمْتَهُ أَحَدًا مِنْ خَلْقِكَ أوْ اسْتأْثَرْتَ بِهِ في عِلْمِ الغَيْبِ عِنْدَكَ أَن تَجْعَلَ الْقُرْآن رَبِيع قَلْبِى وَنُورَ صَدْرِى وَجَلاءَ حُزْنِى وَذَهَابَ هَمِّى وَغَمِّى».
وفى الصحيح عنه صلى الله عليه وسلم في حديث الشفاعة لما يسجد بين يدى ربه قال: «فَيَفْتَحُ قَلبِى مَنْ مَحَامِدهِ بِشَيْءٍ لا أُحْسِنُهُ الآن»، وكان يقول في سجوده: «أعوذ برضاك من سخطك وبعفوك من عقوبتك أَعُوذُ بِكَ مِنْكَ، لا أُحْصِى ثَنَاءً عَلَيْكَ أَنْتَ كَمَا أَثْنَيْت عَلَى نَفْسِكِ»، فلا يحصى أَحد من خلقه ثناءً عليه البتة، وله أسماءٌ وأوصاف وحمد وثناءٌ لا يعلمه ملك مقرب ولا نبى مرسل، ونسبة ما يعلم العباد من ذلك إلى ما لا يعلمونه كنقرة عصفور في بحر.