فصل: من فوائد الألوسي في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وعطف {الذين أشركوا} على {اليهود} جعلهم تبعًا لهم في ذلك إذ كان اليهود أشدّ في العداوة، إذ تباينوا هم والمسلمون في الشريعة لا في الجنس، إذ بينهم وشائج متصلة من القرابات والأنساب القريبة فتعطفهم على كل حال الرحم على المسلمين، ولأنهم ليسوا على شريعة من عند الله، فهم أسرع للإيمان من كلّ أحد من اليهود والنصارى، وعطفوا هنا كما عطفوا في قوله: {ولتجدنهم أحرص الناس على حياة ومن الذين أشركوا} واللام في {لتجدن} هي الملتقى بها القسم المحذوف.
وقال ابن عطية: هي لام الابتداء، وليس بمرضيّ، و{الناس} هنا الكفار، أي ولتجدن أشدّ الكفار عداوة.
{ولتجدنّ أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} أي هم ألين عريكةً وأقرب ودًّا.
ولم يصفهم بالودّ إنما جعلهم أقرب من اليهود والمشركين، وهي أمّة لهم الوفاء والخلال الأربع التي ذكرها عمرو بن العاص في صحيح مسلم، ويعظمون من أهل الإسلام من استشعروا منه دينًا وإيمانًا، ويبغضون أهل الفسق، فإذا سالموا فسلمهم صافٍ، وإذا حاربوا فحربهم مدافعة، لأن شرعهم لا يأمرهم بذلك، وحين غلب الروم فارس سُرّ رسول الله صلى الله عليه وسلم لغلبة أهل الكتاب لأهل عبادة النار، ولإهلاك العدوّ الأكبر بالعدوّ الأصغر إذ كان مخوفًا على أهل الإسلام، واليهود ليسوا على شيء من أخلاق النصارى، بل شأنهم الخبث والليّ بالألسنة، وفي خلال إحسانك إلى اليهودي يترقب ما يغتالك به ألا ترى إلى ما حكى تعالى عنهم {ذلك بأنهم قالوا ليس علينا في الأمّيين سبيل} وفي قوله تعالى: {الذين قالوا إنا نصارى} إشارة إلى أنهم ليسوا متمسكين بحقيقة النصرانية، بل ذلك قول منهم وزعم، وتعلق {للذين آمنوا} الأول بعداوة والثاني بمودة.
وقيل هما في موضع النعت ووصف العداوة بالأشد والمودّة بالأقرب دليل على تفاوت الجنسين بالنسبة إلى المؤمنين، فتلك العداوة أشد العداوات وأظهرها، وتلك المودة أقرب وأسهل، وظاهر الآية يدلّ على أنّ النصارى أصلح حالًا من اليهود وأقرب إلى المؤمنين مودة، وعلى هذا الظاهر فسر الآية على من وقفنا على كلامه.
قال بعضهم: وليس على ظاهره وإنما المراد أنهم أكثر أسباب مودة من اليهود، وذلك ذم لهم، فإن من كثرت أسباب مودته كان تركه للمودة أفحش، ولهذا قال أبو بكر الرازي: من الجهال من يظن أن في هذه الآية مدحًا للنصارى وإخبارًا بأنهم خير من اليهود، وليس كذلك لأن ما في الآية من ذلك إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول صلى الله عليه وسلم يدل عليه ما ذكره في نسق التلاوة من إخبارهم عن أنفسهم بالإيمان بالله وبالرسول، ومعلوم عند كل ذي فطنة صحيحة أنعم في مقالتي الطائفتين أن مقالة النصارى أقبح وأشد استحالة وأظهر فسادًا من مقالة اليهود، لأن اليهود تقرّ بالتوحيد في الجملة وإن كان فيها مشبهة ببعض ما اعتقدته في الجملة من التوحيد بالتشبيه؛ انتهى كلام أبي بكر الرازي والظاهر ما قاله المفسرون وغيره من أن النصارى على الجملة أصلح حالًا من اليهود، وقد ذكر المفسرون فيما تقدم ما فضل به النصارى على اليهود من كرم الأخلاق، والدخول في الإسلام سريعًا، وليس الكلام واردًا بسبب العقائد، وإنما ورد بسبب الانفعال للمسلمين، وأما قوله لأن ما في الآية من ذلك إنما هو صفة قوم قد آمنوا بالله وبالرسول ليس كما ذكر، بل صدر الآية يقتضي العموم لأنه قال: {ولتجدن أقربهم مودّة للذين آمنوا الذين قالوا إنا نصارى} ثم أخبر أن من هذه الطائفة علماء وزهاد ومتواضعين وسريعي استجابة للإسلام وكثيري بكاء عند سماع القرآن، واليهود بخلاف ذلك والوجود يصدق قرب النصارى من المسلمين وبعد اليهود.
