فصل: من فوائد القرطبي في الآية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال إبراهيم: هو الضغث، وقال الربيع: هو لقاط السنبل، وقل مجاهد: كانوا يجيئون بالعذق عند الصرام فيأكل منه من مر.
وقال يزيد بن الأصم: كان أهل المدينة إذا صرموا النخل يجيئون بالعذق فيعلقونه في جانب المسجد فيجيء المسكين فيضربه بعصاه فما سقط منه أكله فعلى هذا القول هل هذا الأمر أمر وجوب أو استحباب وندب فيه قولان:
أحدهما: أنه أمر وجوب فيكون منسوخًا بآية الزكاة.
وبقوله صلى الله عليه وسلم في حديث الأعرابي هل علي غيرها قال إلا أن تطوع.
والقول الثاني: إنه أمر ندب واستحباب فتكون الآية محكمة، وقال سعيد بن جبير: كان هذا حقًا يؤمر بإخراجه في ابتداء الإسلام ثم صار منسوخًا بإيجاب العشر، ولقول ابن عباس: نسخت آية الزكاة كل صدقة في القرآن واختار هذا القول الطبري وصححه واختار الواحدي والرازي القول الأول وصححاه.
فإن قلت: فعلى القول الأول كيف تؤدى الزكاة يوم الحصاد والحب في السنبل وإنما يجب الإخراج بعد التصفية والجفاف، قلت: معناه قدروا أداء إخراج الواجب منه يوم الحصاد فإنه قريب من زمان التنقية والجفاف ولأن النخل يجب إخراج الحق منه يوم حصاده وهو الصرام والزرع محمول عليه إلا أنه لا يمكن إخراج الحق منه إلا بعد التصفية.
وقيل معناه وآتوا حقه الذي وجب يوم حصاده بعد التصفية، وقيل: إن فائدة ذكر الحصاد أن الحق لا يجب بنفس الزرع وبلوغه إنما يجب يوم حصاده وحصوله في يد مالكه لا فيما يتلف من الزرع قبل حصوله في يد مالكه.
قوله تعالى: {ولا تسرفوا} الإسراف تجاوز الحد فيما يفعله الإنسان وإن كان في الإنفاق أشهر وقيل السراف تجاوز ما حد لك وسرف المال إنفاقه في غير منفعة.
ولهذا قال سفيان: ما أنفقت في غير طاعة الله فهو سرف وإن كان قليلًا.
قال ابن عباس في رواية عنه: عمد ثابت بن قيس بن شماس فصرم خمسمائة نخلة فقسمها في يوم واحد ولم يترك لأهله شيء فأنزل الله هذه الآية: {ولا تسرفوا} قال السدي: معناه لا تعطوا أموالكم وتقعدوا فقراء.
قال الزجاج فعلى هذا لو أعطى الإنسان كل ماله ولم يوصل إلى عياله شيئًا فقد أسرف لأنه قد صح في الحديث: «ابدأ بمن تعول» وقال سعيد بن المسيب: معناه لا تمنعوا الصدقة فتأويل الآية على هذا القول لا تجاوزوا الحد في البخل والإمساك حتى تمنعوا الواجب من الصدقة وهذان القولان يشتركان في أن المراد من الإسراف مجاوزة الحد إلا أن الأول في البذل والإعطاء والثاني في الإمساك والبخل، وقال مقاتل: معناه لا تشركوا الأصنام في الحرث والأنعام وهذا القول أيضًا يرجع إلى مجاوزة الحد لأن من شرك الأصنام في الحرث والأنعام فقد جاوز ما حد له.
وقال الزهري: معناه لا تنفقوا في معصية الله عز وجل.
وقال مجاهد: الإسراف ما قصرت به في حق الله تعالى ولو كان أبو قبيس ذهبًا فأنفقته في طاعة الله لم تكن مسرفًا ولو أنفقت درهمًا أو مدًا في معصية الله كنت مسرفًا.
وقال ابن زيد: إنما خوطب بهذا السلطان نهي أن يأخذ من رب المال فوق الذي ألزم الله ماله.
يقول الله عز وجل للسلاطين: لا تسرفوا أي لا تأخذوا بغير حق فكانت الآية بين السلطان وبين الناس.
وقوله تعالى: {إنه لا يحب المسرفين} فيه وعيد وزجر عن الإسراف في كل شيء لأن من لا يحبه الله فهو من أهل النار. اهـ.

.من فوائد القرطبي في الآية:

قال رحمه الله:
{وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَ جَنَّاتٍ مَعْرُوشَاتٍ وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ وَالنَّخْلَ وَالزَّرْعَ مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآَتُوا حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (141)} فيه ثلاث وعشرون مسألة:
الأولى: قوله تعالى: {أَنشَأَ} أي خلق.
{جَنَّاتٍ مَّعْرُوشَاتٍ} أي بساتين ممسوكات مرفوعات.
{وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} غير مرفوعات.
قال ابن عباس: {مَعْرُوشَاتٍ} ما انبسط على الأرض مما يفْرِشُ مثل الكروم والزروع والبَطّيخ.
