فصل: قال الفخر:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



إقامة الشيء جعْله قائمًا، كما تقدّم في أول سورة البقرة.
واستعيرت الإقامة لعدم الإضاعة لأنّ الشيء المضاع يكون مُلْقى، ولذلك يقال له: شَيْء لَقًى، ولأنّ الإنسان يكون في حال قيامه أقْدَر على الأشياء، فلذا قالوا: قامتْ السوق.
فيجوز أن يكون معنى إقامة التّوراة والإنجيل إقامة تشريعهما قبل الإسلام، أي لو أطاعوا أوامر الله وعملوا بها سلموا من غَضَبه فلأغْدَق عليهم نعمَه، فاليهود آمنوا بالتَّوراة ولم يقيموا أحكامها كما تقدّم آنفًا، وكفروا بالإنجيل ورفضوه، وذلك أشدّ في عدم إقامَته، وبالقرآننِ.
وقد أوْمأت الآية إلى أنّ سبب ضيق معاش اليهود هو من غضب الله تعالى عليهم لإضاعتهم التّوراة وكفرهم بالإنجيل وبالقرآن، أي فتحتّمت عليهم النقمة بعد نزول القرآن.
ويحتمل أن يكون المراد: لو أقاموا هذه الكتب بعد مجيء الإسلام، أي بالاعتراف بما في التّوراة والإنجيل من التبْشير ببعثة محمّد صلى الله عليه وسلم حتّى يؤمنوا به وبما جاء به، فتكون الآية إشارة إلى ضيق معاشهم بعد هجرة الرسول إلى المدينة.
ويؤيّده ما روي في سبب نزول قوله تعالى: {وقالت اليهود الله يد مغلولة} [المائدة: 64] كما تقدّم.
ومعنى {لأكلوا مِن فوقهم ومن تحت أرجلهم} تعميم جهات الرزق، أي لرُزقوا من كلّ سبيل، فأكلوا بمعنى رزقوا، كقوله: {وتأكلون التراث أكْلًا لَمَّا} [الفجر: 19].
وقيل: المراد بالمأكول من فوق ثمارُ الشجر، ومن تحت الحُبوبُ والمقاثي، فيكون الأكل على حقيقته، أي لاستمرّ الخصب فيهم.
وفي معنى هذه الآية قوله تعالى: {ولو أنّ أهل القرى آمنوا واتَّقوا لفتحنا عليهم بَركَات من السماء والأرض ولكن كذّبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون} في سورة الأعراف (96).
واللام في قوله: {لأكلوا من فوقهم} إلخ مثل اللام في الآية قبلها. اهـ.

.قال الفخر:

قوله تعالى: {مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ}
معنى الاقتصاد في اللغة الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير، وأصله القصد، وذلك لأن من عرف مطلوبه فإنه يكون قاصدًا له على الطريق المستقيم من غير انحراف ولا اضطراب، أما من لم يعرف موضع مقصوده فإنه يكون متحيرًا، تارة يذهب يمينًا وأخرى يسارًا، فلهذا السبب جعل الاقتصاد عبارة عن العمل المؤدي إلى الغرض، ثم في هذه الأمة المقتصدة قولان: أحدهما: أن المراد منها الذين آمنوا من أهل الكتاب: كعبدالله بن سلام من اليهود، والنجاشي من النصارى، فهم على القصد من دينهم، وعلى المنهج المستقيم منه، ولم يميلوا إلى طرفي الإفراط والتفريط.
والثاني: المراد منها الكفار من أهل الكتاب الذين يكونون عدولًا في دينهم، ولا يكون فيهم عناد شديد ولا غلظة كاملة، كما قال: {وَمِنْ أَهْلِ الكتاب مَنْ إِن تَأْمَنْهُ بِقِنْطَارٍ يُؤَدّهِ إِلَيْكَ} [آل عمران: 75].
ثم قال تعالى: {وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ سَاء مَا يَعْمَلُونَ} وفيه معنى التعجب كأنه قيل: وكثير منهم ما أسوأ عملهم، والمراد: منهم الأجلاف المذمومون المبغضون الذين لا يؤثر فيهم الدليل ولا ينجع فيهم القول. اهـ.

.قال القرطبي:

أخبر تعالى أن منهم مقتصدًا وهم المؤمنون منهم كالنجاشي وسَلمْان وعبد الله بن سلام اقتصدوا فلم يقولوا في عيسى ومحمد عليهما الصلاة والسلام إلا ما يليق بهما.
وقيل: أراد بالاقتصاد قومًا لم يؤمنوا، ولكنهم لم يكونوا من المؤذين المستهزئين، والله أعلم.
والاقتصاد الاعتدال في العمل؛ وهو من القصد، والقصد إتيان الشيء؛ تقول: قصدته وقصدت له وقصدت إليه بمعنى.
{سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} أي بئس شيء عَمِلوه؛ كذبوا الرسل، وحَرّفوا الكتب وأَكَلوا السّحت. اهـ.