{ذلك بأن منهم قسيسين ورهبانًا وأنهم لا يستكبرون} الإشارة بذلك إلى أقرب المودة عليه، أي منهم علماء وعباد وأنهم قوم فيهم تواضع واستكانة، وليسوا مستكبرين واليهود على خلاف ذلك لم يكن فيهم قط أهل ديارات ولا صوامع وانقطاع عن الدنيا، بل هم معظمون متطاولون لتحصيلها حتى كأنهم لا يؤمنون بآخرة ولذلك لا يرى فيهم زاهد، والرهبان جمع راهب كفارس وفرسان والرهب والرهبة الخشية.
وقيل الرهبان مفرد كسلطان وأنشدوا:
لو عاينت رهبان دير في القلل ** تحدر الرهبان تمشي وتزل

ويروي ونزل، والقسيس تقدم شرحه في المفردات.
وقال ابن زيد: هو رأس الرهبان.
وقيل: العالم.
وقيل: رافع الصوت بالقراءة.
وقيل: الصديق، وفي هذا التعليل دليل على جلاله العلم، وأنه سبيل إلى الهداية، وعلى حسن عاقبة الانقطاع، وأنه طريق إلى النظر في العاقبة على التواضع، وأنه سبب لتعظيم الموحد إذ يشهد من نفسه ومن كل محدث أنه مفتقر للموجد فيعظم عند مخترع الأشياء البارىء. اهـ.

.من فوائد الألوسي في الآية:

قال رحمه الله:
{لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ الناس عَدَاوَةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ اليهود والذين أَشْرَكُواْ} جملة مستأنفة مسوقة لتقرير ما قبلها من قبائح اليهود، وأكدت بالقسم اعتناء ببيان تحقق مضمونها، والخطاب إما لسيد المخاطبين صلى الله عليه وسلم وإما لكل أحد يصلح له إيذانًا بأن حالهم مما لا تخفى على أحد من الناس.
والوجدان متعد لاثنين أولهما: {أَشَدَّ} وثانيهما: {اليهود} وما عطف عليه كما قال أبو البقاء، واختار السمين العكس لأنهما في الأصل مبتدأ وخبر ومحط الفائدة هو الخبر ولا ضير في التقديم والتأخير إذا دل على الترتيب دليل وهو هنا واضح إذ المقصود بيان كون الطائفتين أشد الناس عداوة للمؤمنين لا كون أشدهم عداوة لهم الطائفتين المذكورتين فليفهم.
و{عَدَاوَةٌ} تمييز، واللام الداخلة على الموصول متعلقة بها مقوية لعملها ولا يضر كونها مؤنثة بالتاء لأنها مبنية عليه كرهبة عقابك، وجوز أبو البقاء والسمين تعلقها بمحذوف وقع صفة لها أي عداوة كائنة للذين آمنوا، والظاهر أن المراد من اليهود العموم لمن كان بحضرة الرسول صلى الله عليه وسلم من يهود المدينة وغيرهم، ويؤيده ما أخرجه أبو الشيخ وابن مردويه عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما خلا يهودي بمسلم إلا هم بقتله» وفي لفظ «إلا حدث نفسه بقتله» وقيل: المراد بهم يهود المدينة وفيه بعد.
