فصل: من فوائد الجصاص في الآيتين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فسبحانه يقول: {ورزقًا حسنًا}، ولم يصف السكر بأنه حسن. ومعنى هذا أن أخذ الرزق وتخميره واتخاذه سكرًا هو إتلاف للحسن. وجاء الحق بـ«السكر» أولًا ليخبرنا أنهم كانوا يأخذون منه الرزق أولًا النصيب الذي يجعلونه خمرًا. ومن بعد ذلك يطرح الحق الأمر كعظة من الواعظ للموعوظ، والعظة ليست إلزامًا، إنما هي إبداء رأي حكيم لغيره، وهذا أول التبيت للدخول إلى تحريمها، ثم يقول الحق: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الخمر والميسر قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا} [البقرة: 219].
وهكذا رجح الحق جانب الإثم على جانب المنفعة. ومن بعد ذلك يأتي للصلاة، ولم يكن هناك حكم جازم بعدم شرب الخمر قبل الصلاة إلى أن قام واحد للصلاة وهو سكران، ونعوذ بالله مما قال، قال: قل أيها الكافرون أعبد ما تعبدون. لقد اضطرته الخمر أن يخطيء في القمة العقدية، لذلك جاء الأمر: {لاَ تَقْرَبُواْ الصلاة وَأَنْتُمْ سكارى} [النساء: 43].
ونعلم أن المسلم يصلي خمسة فروض في اليوم، وحتى لا يقرب الإنسان الصلاة وهو سكران فهذا يقتضي أن يمر النهار كله تقريبا دون خمر إلى ما بعد العشاء.
وبذلك أطال الحق المسافة الزمنية التي يمتنع فيها عن تعاطي الخمر. وفي ذلك حبس للنفس عن المعتاد عليه حتى يألف الشخص المعتادُ تركَ ما اعتادَهُ. ومن بعد ذلك يطلبون من الرسول رأيًا شافيًا في الخمر فيأتي قوله الحق: {إِنَّمَا يُرِيدُ الشيطان أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العداوة والبغضاء فِي الخمر والميسر وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ الله وَعَنِ الصلاة فَهَلْ أَنْتُمْ مُّنتَهُونَ} [المائدة: 91].
لقد كان هذا هو التدرج الذي يخرجهم من الإلف والعادة في أعمالهم، فيأتي الأمر بالتحريم وكأنه صادر منهم. ويردف الحق سبحانه وتعالى ذلك الحكم الجزئي في الخمر والميسر فكأنه يقول: ما دامت المسألة كما علمتم مني بأن هذا رجس ومن عمل الشيطان فلا تعينوا الشيطان على نفوسكم وأخلصوا في عبادة الحق وحده. اهـ.

.من فوائد الجصاص في الآيتين:

قال رحمه الله:
قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: {إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (90) إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَعَنِ الصَّلَاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ (91)}.
اقْتَضَتْ هَذِهِ الْآيَةُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ مِنْ وَجْهَيْنِ: أَحَدُهُمَا: قَوْلُهُ: {رِجْسٌ} لِأَنَّ الرِّجْسَ اسْمٌ فِي الشَّرْعِ لِمَا يَلْزَمُ اجْتِنَابُهُ؛ وَيَقَعُ اسْمُ الرِّجْسِ عَلَى الشَّيْءِ الْمُسْتَقْذَرِ النَّجِسِ، وَهَذَا أَيْضًا يَلْزَمُ اجْتِنَابُهُ فَأَوْجَبَ وَصْفُهُ إيَّاهَا بِأَنَّهَا رِجْسٌ لُزُومَ اجْتِنَابِهَا.
وَالْوَجْهُ الْآخَرُ: قَوْله تَعَالَى: {فَاجْتَنِبُوهُ} وَذَلِكَ أَمْرٌ وَالْأَمْرُ يَقْتَضِي الْإِيجَابَ، فَانْتَظَمَتْ الْآيَةُ تَحْرِيمَ الْخَمْرِ مِنْ هَذَيْنِ الْوَجْهَيْنِ.
وَالْخَمْرُ هِيَ عَصِيرُ الْعِنَبِ النِّيّ الْمُشْتَدِّ، وَذَلِكَ مُتَّفَقٌ عَلَيْهِ أَنَّهُ خَمْرٌ.