.قال البغوي:

مقتصدة أي عادلة غير غالية، ولا مقصرة جافية، ومعنى الاقتصاد في اللغة: الاعتدال في العمل من غير غلو ولا تقصير. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {منهم أمة مقتصدة} معناه: معتدلة، والقصد والاقتصاد: الاعتدال والرفق والتوسط الحسن في الأقوال والأفعال، قال الطبري: معنى الآية أن من بني إسرائيل من هو مقتصد في عيسى عليه السلام يقولون هو عبد الله ورسول وروح منه، والأكثر منهم غلا فيه فقال بعضهم هو إله وعلى هذا مشى الروم ومن دخل بأخرة في ملة عيسى عليه السلام، وقال بعضهم وهم الأكثر من بني إسرائيل: هو آدمي لغير رشدة، فكفر الطرفان، وقال مجاهد: المقتصدة مسلمة أهل الكتاب قديمًا وحديثًا.
قال القاضي أبو محمد: وعلى هذا يتخرج قول الطبري: ولا يقول في عيسى إنه عبد رسول إلا مسلم، وقال ابن زيد: هم أهل طاعة الله من أهل الكتاب، وهذا هو المترجح، وقد ذكر الزجّاج أنه يعني بالمقتصدة الطوائف التي لم تناصب الأنبياء مناصبة المتهتكين المجاهرين.
قال القاضي أبو محمد: وإنما يتوجه أن توصف بالاقتصاد بالإضافة إلى المتمردة كما يقال في أبي البحتري بن هشام إنه مقتصد بالإضافة إلى أبي جهل بن هشام لعنه الله، ثم وصف تعالى الكثير منهم بسوء العمل عمومًا، وذهب الطبري إلى أن ذلك في تكذيبهم الأنبياء، وكفر اليهود بعيسى والجميع من أهل الكتابين بمحمد صلى الله عليه وسلم {ساء} في هذه الآية هي المتصرفة كما تقول ساء الأمر يسوء، وقد تستعمل {ساء} استعمال نعم وبئس، كقوله عز وجل: {ساء مثلًا} [الأعراف: 177] فتلك غير هذه، يحتاج في هذه التي في قوله: {ساء مثلًا} من الإضمار والتقدير إلى ما يحتاج في نعم وبئس، وفي هذا نظر. اهـ.

.قال أبو حيان:

{منهم أمّة مقتصدة} الضمير في منهم يعود على أهل الكتاب.
والأمة هنا يراد بها الجماعة القليلة للمقابلة لها بقوله: وكثير منهم.
والاقتصاد من القصد وهو الاعتدال، وهو افتعل بمعنى اعتمل واكتسب أي: كانت أولًا جائزة ثم اقتصدت.
قيل: هم مؤمنو الفريقين عبد الله بن سلام وأصحابه، وثمانية وأربعون من النصارى.
واقتصادهم هو الإيمان بالله تعالى.
وقال مجاهد: المقتصدة مسلمة أهل الكتاب قديمًا وحديثًا، ونحوه قول ابن زيد: هم أهل طاعة الله من أهل الكتاب.
وذكر الزجاج وغيره: أنها الطوائف التي لم تناصب الأنبياء مناصبة المتمرّدين المجاهدين.
وقال الزمخشري: مقتصدة حالها أمم في عداوة الرسول صلى الله عليه وسلم.
وقال الطبري: من بني إسرائيل من يقتصد في عيسى فيقول: هو عبد الله ورسوله وروح منه، والأكثر منهم غلا فيه فقال بعضهم: هو الإله، وعلى هذا مشى الرّوم ومن دخل بآخره في ملة عيسى.
وقال بعضهم وهو الأكثر من بني إسرائيل: هو آدمي كغيره لغير رشده، فتلخص في الاقتصاد أهو في حق عيسى؟ أو في المناصبة؟ أو في الإيمان؟ فإن كان في المناصبة فهل هو بالنسبة إلى الرسول وحده أم بالنسبة إلى الأنبياء؟ قولان.
وإن كان في الإيمان فهل هو في إيمان من آمن بالرسول من الفريقين أو من آمن قديمًا وحديثًا؟ قولان.
{وكثير منهم ساء ما يعملون} هذا تنويع في التفصيل.
فالجملة الأولى جاءت منهم أمة مقتصدة، جاء الخبر الجار والمجرور، والخبر الجملة من قوله: ساء ما يعملون، وبين التركيبين تفاوت غريب من حيث المعنى.
وذلك أن الاقتصاد جعل وصفًا، والوصف ألزم للموصوف من الخبر، فأتى بالوصف اللازم في الطائفة الممدوحة، وأخبر عنها بقوله: منهم، والخبر ليس من شأنه اللزوم ولاسيما هنا، فأخبر عنهم بأنهم من أهل الكتاب في الأصل، ثم قد تزول هذه النسبة بالإسلام فيكون التعبير عنهم والإخبار بأنهم منهم، باعتبار الحالة الماضية.
وأما في الجملة الثانية فإنهم منهم حقيقة لأنهم كفار، فجاء الوصف بالإلزام، ولم يجعل خبرًا، وجعل خبر الجملة التي هي ساء ما يعملون، لأن الخبر ليس من شأنه اللزوم، فهم بصدد أن يسلم ناس منهم فيزول عنهم الإخبار بمضمون هذه الجملة، واختار الزمخشري في ساء أن تكون التي لا تنصرف، فإن فيه التعجب كأنه قيل: ما أسوأ عملهم! ولم يذكر غير هذا الوجه.
واختار ابن عطية أن تكون المتصرفة تقول: ساء الأمر يسوء، وأجاز أن تكون غير المتصرفة فتستعمل استعمال نعم وبئس كقوله: ساء مثلًا.
فالمتصرفة تحتاج إلى تقدير مفعول أي ساء ما كانوا يعملون بالمؤمنين، وغير المتصرفة تحتاج إلى تمييز أي: ساء عملًا ما كانوا يعملون. اهـ.

