فصل: قال نظام الدين النيسابوري في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



فإذا وهت هذه المشاعر، وتقطعت تلك الأسباب التي بين المشركين وبين آلهتهم تلك- جاء القرآن إلى هؤلاء المشركين ليجيب على هذا السؤال الذي فرضه هذا الفراغ الذي أصبحت فيه قلوبهم، بعد أن تبخرت منها سحب الأصنام التي كانت مخيمة عليها.. وكان السّؤال المفروض هو: وأين الإله الذي نعبده إذن، إذا كانت أصنامنا هذه ليست آلهة أو شبه آلهة؟..
ويجيء الجواب من القرآن الكريم بأن اللّه قريب منهم، وما عليهم لكى- يروه- إلا أن ينظروا في هذا الوجود، وفيما فيه من مبدعات تدلّ على قدرة الخالق، وتحدّث عن سعة علمه، وبسطة سلطانه، وروعة حكمته.
والقرآن المكىّ يكاد يكون كلّه معرضا لآيات اللّه، ودعوة مثيرة للعقول، مغرية لها بالنظر في ملكوت السموات والأرض.. ولا نستشهد لهذا حيث آيات القرآن أكثر من أن تحصى في هذا الأمر.. وفى سورة الأنعام هذه التي نحن بين يديها، عشرات الآيات.
وقد كانت نظرة إبراهيم إلى اللّه قائمة على هذا الوجه الاستدلالىّ، للتعرف على ربّه، والإيمان به.
{وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} أي نفتح نظره، وعقله، وقلبه، على هذا الوجود، ليتعرف إلى اللّه.. والملكوت، هو الملك الخاضع لسلطان اللّه.
وقد وجّه إبراهيم نظره، وعقله وقلبه، إلى ملكوت السموات والأرض..
فماذا رأى؟ {فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأى كَوْكَبًا} أي كوكبا من تلك الكواكب السيارة، كالزهرة مثلا.. وقد رصد إبراهيم هذا الكوكب منذ أطلّ على هذا العالم من الأفق الشرقي، وتبعه في مسيره، وكان كلما علا في السماء وازداد ألقا وإشراقا، ازداد إبراهيم به تعلقا وشغفا، إذ حسبه أنه الكائن الأعلى، القائم على هذا الوجود.. فلمّا هوى إلى الأفق الغربي خفق قلب إبراهيم خفقة الخوف على هذا الذي تصوّره إلها، أن يهوى وراء هذا الأفق، فلمّا هوى أخلى إبراهيم بصره، وعقله، وقلبه منه، ونفض يديه من هذا الإله، كما ينفض الحىّ يديه من ميت عزيز، أودعه القبر، وهال عليه التراب.. وقال: {لا أُحِبُّ الْآفِلِينَ}..! {فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بازِغًا قالَ هذا رَبِّي}.. وتبعه في مسيرته من الأفق إلى الأفق.. حتى إذا هوى إلى المغيب، ودفن وراء الأفق الغربي، كاد يؤرقه اليأس من أن يعثر على الإله المنشود، وقال: {لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ}.
والسؤال هنا: كيف يطلب إبراهيم الهداية من ربّه، وهو يبحث عنه؟
والجواب: أن إبراهيم كان على يقين بأن لهذا الوجود ربّا، وأن لتلك المصنوعات صانعا، قادرا، مدبّرا.. ولكن من هو؟ وأين هو؟ وكيف هو؟ هذا ما يبحث عنه إبراهيم.. وهذا ما أشار إليه قوله تعالى: {وَكَذلِكَ نُرِي إِبْراهِيمَ مَلَكُوتَ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ} فهو يؤمن بحدسه ومشاعره أن لهذا الوجود إلها، وهو في بحثه هنا إنما ليعرف هذا الإله، ويستيقنه.. وذلك قبل أن يختاره اللّه لرسالته..
