فصل: قال القرطبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فأوحى اللّه تعالى إلى يوشع أنّ فيها غلولا فمرهم فليبايعوك فبايعوه فالتصقت. فدخل بينهم بيده، فقال صلى الله عليه وسلم هلمّ لما عندك فأتاه برأس الثور مكلل بالياقوت والجوهر كان قد غلّه فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأحنث الرجل والقربان.
معمر عن همام بن منبه عن أبي هريرة قال: قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم: «غزا نبي من الأنبياء فقال: لقومه لا يتبعني رجل قد ناكح امرأة وهو يريد أن يبني بها ولما بنى ولا آخر قد بنى بناء له ولما يرفع سقفها، ولا آخر قد اشترى غنمًا أو خلفات وهو ينتظر ولادها. قال: فغزا فدنا للدير حين صلّى العصر أو قريبًا من ذلك. فقال للشمس: أنت مأمورة وأنا مأمور، اللّهم احبسها عليّ ساعة فحبست له ساعة حتى فتح اللّه عليه. قال من علمي أنها لم تُحبس لأحد قبله ولا بعده ثم وضعت الغنيمة فجمعوا فجاءت النار ولم تأكلها فقال: إنّ فيكم غلول فليبايعني من كل قبيلة منكم رجل فبايعوه فلصقت يد رجل بيده. فقال: فيكم الغلول أنتم غللتم، قال: فأخرجوا مثل رأس بقرة من ذهب فألقوه في الغنيمة وهو بالصعيد فأقبلت النار فأكلتها» قال النبي صلى الله عليه وسلم «فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا وذلك لأن اللّه تعالى رأى ضعفنا وعجزنا فطيّبها لنا».
قالوا: ثم مات يوشع عليه السلام ودفن في جبل أفرايم وكان عمره مائة وستًا وعشرين سنة. وتدبّر أمر بني إسرائيل بعد وفاة موسى سبعًا وعشرين سنة. اهـ.

.قال القرطبي:

وروي عن ابن عباس أن موسى وهارون ماتا في التّيه.
قال غيره: ونبأ الله يوشع وأمره بقتال الجبارين، وفيها حبست عليه الشمس حتى دخل المدينة، وفيها أحرق الذي وجد الغُلُول عنده، وكانت تنزل من السماء إذا غنِموا نارٌ بيضاء فتأكل الغنائم؛ وكان ذلك دليلًا على قبولها، فإن كان فيها غلول لم تأكله، وجاءت السباع والوحوش فأكلته؛ فنزلت النار فلم تأكل ما غنِموا فقال: إن فيكم الغُلُول فلتبايعني كلّ قبيلة فبايعته، فلصقت يد رجل منهم بيده فقال: فيكم الغُلُول فليبايعني كل رجل منكم فبايعوه رجلًا رجلًا حتى لصقت يد رجل منهم بيده فقال: عندك الغُلُول فأخرج مثل رأس البقرة من ذهب، فنزلت النار فأكلت الغنائم.
وكانت نارًا بيضاء مثل الفضة لها حفيف أي صوت مثل صوت الشجر وجناح الطائر فيما يذكرون؛ فذكروا أنه أحرق الغَالّ ومتاعه بغَوْر يُقال له الآن غَوْر عاجز، عُرِف باسم الغالّ؛ وكان اسمه عاجزًا.
قلت: ويستفاد من هذا عقوبة الغالّ قبلنا، وقد تقدّم حكمه في مِلتنا.
وبيان ما انبهم من اسم النبي والغالّ في الحديث الصحيح عن أبي هُرَيرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: «غزا نبيّ من الأنبياء» الحديث أخرجه مسلم وفيه قال: «فغزا فأدنى للقرية حين صلاة العصر أو قريبًا من ذلك فقال للشمس أنتِ مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها عليّ شيئًا فحبِست عليه حتى فتح الله عليه قال: فجمعوا ما غنِموا فأقبلت النار لتأكله فأبت أن تَطعمه فقال: فيكم غُلُول فليبايعني من كل قبيلة رجل فبايعوه قال فلصِقت يده بيد رجلين أو ثلاثة فقال فيكم الغُلُول» وذكر نحو ما تقدّم.
قال علماؤنا: والحكمة في حبس الشمس على يوشع عند قتاله أهل أرِيحاء وإشرافه على فتحها عَشِيّ يوم الجمعة، وإشفاقه من أن تغرب الشمس قبل الفتح أنه لو لم تُحبس عليه حرم عليه القتال لأجل السبت، ويعلم به عدوّهم فيعمل فيهم السيف ويجتاحهم؛ فكان ذلك آية له خُصّ بها بعد أن كانت نبوّته ثابتة بخبر موسى عليه الصَّلاة والسَّلام، على ما يُقال.
والله أعلم.
وفي هذا الحديث يقول عليه السَّلام: «فلم تحِل الغنائم لأحد من قبلنا» ذلك بأنّ الله عز وجل رأى ضعفنا وعجزنا فطيبها لنا.
وهذا يردّ قول من قال في تأويل قوله تعالى: {وَآتَاكُمْ مَّا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِّن العالمين} إنه تحليل الغنائم والآنتفاع بها.
وممن قال إن موسى عليه الصلاة والسلام مات بالتيه عمرو بن ميمون الأَوِدي، وزاد: وهارون؛ وكانا خرجا في التّيه إلى بعض الكهوف فمات هارون فدفنه موسى وانصرف إلى بني إسرائيل؛ فقالوا: ما فعل هارون؟ فقال: مات: قالوا: كذبت ولكنك قتلته لحبنا له، وكان مُحَبًّا في بني إسرائيل؛ فأوحى الله تعالى إليه أن انطلق بهم إلى قبره فإني باعثه حتى يخبرهم أنه مات موتًا ولم تقتله؛ فانطلق بهم إلى قبره فنادى يا هارون فخرج من قبره ينفض رأسه فقال: أنا قاتلك؟ قال: لا؛ ولكني مت؛ قال: فعد إلى مَضْجَعك؛ وانصرف.
وقال الحسن: إن موسى لم يمت بالتّيه.
وقال غيره: إن موسى فتح أريحاء، وكان يوشع على مقدّمته فقاتل الجبابرة الذين كانوا بها، ثم دخلها موسى ببني إسرائيل فأقام فيها ما شاء الله أن يقيم، ثم قبضه الله تعالى إليه لا يعلم بقبره أحد من الخلائق.
قال الثعلبي: وهو أصح الأقاويل.
قلت: قد رَوى مسلم عن أبي هُرَيرة قال: أُرْسِل ملَك الموت إلى موسى عليه الصلاة والسلام فلما جاءه صَكَّه ففقأ عينه فرجع إلى ربه فقال: «أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» قال: فردّ الله إليه عَينَه وقال: «ارجع إليه فقل له يضع يده على مَتْن ثور فله بما غطت يده بكل شعرة سنة» قال: أي رب ثم مَهْ، قال: «ثم الموت» قال: «فالان» فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدّسة رمية بحجر؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «فلو كنتُ ثَمَّ لأريتكم قبره إلى جانب الطريق تحت الكثيب الأحمر» فهذا نبينا صلى الله عليه وسلم قد علم قبره ووصف موضعه، ورآه فيه قائمًا يصلى كما في حديث الإسراء، إلا أنه يحتمل أن يكون أخفاه الله عن الخلق سواه ولم يجعله مشهورًا عندهم؛ ولعل ذلك لئلا يُعبد، والله أعلم.
ويعني بالطريق طريق بيت المقدس.
ووقع في بعض الروايات إلى جانب الطُّور مكان الطريق.
واختلف العلماء في تأويل لَطْم موسى عين ملك الموت وفَقْئها على أقوال؛ منها: أنها كانت عينا متخيلة لا حقيقة، وهذا باطل؛ لأنه يؤدّي إلى أن ما يراه الأنبياء من صور الملائكة لا حقيقة له.
ومنها: أنها كانت عينا معنوية وإنما فقأها بالحجة، وهذا مجاز لا حقيقة.
ومنها: أنه عليه السلام لم يعرف مَلَك الموت، وأنّهُ رأى رجلًا دخل منزله بغير إذنه يريد نفسه فدافع عن نفسه فلطم عينه ففقأها؛ وتجب المدافعة في هذا بكل ممكن.
وهذا وجه حسن؛ لأنه حقيقة في العين والصّك؛ قاله الإمام أبو بكر ابن خزيمة، غير أنه اعترض عليه بما في الحديث؛ وهو أن مَلَك الموت لما رجع إلى الله تعالى قال: «يا رب أرسلتني إلى عبد لا يريد الموت» فلو لم يعرفه موسى لما صَدَق القول من مَلَك الموت؛ وأيضًا قوله في الرواية الأخرى: «أجب ربك» يدّل على تعريفه بنفسه. والله أعلم.
ومنها: أن موسى عليه الصلاة والسلام كان سريع الغضب، إذا غضِب طلع الدّخان من قَلَنْسُوته ورفع شعرُ بدنه جبته، وسرعة غضبه كانت سببًا لصَكِّه مَلَك الموت.
قال ابن العربي: وهذا كما ترى، فإن الأنبياء معصومون أن يقع منهم ابتداء مثل هذا في الرضا والغضب.
ومنها وهو الصحيح من هذه الأقوال: أن موسى عليه الصلاة والسلام عرف ملك الموت، وأنه جاء ليقبض روحه لكنه جاء مجيء الجازم بأنه قد أُمِر بقبض روحه من غير تخيير، وعند موسى ما قد نص عليه نبينا محمد صلى الله عليه وسلم من: «أن الله لا يقبض روح نبي حتى يخيِّره».
فلما جاءه على غير الوجه الذي أُعلم بادر بشهامته وقوّة نفسه إلى أدبه، فلطمه ففقأ عينه امتحانا لمَلك الموت؛ إذ لم يصرح له بالتخيير.
ومما يدل على صحة هذا، أنه لما رجع إليه مَلَك الموت فخيّره بين الحياة والموت اختار الموت واستسلم.
والله بغيبه أحكم وأعلم.
هذا أصح ما قيل في وفاة موسى عليه السلام.
وقد ذكر المفسرون في ذلك قصصًا وأخبارًا الله أعلم بصحتها.
وفي الصحيح غُنْيَة عنها.
وكان عمر موسى مائة وعشرين سنة؛ فيروى أن يوشع رآه بعد موته في المنام فقال له: كيف وجدت الموت؟ فقال: «كشاة تسلخ وهي حية».
وهذا صحيح معنى؛ قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: «إن للموت سكرات» على ما بيناه في كتاب «التذكرة». اهـ.

