فصل: من فوائد القاسمي في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال: أي رب ثم مه قال: ثم الموت قال: فالآن فسأل الله أن يدنيه من الأرض المقدسة رمية بحجر قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: فلو كنت ثم لأريتكم قبره إلى جانب الطريق عند الكثيب الأحمر» وفي رواية لمسلم قال: «جاء ملك الموت إلى موسى فقال: أجب ربك قال فلطم موسى عين ملك الموت ففقأها» ثم ذكر معنى ما تقدم قال الشيخ محيي الدين النووي.
قال المازري: وقد أنكر بعض الملاحدة هذا الحديث وأنكر تصوره قالوا كيف يجوز على موسى فقء عين ملك الموت.
وأجاب عنه العلماء بأجوبة أحدها أنه لا يمتنع أن يكون الله قد أذن لموسى في هذه اللطمة ويكون ذلك امتحانًا للملطوم والله تعالى يفعل في خلقه ما يشاء ويمتحنهم بما أراد.
الثاني: أن موسى لم يعلم أنه ملك من عند الله وظن أنه رجل قصده يريد نفسه فدافعه عنها فأدت المدافعة إلى فقء عينه لأنه قصدها بالفقء وتؤيده رواية صكه وهذا جواب الإمام أبي بكر بن خزيمة وغيره من المتقدمين واختاره المازري والقاضي عياض.
قالوا: وليس في الحديث تصريح بأنه قصد فقء عينه.
فإن قيل: فقد اعترف موسى حين جاء ثانيًا بأنه ملك الموت.
فالجواب، أنه أتاه في المرة الثانية بعلامة علم بها أنه ملك الموت فاستسلم له بخلاف المرة الأولى وأما سؤال موسى الإدناء من الأرض المقدسة فلشرفها وفضلها وفضل من بها من المدفونين من الأنبياء وغيرهم وفيه دليل على استحباب الدفن في المواضع الفاضلة والمواطن المباركة والقرب من مدافن الصالحين قال بعض العلماء وإنما سأل موسى الإدناء ولم يسأل نفس بيت المقدس لأنه خاف أن يكون قبره مشهورًا عندهم فيفتتن به الناس والله أعلم.
قال وهب بن منبه: خرج موسى لبعض حاجته فمر برهط من الملائكة وهم يحفرون قبرًا لم ير شيئًا أحسن منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة، فقال لهم: يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر؟ فقالوا: لعبد كريم على ربه.
فقال: إن هذا العبد من الله بمنزلة ما رأيت كاليوم قط.
فقالت الملائكة: يا صفي الله تحب أن يكون لك؟ قال: وددت.
قالوا: فانزل واضطجع فيه وتوجه إلى ربك فنزل واضطجع وتوجه إلى ربه عز وجل ثم تنفس أسهل تنفس فقبض الله روحه ثم سوت الملائكة عليه التراب.
وقيل: إن ملك الموت أتاه بتفاحة من الجنة فشمها فقيض روحه وكان عمر موسى عليه السلام مائة سنة فلما مات موسى عليه السلام انقضت الأربعون سنة وبعث الله يوشع إلى بني إسرائيل فأخبرهم أن الله قد أمره بقتال الجبارين فصدقوه وتابعوه فتوجه ببني إسرائيل إلى أريحاء وهي مدينة الجبارين ومعه تابوت الميثاق فأحاط بمدينة أريحاء ستة أشهر فلما كان من السابع نفخوا في القرون وضجوا في الشعب ضجة واحدة فسقط سور المدينة فدخلوها وقاتلوا الجبارين وهزموهم وهجموا عليهم يقتلونهم فكانت العصابة من بني إسرائيل يجتمعون على عنق الرجل من الجبابرة يضربونها حتى يقطعونها وكان القتال والفتح يوم الجمعة فبقيت منهم بقية وكادت الشمس أن تغرب وتدخل ليلة السبت فقال: اللهم اردد علي الشمس وقال للشمس: إنك في طاعة الله وأنا في طاعة الله وسال الشمس أن تقف والقمر أن يقف حتى ينتقم من أعداء الله قبل دخول السبت فرد الله عليه الشمس وزيد في النهار ساعة حتى قتلهم أجمعين وتتبع ملوك الشام فاستباح منهم أحدًا وثلاثين ملكًا حتى غلب على جميع أرض الشام وصارت كلها لبني إسرائيل وفرق عماله نواحيها وجميع الغنائم فجاءت النار لتأكلها فلم تطعمها فقال: إن فيكم غلولًا فليبايعني من كل قبيلة رجل ففعلوا فلصقت يد رجل بيده.
فقال: فيكم الغلول فجاؤوا برأس ثور من ذهب مكلل بالياقوت والجوهر قد غلَّه رجل منهم فجعله في القربان وجعل الرجل معه فجاءت النار فأكلت الرجل والقربان.
