فصل: (سورة البقرة: آية 164):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.[سورة البقرة: آية 164]:

{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِما يَنْفَعُ النَّاسَ وَما أَنْزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّماءِ مِنْ ماءٍ فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها وَبَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ وَالسَّحابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ (164)}.

.اللغة:

{الْفُلْكِ} السفن. ويكون واحدا كقوله تعالى: {في الفلك المشحون} وهو حينئذ مذكر. ويكون جمعا كما في الآية بدليل قوله: {التي تجري في البحر} وكل ذلك بلفظ واحد.
وقد خبط فيه صاحب المنجد خبطا عجيبا، فجعله يذكّر ويؤنّث. وعبارته: الفلك: السفينة تؤنث وتذكر. ومنشأ الخبط أنه لم يتأمل- وهو ينقل عبارة القاموس نقلا عشوائيا- أن التذكير خاص بالمفرد، أما التأنيث فطارئ عليه لجمعه جمع تكسير. ونصّ عبارة القاموس: والفلك بالضم السفينة، ويذكّر، وهو للواحد والجميع، أو الفلك التي هي جمع تكسير للفلك التي هي واحد، وليست كجنب التي هي واحد وجمع، وأمثاله، لأن فعلا وفعلا يشتركان في الشيء الواحد كالعرب والعرب.
فإن قيل: إن جمع التكسير لابد فيه من تغيّر، فالجواب أن تغيّره مقدّر، فالضمة في حال كونه جمعا كالضمة في حمر وبدن، وفي حال كونه مفردا كالضمة في قفل. على أن ابن برّي استدرك فقال: إنك إذا جعلت الفلك واحدا فهو مذكر لا غير، وإن جعلته جمعا فهو مؤنث لا غير فتأمل هذا الفصل، فله على كل الفصول الفضل.
{الرِّياحِ} جمع ريح. وياء الريح والرياح من واو، والأصل روح ورواح، وإنما قلبت ياء لسكونها وانكسار ما قبلها، وهو ابدال مطّرد ولذلك لما زال موجب قلبها رجعت إلى أصلها، فقيل: أرواح.
قالت ميسون بنت بحدل:
لَبَيْتٌ َتْخفقُ الأرواح فيه ** أحبّ إليّ من قصر منيف

ويغلب عليها الخير في الجمع، والشرّ في المفرد.
وقد لحن في هذه اللفظة عمارة بن عقيل بن بلال بن جرير، فاستعمل الأرياح في شعره، وقال أبو حاتم له: إن الأرياح لا يجوز.
فقال عمارة: ألا تسمع قولهم: رياح؟ فقال له أبو حاتم: هذا خلاف ذلك. فقال له: صدقت ورجع. قلنا: ولكن ورد جمع الأرياح في القاموس للفيروزباديّ ونصّ عبارته: والريح مؤنثة وجمعها أرياح وأرواح ورياح وريح كعنب وجمع الجمع أرواح وأراييح. ونقل صاحب المنجد عبارته بنصها تقريبا.

.الإعراب:

