فصل: من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ}:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.من أقوال المفسرين في قوله تعالى: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ}:

.قال الفخر:

حقيقة الهدى:
في حقيقة الهدى: الهدى عبارة عن الدلالة، وقال صاحب الكشاف: الهدى هو الدلالة الموصلة إلى البغية، وقال آخرون: الهدى هو الاهتداء والعلم.
والذي يدل على صحة القول الأول وفساد القول الثاني والثالث أنه لو كان كون الدلالة موصلة إلى البغية معتبرًا في مسمى الهدى لامتنع حصول الهدى عند عدم الاهتداء، لأن كون الدلالة موصلة إلى الاهتداء حال عدم الاهدتاء محال، لكنه غير ممتنع بدليل قوله تعالى: {وَأَمَّا ثَمُودُ فهديناهم فاستحبوا العمى عَلَى الهدى} [فصلت: 17] أثبت الهدى مع عدم الاهتداء، ولأنه يصح في لغة العرب أن يقال: هديته فلم يهتد، وذلك يدل على قولنا، واحتج صاحب الكشاف بأمور ثلاثة: أولها: وقوع الضلالة في مقابلة الهدى، قال تعالى: {أولئك الذين اشتروا الضلالة بالهدى} [البقرة: 16] وقال: {لعلى هُدًى أو فِي ضلال مُّبِينٍ} [سبأ: 24] وثانيها: يقول مهدي في موضع المدح كمهتدي، فلو لم يكن من شرط الهدى كون الدلالة موصلة إلى البغية لم يكن الوصف بكونه مهديًا مدحًا لاحتمال أنه هدى فلم يهتد وثالثها: أن اهتدى مطاوع هدى يقال: هديته فاهتدى، كما يقال: كسرته فانكسر، وقطعته فانقطع فكما أن الإنكسار والانقطاع لا زمان للكسر والقطع، وجب أن يكون الاهتداء من لوازم الهدى.
والجواب عن الأول: أن الفرق بين الهدى وبين الاهتداء معلوم بالضرورة، فمقابل الهدى هو الإضلال ومقابل الاهتداء هو الضلال، فجعل الهدى في مقابلة الضلال ممتنع، وعن الثاني: أن المنتفع بالهدى سمي مهديًا، وغير منتفع به لا يسمى مهديًا؛ ولأن الوسيلة إذا لم تفض إلى المقصود كانت نازلة منزلة المعدوم.
وعن الثالث: أن الائتمار مطاوع الأمر يقال: أمرته فائتمر، ولم يلزم منه أن يكون من شرط كونه آمرًا حصول الائتمار، فكذا هذا لا يلزم من كونه هدى أن يكون مفضيًا إلى الاهتداء، على أنه معارض بقوله: هديته فلم يهتد، ومما يدل على فساد قول من قال الهدى هو العلم خاصة أن الله تعالى وصف القرآن بأنه هدى ولا شك أنه في نفسه ليس بعلم، فدل على أن الهدى هو الدلالة لا الاهتداء والعلم. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {فِيهِ} الهاء في {فيه} في موضع خفض بفي، وفيه خمسة أوجه؛ أجودها: فيهِ هُدى.
ويليه فيهُ هُدى بضم الهاء بغير واو وهي قراءة الزُّهْرِي وسلاَّم أبي المنذر.
ويليه فِيهِي هُدى بإثبات الياء وهي قراءة ابن كثير.
ويجوز فيهُو هُدى بالواو.
ويجوز فيه هدى مدغمًا وارتفع {هدى} على الابتداء والخبر {فيه}.
والهُدَى في كلام العرب معناه الرشد والبيان؛ أي فيه كشف لأهل المعرفة ورشدٌ وزيادةُ بيان وهُدًى.

