فصل: قال الفخر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الفخر:

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ شُهَدَاء بالقسط}.
هذا أيضًا متصل بما قبله، والمراد حثهم على الانقياد لتكاليف الله تعالى.
واعلم أن التكاليف وإن كثرت إلاّ أنها محصورة في نوعين: التعظيم لأمر الله تعالى، والشفقة على خلق الله، فقوله: {كُونُواْ قَوَّامِينَ للَّهِ} إشارة إلى النوع الأول وهو التعظيم لأمر الله، ومعنى القيام لله هو أن يقوم لله بالحق في كل ما يلزمه القيام به من إظهار العبودية وتعظيم الربوبية، وقوله: {شُهَدَاء بالقسط} إشارة إلى الشفقة على خلق الله وفيه قولان: الأول: قال عطاء: يقول لا تحاب في شهادتك أهل ودك وقرابتك، ولا تمنع شهادتك أعداءك وأضدادك.
الثاني: قال الزجاج: المعنى تبينون عن دين الله، لأن الشاهد يبين ما يشهد عليه. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الذين آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ} الآية تقدّم معناها في «النساء».
والمعنى: أتممت عليكم نعمتي فكونوا قوّامين لله، أي لأجل ثواب الله؛ فقوموا بحقه، واشهدوا بالحق من غير ميل إلى أقاربكم، وحَيْف على أعدائكم. اهـ.

.قال الألوسي:

{يَا أَيُّهَا الذين ءامَنُواْ} شروع في بيان الشرائع المتعلقة لما يجري بينهم وبين غيرهم إثر «بيان» ما يتعلق بأنفسهم {كُونُواْ قَوَّامِينَ لله} أي كثيري القيام له بحقوقه اللازمة، وقيل: أي ليكن من عادتكم القيام بالحق في أنفسكم بالعمل الصالح، وفي غيركم بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ابتغاء مرضاة الله تعالى: {شُهَدَاء بالقسط} أي بالعدل، وقيل: دعاة لله تعالى مبينين عن دينه بالحجج الحقة. اهـ.

.قال ابن عاشور:

لمّا ذكّرهم بالنَعمة عقّب ذلك بطلب الشكر للمنعم والطاعة له، فأقبل على خطابهم بوصف الإيمان الذي هو منبع النعم الحاصلة لهم.
فالجملة استئناف نشأ عن ترقّب السامعين بعد تعداد النعم.
وقد تقدّم نظير هذه الآية في سورة النساء، ولكن آية سورة النساء (135) تقول: {كونوا قوّامين بالقسط شهداء لله} وما هنا بالعكس.
ووجه ذلك أنّ الآية الّتي في سورة النّساء وردت عقب آيات القضاء في الحقوق المبتدأة بقوله: {إنّا أنزلنا إليك الكتاب بالحقّ لتحكم بين النّاس بما أراك الله} [النساء: 105]، ثمّ تعرّضت لقضية بني أبيرق في قوله: {ولا تَكُن للخائنين خصيمًا} [النساء: 105]، ثمّ أردفت بأحكام المعاملة بين الرّجال والنّساء، فكان الأهمّ فيها أمرَ العدل فالشهادةِ.
فلذلك قدّم فيها {كونوا قوامين بالقسط شهداء لله} [النساء: 135]؛ فالقسط فيها هو العدل في القضاء، ولذلك عدّي إليه بالباء، إذ قال: {كونوا قوامين بالقسط} [النساء: 135].
وأمّا الآية الّتي نحن بصدد تفسيرها فهي واردة بعد التذكير بميثاق الله، فكان المقام الأوّل للحصّ على القيام لله، أي الوفاء له بعهودهم له، ولذلك عدّي قوله: {قوّامين} باللام.
وإذ كان العهد شهادة أتبع قولُه: {قوّامين لله} بقوله: {شهداء بالقسط}، أي شهداء بالعدل شهادة لا حيف فيها، وأولَى شهادة بذلك شهادتهم لله تعالى.
وقد حصل من مجموع الآيتين: وجوب القيام بالعدل، والشهادة به، ووجوب القيام لله، والشهادة له. اهـ.

