فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

{قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر}.
لما تقدم ذكره دلائل على ألوهيته تعالى من العلم التام والقدرة الكاملة ذكر نوعًا من أثرهما وهو الإنجاء من الشدائد وهو استفهام يراد به التقرير والإنكار والتوبيخ والتوقيف على سوء معتقدهم عند عبادة الأصنام وترك الذي ينجي من الشدائد ويلجأ إليه في كشفها.
قيل: وأريد حقيقة الظلمة وجمعت باعتبار موادها ففي البر والبحر ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الصواعق، وفي البر أيضًا ظلمة الغبار وظلمة الغيم وظلمة الريح، وفي البحر أيضًا ظلمة الأمواج ويكون ذلك على حذف مضاف التقدير مهالك ظلمة البر والبحر ومخاوفها وأكثر المفسرين على أن الظلمات مجاز عن شدائد البر والبحر ومخاوفهما وأهوالهما، والعرب تقول: يوم أسود ويوم مظلم ويوم ذو كواكب كأنه لإظلامه وغيبوبة شمسه بدت فيه الكواكب ويعنون به أن ذلك اليوم شديد عليهم.
قال قتادة والزجاج: من كرب البر والبحر.
وحكى الطبري: ضلال الطريق في الظلمات.
وقال الزمخشري: ويجوز أن يراد ما يشفون عليه من الخسف في البر والغرق في البحر بذنوبهم فإذا دعوا وتضرعوا كشف الله عنهم الخسف والغرق فنجوا من ظلماتها؛ انتهى.
{تدعونه تضرعًا وخفية} أي تنادونه مظهري الحاجة إليه ومخفيها والتضرع وصف باد على الإنسان والخفية الإخفاء.
وقال الحسن: تضرعًا وعلانية خفية أي نية وانتصبا على المصدر، و{تدعونه} حال ويقال: خفية بضم الخاء وهي قراءة الجمهور وبكسرها وهي قراءة أبي بكر.
وقرأ الأعمش {وخفية} من الخوف.
وقرأ الكوفيون {من ينجيكم قل الله ينجيكم} بالتشديد فيهما، وحميد بن قيس ويعقوب وعلي بن نصر عن أبي عمرو بالتخفيف فيهما والحرميان والعربيان بالتشديد في {من ينجيكم} والتخفيف في {قل الله ينجيكم} جمعوا بين التعدية بالهمزة والتضعيف، كقوله: {فمهل الكافرين أمهلهم} {لئن أنجانا من هذه لنكونن من الشاكرين} هذه إشارة إلى الظلمات والمعنى قائلين لئن أنجانا لما دعوه، أقسموا أنهم يشكرونه على كشف هذه الشدائد ودل ذلك على أنهم لم يكونوا قبل الوقوع في هذه الشدائد شاكرين لأنعمه.
وقرأ الكوفيون {لئن أنجانا} على الغائب وأماله الاخوان.
وقرأ باقي السبعة على الخطاب. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر}.
هذا تماد في توبيخ العادلين بالله الأوثان، وتوقيفهم على سوء الفعل في عبادتهم الأصنام وتركهم الذي ينجي من المهلكات ويلجأ إليه في الشدائد، و{من} استفهام رفع بالابتداء، وقرأ عاصم وحمزة والكسائي {من ينَجّيكم قل الله يَنجّيكم} بتشديد الجيم وفتح النون، وقرأ أبو عمرو في رواية علي بن نصر عنه وحميد بن قيس ويعقوب {ينْجِيكم} فيها بتخفيف الجيم وسكون النون، وقرأ ابن كثير ونافع وأبو عمرو وابن عامر بالتشديد في الأولى والتخفيف في الثانية فجمعوا بين التعدية بالألف والتعدية بالتضعيف كما جاء ذلك في قوله تعالى: {فمهِّل الكافرين أمْهِلهم رويدًا} [الطارق: 17] و{ظلمات البر والبحر} يراد به شدائدهما، فهو لفظ عام يستغرق ما كان من الشدائد بظلمة حقيقية وما كان بغير ظلمة، والعرب تقول عام أسود ويوم مظلوم ويوم ذو كواكب ونحو هذا يريدون به الشدة، قال قتادة: المعنى من كرب البر والبحر، وقاله الزجّاج و{تدعونه} في موضع الحال و{تضرعًا} نصب على المصدر والعامل فيه {تدعونه}، والتضرع صفة بادية على الإنسان، {وخفية} معناه الاختفاء والسر، فكأن نسق القول: تدعونه جهرًا وسرًا هذه العبارة بمعان زائدة، وقرأ الجميع غير عاصم: {وخُفية} بضم الخاء، وقرأ عاصم في رواية أبي بكر {وخِفية} بكسر الخاء، وقرأ الأعمش: {وخيفة} من الخوف وقرأ الحجازيون وأهل الشام: {أنجيتنا}، وقرأ الكوفيون {أنجانا} على ذكر الغائب، وأمال حمزة والكسائي الجيم، و{من الشاكرين} أي على الحقيقة، والشكر على الحقيقة يتضمن الإيمان، وحكى الطبري في قوله: {ظلمات} أنه ضلال الطرق في الظلمات ونحوه المهدوي أنه ظلام الليل والغيم والبحر.
قال القاضي أبومحمد: وهذا التخصيص كله لا وجه له وإنما هو لفظ عام لأنواع الشدائد في المعنى، وخص لفظ {الظلمات} بالذكر لما تقرر في النفوس من هول الظلمة. اهـ.