.فائدة: في الهدى:

الهُدَى هُديان: هُدَى دلالة، وهو الذي تقدر عليه الرسل وأتباعهم؛ قال الله تعالى: {وَلِكُلِّ قَوْمٍ هَادٍ} [الرعد: 7].
وقال: {وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ} [الشورى: 52] فأثبت لهم الهدى الذي معناه الدلالة والدعوة والتنبيه؛ وتفرّد هو سبحانه بالهدى الذي معناه التأييد والتوفيق، فقال لنبيّه صلى الله عليه وسلم: {إِنَّكَ لاَ تَهْدِى مَنْ أَحْبَبْتَ} [القصص: 56] فالهدى على هذا يجيء بمعنى خلق الإيمان في القلب؛ ومنه قوله تعالى: {أولئك على هُدًى مِّن رَّبِّهِمْ} [البقرة: 5] وقوله: {وَيَهْدِى مَن يَشَاءُ}.
والْهُدَى: الاهتداء، ومعناه راجع إلى معنى الإرشاد كيفما تصرفت.
قال أبو المعالي: وقد ترد الهداية والمراد بها إرشاد المؤمنين إلى مسالك الجنان والطرق المفضية إليها؛ من ذلك قوله تعالى في صفة المجاهدين: {فَلَن يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ} [محمد: 4- 5] ومنه قوله تعالى: {فاهدوهم إلى صِرَاطِ الجحيم} [الصافات: 23] معناه فاسلكوهم إليها. اهـ. بتصرف يسير.

.قال ابن عاشور:

وقوله: {هدى للمتقين} الهدى اسم مصدر الهَدْي ليس له نظير في لغة العرب إلا سُرًى وتُقىً وبُكًى ولُغًى مصدر لغي في لغة قليلة.
وفعله هدَى هديًا يتعدى إلى المفعول الثاني بإلى وربما تعدى إليه بنفسه على طريقة الحذف المتوسع فيما تقدم في قوله تعالى: {اهدنا الصراط المستقيم} [الفاتحة: 6].
والهدى على التحقيق هو الدلالة التي من شأنها الإيصال إلى البغية وهذا هو الظاهر في معناه لأن الأصل عدم الترادف فلا يكون هُدى مرادفًا لدل ولأن المفهوم من الهُدى الدلالة الكاملة وهذا موافق للمعنى المنقول إليه الهدى في العرف الشرعي.
وهو أسعد بقواعد الأشعري لأن التوفيق الذي هو الإيصال عند الأشعري مِنْ خلق الله تعالى في قلب الموفَّق فيناسب تفسير الهداية بما يصلح له ليكون الذي يهدي يوصل الهداية الشرعية.
فالقرآن هدى ووصفه بالمصدر للمبالغة أي هو هاد.
والهدى الشرعي هو الإرشاد إلى ما فيه صلاح العاجل الذي لا ينقض صلاح الآجل.
وأثر هذا الهدى هو الاهتداء فالمتقون يهتدون بهديه والمعاندون لا يهتدون لأنهم لا يتدبرون، وهذا معنى لا يختلف فيه وإنما اختلف المتكلمون في منشأ حصول الاهتداء وهي مسألة لا حاجة إليها في فهم الآية.
وتفصيل أنواع الهداية تقدم عند قوله تعالى: {اهدنا الصراط}.
ومحل {هدى} إن كان هو صدر جملة أن يكون خبرًا لمبتدأ محذوف هو ضمير {الكتاب} فيكون المعنى الإخبار عن الكتاب بأنه الهدى وفيه من المبالغة في حصول الهداية به ما يقتضيه الإخبار بالمصدر للإشارة إلى بلوغه الغاية في إرشاد الناس حتى كانَ هو عين الهُدى تنبيهًا على رجحان هُداه على هدى ما قبله من الكتب، وإن كان الوقف على قوله: {لا ريب} وكان الظرف صدرَ الجملةِ الموالية وكان قوله: {هدى} مبتدأ خبره الظرف المتقدم قبله فيكون إخبارًا بأن فيه هدى فالظرفية تدل على تمكن الهدى منه فيساوي ذلك في الدلالة على التمكن الوجهَ المتقدم الذي هو الإخبار عنه بأنه عين الهدى. اهـ.