{وَغَيْرَ مَعْرُوشَاتٍ} ما قام على ساق مثل النخل وسائر الأشجار.
وقيل: المعروشات ما ارتفعت أشجارها.
وأصل التعريش الرفع.
وعن ابن عباس أيضًا: المعروشات ما أثبته ورفعه الناس.
وغير المعروشات ما خرج في البراري والجبال من الثمار.
يدل عليه قراءة عليّ رضي الله عنه {مَغْرُوسَاتٍ وَغَيْرَ مَغْرُوسَاتٍ} بالغين المعجمة والسين المهملة.
الثانية: قوله تعالى: {والنخل والزرع} أفردهما بالذكر وهما داخلان في الجنات لما فيهما من الفضيلة؛ على ما تقدم بيانه في البقرة عند قوله: {مَن كَانَ عَدُوًّا للَّهِ وملائكته} [البقرة: 98] الآية.
{مُخْتَلِفًا أُكُلُهُ} يعني طعمه منه الجيّد والدُّون.
وسمّاه أكلًا لأنه يؤكل.
و{أُكُلُهُ} مرفوع بالابتداء.
و{مُخْتَلِفًا} نعته؛ ولكنه لما تقدم عليه ووَلِي منصوبًا نُصب.
كما تقول: عندي طباخًا غلام.
قال:
الشَّرُّ مُنْتَشِرٌ يَلقاك عن عُرُض ** والصالحاتُ عليها مُغلقًا بابُ

وقيل: {مُخْتَلِفًا} نصب على الحال.
قال أبو إسحاق الزجاج: وهذه مسألة مُشْكِلة من النحو؛ لأنه يقال: قد أنشأها ولم يختلف أكلها وهو ثمرها؛ فالجواب أن الله سبحانه أنشأها بقوله: {خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ} فأعلم أنه أنشأها مختلفًا أكلها؛ أي أنه أنشأها مقدّرًا فيه الاختلاف؛ وقد بيّن هذا سيبويه بقوله: مررت برجل معه صَقْرٌ صائدًا به غدًا، على الحال؛ كما تقول: لتدخلُنّ الدار آكلين شاربين؛ أي مقدّرين ذلك.
جواب ثالث: أي لما أنشأه كان مختلفًا أكله، على معنى أنه لو كان له أكُلٌ لكان مختلفًا أكله.
ولم يقل أكلهما؛ لأنه اكتفى بإعادة الذكر على أحدهما؛ كقوله: {وَإِذَا رَأَوْاْ تِجَارَةً أَوْ لَهْوًا انفضوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] أي إليهما.
وقد تقدّم هذا المعنى.
الثالثة: قوله تعالى: {والزيتون والرمان} عطف عليه {مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ} نصب على الحال، وقد تقدم القول فيه.
وفي هذه أدلة ثلاثة؛ أحدها: ما تقدم من قيام الدليل على أن المتغيرات لابد لها من مغيِّر.
الثاني: على المِنَّة منه سبحانه علينا؛ فلو شاء إذ خلقنا ألاّ يخلق لنا غذاء، وإذا خلقه ألاّ يكون جميل المَنْظر طيّب الطعم، وإذْ خلقه كذلك ألاّ يكون سهل الجَنْيِ؛ فلم يكن عليه أن يفعل ذلك ابتداء؛ لأنه لا يجب عليه شيء.
الثالث: على القدرة في أن يكون الماء الذي من شأنه الرّسوب يصعَد بقدرة الله الواحِد عَلاّمِ الغيوب من أسافل الشجرة إلى أعاليها، حتى إذا انتهى إلى آخرها نشأ فيها أوراقٌ ليست من جنسها، وثمرٌ خارج من صفته الجِرْم الوافر، واللون الزاهر، والجَنَى الجديد، والطعم اللذيذ؛ فأين الطبائع وأجناسها، وأين الفلاسفة وأُناسُها، هل في قدرة الطبيعة أن تتقن هذا الإتقان، أو ترتّب هذا الترتيب العجيب! كلا! لا يتم ذلك في العقول إلا لِحَيّ عالمٍ قديرٍ مُريدٍ.
فسبحان من له في كل شيء آية ونهاية!
ووجه اتصال هذا بما قبله أن الكفار لما افتَرَوْا على الله الكذب وأشركوا معه وحَلّلوا وحرّموا دَلّهُم على وحدانيته بأنه خالق الأشياء، وأنه جعل هذه الأشياء أرزاقًا لهم.
الرابعة: قوله تعالى: {كُلُواْ مِن ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} فهذان بناءان جاءا بصيغة افعل؛ أحدهما مباح كقوله: {فانتشروا فِي الأرض} [الجمعة: 10] والثاني واجب.
وليس يمتنع في الشريعة اقتران المباح والواجب، وبدأ بذكر نعمة الأكل قبل الأمر بإيتاء الحق ليبيّن أن الابتداء بالنعمة كان من فضله قبل التكليف.