.قال الخازن:

قوله تعالى: {قل من ينجيكم من ظلمات البر والبحر} يعني يا محمد، قل لهؤلاء الكفار الذين يعبدون الأصنام من دون الله من ذا الذي ينجيكم من ظلمات البر إذا ضللتم فيه وتحيرتم وأظلمت عليكم الطرق ومن ذا الذي ينجيكم من ظلمات البحر إذا ركبتم فيه فأخطأتم الطريق وأظلمت عليكم السبل فلم تهتدوا وقيل: ظلمات البر والبحر مجاز عما فيهما من الشدائد والأهوال وقيل الحل على الحقيقة أولى.
فظلمات البر هي ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح فيحصل من ذلك الخوف الشديد لعدم الاهتداء إلى الطريق الصواب وظلمات البحر ما اجتمع فيه من ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة الرياح العاصفة والأمواج الهائلة فيحصل من ذلك أيضًا الخوف الشديد من الوقوع في الهلاك فالمقصود أن عند اجتماع هذه الأسباب الموجبة للخوف الشديد لا يرجع الإنسان فيه إلا إلى الله سبحانه وتعالى لأنه هو القادر على كشف الكروب وإزالة الشدائد وهو المراد من قوله: {تدعونه تضرعًا وخفية} يعني فإذا اشتد بكم الأمر تخلصون له الدعاء تضرعًا منكم إليه واستكانة.
جهرًا وخفية: يعني سرًا وحالًا {لئن أنجانا من هذه} قائلين في حال الدعاء والتضرع لئن أنجيتنا من هذه الظلمات وخلصتنا من الهلاك {لنكونن من الشاكرين} يعني لك على هذه النعمة والشكر وهو معرفة النعمة مع القيام بحقها لمن أنعم بها. اهـ.

.قال أبو السعود:

{قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظلمات البر والبحر} أي قل تقريرًا لهم بانحطاط شركائِهم عن رتبةِ الإلهية مَنْ ينجِّيكم من شدائدهما الهائلةِ التي تُبطل الحواسَّ وتَدْحَض العقولَ، ولذلك استُعير لها الظلماتُ المبطلةُ لحاسةِ البصَر، يقال لليوم الشديد: يومٌ مظلم ويومٌ ذو كواكبَ أو من الخسف في البر والغرقِ في البحر، وقرئ ينْجيكم من الإنجاء والمعنى واحد وقوله تعالى: {تَدْعُونَهُ} نصبٌ على الحالية من مفعول {ينجِّيكم} والضميرُ (لمن) أي مَن ينجّيكم منها حال كونكم داعين له، أو من فاعله أي مَنْ ينجِّيكم منها حال كونه مدعوًا من جهتكم وقوله تعالى: {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} إما حالٌ من فاعل تدعونه أو مصدرٌ مؤكِّد له، أي تدعونه متضرعين جِهارًا ومُسِرِّين أو تدعونه دعاءَ إعلانٍ وإخفاء، وقرئ {خِفية} بكسر الخاء وقوله تعالى: {لَّئِنْ أنجانا} حال من الفاعل أيضًا على تقدير القول أي تدعونه قائلين: لئن أنجيتنا {مِنْ هذه} الشدة والورطة التي عبر عنها بالظلمات {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين} أي الراسخين في الشكر المداومين عليه لأجل هذه النعمةِ أو جميع النعماءِ التي من جملتها هذه، وقرئ لئن أنجانا مراعاة لقوله تعالى: {تَدْعُونَهُ}. اهـ.