وسؤال آخر:
لماذا كان أوّل ما نظر إليه إبراهيم من ملكوت اللّه، هو الكوكب، أي النجم، ثم القمر، ثم الشمس؟ ولم لم يتجه نظره أولا إلى الشمس إذ كانت أعظم ما يواجه الإنسان من هذه المخلوقات؟
والجواب.. أن وحشة الليل، ورهبة ظلامه، تجعل لأى لمعة من لمعات الأنوار، وقعا على النفس، وتأثيرا على المشاعر، وليست كذلك النظرة إلى الشمس التي تكاد سطوة أضوائها، تذهب بكل إحساس بوجودها! وهذا ما نراه في نظر إبراهيم إلى هذا الكوكب أولا، ثم إلى القمر ثانيا..
ذلك أن هذا الكوكب، وهو نجم من تلك النجوم التي يتلألأ ضوؤها كلّما اشتدّ ظلام الليل، وأطبقت حلكته، هو في تلك الحال أفعل في النفس، وأكثر إلفاتا للنظر من القمر، الذي يغمر نوره ما احتواه الليل كله..
وإذ لم ير إبراهيم في ملكوت الليل وما يبزغ فيه من نجم أو قمر- إذ لم ير في هذا الملكوت إلهه الذي ينشده، شخص ببصره إلى ملكوت النهار، فرأى الشمس تبسط سلطانها عليه، فعلق بها نظره، واحتواها عقله وقلبه، وقال: {هذا ربى هذا أكبر}.. ولكن الرّب الكبير لم يكن إلّا خدعة خدع لها إبراهيم، حتى إذا أفلت ودّعها غير آسف، وأشرق قلبه بنور الإله الحق، الإله الذي يسيّر هذه الكائنات ويصرّفها كيف شاءت إرادته، واقتضت حكمته.. {فَلَمَّا أَفَلَتْ قالَ يا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ.. إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ}.
وهكذا عرف إبراهيم ربّه، وهكذا يعرف كل ذى عقل ربّه، إذا هو نظر، وفكّر، وعقل.
الآيات: (80- 82) [سورة الأنعام: الآيات 80- 82]
{وَحاجَّهُ قَوْمُهُ قالَ أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ وَلا أَخافُ ما تُشْرِكُونَ بِهِ إِلاَّ أَنْ يَشاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلا تَتَذَكَّرُونَ (80)}.
التفسير: وإذ يعرف إبراهيم ربّه، ويملأ قلبه من الإيمان به، يقف من قومه مسفّها أحلامهم، زاريا عليهم عبادتهم لهذه الأحجار التي ينحتونها بأيديهم، ثم يعبدونها، ويذلّون بين يديها.. {أَتَعْبُدُونَ ما تَنْحِتُونَ} [95: الصافات].
{وَحاجَّهُ قَوْمُهُ} أي جادلوه فيما يقول في شأن آلهتهم، وفى الإله الذي يدعوهم إليه.. هو يريدهم على أن يدعوا هذه الأصنام، ويعبدوا ربّ السموات والأرض، وهم يريدونه على أن يعبد آلهتهم، ويدع الإله الذي يعبده، ويحذّرونه أن يتخذ غير هذه المعبودات معبودا، وإلّا مسّه منها ضرّ، وأصابه سوء.. فكان جوابه: {أَتُحاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدانِ}. إنه قد عرف الحق واستيقنه، فكيف تقوم لهم حجة عنده، تصرفه عن هذا الإله، الذي شهد آياته، وعرف ما عرف، من علمه، وقدرته وحكمته..؟ ثم كيف يخاف هذه الأحجار الصّماء أن تصيبه بسوء.. إنها لا تملك شيئا، وإن شرّا لن يصيبه منها، إلّا أن يكون ما يصيبه هو مما أراد اللّه له، وما أراد اللّه له فكلّه خير.. وكيف يخاف إبراهيم أحجارا صمّاء، على حين أنهم لا يخافون إلها خالقا رازقا، له ملك السماوات والأرض؟ {وَكَيْفَ أَخافُ ما أَشْرَكْتُمْ وَلا تَخافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.