{إِنَّ} حرف مشبه بالفعل {فِي خَلْقِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ} الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر إن المقدم {وَاخْتِلافِ اللَّيْلِ وَالنَّهارِ} عطف على خلق السموات {وَالْفُلْكِ} عطف أيضا {الَّتِي} صفة للفلك {تَجْرِي فِي الْبَحْرِ} الجملة الفعلية لا محل لها لأنها صلة الموصول {بِما} الباء حرف جر وما اسم موصول في محل جر بالباء والجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال، ولك أن تجعل ما مصدرية، فتتعلق مع المصدر المؤوّل المجرور بها بتجري بأسباب نفع الناس {يَنْفَعُ النَّاسَ} الجملة الفعلية لا محل لها لأنها صلة ما على كل حال {وَما} عطف على ما الأولى {أَنْزَلَ اللَّهُ} الجملة صلة ما {مِنَ السَّماءِ} الجار والمجرور متعلقان بأنزل: {مِنْ ماءٍ} الجار والمجرور بدل من قوله من السماء بدل اشتمال ولا يرد عليه تعليق حرفين متحدين بعامل واحد فإن الممنوع من ذلك أن يتحدا معا من غير عطف ولا ابدال {فَأَحْيا} عطف على فأنزل: {بِهِ} الجار والمجرور متعلقان بأحيا {الْأَرْضِ} مفعول به {بَعْدَ مَوْتِها} الظرف متعلق بمحذوف حال {وَبَثَّ} عطف على أنزل أو أحيا {فِيها} الجار والمجرور متعلقان بمحذوف حال {مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ} الجار والمجرور متعلقان ببث {وَتَصْرِيفِ الرِّياحِ} عطف على {خلق} {وَالسَّحابِ} عطف أيضا {الْمُسَخَّرِ} صفة للسحاب {بَيْنَ السَّماءِ وَالْأَرْضِ} الظرف متعلق بمسخر لأنه اسم مفعول {لَآياتٍ} اللام هي المزحلقة وآيات اسم إن المؤخر {لِقَوْمٍ} الجار والمجرور متعلقان بمحذوف صفة لآيات {يَعْقِلُونَ} فعل مضارع مرفوع والواو فاعل والجملة الفعلية صفة لقوم. وهذه الآية حثّ صريح على وجوب التأمل والتدبر وعن النبي صلى الله عليه وسلم: «ويل لمن قرأ هذه الآية فمجّ بها» أي لم يعتبر بها.
فالآية جملة مستأنفة مسوقة للحث على النظر والاعتبار بباهر الحكمة.

.[سورة البقرة: آية 165]:

{ومِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ (165)}.

.اللغة:

{أَنْدادًا} النّدّ: المثل، والمراد هنا الأصنام أو كل ما سولت لهم أنفسهم عبادته.

.الإعراب:

{وَمِنَ النَّاسِ} الواو استئنافية والجملة مستأنفة مسوقة لبيان أن بعض الناس لم يعتقد الوحدانية بعد أن ثبت بالدليل القاطع، والجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر مقدم {مِنَ} اسم موصول في محل رفع مبتدأ مؤخر أو نكرة موصوفة في محل رفع مبتدأ مؤخر {يَتَّخِذُ} الجملة الفعلية لا محل لها لأنها صلة الموصول أو صفة ل {من} وفاعل يتخذ ضمير مستتر تقديره هو يعود على لفظ من {مِنْ دُونِ اللَّهِ} جار ومجرور متعلقان بيتخذ {أَنْدادًا} مفعول به {يُحِبُّونَهُمْ} فعل مضارع مرفوع وفاعل ومفعول به والجملة الفعلية صفة لأندادا أو حال من الضمير المستكن في يتخذ {كَحُبِّ اللَّهِ} الكاف ومجرورها في موضع نصب صفة لمصدر محذوف فهو مفعول مطلق، ويجوز إعرابه حالا وقد رجحه سيبويه والمصدر مضاف إلى مفعوله {وَالَّذِينَ} الواو استئنافية أو حالية واسم الموصول مبتدأ {آمَنُوا} فعل وفاعله. والجملة صلة الموصول {أَشَدُّ} خبر الموصول {حُبًّا} تمييز {لِلَّهِ} الجار والمجرور متعلقان بحبا {وَلَوْ} الواو استئنافية ولو شرطية غير جازمة {يَرَى} فعل مضارع {الَّذِينَ} فاعل {ظَلَمُوا} الجملة الفعلية صلة الموصول لا محل لها {إِذْ} ظرف لما مضى من الزمن متعلق بيرى {يَرَوْنَ} الجملة الفعلية في محل جر باضافة الظرف إليه والواو فاعل {الْعَذابَ} مفعول به أول والمفعول الثاني محذوف تقديره نازلا بهم وقت رؤيتهم {أَنَّ الْقُوَّةَ} أن واسمها {لِلَّهِ} الجار والمجرور متعلقان بمحذوف خبر. وإن وما بعدها سدت مسد مفعولي يرى {جَمِيعًا} حال {وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذابِ} عطف على ما تقدم، وجواب لو محذوف أي لرأيت عجبا ولكان منهم مالا يدخل تحت الوصف من الندامة والحسرة.