.قال أبو حيان:

وجوزوا في قوله تعالى: {هدى للمتقين} أن يكون هدى في موضع رفع على أنه مبتدأ، وفيه في موضع الخبر، أو خبر مبتدأ محذوف، أي هو هدى، أو على فيه مضمرة إذا جعلنا فيه من تمام لا ريب، أو خبر بعد خبر فتكون قد أخبرت بالكتاب عن ذلك، وبقوله لا ريب فيه، ثم جاء هذا خبرًا ثالثًا، أو كان الكتاب تابعًا وهدى خبر ثان على ما مر في الإعراب، أو في موضع نصب على الحال، وبولغ بجعل المصدر حالًا وصاحب الحال اسم الإشارة، أو الكتاب، والعامل فيها على هذين الوجهين معنى الإشارة أو الضمير في فيه، والعامل ما في الظرف من الاستقرار وهو مشكل لأن الحال تقييد، فيكون انتقال الريب مقيدًا بالحال إذ لا ريب فيه يستقر فيه في حال كونه هدى للمتقين، لكن يزيل الإشكال أنها حال لازمة.
والأولى: جعل كل جملة مستقلة، فذلك الكتاب جملة، ولا ريب جملة، وفيه هدى للمتقين جملة، ولم يحتج إلى حرف عطف لأن بعضها آخذ بعنق بعض.
فالأولى أخبرت بأن المشار إليه هو الكتاب الكامل، كما تقول: زيد الرجل، أي الكامل في الأوصاف.
والثانية نعت لا يكون شيء ما من ريب.
والثالثة أخبرت أن فيه الهدى للمتقين.
والمجاز إما فيه هدى، أي استمرار هدى لأن المتقين مهتدون فصار نظير اهدنا الصراط، وإما في المتقين أي المشارفين لاكتساب التقوى، كقوله:
إذا ما مات ميت من تميم

.قال الفخر:

معنى المتقي:
المتقي في اللغة اسم فاعل من قولهم وقاه فاتقى، والوقاية فرط الصيانة، إذا عرفت هذا فنقول: إن الله تعالى ذكر المتقي هاهنا في معرض المدح، ومن يكون كذلك أولى بأن يكون متقيًا في أمور الدنيا، بل بأن يكون متقيًا فيما يتصل بالدين، وذلك بأن يكون آتيًا بالعبادات محترزًا عن المحظورات.
واختلفوا في أنه هل يدخل اجتناب الصغائر في التقوى؟ فقال بعضهم: يدخل كما يدخل الصغائر في الوعيد، وقال آخرون: لا يدخل، ولا نزاع في وجوب التوبة عن الكل، إنما النزاع في أنه إذا لم يتوق الصغائر هل يستحق هذا الاسم؟ فروي عنه عليه السلام أنه قال: «لا يبلغ العبد درجة المتقين حتى يدع ما لا بأس به حذرًا مما به البأس» وعن ابن عباس رضي الله عنهما: أنهم الذين يحذرون من الله العقوبة في ترك ما يميل الهوى إليه، ويرجون رحمته بالتصديق بما جاء منه.
واعلم أن التقوى هي الخشية، قال في أول النساء: {يا أيها الناس اتقوا رَبَّكُمُ} [النساء: 1] ومثله في أول الحج، وفي الشعراء {إِذْ قَالَ لَهُمْ أَخُوهُمْ نُوحٌ أَلاَ تَتَّقُونَ} [هود: 106] يعني ألا تخشون الله، وكذلك قال هود وصالح، ولوط، وشعيب لقومهم، وفي العنكبوت قال إبراهيم لقومه {اعبدوا الله واتقوه} [نوح: 3] يعني اخشوه، وكذا قوله: {اتقوا الله حَقَّ تُقَاتِهِ} [آل عمران: 102] {وَتَزَوَّدُواْ فَإِنَّ خَيْرَ الزاد التقوى} [البقرة: 197] {واتقوا يَوْمًا لاَّ تَجْزِى نَفْسٌ عَن نَّفْسٍ شَيْئًا} [البقرة: 48] واعلم أن حقيقة التقوى وإن كانت هي التي ذكرناها إلا أنها قد جاءت في القرآن، والغرض الأصلي منها الإيمان تارة، والتوبة أخرى، والطاعة ثالثة، وترك المعصية رابعًا: والإخلاص خامسًا: أما الإيمان فقوله تعالى: {وَأَلْزَمَهُمْ كَلِمَةَ التقوى} [الفتح: 26] أي التوحيد {أولئك الذين امتحن الله قُلُوبَهُمْ للتقوى} [الحجرات: 3] وفي الشعراء {قَوْمَ فِرْعَوْنَ أَلا يَتَّقُونَ} [الشعراء: 11] أي ألا يؤمنون وأما التوبة فقوله: {وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ القرى ءامَنُواْ واتقوا} [الأعراف: 96] أي تابوا، وأما الطاعة فقوله في النحل: {أَنْ أَنْذِرُواْ أَنَّهُ لا إله إِلا أَنَاْ فاتقون} [النحل: 2] وفيه أيضًا: {أَفَغَيْرَ الله تَتَّقُونَ} [النحل: 52] وفي المؤمنين {وَأَنَاْ رَبُّكُمْ فاتقون} [المؤمنون: 52] وأما ترك المعصية فقوله: {وَأْتُواْ البيوت مِنْ أبوابها واتقوا الله} [البقرة: 189] أي فلا تعصوه، وأما الإخلاص فقوله في الحج: {فَإِنَّهَا مِن تَقْوَى القلوب} [الحج: 32] أي من إخلاص القلوب، فكذا قوله: {وإياى فاتقون} [البقرة: 41] واعلم أن مقام التقوى مقام شريف قال تعالى: {إِنَّ الله مَعَ الذين اتقوا والذين هُم مُّحْسِنُونَ} [النحل: 128].
وقال: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عَندَ الله أتقاكم} [الحجرات: 13] وعن ابن عباس قال عليه السلام: «من أحب أن يكون أكرم الناس فليتق الله، ومن أحب أن يكون أقوى الناس فليتوكل على الله، ومن أحب أن يكون أغنى الناس فليكن بما في يد الله أوثق مما في يده» وقال علي بن أبي طالب: التقوى ترك الإصرار عل المعصية، وترك الاغترار وبالطاعة.
قال الحسن: التقوى أن لا تختار عل الله سوى الله، وتعلم أن الأمور كلها بيد الله.
وقال إبراهيم بن أدهم: التقوى أن لا يجد الخلق في لسانك عيبًا.
ولا الملائكة في أفعالك عيبًا ولا ملك العرش في سرك عيبًا وقال الواقدي: التقوى أن تزين سرك للحق كما زينت ظاهرك للخلق، ويقال: التقوى أن لا يراك مولاك حيث نهاك، ويقال: المتقي من سلك سبيل المصطفى، ونبذ الدنيا وراء القفا، وكلف نفسه الإخلاص والوفا، واجتنب الحرام والجفا، ولو لم يكن للمتقي فضيلة إلا ما في قوله تعالى: {هُدًى لّلْمُتَّقِينَ} كفاه، لأنه تعالى بين أن القرآن هدى للناس في قوله: {شَهْرُ رَمَضَانَ الذي أُنزِلَ فِيهِ القرآن هُدًى لّلنَّاسِ} [البقرة: 185] ثم قال هاهنا في القرآن: إنه هدى للمتقين، فهذا يدل على أن المتقين هم كل الناس، فمن لا يكون متقيًا كأنه ليس بإنسان. اهـ.