وَقَدْ سُمِّيَ بَعْضُ الْأَشْرِبَةِ الْمُحَرَّمَةِ بِاسْمِ الْخَمْرِ تَشْبِيهًا بِهَا مِثْلُ الْفَضِيخِ وَهُوَ نَقِيعُ الْبُسْرِ وَنَقِيعُ التَّمْرِ وَإِنْ لَمْ يَتَنَاوَلْهُمَا اسْمُ الْإِطْلَاقِ.
وَقَدْ رُوِيَ فِي مَعْنَى الْخَمْرِ آثَارٌ مُخْتَلِفَةٌ، مِنْهَا مَا رَوَى مَالِكٌ بْنُ مِغْوَلٍ عَنْ نَافِعٍ عَنْ ابْنِ عُمَرَ قَالَ: «لَقَدْ حُرِّمَتْ الْخَمْرُ وَمَا بِالْمَدِينَةِ مِنْهَا شَيْءٌ» وَقَدْ عَلِمْنَا أَنَّهُ كَانَ بِالْمَدِينَةِ نَقِيعُ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ وَسَائِرُ مَا يُتَّخَذُ مِنْهُمَا مِنْ الْأَشْرِبَةِ، وَلَمْ يَكُنْ ابْنُ عُمَرَ مِمَّنْ يَخْفَى عَلَيْهِ الْأَسْمَاءُ اللُّغَوِيَّةُ، فَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّ أَشْرِبَةَ النَّخْلِ لَمْ تَكُنْ عِنْدَهُ تُسَمَّى خَمْرًا.
وَرَوَى عِكْرِمَةُ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: «نَزَلَ تَحْرِيمُ الْخَمْرِ وَهُوَ الْفَضِيخُ»، فَأَخْبَرَ ابْنُ عَبَّاسٍ أَنَّ الْفَضِيخَ خَمْرٌ، وَجَائِزٌ أَنْ يَكُونَ سَمَّاهُ خَمْرًا مِنْ حَيْثُ كَانَ شَرَابًا مُحَرَّمًا.
وَرَوَى حُمَيْدٌ الطَّوِيلُ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «كُنْت أَسْقِي أَبَا عُبَيْدَةَ وَأُبَيُّ بْنَ كَعْبٍ وَسُهَيْلَ ابْنَ بَيْضَاءَ فِي نَفَرٍ فِي بَيْتِ أَبِي طَلْحَةَ، فَمَرَّ بِنَا رِجْلٌ فَقَالَ: إنَّ الْخَمْرَ قَدْ حُرِّمَتْ، فَوَاَللَّهِ مَا قَالُوا حَتَّى نَتَبَيَّنَ حَتَّى قَالُوا: أَهْرِقْ مَا فِي إنَائِك يَا أَنَسُ ثُمَّ مَا عَادُوا فِيهَا حَتَّى لَقُوا اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ، وَإِنَّهُ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ وَهُوَ خَمْرُنَا يَوْمَئِذٍ».
فَأَخْبَرَ أَنَسٌ أَنَّ الْخَمْرَ يَوْمَ حُرِّمَتْ الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ، وَهَذَا جَائِزٌ أَنْ يَكُونَ لَمَّا كَانَ مُحَرَّمًا سَمَّاهُ خَمْرًا، وَأَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجْرُونَهُ مَجْرَى الْخَمْرِ وَيُقِيمُونَهُ مَقَامَهَا، لَا أَنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لَهُ عَلَى الْحَقِيقَةِ.
وَيَدُلُّ عَلَيْهِ أَنَّ قَتَادَةَ رَوَى عَنْ أَنَسٍ هَذَا الْحَدِيثَ، وَقَالَ: «إنَّمَا نَعُدُّهَا يَوْمَئِذٍ خَمْرًا» فَأَخْبَرَ أَنَّهُمْ كَانُوا يَعُدُّونَهَا خَمْرًا عَلَى مَعْنَى أَنَّهُمْ يُجْرُونَهَا مَجْرَى الْخَمْرِ.
وَرَوَى ثَابِتٌ عَنْ أَنَسٍ قَالَ: «حُرِّمَتْ عَلَيْنَا الْخَمْرُ يَوْمَ حُرِّمَتْ وَمَا نَجِدُ خُمُورَ الْأَعْنَابِ إلَّا الْقَلِيلَ وَعَامَّةُ خُمُورِنَا الْبُسْرُ وَالتَّمْرُ» وَمَعَ هَذَا أَيْضًا مَعْنَاهُ أَنَّهُمْ كَانُوا يُجْرُونَهُ مَجْرَى الْخَمْرِ فِي الشُّرْبِ وَطَلَبِ الْإِسْكَارِ وَطَيِّبَةِ النَّفَسِ، وَإِنَّمَا كَانَ شَرَابُ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ.