.قال الفخر:

اختلفوا في التيه فقال الربيع: مقدار ستة فراسخ، وقيل: تسعة فراسخ في ثلاثين فرسخًا.
وقيل: ستة في اثنى عشر فرسخًا، وقيل: كانوا ستمائة ألف فارس.
فإن قيل: كيف يعقل بقاء هذا الجمع العظيم في هذا القدر الصغير من المفازة أربعين سنة بحيث لا يتفق لأحد منهم أن يجد طريقًا إلى الخروج عنها، ولو أنهم وضعوا أعينهم على حركة الشمس أو الكواكب لخرجوا منها ولو كانوا في البحر العظيم، فكيف في المفازة الصغيرة؟
قلنا: فيه وجهان: الأول: أن انخراق العادات في زمان الأنبياء غير مستبعد، إذ لو فتحنا باب الاستبعاد لزم الطعن في جميع المعجزات، وإنه باطل.
الثاني: إذا فسرنا ذلك التحريم بتحريم التعبد فقد زال السؤال لاحتمال أن الله تعالى حرّم عليهم الرجوع إلى أوطانهم، بل أمرهم بالمكث في تلك المفازة أربعين سنة مع المشقة والمحنة جزاءً لهم على سوء صنيعهم، وعلى هذا التقدير فقد زال الإشكال. اهـ.

.قال الألوسي:

{أَرْبَعِينَ سَنَةً} متعلق بمحرمة فيكون التحريم مؤقتًا لا مؤبدًا فلا يكون مخالفًا لظاهر قوله تعالى: {كَتَبَ الله لَكُمْ} [المائدة: 21] والمراد بتحريمها عليهم أنه لا يدخلها أحد منهم هذه المدة لكن لا بمعنى أن كلهم يدخلونها بعدها، بل بعضهم ممن بقي حسبما روي أن موسى عليه السلام سار بمن بقي من بني إسرائيل إلى الأرض المقدسة، وكان يوشع بن نون على مقدمته ففتحها وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبض عليه السلام، وروى ذلك عن الحسن ومجاهد، وقيل: لم يدخلها أحد ممن قال: {لَنْ نَّدْخُلَهَا أَبَدًا} [المائدة: 24] وإنما دخلها مع موسى عليه السلام النواشي من ذرياتهم، وعليه فالمؤقت بالأربعين في الحقيقة تحريمها على ذرياتهم وإنما جعل تحريمها عليهم لما بينهما من العلاقة التامة.
وقوله تعالى: {يَتِيهُونَ في الأرض} استئناف لبيان كيفية حرمانهم، وقيل: حال من ضمير {عَلَيْهِمْ}، والتيه: الحيرة، ويقال: تاه يتيه ويتوه، وهو أتوه وأتيه، فهو مما تداخل فيه الواو والياء، والمعنى يسيرون متحيرين وحيرتهم عدم اهتدائهم للطريق.
وقيل: الظرف متعلق {يَتِيهُونَ}، وروى ذلك عن قتادة فكيون التيه مؤقتًا والتحريم مطلقًا يحتمل التأبيد وعدمه، وكان مسافة الأرض التي تاهوا فيها ثلاثين فرسخًا في عرض تسعة فراسخ كما قال مقاتل، وقيل: اثني عشر فرسخًا في عرض ستة فراسخ، وقيل: ستة في عرض تسعة، وقيل: كان طولها ثلاثين ميلًا في عرض ستة فراسخ وهي ما بين مصر والشام، وذكر أنهم كانوا ستمائة ألف مقاتل وكانوا يسيرون فيصبحون حيث يمسون ويمسون حيث يصبحون كما قاله الحسن.
ومجاهد قيل: وحكمة ابتلائهم بالتيه أنهم لما قالوا: {إِنَّا هاهنا قاعدون} [المائدة: 24] عوقبوا بما يشبه القعود، وكان أربعين سنة لأنها غاية زمن يرعوي فيه الجاهل.
وقيل: لأنهم عبدوا العجل أربعين يومًا فجعل عقاب كل يوم سنة في التيه وليس بشيء، وكان ذلك من خوارق العادات إذ التحير في مثل تلك المسافة على عقلاء كثيرين هذه المدة الطويلة مما تحيله العادة، ولعل ذلك كان بمحو العلامات التي يستدل بها، أو بأن ألقي شبه بعضها على بعض.