.قال أبو حيان:

المتقي اسم فاعل من اتقى، وهو افتعل من وقى بمعنى حفظ وحرس، وافتعل هنا: للاتخاذ أي اتخذ وقاية، وهو أحد المعاني الإثني عشر التي جاءت لها افتعل، وهو: الاتخاذ، والتسبب، وفعل الفاعل بنفسه، والتخير، والخطفة، ومطاوعة أفعل، وفعل، وموافقة تفاعل، وتفعل، واستفعل، والمجرد، والإغناء عنه، مثل ذلك: اطبخ، واعتمل واضطرب، وانتخب، واستلب، وانتصف مطاوع أنصف، واغتم مطاوع غممته، واجتور، وابتسم، واعتصم، واقتدر، واستلم الحجر.
وإبدال الواو في اتقى تاء وحذفها مع همزة الوصل قبلها فيبقى تقى مذكور في علم التصريف. اهـ.

.قال ابن عاشور:

والمتقي من اتصف بالاتقاء وهو طلب الوقاية، والوقاية الصيانة والحفظ من المكروه فالمتقي هو الحذر المتطلب للنجاة من شيء مكروه مضر، والمراد هنا المتقين الله، أي الذين هم خائفون غضبه واستعدوا لطلب مرضاته واستجابة طلبه فإذا قرئ عليهم القرآن استمعوا له وتدبروا ما يدعو إليه فاهتدوا.
والتقوى الشرعية هي امتثال الأوامر واجتناب المنهيات من الكبائر وعدم الاسترسال على الصغائر ظاهرًا وباطنًا أي اتقاء ما جعل الله الاقتحام فيه موجبًا غضبه وعقابه، فالكبائر كلها متوعد فاعلها بالعقاب دون اللمم.
والمراد من الهُدَى ومن المتقين في الآية معناهما اللغوي فالمراد أن القرآن من شأنه الإيصال إلى المطالب الخيرية وأن المستعدين للوصول به إليها هم المتقون أي هم الذين تجردوا عن المكابرة ونزهوا أنفسهم عن حضيض التقليد للمضلين وخشوا العاقبة وصانوا أنفسهم من خطر غضب الله هذا هو الظاهر، والمراد بالمتقين المؤمنون الذين آمنوا بالله وبمحمد وتلقوا القرآن بقوة وعزم على العمل به كما ستكشف عنهم الأوصاف الآتية في قوله تعالى: {الذين يؤمنون بالغيب إلى قوله من قبلك} [البقرة: 3، 4].
وفي بيان كون القرآن هدى وكيفية صفة المتقي معان ثلاثة:
الأول: أن القرآن هدى في زمن الحال لأن الوصف بالمصدر عوض عن الوصف باسم الفاعل وزمن الحال هو الأصل في اسم الفاعل والمراد حال النطق.
والمتقون هم المتقون في الحال أيضًا لأن اسم الفاعل حقيقة في الحال كما قلنا، أي إن جميع من نزه نفسه وأعدها لقبول الكمال يهديه هذا الكتاب، أو يزيده هدى كقوله تعالى: {والذين اهتدوا زادهم هدى وآتاهم تقواهم} [محمد: 17].
الثاني: أنه هدى في الماضي أي حصل به هدى أي بما نزل من الكتاب، فيكون المراد من المتقين من كانت التقوى شعارهم أي أن الهدى ظهر أثره فيهم فاتقوا وعليه فيكون مدحًا للكتاب بمشاهدة هديه وثناء على المؤمنين الذين اهتدوا به وإطلاق المتقين على المتصفين بالتقوى فيما مضى، وإن كان غير الغالب في الوصف باسم الفاعل إطلاق يعتمد على قرينة سياق الثناء على الكتاب.
الثالث: أنه هدى في المستقبل للذين سيتقون في المستقبل وتُعين عليه هنا قرينة الوصف بالمصدر في {هدى} لأن المصدر لا يدل على زمان معين.