وفي الحديث الصحيح ما يدل على صحة هذا أو هو ما روي عن أبي هريرة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم «غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة وهو يريد أن يبني بها ولم يبن بها ولا أحد بنى بيوتًا ولم يرفع سقوفها ولا رجل اشترى غنمًا أو خلفات وهو ينتظر أولادها فغزا فدنا من القرية صلاة العصر أو قريبًا من ذلك فقال للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا فحبست حتى فتح الله عليه فجمع الغنائم فجاءت يعني النار لتأكلها فلم تطعمها فقال إن فيكم غلولًا فليبايعني من كل قبيلة رجل فلزقت يد رجل بيده فقال فيكم الغلول فجاؤوا برأس مثل رأس بقرة من الذهب فوضعها فجاءت النار فأكلتها» زاد في رواية: «فلم تحل الغنائم لأحد قبلنا ثم أحل الله لنا الغنائم لما رأى ضعفنا وعجزنا فأحلها لنا» أخرجه البخاري ومسلم.
شرح غريب هذا الحديث:
قوله لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، البضع بضم الباء كناية عن فرج المرأة ولم يبن بها أي لم يدخل عليها، ولخلفات النوق الحوامل قوله للشمس إنك مأمورة وأنا مأمور اللهم احبسها علينا قال الشيخ محيي الدين قال القاضي عياض: اختلف الناس في حبس الشمس المذكور هنا فقيل: ردت إلى ورائها وقيل: وقفت ولم ترد وقيل: بطء حركتها وكل ذلك من معجزات النبوة قال ويقال إن الذي حبست عليه الشمس يوشع بن نون قال القاضي.
وقد روي أن نبينا محمدًا صلى الله عليه وسلم حبست له الشمس مرتين إحداهما يوم الخندق حين شغلوا عن صلاة العصر حتى غربت الشمس فردها الله عليه حتى صلى العصر ذكر، ذلك الطحاوي وقال: رواته ثقات.
والثانية: صبيحة ليلة الإسراء حين انتظر العير لما أخبر بوصولها مع شروق الشمس ذكره يونس بن بكير في زياداته عن سيرة بن إسحاق.
وقال وهب: ثم مات يوشع بن نون ودفن في جبل أفراثيم وكان عمره مائة سنة وستًا وعشرين سنة وكان تدبيره أمر بني إسرائيل بعد موسى سبعًا وعشرين سنة.
وقيل: إن الذي فتح أريحاء هو موسى عليه السلام وكان يوشع بن نون على مقدمته فسار إليهم بمن بقي من بني إسرائيل فدخلها يوشع وقاتل الجبابرة ثم دخلها موسى وأقام بها ما شاء الله تعالى ثم قبضه الله إليه ولا يعلم أحد قبره وهذا أصح الأقاويل لاتفاق العلماء أن موسى عليه السلام هو الذي قتل عوج بن عنق وهذا القول هو اختيار الطبري.
ونقل عن السدي قال: غضب موسى على قومه فدعا عليهم فقال: رب إني لا أملك إلا نفسي وأخي الآية.
فقال الله عز وجل: فإنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض فلما ضرب عليهم التيه ندم موسى وأتاه قومه الذين كانوا يطيعونه فقالوا له: ما صنعت بنا يا موسى فمكثوا في التيه فلما خرجوا منه رفع المن والسلوى والبقول والتقى موسى وعوج فنزا موسى في السماء عشر أذرع وكانت عصاه عشرة أذرع وكان طوله عشرة فأصاب كعب عوج فقتله.
قال الطبري: ولو كان قتل موسى إياه قبل مصيره في التيه لم يجزع بنو إسرائيل لأنه كان من أعظم الجبارين.
وروي عن نون قال: كان سرير عوج ثمانمائة ذراع.
وقال: وإن أهل العلم بأخبار الأولين مجمعون على أن بلعم بن باعوراء كان ممن أعان الجبارين بالدعاء على موسى لأنه كان يعلم الاسم الأعظم فدعا عليه وسترد قصته في سورة الأعراف إن شاء الله تعالى وقوله تعالى: {فلا تأس على القوم الفاسقين} يعني: لا تحزن عليهم لأنهم أهل مخالفة وخروج عن الطاعة.
وقيل: لما ندم موسى على ما دعاه على قومه أوحى الله إليه فلا تأس على القوم الفاسقين.
قال الزجاج: وجائز أن يكون خطابًا لمحمد صلى الله عليه وسلم أي: لا تحزن يا محمد على قوم لم يزل شأنهم المعاصي ومخالفة الرسل. اهـ.

.من فوائد القاسمي في الآية:

قال رحمه الله:
{قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الأَرْضِ فَلاَ تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} [26].