وكما اختلف في عموم اليهود اختلف في عموم {الذين أَشْرَكُواْ}، والمراد من الناس كما قال أبو حيان الكفار أي لتجدن أشد الكفار عداوة هؤلاء؛ ووصفهم سبحانه بذلك لشدة شكيمتهم وتضاعف كفرهم وانهماكهم في اتباع الهوى وقربهم إلى التقليد وبعدهم عن التحقيق وتمرنهم على التمرد والاستعصاء على الأنبياء عليهم السلام والاجتراء على تكذيبهم ومناصبتهم.
وقد قيل: إن من مذهب اليهود أنه يجب عليهم إيصال الشر إلى من يخالفهم في الدين بأي طريق كان، وفي تقديم اليهود على المشركين إشعار بتقدمهم عليهم في العداوة كما أن في تقديمهم عليهم في قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ الناس على حياة وَمِنَ الذين أَشْرَكُواْ} [البقرة: 69] إيذانًا بتقدمهم عليهم في الحرص.
وقيل: التقديم لكون الكلام في تعديد قبائحهم، ولعل التعبير بالذين أشركوا دون المشركين مع أنه أخصر للمبالغة في الذم وقيل: ليكون على نمط «الذين آمنوا» والتعبير به دون المؤمنين لأنه أظهر في علية ما في حيز الصلة.
وأعيد الموصول مع صلته في قوله تعالى: {وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَّوَدَّةً لّلَّذِينَ ءامَنُواْ} رومًا لزيادة التوضيح والبيان، والتعبير بقوله سبحانه وتعالى: {الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى} دون النصارى إشعارًا بقرب مودتهم حيث يدعون أنهم أنصار الله تعالى وأوداء أهل الحق وإن لم يظهروا اعتقاد حقية الإسلام.
وقال ابن المنير: لم يقل سبحانه النصارى كما قال جل شأنه اليهود تعريضًا بصلابة الأولين في الكفر والامتناع عن الانقياد لأن اليهود لما قيل لهم: {ادْخُلُوا الأرْضَ المُقَدَّسَةَ} [المائدة: 21] {قَالُواْ فاذهب أَنتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلا} [المائدة: 24] والنصارى لما قيل: لهم من {أَنصَارِى إِلَى الله}؟ قالوا: {نَحْنُ أَنْصَارُ الله} [آل عمران: 52] وكذلك أيضًا ورد في أول السورة في قوله عز وجل: {وَمِنَ الذين قَالُواْ إِنَّا نصارى أَخَذْنَا ميثاقهم فَنَسُواْ حَظًّا مّمَّا ذُكِرُواْ بِهِ} [المائدة: 14] لكن ذكر هاهنا تنبيهًا على انقيادهم وأنهم لم يكافحوا الأمر بالرد مكافحة اليهود.
وذكر هناك تنبيهًا على أنهم لم يثبتوا على الميثاق والله تعالى أعلم بأسرار كلامه والعدول كما قال شيخ الإسلام عن جعل ما فيه التفاوت بين الفريقين شيئًا واحدًا قد تفاوقا فيه بالشدة والضعف أو بالقرب والبعد بأن يقال آخرًا: ولتجدن أضعفهم مودة إلخ، أو بأن يقال أولًا: لتجدن أبعد الناس مودة للإيذان بكمال تباين ما بين الفريقين من التفاوت ببيان أن أحدهما: في أقصى مراتب أحد النقيضين والآخر: في أقرب مراتب النقيض الآخر.
والكلام في مفعولي {لَتَجِدَنَّ} وتعلق اللام كالذي سبق، والمراد من النصارى على ما روى عن ابن عباس رضي الله تعالى عنه وابن جبير وعطاء والسدي: النجاشي وأصحابه وعن مجاهد أنهم الذين جاءوا مع جعفر رضي الله تعالى عنه مسلمين وهم سبعون رجلًا اثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام وهم بحيرى الراهب وأبرهة وإدريس وأشرف وتمام وقثم ودريد وأيمن، والظاهر العموم على طرز ما تقدم.