وَرَوَى الْمُخْتَارُ بْنُ فَلِفُلٍّ قَالَ: سَأَلْت أَنَسَ بْنَ مَالِكٍ عَنْ الْأَشْرِبَةِ فَقَالَ: «حُرِّمَتْ الْخَمْرُ وَهِيَ مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ، وَمَا خُمِّرَتْ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ خَمْرٌ» فَذَكَرَ فِي الْحَدِيثِ الْأَوَّلِ أَنَّهُ مِنْ الْبُسْرِ وَالتَّمْرِ، وَذَكَرَ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّهَا مِنْ سِتَّةِ أَشْيَاءَ؛ فَكَانَ عِنْدَهُ أَنَّ مَا أَسْكَرَ مِنْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ فَهُوَ خَمْرٌ، ثُمَّ قَالَ: «وَمَا خُمِّرَتْ مِنْ ذَلِكَ فَهُوَ خَمْرٌ» وَهَذَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا سَمَّى ذَلِكَ خَمْرًا فِي حَالِ الْإِسْكَارِ، وَأَنَّ مَا لَا يُسْكِرُ مِنْهُ فَلَيْسَ بِخَمْرٍ.
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ عُمَرَ أَنَّهُ قَالَ: «إنَّ الْخَمْرَ حُرِّمَتْ وَهِيَ مِنْ خَمْسَةِ أَشْيَاءَ: مِنْ الْعِنَبِ وَالتَّمْرِ وَالْعَسَلِ وَالْحِنْطَةِ وَالشَّعِيرِ، وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ» وَهَذَا أَيْضًا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ إنَّمَا سَمَّاهُ خَمْرًا فِي حَالِ مَا أَسْكَرَ إذَا أَكْثَرَ مِنْهُ، لِقَوْلِهِ: «وَالْخَمْرُ مَا خَامَرَ الْعَقْلَ».
وَقَدْ رُوِيَ عَنْ السِّرِّيِّ بْنِ إسْمَاعِيلِ عَنْ الشَّعْبِيِّ أَنَّهُ حَدَّثَهُ أَنَّهُ سَمِعَ النُّعْمَانُ بْنُ بَشِيرٍ يَقُولُ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إنَّ مِنْ الْحِنْطَةِ خَمْرًا، وَإِنَّ مِنْ الشَّعِيرِ خَمْرًا وَإِنَّ مِنْ الزَّبِيبِ خَمْرًا وَإِنَّ مِنْ التَّمْرِ خَمْرًا وَإِنَّ مِنْ الْعَسَلِ خَمْرًا» وَلَمْ يَقُلْ إنَّ جَمِيعَ مَا يَكُونُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ خَمْرٌ، وَإِنَّمَا أَخْبَرَ أَنَّ مِنْهَا خَمْرًا.
وَيَحْتَمِلُ أَنْ يُرِيدَ بِهِ مَا يُسْكِرُ مِنْهُ فَيَكُونُ مُحَرَّمًا فِي تِلْكَ الْحَالِ، لَمْ يُرِدْ بِذَلِكَ أَنَّ ذَلِكَ اسْمٌ لِهَذِهِ الْأَشْرِبَةِ الْمُتَّخَذَةِ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ؛ لِأَنَّهُ قَدْ رُوِيَ عَنْهُ بِأَسَانِيدَ أَصَحَّ مِنْ إسْنَادِ هَذَا الْحَدِيثِ مَا يَنْفِي أَنْ يَكُونَ الْخَمْرُ مِنْ هَذِهِ الْأَصْنَافِ، وَهُوَ مَا حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ بَكْرٍ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو دَاوُد قَالَ: حَدَّثَنَا مُوسَى بْنُ إسْمَاعِيلَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبَانُ قَالَ: حَدَّثَنِي يَحْيَى بْنُ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي كَثِيرٍ الْعَنْبَرِيِّ وَهُوَ يَزِيدُ بْنُ عَبْدِ الرَّحْمَنِ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلَةِ وَالْعِنَبِ».