.قال الألوسي:

{قُلْ مَن يُنَجّيكُمْ مّن ظلمات البر والبحر} أي قل لهم تقريرًا بانحطاط شركائهم عن رتبة الإلهية، والمراد من ظلمات البر والبحر كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما شدائدهما وأهوالهما التي تبطل الحواس وتدهش العقول.
والعرب كما قال الزجاج تقول لليوم الذي يلقى فيه شدة يوم مظلم حتى أنهم يقولون: يوم ذو كواكب أي أنه يوم قد اشتدت ظلمته حتى صار كالليل في ظلمته، وأنشد:
بني أسد هل تعلمون بلاءنا ** إذاكان يوم ذو كواكب أشهب

ومن الأمثال القديمة رأى الكواكب ظهرًا أي أظلم عليه يومه لاشتداد الأمر فيه حتى كأنه أبصر النجم نهارًا، ومن ذلك قول طرفة:
إن تنوله فقد تمنعه ** وتريه النجم يجري بالظهر

وقيل: المراد ظلمة الليل وظلمة السحاب وظلمة البحر، وقيل: ظلمة البر بالخسف فيه وظلمة البحر بالغرق فيه، والظلمات على الأول: كما قيل استعارة وعلى الأخيرين حقيقة.
ومنهم من جعلها كناية عن الخسف والغرق والكلام في الكناية معلوم.
ومن جوز جمع الحقيقة والمجاز فسر الظلمات بظلمة الليل والغيم والبحر والتيه والخوف وقرأ يعقوب وسهل {يُنَجّيكُمْ} بالتخفيف من الإنجاء والمعنى واحد.
وقوله تعالى: {تَدْعُونَهُ} في موضع الحال من مفعول {يُنَجّيكُمْ} كما قال أبو البقاء، والضمير لمن أي من ينجيكم منها حال كونكم داعين له.
وجوز أن يكون حالًا من فاعله أي من ينجيكم منها حال كونه مدعوًا من جهتكم {تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً} أي إعلانًا وسرارًا كما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن فنصبهما على المصدرية، وقيل: بنزع الخافض، والإعلان والاسرار يحتمل أن يراد بهما ما باللسان ويحتمل أن يراد بهما ما باللسان والقلب، وجوز أن يكونا منصوبين على الحال من فاعل {تَدْعُونَ} أي معلنين ومسرين.
وقرأ أبو بكر عن عاصم {خفية} بكسر الخاء وهو لغة فيه كالأسوة والإسوة.
وقوله سبحانه: {وَخُفْيَةً لَّئِنْ أنجانا} في محل النصب على المفعولية لقول مقدر وقع حالًا من فاعل {تدعون} أيضًا أي قائلين: لئن أنجيتنا، والكوفيون يحكون بما يدل على معنى القول كتدعون من غير تقدير والصحيح التقدير، وقيل: إن الجملة القسمية تفسير للدعاء فلا محل لها.
وقرأ أهل الكوفة {أنجانا} بلفظ الغيبة مراعاة لتدعونه دون حكاية خطابهم في حالة الدعاء غير أن عاصمًا قرأ بالتفخيم والباقون بالأمالة، وقوله سبحانه: {مِنْ هذه} إشارة إلى ما هم فيها المعبر عنها بالظلمات {لَنَكُونَنَّ مِنَ الشاكرين} أي الراسخين في الشكر المداومين عليه لأجل هذه النعمة الجليلة أو جميع النعم التي هذه من جملتها. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{قُلْ مَنْ يُنَجِّيكُمْ مِنْ ظُلُمَاتِ الْبَرِّ وَالْبَحْرِ} استئناف ابتدائي.
ولمَّا كان هذا الكلام تهديدًا وافتتح بالاستفهام التقريري تعيَّن أنّ المقصود بضمائر الخطاب المشركون دون المسلمين.
وأصرح من ذلك قوله: {ثم أنتم تشركون}.