{ذلك} أي كونهم أقرب مودة للذين آمنوا {بِأَنَّ مِنْهُمْ} أي بسبب أن منهم {قِسّيسِينَ} وهم علماء النصارى وعبادهم ورؤساؤهم.
والقسيس صيغة مبالغة من تقسس الشيء إذا تتبعه وطلبه بالليل سموا به لمبالغتهم في تتبع العلم قاله الراغب، وقيل: القس مثلث الفاء تتبع الشيء وطلبه ومنه سمي عالم النصارى قسًا بالفتح وقسيسًا لتتبعه العلم.
وقيل: قص الأثر وقسه بمعنى.
وقال قطرب: القس والقسيس العالم بلغة الروم وقد تكلمت به العرب وأجروه مجرى سائر كلماتهم وقالوا في المصدر قسوسة وقسيسة وفي الجمع قسوس وقسيسون وقساوسة كمهالبة، وكان الأصل قساسة إلا أنه كثرت السينات فأبدلوا إحداهن واوًا.
وفي «مجمع البيان» نقلًا عن بعضهم «أن النصارى ضيعت الإنجيل وأدخلوا فيه ما ليس منه وبقي من علمائهم واحد على الحق والإستقامة يقال له قسيسا فمن كان على هديه ودينه فهو قسيس» {وَرُهْبَانًا} جمع راهب كراكب وركبان وفارس وفرسان ومصدره الرهبة والرهبانية، وقيل: إنه يطلق على الواحد والجمع، وأنشد فيه قول من قال:
لو عاينت رهبان دير في قلل ** لأقبل الرهبان يعدو ونزل

وجمع الرهبان واحدًا كما في «القاموس» رهابين ورهابنة ورهبانون، والترهب التعبد في صومعة، وأصله من الرهبة المخافة، وأطلق الفيروزابادي والجوهري التعبد ولم يقيداه بالصومعة، وفي الحديث: «لا رهبانية في الإسلام» والمراد بها كما قال الراغب الغلو في تحمل التعبد في فرط الخوف.
وفي «النهاية» «هي من رهبنة النصارى وأصلها من الرهبة الخوف كانوا يترهبون بالتخلي من أشغال الدنيا وترك ملاذها والزهد فيها والعزلة عن أهلها وتعمد مشاقها حتى أن منهم من كان يخصي نفسه ويضع السلسلة في عنقه وغير ذلك من أنواع التعذيب فنفاها النبي صلى الله عليه وسلم عن الإسلام ونهى المسلمين عنها، وهي منسوبة إلى الرهبنة بزيادة الألف والرهبنة فعلنة أو فعللة على تقدير أصالة النون وزيادتها»، والتنكير في {رهبانًا} لإفادة الكثرة ولابد من اعتبارها في القسيسين أيضًا إذ هي التي تدل على مودة جنس النصارى للمؤمنين فإن اتصاف أفراد كثيرة لجنس بخصلة مظنة لاتصاف الجنس بها وإلا فمن اليهود أيضًا قوم مهتدون لكنهم لما لم يكونوا في الكثرة كالذين من النصارى لم يتعد حكمهم إلى جنس اليهود.
{وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لاَ يَسْتَكْبِرُونَ} عطف على {أن منهم} أي وبأنهم لا يستكبرون عن اتباع الحق والانقياد له إذا فهموه أو أنهم يتواضعون ولا يتكبرون كاليهود، وهذه الخصلة على ما قيل شاملة لجميع أفراد الجنس فسببيتها لأقربيتهم مودة للمؤمنين واضحة.
وفي الآية دليل على أن التواضع والإقبال على العلم والعمل والإعراض عن الشهوات محمودة أينما كانت. اهـ.