.قال ابن كثير:

وقوله: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} كقوله تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159]، وكقوله عن أتباع عيسى: {فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ} [الحديد: 27]. فجعل أعلى مقاماتهم الاقتصاد، وهو أوسط مقامات هذه الأمة، وفوق ذلك رتبة السابقين كما في قوله تعالى: {ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا فَمِنْهُمْ ظَالِمٌ لِنَفْسِهِ وَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَمِنْهُمْ سَابِقٌ بِالْخَيْرَاتِ بِإِذْنِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الْفَضْلُ الْكَبِيرُ جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا} الآية [فاطر: 32، 33]. والصحيح أن الأقسام الثلاثة من هذه الأمة يدخلون الجنة.
وقد قال أبو بكر بن مَرْدُويه: حدثنا عبد الله بن جعفر، حدثنا أحمد بن يونس الضَّبِّي، حدثنا عاصم بن علي، حدثنا أبو مَعْشَر، عن يعقوب بن يزيد بن طلحة، عن زيد بن أسلم، عن أنس بن مالك قال: كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «تفرقت أمة موسى على إحدى وسبعين ملة، سبعون منها في النار وواحدة في الجنة، وتفرقت أمة عيسى على ثنتين وسبعين ملة، واحدة منها في الجنة وإحدى وسبعون منها في النار، وتعلو أمتي على الفرقتين جميعًا. واحدة في الجنة، وثنتان وسبعون في النار». قالوا: من هم يا رسول الله؟ قال: «الجماعات الجماعات».
قال يعقوب بن يزيد كان علي بن أبي طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، تلا فيه قرآنا: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتَابِ آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَكَفَّرْنَا عَنْهُمْ سَيِّئَاتِهِمْ وَلأدْخَلْنَاهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ} إلى قوله تعالى: {مِنْهُمْ أُمَّةٌ مُقْتَصِدَةٌ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ سَاءَ مَا يَعْمَلُونَ} وتلا أيضًا: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 181] يعني: أمة محمد صلى الله عليه وسلم.
وهذا حديث غريب جدًا من هذا الوجه وبهذا السياق. وحديثُ افتراق الأمم إلى بضع وسبعين مَرْوي من طرق عديدة، وقد ذكرناه في موضع آخر. ولله الحمد والمنة. اهـ.

.قال الألوسي:

{مّنْهُمْ أُمَّةٌ مُّقْتَصِدَةٌ} أي طائفة عادلة غير غالية ولا مقصرة كما روي عن الربيع وهم الذين أسلموا منهم وتابعوا النبي صلى الله عليه وسلم كما قال مجاهد والسدي وابن زيد واختاره الجبائي، وأولئك كعبد الله بن سلام وأضرابه من اليهود وثمانية وأربعون من النصارى، وقيل: المراد بهم النجاشي وأصحابه رضي الله تعالى عنهم، والجملة مستأنفة مبنية على سؤال نشأ من مضمون الشرطيتين المصدرتين بحرف الامتناع الدالتين على انتفاء الإيمان والإتقاء والإقامة المذكورات كأنه قيل: هل كلهم مصرُّون على عدم الإيمان وأخويه؟ فقيل: {مِنْهُمْ} الخ، وتفسير الاقتصاد بالتوسط في العداوة بعيد، {وَكَثِيرٌ مّنْهُمْ} وهم الأجلاف المتعصبون ككعب بن الأشرف وأشباهه والروم.
{سَاء مَا يَعْمَلُونَ} من العناد والمكابرة وتحريف الحق والإعراض عنه.
وقيل: من الإفراط في العداوة {وَكَثِيرٌ} مبتدأ، و{مِنْهُمْ} صفته، و{سَاء} كبئس للذم.
وعن بعض النحاة أن فيها معنى التعجب كقضو زيد أي ما أقضاه، فالمعنى هنا ما أسوأ عملهم، وبعضهم يقول: هي لمجرد الذم والتعجب مأخوذ من المقام، وتمييزها محذوف، و{مَا} موصولة فاعل لها أي ساء عملًا الذي يعملونه، ويجوز أن تكون {مَا} نكرة في موضع التمييز، والجملة الإنشائية خبر للمبتدأ، والكلام في ذلك شهير. اهـ.