.البلاغة:

الإيجاز في الآية وذلك بحذف جواب لو كما تقدم وهو كثير شائع في كلامهم وورد في القرآن كثيرا، وقد تعلّق بأهداب هذه البلاغة أبو تمام الطائي حين قال في قصيدته فتح عمورية:
لو يعلم الكفر كم من أعصر كمنت ** له المنيّة بين السّمر والقضب

وتقديره لو يعلم الكفر ذلك لأخذ أهبته واحتاط لنفسه وهيهات.

.الفوائد:

{دُونِ} ظرف للمكان وهو نقيض فوق، نحو هو دونه أي أحط منه رتبة أو منزلة، ويأتي بمعنى أمام نحو: الشيء دونك أي أمامك، وبمعنى وراء نحو: قعد دون الصف، أي وراءه، وقد يأتي بمعنى رديء وخسيس فلا يكون ظرفا، نحو: هذا شيء دون، وهو حينئذ يتصرف في وجوه الاعراب. ويأتي بمعنى غير كما في الآية، وأكثر ما يستعمل حينئذ مجرورا بمن.

.[سورة البقرة: الآيات 166- 167]:

{إِذْ تَبَرَّأَ الَّذِينَ اتُّبِعُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا وَرَأَوُا الْعَذابَ وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ (166) وَقالَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا لَوْ أَنَّ لَنا كَرَّةً فَنَتَبَرَّأَ مِنْهُمْ كَما تَبَرَّؤُا مِنَّا كَذلِكَ يُرِيهِمُ اللَّهُ أَعْمالَهُمْ حَسَراتٍ عَلَيْهِمْ وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنَ النَّارِ (167)}.

.الإعراب:

{إِذْ} ظرف لما مضى من الزمن وهي مع مدخولها بدل من إذ المتقدمة في الآية السابقة {تَبَرَّأَ الَّذِينَ} فعل ماض وفاعل {اتُّبِعُوا} فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل، والجملة صلة الموصول، وجملة تبرأ في محل جر باضافة الظرف إليها وهم الرؤساء {مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوا} الجار والمجرور متعلقان بتبرأ واتبعوا فعل ماض مبني للمعلوم والواو فاعل وهم الاتباع والجملة صلة {وَرَأَوُا} الواو حالية أو عاطفة ورأوا فعل وفاعل {الْعَذابَ} مفعول به والجملة حالية بتقدير قد، أي تبرءوا منهم في حال رؤيتهم العذاب، أو معطوفة على جملة تبرأ {وَتَقَطَّعَتْ بِهِمُ الْأَسْبابُ} عطف على ما تقدم {وَقالَ} الواو عاطفة وقال فعل ماض {الَّذِينَ} فاعل {اتَّبَعُوا} الجملة صلة الموصول واتبعوا فعل ماض مبني للمجهول والواو نائب فاعل {لَوْ} شرطية غير جازمة متضمنة معنى التمني {أَنَّ لَنا كَرَّةً} أن وخبرها المقدم واسمها المؤخر وإن وما في حيزها مقول القول: {فَنَتَبَرَّأَ} الفاء هي السببية ونتبرأ فعل مضارع منصوب بأن مضمرة بعد فاء السببية المسبوقة بالتمني الذي تضمنته لو وفاعله ضمير مستتر تقديره نحن {مِنْهُمْ} الجار والمجرور متعلقان بنتبرأ {كَما} الكاف مع مجرورها في موضع نصب مفعول مطلق وما مصدرية {تَبَرَّؤُا} فعل ماض وفاعل {مِنَّا} جار ومجرور متعلقان بتبرءوا {كَذلِكَ} الجار والمجرور صفة لمصدر محذوف أي اراءة مثل تلك الإراءة. واختار سيبويه النصب على الحال وهو صحيح {يُرِيهِمُ} فعل مضارع والرؤية هنا تحتمل أن تكون بصرية فتتعدى لمفعولين أولهما الضمير والثاني أعمالهم وتحتمل أن تكون قلبية ولعله أرجح فتتعدى لثلاثة {اللَّهُ} فاعل {أَعْمالَهُمْ} مفعول به ثان {حَسَراتٍ} مفعول به ثالث أو حال {عَلَيْهِمْ} متعلقان بمحذوف صفة لحسرات {وَما} الواو عاطفة وما حجازية {هُمْ} اسم ما الحجازية {بِخارِجِينَ} الباء حرف جر زائد وخارجين مجرور لفظا منصوب خبر ما محلا {مِنَ النَّارِ} الجار والمجرور متعلقان بخارجين.