.قال الفخر:

{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَانُ قَوْمٍ عَلَى أَلاَّ تَعْدِلُواْ} أي لا يحملنكم بغض قوم على أن لا تعدلوا، وأراد أن لا تعدلوا فيهم لكنه حذف للعلم، وفي الآية قولان: الأول: أنها عامة والمعنى لا يحملنكم بغض قوم على أن تجوروا عليهم وتجاوزوا الحد فيهم، بل اعدلوا فيهم وإن أساؤا عليكم، وأحسنوا إليهم وإن بالغوا في إيحاشكم، فهذا خطاب عام، ومعناه أمر الله تعالى جميع الخلق بأن لا يعاملوا أحدًا إلاّ على سبيل العدل والانصاف، وترك الميل والظلم والاعتساف، والثاني: أنها مختصة بالكفار فإنها نزلت في قريش لما صدوا المسلمين عن المسجد الحرام.
فإن قيل: فعلى هذا القول كيف يعقل ظلم المشركين مع أن المسلمين أمروا بقتلهم وسبي ذراريهم وأخذ أموالهم؟
قلنا: يمكن ظلمهم أيضًا من وجوه كثيرة: منها أنهم إذا أظهروا الإسلام لا يقبلونه منهم، ومنها قتل أولادهم الأطفال لاغتمام الآباء، ومنها إيقاع المثلة بهم، ومنها نقض عهودهم، والقول الأول أولى. اهـ.

.قال القرطبي:

{وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ} على ترك العدل وإيثار العدوان على الحق.
وفي هذا دليل على نفوذ حكم العدوّ على عدوّه في الله تعالى ونفوذ شهادته عليه؛ لأنه أمر بالعَدْلِ وإن أبغضه، ولو كان حكمه عليه وشهادته لا تجوز فيه مع البغض له لما كان لأمره بالعدل فيه وجه.
ودلّت الآية أيضًا على أن كفر الكافر لا يمنع من العدل عليه، وأن يقتصر بهم على المستحق من القتال والاسترقاق، وأن المُثْلة بهم غير جائزة وإن قتلوا نساءنا وأطفالنا وغَمُّونا بذلك؛ فليس لنا أن نقتلهم بمُثْلةٍ قصدًا لإيصال الغمّ والحزن إليهم؛ وإليه أشار عبد الله بن رواحة بقوله في القصة المشهورة؛ هذا معنى الآية.
وتقدّم في صدر هذه السورة معنى قوله: {وَلاَ يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ}.
وقرئ {وَلاَ يُجْرِمَنَّكُمْ} قال الكسَائيّ: هما لغتان.
وقال الزّجاج: معنى {وَلاَ يُجْرِمَنَّكُمْ} لا يُدخلنكم في الجُرم، كما تقول آثمني أي أدخلني في الإثم. اهـ.

.قال الفخر:

نهاهم أولًا عن أن يحملهم البغضاء على ترك العدل ثم استأنف فصرح لهم بالأمر بالعدل تأكيدًا وتشديدًا، ثم ذكر لهم علة الأمر بالعدل وهو قوله: {هُوَ أَقْرَبُ للتقوى} ونظيره قوله: {وَأَن تَعْفُواْ أَقْرَبُ للتقوى} [البقرة: 237] أي هو أقرب للتقوى، وفيه وجهان:
الأول: هو أقرب إلى الاتقاء من معاصي الله تعالى.
والثاني: هو أقرب إلى الاتقاء من عذاب الله وفيه تنبيه عظيم على وجوب العدل مع الكفار الذين هم أعداء الله تعالى، فما الظن بوجوبه مع المؤمنين الذين هم أولياؤه وأحباؤه.
ثم ذكر الكلام الذي يكون وعدًا مع المطيعين ووعيدًا للمذنبين وهو قوله تعالى: {واتقوا الله إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} يعني أنه عالم بجميع المعلومات فلا يخفى عليه شيء من أحوالكم. اهـ.