{قَالَ فَإِنَّهَا} أي: الأرض المقدسة {مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ} أي: بسبب أقوالهم هذه وأفعالهم. لا يدخلونها ولا يملكونها. ممن قال هذه المقالة أو رضيها أحد، فالتحريم تحريم منعٍ لا تحريم تعبد {أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ} أي: يترددون في البرية متحيرين في الأرض حتى يهلكوا كلّهم، و«التيه» المفازة التي يتيه فيها سالكها فيضلّ عن وجه مقصده {فَلا تَأْسَ} أي: تحزن {عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ} أي: الخارجين من قيد الطاعات. قال العلامة البقاعي: ثم بعد هلاكهم أدخلها بنيهم الذين ولدوا في التيه. وفي هذه القصة أوضح دليل على نقضهم للعهود التي بنيت على طلب الوفاء بها، وافتتحت بها، وصرح بأخذها عليهم في قوله: {وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرائيلَ} [المائدة: 12] الآيات، وفي ذلك تسلية للنبيّ صلى الله عليه وسلم فيما يفعلونه معه، وتذكير له بالنعمة على قومه بالتوفيق، وترغيب لمن أطاع منهم، وترهيب لمن عصى. ومات في تلك الأربعين، كل من قال ذلك القول أو رضيه حتى النقباء العشرة. وكان الغمام يظلَّهم من حرّ الشمس. ويكون لهم عمود من نور بالليل يضيء عليهم. وغير هذا من النعم، لأن المنع بالتيه كان تأديبًا لهم. لا غضب. إذ أنهم تابوا. ثم ساق البقاعي- رحمه الله- شرح هذه القصة من التوراة التي بين أيديهم بالحرق. ونحن نأتي على ملخصها تأثرًا له، فنقول:
جاء في سفر «العدد» في الفصل الثالث عشر: إن شعب بني إسرائيل لمّا ارتحلوا من حَصِيروت ونزلوا ببريّة فاران، كلم الرب موسى بأن يبعث رجالًا يجسّون أرض كنعان. من كل سبط رجلًا واحدًا، وكلهم يكونون من رؤساء بني إسرائيل، فأرسلهم موسى وأمرهم أن ينظروا إلى الأرض. أجيدة أم رديئة؟ وإلى أهلها، أشديدون أم ضعفاء؟ قليلون أم كثيرون؟ وأن يوافوه بشيءٍ من ثمرها. فساروا واجتسّوا الأرض من برية صِينَ إلى رَحُوبَ عند مدخل حماة، ثم رجعوا بعد أربعين يومًا. وكان موسى وقومه في برية فاران في قاديش، فأروهم ثمر الأرض، وقصّوا عليهم ما شاهدوه من جودة الأرض، وأنها تدرّ لبنًا وعسلًا. ومن شدة أهلها وقوتهم وتحصن مدنهم؛ فاضطرب قوم موسى. فأخذ كالبُ- أحد النقباء- يسكتهم عن موسى ويقول: نصعد ونرث الأرض فإنا قادرون عليها. وخالفه بقية النقباء وقالوا: لا نقدر أن نصعد إليهم لأنهم أشدّ منّا. وهوّلوا على بني إسرائيل الأمر وقالوا: شاهدنا أناسًا طوال القامات، سيما بني عَناقَ. فصرنا في عيوننا كالجراد. وكذلك كنا في عيونهم. فعند ذلك ضجّ قوم موسى ورفعوا أصواتهم وبكوا وقالوا: ليتنا متنا في أرض مصر أو في هذه البرية. ولا تكون نساؤنا وأطفالنا غنيمة للجبابرة. وخير لنا أن نرجع إلى مصر. وقالوا: لنًقِمْ لنا رئيسًا ونرجع إلى مصر. فلما شاهد موسى ذلك منهم وقع هو وأخوه هارون على وجوههما أمام الإسرائيليين. ومزق، من النقباء، يوشع بن نون وكالب ثيابهما. وكلَّما بني إسرائيل قائلين: إن الأرض التي مررنا فيها جيدة، وإذا كان ربنا راضيًا عنا فإنه يدخلنا إياها. فلا تتمردوا ولا تخافوا أهلها فسيكونون طعمة لنا. إذ الرب معنا فلما سمع بنوا إسرائيل كلام يوشع وكالب قالوا: لِيُرْجَمَا بالحجارة، وكاد حينئذ أن يحيق ببني إسرائيل العذاب الإلهيّ، لولا تضرع موسى إلى ربه بأن يعفو عنهم، كيلا يكونوا أحدوثة عند أعدائهم المصريين، فعفا تعالى عنهم. وأعلم موسى؛ أنّ قومه لن يروا الأرض التي أقسم عليها لآبائهم، وأنهم يموتون جميعًا في التيه. إلاّ كالبًا. فإنه لحسن انقياده سيدخل لأرض، وكذلك يوشع، وأعلمه تعالى أيضًا بأن أطفال قومه الذين سيهلكون في التيه يونون رعاة فيه أربعين سنة بعدد الأيام التي تجس النقباء فيها أرض الكنعانيين. كل يوم وزره سنة ليعرفوا انتقامه، عز سلطانه ثم هلك النقباء العشرة، الذين شَنّعوا لدى قومهم تلك الأرض، بضربة عجلت لهم. ثم همّ قوم موسى بالصعود إلى الكنعانيين لما أخبرهم موسى بما أعلمه تعالى. فنهاهم موسى وقال لهم: لا فوز لكم الآن بالنصر الرباني، وإن فعلتم فإن العدوّ يهزمكم وتسقطون تحت سيفه. فتجبروا وصعدوا إلى رأس الجبل. فنزل العمالقة والكنعانيون عليهم وحطموهم، ثم انقضاء الأربعين سنة فتحت الأرض المقدسة على يد يوشع، كما شرح في «سفره»، والله أعلم.