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عُبَيْدُ بْنُ حَاتِمٍ قَالَ: حَدَّثَنَا ابْنُ عَمَّارٍ الْمُوصِلِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدَةُ بْنُ سُلَيْمَانَ عَنْ سَعِيدٍ بْنِ أَبِي عَرُوبَةَ عَنْ عِكْرِمَةَ بْن عَمَّارٍ عَنْ أَبِي كَثِيرٍ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ: النَّخْلِ وَالْعِنَبِ».
وَهَذَا الْخَبَرُ يَقْضِي عَلَى جَمِيعِ مَا تَقَدَّمَ ذِكْرُهُ فِي هَذَا الْكِتَابِ بِصِحَّةِ سَنَدِهِ، وَقَدْ تَضَمَّنَ نَفِيَ اسْمِ الْخَمْرِ عَنْ الْخَارِجِ مِنْ غَيْرِ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ؛ لِأَنَّ قَوْلَهُ: «الْخَمْرُ» اسْمٌ لِلْجِنْسِ، فَاسْتَوْعَبَ بِذَلِكَ جَمِيعَ مَا يُسَمَّى خَمْرًا، فَانْتَفَى بِذَلِكَ أَنْ يَكُونَ الْخَارِجُ مِنْ غَيْرِهِمَا مُسَمًّى بِاسْمِ الْخَمْرِ.
وَاقْتَضَى هَذَا الْخَبَرُ أَيْضًا أَنْ يَكُونَ الْمُسَمَّى بِهَذَا الِاسْمِ مِنْ الْخَارِجِ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ، وَهُوَ عَلَى أَوَّلِ الْخَارِجِ مِنْهُمَا مِمَّا يُسْكِرُ مِنْهُ، وَذَلِكَ هُوَ الْعَصِيرُ النِّيُّ الْمُشْتَدُّ وَنَقِيعُ التَّمْرِ وَالْبُسْرِ قَبْلَ أَنْ تُغَيِّرَهُ النَّارُ لِأَنَّ قَوْلَهُ: «مِنْهُمَا» يَقْتَضِي أَوَّلَ خَارِجٍ مِنْهُمَا مِمَّا يُسْكِرُ.
وَاَلَّذِي حَصَلَ عَلَيْهِ الِاتِّفَاقُ مِنْ الْخَمْرِ هُوَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ النِّيّ الْمُشْتَدِّ إذَا غَلَا وَقَذَفَ بِالزَّبَدِ، فَيَحْتَمِلُ عَلَى هَذَا إذَا كَانَ الْخَمْرُ مَا وَصَفْنَا أَنْ يَكُونَ مَعْنَى حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «الْخَمْرُ مِنْ هَاتَيْنِ الشَّجَرَتَيْنِ» أَنَّ مُرَادَهُ أَنَّهَا مِنْ إحْدَاهُمَا، كَمَا قَالَ تَعَالَى: {يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ} وَإِنَّمَا الرُّسُلُ مِنْ الْإِنْسِ، وَقَالَ تَعَالَى: {يَخْرُجُ مِنْهُمَا اللُّؤْلُؤُ وَالْمَرْجَانُ} وَإِنَّمَا يَخْرُجُ مِنْ أَحَدِهِمَا.
وَيَدُلُّ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ هُوَ مَا ذَكَرْنَا وَأَنَّ مَا عَدَاهَا لَيْسَ بِخَمْرٍ عَلَى الْحَقِيقَةِ اتِّفَاقُ الْمُسْلِمِينَ عَلَى تَكْفِيرِ مُسْتَحِلِّ الْخَمْرِ فِي غَيْرِ حَالِ الضَّرُورَةِ وَاتِّفَاقُهُمْ عَلَى أَنَّ مُسْتَحِلَّ مَا سِوَاهَا مِنْ هَذِهِ الْأَشْرِبَةِ غَيْرُ مُسْتَحِقٍّ لِسِمَةِ الْكُفْرِ، فَلَوْ كَانَتْ خَمْرًا لَكَانَ مُسْتَحِلُّهَا كَافِرًا خَارِجًا عَنْ الْمِلَّةِ كَمُسْتَحِلِّ النِّيّ الْمُشْتَدِّ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ، وَفِي ذَلِكَ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ اسْمَ الْخَمْرِ فِي الْحَقِيقَةِ إنَّمَا يَتَنَاوَلُ مَا وَصَفْنَا.