حصل من وصف الكتاب بالمصدر من وفرة المعاني ما لا يحصل، لو وُصف باسم الفاعل فقيل هادٍ للمتقين، فهذا ثناء على القرآن وتنويه به وتخلص للثناء على المؤمنين الذين انتفعوا بهديه، فالقرآن لم يزل ولن يزال هدى للمتقين، فإن جميع أنواع هدايته نفعت المتقين في سائر مراتب التقوى، وفي سائر أزمانه وأزمانهم على حسب حرصهم ومبالغ علمهم واختلاف مطالبهم، فمن منتفع بهديه في الدين، ومن منتفع في السياسة وتدبير أمور الأمة، ومن منتفع به في الأخلاق والفضائل، ومن منتفع به في التشريع والتفقه في الدين، وكل أولئك من المتقين وانتفاعهم به على حسب مبالغ تقواهم.
وقد جعل أئمة الأصول الاجتهاد في الفقه من التقوى، فاستدلوا على وجوب الاجتهاد بقوله تعالى: {فاتقوا الله ما استطعتم} [التغابن: 16] فإن قَصَّر بأحد سعيُه عن كمال الانتفاع به، فإنما ذلك لنقص فيه لا في الهداية، ولا يزال أهل العلم والصلاح يتسابقون في التحصيل على أوفر ما يستطيعون من الاهتداء بالقرآن.
وتلتئم الجمل الأربع كمالَ الالتئمام: فإن جملة {الم} [البقرة: 1] تسجيل لإعجاز القرآن وإنحاء على عامة المشركين عجزهم عن معارضته وهو مؤلف من حروف كلامهم وكفى بهذا نداء على تعنتهم.
وجملة: {ذلك الكتاب} تنويه بشأنه وأنه بالغ حد الكمال في أحوال الكتب، فذلك موجه إلى الخاصة من العقلاء أن يقول لهم هذا كتاب مؤلف من حروف كلامكم، وهو بالغ حد الكمال من بين الكتب، فكان ذلك مما يوفر دواعيكم على اتباعه والافتخار بأنْ منحتموه فإنكم تعُدون أنفسكم أفضل الأمم، فكيف لا تسرعون إلى متابعة كتاب نزل فيكم هو أفضل الكتب فوزان هذا وزان قوله تعالى: {أن تقولوا إنما أنزل الكتاب على طائفتين من قبلنا} إلى قوله: {ورحمة} [الأنعام: 156، 157]، وموَجَّه إلى أهل الكتاب بإيقاظهم إلى أنه أفضل مما أوتوه.
وجملةُ: {لا ريب} إن كان الوقف على قوله: {لا ريب} تعريضٌ بكل المرتابين فيه من المشركين وأهل الكتاب أي إن الارتياب في هذا الكتاب نشأ عن المكابرة، وأن {لا ريب} فإنه الكتاب الكامل، وإن كان الوقف على قوله: {فيه} كان تعريضًا بأهل الكتاب في تعلقهم بمحرف كتابيهم مع ما فيهما من مثار الريب والشك من الاضطراب الواضح الدال على أنه من صنع الناس، قال تعالى: {أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافًا كثيرًا} [النساء: 82].
وقال في الكشاف: ثم لم تخل كل واحدة من هذه الأربع بعد أن نظمت هذا التنظيم السري من نكتة ذاتتِ جزالة: ففي الأولى الحذف والرمز إلى الغرض بألطف وجه، وفي الثانية ما في التعريف من الفخامة، وفي الثالثة ما في تقديم الريب على الظرف، وفي الرابعة الحذف ووضع المصدر وهو الهدى موضع الوصف وإيراده منكرًا والإيجاز في ذكر المتقين. اهـ.
فالتقوى إذن بهذا المعنى هي أساس الخير، وهي بالمعنى الشرعي الذي هو غاية المعنى اللغوي جماع الخيرات.
قال ابن العربي لم يتكرر لفظ في القرآن مثلما تكرر لفظ التقوى اهتمامًا بشأنها. اهـ.