.البلاغة:

1- في الآية فن اللفّ والنشر المشوش، وهو ذكر متعدد على وجه التفصيل أو الإجمال، ثم ذكر ما لكل واحد وردّه إلى ما هو له، فتبرؤ بعضهم من بعض راجع لقوله: إذ تبرأ، وإراءتهم شدة العذاب راجع لقوله: ورأوا العذاب، والمراد أنه أراهم هذين الأمر ين عقوبة لهم على اتخاذهم الأنداد للّه، فكما عاقبهم على عقائدهم عاقبهم على أعمالهم. ولهذا الفن فروع متعددة مبسوطة في كتب البلاغة، ومنه في الشعر قول أبي فراس الحمداني:
وشادن قال لي لمّا رأى سقمي ** وضعف جسمي والدّمع الذي انسجما

أخذت دمعك من خدّي وجسمك من ** خصري وسقمك من طرفي الذي سقما

2- في قوله: إذ تبرأ الذين اتبعوا.. الآية، فنّ يقال له فنّ الترصيع، وهو أن يكون الكلام مسجوعا، وهو في الآية في موضعين، وقد كثر في القرآن، وأما في الشعر فمنه قول أبي الطيب المتنبي:
في تاجه قمر في ثوبه بشر ** في درعه أسد تدمى أظافره

وقال أبو تمام:
تدبير معتصم باللّه منتقم ** للّه مرتغب في اللّه مرتقب

3- في قوله: {وتقطعت بهم الأسباب} مجاز مرسل علاقته السببية، فان السبب في الأصل الحبل الذي يرتقى به إلى ما هو عال ثم أطلق على كل ما يتوصل به إلى شيء، مادة كان أم معنى. ولك أن تجعله من باب الاستعارة التصريحية، فقد شبه الأعمال التي كانوا يمارسونها في الدنيا بالأسباب التي يتشبّث بها الإنسان للنجاة. ثم حذف المشبّه وأبقى المشبّه به. قال زهير بن أبي سلمى:
ومن هاب أسباب المنايا ينلنه ** وإن يرق أسباب السماء بسلم

4- فن الحذف، فقد حذف جواب لو الشرطية وهو مقدر في الآية تقديره- لكان منهم ما لا يدخل تحت الوصف.

.الفوائد:

كل اسم كان واحده على وزن فعلة مفتوح الاول ساكن الثاني، فإن جمعه على فعلات بفتح الفاء والعين، مثل شهوة وتمرة وجمعهما شهوات وتمرات، متحركة الثواني من حروفها. فأما إذا كان وصفا فإنك تدع ثانيه ساكنا مثل ضخمة وعبلة، فتجمعها على ضخمات وعبلات، بإسكان الثواني.