ويجيء قول الحق جلّ وعلا بالحكم الفصل في هذه القضية.. {الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ}.
ولبس الإيمان بالظلم، هو خلطه به.. والظلم هو الشرك باللّه، كما يقول سبحانه: {إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ}: فالإيمان المصفّى من الشرك، هو الإيمان الذي يقبله اللّه من أهله، ويجزيهم عليه الجزاء الأوفى، ويجعلهم في أمن وسلام، يوم يكون الكافرون في فزع وكرب وبلاء..
الآيات: (83- 87) [سورة الأنعام: الآيات 83- 87]
قوله تعالى: {وَتِلْكَ حُجَّتُنا آتَيْناها إِبْراهِيمَ عَلى قَوْمِهِ}.. الإشارة هنا إلى الحجة، أي هذه حجتنا، والمراد بالحجة ماملأ اللّه به قلب إبراهيم من إيمان، بما أراه سبحانه في ملكوت السموات والأرض، من دلائل القدرة الإلهية، وسلطانها القوىّ الممسك بكل ذرة في هذا الوجود.. وبهذا الإيمان وقف إبراهيم وحده، في وجه هذا الكفر الذي طوى تحت جناحيه مجتمعه كلّه الذي يعيش فيه.. ومع هذا فإنه بالحق الذي يملأ كيانه، قد أخرس كل ناطق، وأفحم كل منطيق، وسقطت بين يدى حجته الدامغة كل مقولة لملحد، وكل حجة لمشرك، وبهذا استحق إبراهيم أن يلقى من ربّه هذا التكريم، وأن ينعته هذا النعت العظيم بقوله سبحانه: {إِنَّ إِبْراهِيمَ كانَ أُمَّةً قانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ} [120: النحل].
فهو أمة وحده، ومجتمعه أشبه بفرد واحد إزاء هذه الأمة العظيمة، أو هو الأمة، وقومه لا شيء، إذ كان هو الإنسان الوحيد فيها، الذي يحمل عقل الإنسان وينتفع به.
وقوله تعالى: {نَرْفَعُ دَرَجاتٍ مَنْ نَشاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} هو تنبيه إلى أن هذا الذي كان عليه إبراهيم من قوة الإيمان، ووثاقة اليقين، هو من فضل اللّه، يضعه حيث يشاء.
وفى قوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ} التفات من رب كريم إلى النبي الكريم، وقد نازعته نفسه، وهفت به أشواقه إلى فضل اللّه وإحسانه، الذي رأى آثاره في إبراهيم عليه السلام.. فجاء قوله سبحانه: {إِنَّ رَبَّكَ} ليشعر النبي أنه في ضيافة ربه، وكفى ما يلقاه الضيف الذي ينزل في ضيافة ربّ العالمين.. {الحكيم} في تقدير الأمور {العليم} بعباده، وبمن هم أهل لمزيد فضله، وعظيم إحسانه.
ومن فضل اللّه على إبراهيم عليه السلام أن بارك عليه في ذريته، وجعل من نسله الأنبياء والمرسلين. اهـ.

.قال نظام الدين النيسابوري في الآيات السابقة:

{وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83)}.
التفسير: إنه سبحانه كثيرًا ما يحتج على مشركي العرب بأحوال إبراهيم صلوات الرحمن عليه لأنه يعرف بالفضل والتقدم عند جميع الطوائف، وذلك أنه سلم قلبه للرحمن ولسانه للبرهان وبدنه للنيران وولده للقربان وماله للضيفان. ثم إن بظاهر الآية يدل على أن اسم والد ابراهيم هو آزر، ومنهم من قال: اسمه تارح. قال الزجاج: لا خلاف بين النسابين أن اسمه تارح، فمن الملحدة من طعن في هذا النسب لهذا السبب. والجواب أن إجماع النسابة لا عبرة به لأن ذلك ينتهي إلى قول الواحد أو الأثنين- مثل وهب وكعب- أو غيرهما. سلمنا أن اسمه كان تارح لكنه من المحتمل أن يكون أحدهما لقبًا والآخر اسمًا أصليًا، أو يكون آزر صفة مخصوصة في لغتهم كالمخطئ والمخذول. وقيل: إن آزر هو الشيخ الهرم بالخوارزمية وهذا عند من يجوز اشتمال القرآن على ألفاظ قليلة من غير لغة العرب.