.قال الألوسي:

{اعدلوا} أيها المؤمنون في أوليائكم وأعدائكم، واقتصر بعضهم على الأعداء بناءًا على ما روي أنه لما فتحت مكة كلف الله تعالى المسلمين بهذه الآية أن لا يكافئوا كفار مكة بما سلف منهم، وأن يعدلوا في القول والفعل {هُوَ} راجع إلى العدل الذي تضمنه الفعل، وهو إما مطلق العدل فيندرج فيه العدل الذي أشار إليه سبب النزول، وإما العدل مع الكفار {أَقْرَبُ للتقوى} أي أدخل في مناسبتها لأن التقوى نهاية الطاعة وهو أنسب الطاعات بها، فالقرب بينهما على هذا مناسبة الطاعة للطاعة، ويحتمل أن يكون أقربيته على التقوى باعتبار أنه لطف فيها فهي مناسبة إفضاء السبب إلى المسبب وهو بمنزلة الجزء الأخير من العلة، واللام مثلها في قولك: هو قريب لزيد للاختصاص لا مكملة فإنه بمن أو إلى.
وتكلف الراغب في توجيه الآية فقال:
فإن قيل: كيف ذكر سبحانه: {أَقْرَبُ للتقوى}، وأفعل إنما يقال في شيئين اشتركا في أمر واحد لأحدهما مزية وقد علمنا أن لا شيء من التقوى ومن فعل الخير إلا وهو من العدالة؟
قيل: إن أفعل وإن كان كما ذكرت فقد يستعمل على تقدير بناء الكلام على اعتقاد المخاطب في الشيء في نفسه قطعًا لكلامه وإظهارًا لتبكيته فيقال لمن اعتقد مثلًا في زيد فضلًا وإن لم يكن فيه فضل ولكن لا يمكنه أن ينكر أن عمرًا أفضل منه: اخدم عمرًا فهو أفضل من زيد، وعلى ذلك جاء قوله تعالى: {آلله خَيْرٌ أَمَّا يُشْرِكُونَ} [النمل: 59] وقد علم أن لا خير فيما يشركون.
والجملة في موضع التعليل للأمر بالعدل، وصرح لهم به تأكيدًا وتشديدًا، وأمر سبحانه بالتقوى بقوله جل وعلا: {واتقوا الله} إثر ما بين أن العدل أقرب لها اعتناءًا بشأنها وتنبيهًا على أنها ملاك الأمر كله {إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} من الأعمال فيجازيكم بذلك، وقد تقدم نظير هذه الآية في النساء (135)، ولم يكتف بذلك لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة في إطفاء ثائرة الغيظ، وقيل: لاختلاف السبب، فإن الأولى نزلت في المشركين وهذه في اليهود، وذكر بعض المحققين وجهًا لتقديم القسط هناك وتأخيره هنا، وهو أن آية النساء جيء بها في معرض الإقرار على نفسه ووالديه وأقاربه فبدأ فيها بالقسط الذي هو العدل من غير محاباة نفس ولا والد ولا قرابة، والتي هنا جيء بها في معرض ترك العداوة فبدأ فيها بالقيام لله تعالى لأنه أردع للمؤمنين، ثم ثنى بالشهادة بالعدل فجىء في كل معرض بما يناسبه. اهـ.

.قال ابن عاشور:

والضمير في قوله: {هو أقرب} عائد إلى العدل المفهوم من {تعدلوا}، لأنّ عود الضمير يُكتفى فيه بكلّ ما يفهم حتّى قد يعودُ على ما لا ذكر له، نحو {حتّى توارتْ بالحجاب} [ص: 32].
على أنّ العرب تجعل الفعل بمعنى المصدر في مراتب:
المرتبة الأولى: أن تدخُل عليه «أن» المصدرية.
الثّانية: أن تُحذف «أن» المصدريّة ويبقى النصب بها، كقول طرفة:
ألا أيّهذَا الزاجري أحْضُرَ الوغى ** وأن أشهدَ اللذاتتِ هَلْ أنت مُخلدي