وَزَعَمَ بَعْضُ مَنْ لَيْسَ مَعَهُ مِنْ الْوَرَعِ إلَّا تَشَدُّدَهُ فِي تَحْرِيمِ النَّبِيذِ دُونَ التَّوَرُّعِ عَنْ أَمْوَالِ الْأَيْتَامِ وَأَكْلِ السُّحْتِ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ وَالْأَحَادِيثَ الصِّحَاحَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ وَمَا جَاءَ فِي الْحَدِيثِ مِنْ تَفْسِيرِ الْخَمْرِ مَا هِيَ وَاللُّغَةُ الْقَائِمَةُ الْمَشْهُورَةُ وَالنَّظَرُ وَمَا يَعْرِفُهُ ذَوُو الْأَلْبَابِ بِعُقُولِهِمْ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ كُلَّ شَيْءٍ أَسْكَرَ فَهُوَ خَمْرٌ فَأَمَّا كِتَابُ اللَّهِ فَقَوْلُهُ: {تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَرًا} فَعُلِمَ أَنَّ السُّكْرَ مِنْ الْعِنَبِ مِثْلُ السُّكْرِ مِنْ النَّخْلِ.
فَادَّعَى هَذَا الْقَائِلُ أَنَّ كِتَابَ اللَّهِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مَا أَسْكَرَ فَهُوَ خَمْرٌ، ثُمَّ تَلَا الْآيَةَ، وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ أَنَّ السُّكْرَ مَا هُوَ وَلَا أَنَّ السُّكْرَ خَمْرٌ؛ فَإِنْ كَانَ السُّكْرُ خَمْرًا عَلَى الْحَقِيقَةِ فَإِنَّمَا هُوَ الْخَمْرُ الْمُسْتَحِيلَةُ مِنْ عَصِيرِ الْعِنَبِ؛ لِأَنَّهُ قَالَ: {وَمِنْ ثَمَرَاتِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ}، وَمَعَ ذَلِكَ فَإِنَّ الْآيَةَ مُقْتَضِيَةٌ لِإِبَاحَةِ السُّكْرِ الْمَذْكُورِ فِيهَا لِأَنَّهُ تَعَالَى اعْتَدَّ عَلَيْنَا فِيهَا بِمَنَافِعِ النَّخِيلِ وَالْأَعْنَابِ كَمَا اعْتَدَّ بِمَنَافِعِ الْأَنْعَامِ وَمَا خَلَقَ فِيهَا مِنْ اللَّبَنِ، فَلَا دَلَالَةَ فِي الْآيَةِ إذًا عَلَى تَحْرِيمِ السُّكْرِ وَلَا عَلَى أَنَّ السُّكْرَ خَمْرٌ، وَلَوْ دَلَّتْ عَلَى أَنَّ السُّكْرَ خَمْرٌ لَمَا دَلَّتْ عَلَى أَنَّ الْخَمْرَ تَكُونُ مِنْ كُلِّ مَا يُسْكِرُ؛ إذْ فِيهَا ذِكْرُ الْأَعْنَابِ الَّتِي مِنْهَا تَكُونُ الْخَمْرُ الْمُسْتَحِيلَةُ مِنْ عَصِيرِهَا، فَكَانَتْ دَعْوَاهُ عَلَى الْكِتَابِ غَيْرَ صَحِيحَةٍ.
وَذَكَرَ مِنْ الْأَحَادِيثِ فِي ذَلِكَ مَا قَدَّمْنَا ذِكْرَهُ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَعَنْ السَّلَفِ، وَقَدْ بَيَّنَّا وَجْهَهُ، وَذَكَرْنَا مَا رُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ خَمْرٌ» و«كُلُّ شَرَابٍ أَسْكَرَ فَهُوَ حَرَامٌ» و«مَا أَسْكَرَ كَثِيرُهُ فَقَلِيلُهُ حَرَامٌ» وَنَحْوَهَا مِنْ الْأَخْبَارِ.
وَالْمَعْنَى فِي هَذِهِ الْأَخْبَارِ حَالَ وُجُودِ الْإِسْكَارِ دُونَ غَيْرِهَا الْمُوَافِقِ لِمَا ذَكَرْنَا مِنْ الْأَخْبَارِ النَّافِيَةِ لِكَوْنِهَا خَمْرًا وَمَا ذَكَرْنَا مِنْ دَلَالَةِ الْإِجْمَاعِ.