وقيل: إن آزر اسم صنم يجوز أن ينبز به للزومه عبادته، فإن من بالغ في محبة واحد فقد يجعل اسم المحبوب اسمًا للمحب قال تعالى: {يوم ندعو كل أناس بإمامهم} [الإسراء: 71] وقال الشاعر:
أدعى بأسماء نبزًا في قبائلها ** كأن أسماء أضحت بعض أسمائي

أو أريد عابد آزر فحذف المضاف وأقيم المضاف إليه مقامه. وقيل: إن والد إبراهيم كان تارح وكان آزر عمًا له والعم قد يطلق عليه اسم الأب بدليل قوله: {نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل وإسحق} [البقرة: 133] ومعلوم أن إسماعيل كان عمًا ليعقوب. ومما يدل على صحة ظاهر الآية أن اليهود والنصارى والمشركين كانوا حراصًا متهالكين على تكذيب الرسول صلى الله عليه وسلم وإظهار نقصه، فلو كان النسب كذبًا لامتنع في العادة سكوتهم عن تكذبيه، وحيث لم يكذبوه علمنا أن النسب صحيح، قالت المعتزلة ومن يجري مجراهم: إن أحدًا من آباء الرسول صلى الله عليه وسلم ما كان كافرًا وفسروا قوله: {وتقلبك في الساجدين} [الشعراء: 219] بانتقاله من ساجد إلى ساجد وأكدوه بما روي أنه صلى الله عليه وسلم قال: «لم أزل أنتقل من أصلاب الطاهرين إلى أرحام الطاهرات» وإن آزر كان عم إبراهيم وما كان والدًا له لأن إبراهيم شافهه بالغلظة والجفاء في قوله: {إني أراك وقومك في ضلال مبين} وقد قال تعالى: {ولا تقل لهما أف ولا تنهرهما} [الإسراء: 23] ولأنه ناداه بالاسم في قراءة من قرأ {آزر} بالضم. والنداء بالاسم دليل الاستخفاف ولهذا لم يقرأ بالضم في قوله: {وقال موسى لأخيه هارون اخلفني} [الأعراف: 142] وأجيب بأن قوله: {وتقلبك في الساجدين} [الشعراء: 219] يحتمل وجوهًا أخرى سوف يجيء ذكرها، وبأن قوله: «لم أزل أنتقل» محمول على أنه لم يقع في نسبه ما كان سفاحًا. والتغليظ من إبراهيم إنما كان لأجل إصرار أبيه على الكفر كما قال: {فلما تبين له أنه عدو لله تبرأ منه} [التوبة: 114] لا لأجل السفه والجفاء لقوله: {إن إبراهيم لحليم أوّاه منيب} [هود: 75] ثم إن إبراهيم احتج على فساد اعتقاد عبدة الأصنام بقوله منكرًا على آزر وقومه {أتتخذ أصنامًا آلهة} أي معبودين. وذلك أن الأصنام لو كان لها قدرة على الخير والشر لكان الصنم الواحد كافيًا فلما لم يكن الواحد كافيًا دل ذلك على عجزها وإن كثرت، واحتج بعضهم بالآية على وجوب معرفة الله تعالى، وعلى أن وجوب الاشتغال بشكره معلوم بالعقل لا بالسمع لأن إبراهيم حكم عليهم بالضلال من حيث النظر والاستدلال، وأجيب بأنه لعله عرف ضلالهم بحكم شرع الأنبياء المتقدمين عليه {وكذلك} أي مثل ما أريناه من قبح عبادة الأصنام والاشتغال بغير الله: {نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض} والنكتة فيه أن التخلي عن غير الله يوجب رفع الحجاب وبقدر ذلك يكون حصول التجلي والتحلي بالله وإنما لم يقل أريناه بلفظ الماضي لأنه أراد الحكاية كأنه قيل: كيف بلغ إبراهيم هذا المبلغ في قوة الدين والذب عنه؟ فأجيب أنا كنا نريه الملكوت وقت طفوليته لأجل أن يصير من الموقنين زمان بلوغه، أو المقصود بيان ارتفاعه في معارج الكمال وازدياده في ذلك على سبيل الدوام والاستمرار فإن مخلوقاته تعالى وإن كانت متناهية في الذات وفي الصفات إلا أن جهات دلالاتها على ذاته وصفاته سبحانه غير متناهية كما قال إمام الحرمين: معلومات الله غير متناهية، ومعلوماته في تلك المعلومات أيضًا غير متناهية.