بنصب «أحضرُ» في رواية، ودلّ عليه عطف «وأن أشهد».
الثّالثة: أن تُحذف «أن» ويُرفع الفعل عملًا على القرينة، كما روي بيت طرفة «أحضرُ» برفع أحضرُ، ومنه قول المثل «تَسْمَعُ بالمعيدي خير من أن تراه»، وفي الحديث «تحمل لأخِيك الركابَ صدقة».
الرابعة: عود الضمير على الفعل مرادًا به المصدر، كما في هذه الآية.
وهذه الآية اقتصر عليها النحاة في التمثيل حتّى يخيّل للنّاظر أنّه مثال فَذٌّ في بابه، وليس كذلك بل منه قوله تعالى: {وينذر الّذين قالوا اتّخذ الله ولدًا} [الكهف: 4].
وأمثلته كثيرة: منها قوله تعالى: {ما لهم به من علم} [الكهف: 5]، فضمير {به} عائد إلى القول المأخوذ من {قالوا}، ومنه قوله تعالى: {ذلك ومن يعظّم حرمات الله فهو خير له عند ربّه} [الحج: 30]، فضمير {فهو} عائد للتعظيم المأخوذ من فعل {يعظّم}، وقول بشّار:
واللَّه ربّ محمَّد ** مَا إن غَدَرْت ولا نوَيتُه

أي الغدر.
ومعنى {أقرب للتقوى} أي للتقوى الكاملة الّتي لا يشذّ معها شيء من الخير، وذلك أنّ العدل هو ملاك كبح النّفس عن الشهوة وذلك ملاك التّقوى. اهـ.

.قال ابن كثير:

وقوله: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ} أي: كونوا قوامين بالحق لله، عز وجل، لا لأجل الناس والسمعة، وكونوا {شُهَدَاءَ بِالْقِسْطِ} أي: بالعدل لا بالجور. وقد ثبت في الصحيحين، عن النعمان بن بشير أنه قال: نحلني أبي نَحْلا فقالت أمي عمرة بنت رواحة: لا أرضى حتى تُشْهد رسول الله صلى الله عليه وسلم. فجاءه ليشهده على صدقتي فقال: «أكل ولدك نحلت مثله؟» قال: لا. قال: «اتقوا الله، واعدلوا في أولادكم». وقال: «إني لا أشهد على جَوْر». قال: فرجع أبي فرد تلك الصدقة.
وقوله: {وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلا تَعْدِلُوا} أي: لا يحملنكم بُغْض قوم على ترك العدل فيهم، بل استعملوا العدل في كل أحد، صديقا كان أو عدوًا؛ ولهذا قال: {اعْدِلُوا هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} أي: عَدْلُكم أقرب إلى التقوى من تركه. ودل الفعل على المصدر الذي عاد الضمير عليه، كما في نظائره من القرآن وغيره، كما في قوله: {وَإِنْ قِيلَ لَكُمُ ارْجِعُوا فَارْجِعُوا هُوَ أَزْكَى لَكُمْ} [النور: 28].
وقوله: {هُوَ أَقْرَبُ لِلتَّقْوَى} من باب استعمال أفعل التفضيل في المحل الذي ليس في الجانب الآخر منه شيء، كما في قوله تعالى: {أَصْحَابُ الْجَنَّةِ يَوْمَئِذٍ خَيْرٌ مُسْتَقَرًّا وَأَحْسَنُ مَقِيلا} [الفرقان: 24] وكقول بعض الصحابيات لعمر: أنت أفَظُّ وأغلظ من رسول الله صلى الله عليه وسلم.
ثم قال تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ} أي: وسيجزيكم على ما علم من أفعالكم التي عملتموها، إن خيرًا فخير، وإن شرا فشر؛ ولهذا قال بعده: {وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ} أي: لذنوبهم {وَأَجْرٌ عَظِيمٌ} وهو: الجنة التي هي من رحمته على عباده، لا ينالونها بأعمالهم، بل برحمة منه وفضل، وإن كان سبب وصول الرحمة إليهم أعمالهم، وهو تعالى الذي جعلها أسبابًا إلى نيل رحمته وفضله وعفوه ورضوانه، فالكل منه وله، فله الحمد والمنة. اهـ.