وَقَدْ تَوَاتَرَتْ الْآثَارُ عَنْ جَمَاعَةٍ مِنْ السَّلَفِ شُرْبُ النَّبِيذِ الشَّدِيدِ، مِنْهُمْ عُمَرُ وَعَبْدُ اللَّهِ وَأَبُو الدَّرْدَاءَ وَبُرَيْدَةُ، فِي آخَرَيْنِ قَدْ ذَكَرْنَاهُمْ فِي كِتَابِنَا فِي الْأَشْرِبَةِ؛ وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَنَّهُ شُرِبَ مِنْ النَّبِيذِ الشَّدِيدِ، فِي أَخْبَارٍ أُخَرَ، فَيَنْبَغِي عَلَى قَوْلِ هَذَا الْقَائِلِ أَنْ يَكُونُوا قَدْ شَرِبُوا خَمْرًا.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا مَطِينٌ قَالَ: حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ يُونُسَ قَالَ: حَدَّثَنَا أَبُو بَكْرٍ بْنُ عَيَّاشٍ عَنْ الْكَلْبِيِّ عَنْ أَبِي صَالِحٍ عَنْ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «كُلُّ مُسْكِرٍ حَرَامٌ» فَقُلْنَا: يَا ابْنَ عَبَّاسٍ إنَّ هَذَا النَّبِيذَ الَّذِي نَشْرَبُ يُسْكِرُنَا قَالَ: لَيْسَ هَكَذَا، إنْ شَرِبَ أَحَدُكُمْ تِسْعَةَ أَقْدَاحٍ لَمْ يُسْكِرْ فَهُوَ حَلَالٌ، فَإِنْ شَرِبَ الْعَاشِرَ فَأَسْكَرَهُ فَهُوَ حَرَامٌ.
حَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي بْنُ قَانِعٍ قَالَ: حَدَّثَنَا بِشْرُ بْنُ مُوسَى قَالَ: حَدَّثَنَا هَوْذَةُ قَالَ: حَدَّثَنَا عَوْفُ بْنُ سِنَانٍ عَنْ أَبِي الْحَكَمِ عَنْ بَعْضِ الْأَشْعَرِيِّينَ عَنْ الْأَشْعَرِيِّ قَالَ: «بَعَثَنِي رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَمُعَاذًا إلَى الْيَمَنِ، فَقُلْت: يَا رَسُولَ اللَّهِ إنَّك تَبْعَثُنَا إلَى أَرْضٍ بِهَا أَشْرِبَةٌ مِنْهَا الْبِتْعُ مِنْ الْعَسَلِ وَالْمَزْرُ مِنْ الشَّعِيرِ وَالذُّرَةِ يَشْتَدُّ حَتَّى يُسْكِرَ؛ قَالَ: وَأُعْطِيَ رَسُولُ اللَّهِ جَوَامِعَ الْكَلِمِ فَقَالَ: إنَّمَا حُرِّمَ الْمُسْكِرُ الَّذِي يُسْكِرُ عَنْ الصَّلَاةِ».
فَأَخْبَرَ عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي هَذَا الْحَدِيثِ أَنَّ الْمُحَرَّمَ مِنْهُ مَا يُوجِبُ السُّكْرَ دُونَ غَيْرِهِ.
وَحَدَّثَنَا عَبْدُ الْبَاقِي قَالَ: حَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ زَكَرِيَّا الْعَلَائِيِّ قَالَ: حَدَّثَنَا الْعَبَّاسُ بْنُ بِكَارٍ قَالَ: حَدَّثَنَا عَبْدُ الرَّحْمَنِ بْنُ بَشِيرٍ الْغَطَفَانِيُّ عَنْ أَبِي إِسْحَاقَ عَنْ الْحَارِثِ عَنْ عَلِيٍّ قَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ الْأَشْرِبَةِ عَامَ حَجَّةِ الْوَدَاعِ، فَقَالَ «حُرِّمَ الْخَمْرُ بِعَيْنِهَا وَالسُّكْرُ مِنْ كُلِّ شَرَابٍ».
وَفِي هَذَا الْحَدِيثِ أَيْضًا بَيَانُ مَا حُرِّمَ مِنْ الْأَشْرِبَةِ سِوَى الْخَمْرِ وَهُوَ مَا يُوجِبُ السُّكْرَ.