فإن الجوهر الفرد يمكن وقوعه في أحياز لا نهاية لها على البدل، ويمكن اتصافه بصفات لا نهاية لها على البدل، فكل تلك الأحوال التقديرية معلومة لله تعالى، وكل تلك الأحوال دالة على حكمة الله تعالى وعظمة قدرته، وإذا كان الجوهر الفرد كذلك فكيف كل الملكوت! ولهذا قيل: السفر إلى الله تعالى له نهاية، فأما السفر في الله سبحانه فإنه بلا نهاية. والملكوت هو الملك والتاء للمبالغة كالرغبوت من الرغبة والرهبوت ومن الرهبة. قال بعضهم: إنه سبحانه أراه الملكوت بالعين. قالوا: شق له تحت السموات حتى رأى العرش والكرسي إلى منتهى الأجرام العلوية، وشق له الأرض إلى ما تحت الثرى فرأى ما فيها من البدائع والعجائب. عن ابن عباس أنه قال: لما أري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وأري ما فيها وما في الأرض من العجائب رأى عبدًا على فاحشة فدعا عليه وعلى آخر بالهلاك، فقال الله تعالى له: كف عن عبادي فهم بين خلال ثلاث: إما أن أجعل منهم ذرية طيبة، أو يتوبون فأغفر لهم، أو النار من ورائهم. وقال الأكثرون: إن هذه الإراءة كانت بعين البصيرة، لأن ملك السموات والأرض لا يرى وإنما يعرف بالعقل ولو أريد نفس السموات والأرض صار لفظ الملكوت ضائعًا. وأيضًا قوله: {فلما جن عليه الليل} جارٍ مجرى الشرع والتفسير لتلك الإراءة فثبت أنه استدل بتغير الأجرام وإمكانها وحدوثها على وجود الإله الواجب الحكيم. ثم قال بالآخرة {وتلك حجتنا} والرؤية بالعين لا تصير حجة على قومه. وأيضًا الإراءة بالعين تفيد العلم الضروري بالإله القادر ومثل هذه المعرفة لا توجب المدح والثواب كما للكفار في الأخرة. وأيضًا اليقين عبارة عن تحصيل علم بالتأمل إذا كان مسبوقًا بالشك، فالمراد نري إبراهيم ليستدل بها وليكون من الموقنين، أو ليكون من الموقنين نريه، أو فعلنا ذلك وذلك أن الإراءة قد تصير سببًا للجحود لا الإيقان كما في حق فرعون {ولقد أريناه آياتنا كلها فكذب وأبى} [طه: 56] وأيضًا الإنسان لا يمكنه أن يرى بالعين أشياء كثيرة دفعة واحدة على سبيل الكمال، وبتقدير الإمكان لا يكون لها دوام وبقاء، وبتقدير البقاء تكون شاغلة للرائي عن الله.