وإعادة الأمر بالقول للاهتمام، كما تقدّم بيانه عند قوله تعالى: {قل أرأيتِكم إن أتاكم عذاب الله أو أتتكم الساعة} [الأنعام: 40] الآية.
والاستفهام مستعمل في التقرير والإلجاء، لكون ذلك لا ينازعون فيه بحسب عقائد الشرك.
والظلمات قيل على حقيقتها، فيتعيَّن تقدير مضاف، أي من إضرار ظلمات البرّ والبحر، فظلمات البرّ ظلمة الليل التي يلتبس فيها الطريق للسائر والتي يخشى فيها العدوّ للسائر وللقاطن، أي ما يحصل في ظلمات البرّ من الآفات.
وظلمات البحر يخشى فيها الغرق والضلال والعدوّ.
وقيل: أطلقت الظلمات مجازًا على المخاوف الحاصلة في البرّ والبحر، كما يقال: يوم مُظلم إذا حصلت فيه شدائد.
ومن أمثال العرب (رأى الكواكب مُظْهِرًا)، أي أظلم عليه يومه إظلامًا في عينيه لما لاقاه من الشدائد حتَّى صار كأنَّه ليل يرى فيه الكواكب.
والجمع على الوجهين روعي فيه تعدّد أنواع ما يعرض من الظلمات، على أنَّنا قدّمنا في أوّل السورة أنّ الجمع في لفظ الظلمات جَرى على قانون الفصاحة.
وجملة: {تدعونه} حال من الضمير المنصوب في {يُنَجِّكُمْ}.
وقرئ {من ينجِّيكم} بالتشديد لنافع، وابن كثير، وابن عامر، وأبي عمرو، وعاصم، وحمزة، والكسائي، وأبي جعفر، وخلف.
وقرأه يعقوب بالتخفيف.
والتضرّع: التذلّل، كما تقدّم في قوله: {لعلَّهم يتضرّعون} في هذه السورة [42].
وهو منصوب على الحال مؤوّلًا باسم الفاعل.
والخفية بضم الخاء وكسرها ضد الجهر.
وقرأه الجمهور بضم الخاء.
وقرأه أبو بكر عن عاصم بكسر الخاء وهو لغة مثل أسوة وإسوة.
وعطف {خفية} على {تضرّعًا} إمَّا عطف الحال على الحال كما تعطف الأوصاف فيكون مصدرًا مؤوّلًا باسم الفاعل، وإما أن يكون عطف المفعول المطلق على الحال على أنَّه مبيّن لنوع الدعاء، أي تدعونه في الظلمات مخفين أصواتكم خشية انتباه العدوّ من النّاس أو الوحوش.
وجملة {لئِن أنجيتنا} في محلّ نصب بقول محذوف، أي قائلين.
وحذف القول كثير في القرآن إذا دلَّت عليه قرينة الكلام.
واللام في {لئن} الموّطئة للقسم، واللام في {لَنكوننّ} لام جواب القسم.
وجيء بضمير الجمع إمَّا لأنّ المقصود حكاية اجتماعهم على الدعاء بحيث يدعو كلّ واحد عن نفسه وعن رفاقه.
وإمَّا أريد التعبير عن الجمع باعتبار التوزيع مثل: ركِبَ القوم خَيْلَهم، وإنَّما ركب كلّ واحد فَرَسًا.
وقرأ الجمهور {أنجيتنا} بمثناة تحتية بعد الجيم ومثناة فوقية بعد التحتية.
وقرأه عاصم، وحمزة، والكسائي وخلف {أنجانا} بألف بعد الجيم والضمير عائد إلى {مَنْ} في قوله: {قل من ينجيّكم}.
والإشارة بـ {هذه} إلى الظلمة المشاهدة للمتكلِّم باعتبار ما ينشأ عنها، أو باعتبار المعنى المجازي وهو الشدّة، أو إلى حالة يعبّر عنها بلفظ مؤنّث مثل الشدّة أو الورطة أو الربْقة.
والشاكر هو الذي يراعي نعمة المنعم فيحسن معاملته كلّما وجد لذلك سبيلًا.
وقد كان العرب يرون الشكر حقًّا عظيمًا ويعيّرون من يكفر النعمة.
وقولهم: {من الشاكرين} أبلغ من أن يقال: لنكوننَّ شاكرين، كما تقدّم عند قوله تعالى: {لقد ضللت إذن وما أنا من المهتدين} [لأنعام: 56]. اهـ.