الخامسة: قوله تعالى: {وَآتُواْ حَقَّهُ يَوْمَ حَصَادِهِ} اختلف الناس في تفسير هذا الحق ما هو؛ فقال أنس بن مالك وابن عباس وطاوس والحسن وابن زيد وابن الحنفية والضّحاك وسعيد بن المسيب: هي الزكاة المفروضة، العُشْر ونِصْفُ العُشْر.
ورواه ابن وَهْب وابن القاسم عن مالك في تفسير الآية، وبه قال بعض أصحاب الشافعيّ.
وحكى الزجاج أن هذه الآيةَ قيل فيها أنها نزلت بالمدينة.
وقال عليّ بن الحسين وعطاء والحَكَم وحمّاد وسعيد بن جُبير ومجاهد: هو حقٌّ في المال سوى الزكاة، أمر الله به نَدْبًا.
وروي عن ابن عمر ومحمد بن الحنفية أيضًا، ورواه أبو سعيد الخُدْرِيّ عن النبيّ صلى الله عليه وسلم.
قال مجاهد: إذا حَصَدت فحضرك المساكين فاطرح لهم من السُّنْبل، وإذا جَذَذت فألق لهم من الشماريخ، وإذا درسته ودسته وذَرّيْته فاطرح لهم منه، وإذا عرفت كيله فأخرج منه زكاته.
وقول ثالث هو منسوخ بالزكاة؛ لأن هذه السورة مكية وآية الزكاة لم تنزل إلا بالمدينة: {خُذْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ صَدَقَةً} [التوبة: 103]، {وَأَقِيمُواْ الصلاة وَآتُواْ الزكاة} [البقرة: 43].
روي عن ابن عباس وابن الحنفية والحسن وعطية العَوْفي والنَّخَعِيّ وسعيد بن جبير.
وقال سفيان: سألت السُّدّي عن هذه الآية فقال: نسخها العُشْر ونصف العُشر.
فقلت عمّن؟ فقال عن العلماء.
السادسة: وقد تعلّق أبو حنيفة بهذه الآية وبعموم ما في قوله عليه السلام: «فيما سَقَتِ السماءُ العُشْر وفيما سُقِي بنَضْح أو دَالِية نصفُ العُشْر» في إيجاب الزكاة في كل ما تُنبت الأرض طعامًا كان أو غيره.
وقال أبو يوسف عنه: إلا الحطب والحشيش والقَضْب والتِّين والسعف وقصَب الذرِيرة وقصب السكر.
وأباه الجمهور، معوّلين على أن المقصود من الحديث بيان ما يؤخذ منه العشر وما يؤخذ منه نصف العشر.
قال أبو عمر: لا اختلاف بين العلماء فيما علمت أن الزكاة واجبة في الحنطة والشعير والتمر والزبيب.
وقالت طائفة: لا زكاة في غيرها.
رُوي ذلك عن الحسن وابن سِيرين والشَّعْبيّ.
وقال به من الكوفيين ابن أبي لَيْلَى والثّورِيّ والحسن بن صالح وابن المبارك ويحيى بن آدم، وإليه ذهب أبو عبيد.
ورُوي ذلك عن أبي موسى عن النبيّ صلى الله عليه وسلم، وهو مذهب أبي موسى، فإنه كان لا يأخذ الزكاة إلا من الحنطة والشعير والتمر والزبيب؛ ذكره وَكيع عن طلحة بن يحيى عن أبي بُرْدة عن أبيه.
وقال مالك وأصحابه: الزكاة واجبة في كل مُقتات مدخر؛ وبه قال الشافعيّ.
وقال الشافعيّ: إنما تجب الزكاة فيما يَيْبس ويُدَّخر ويقتات مأكولًا.
ولا شيء في الزيتون لأنه إدام.
وقال أبو ثور مثله.
وقال أحمد أقوالًا أظهرها أن الزكاة إنما تجب في كل ما قاله أبو حنيفة إذا كان يُوسق؛ فأوجبها في اللَّوْز لأنه مكيل دون الجَوْز لأنه معدود.
واحتج بقوله عليه السلام: «ليس فيما دون خمسة أوْسُق من تمر أو حب صدقة» قال: فبيّن النبيّ صلى الله عليه وسلم أن محل الواجب هو الوَسْقُ، وبيّن المقدار الذي يجب إخراج الحق منه.
وذهب النَّخَعِيّ إلى أن الزكاة واجبة في كل ما أخرجته الأرض، حتى في عشر دَساتِج من بقل دستجةُ بقل.
وقد اختلف عنه في ذلك، وهو قول عمر بن عبد العزيز فإنه كتب أن يؤخذ مما تنبت الأرض من قليل أو كثير العُشْر؛ ذكره عبد الرازق عن مَعْمَر عن سِماك بن الفضل، قال: كتب عمر... فذكره.
وهو قول حماد بن أبي سليمان وتلميذِه أبي حنيفة.
وإلى هذا مال ابن العربيّ في أحكامه فقال: وأما أبو حنيفة فجعل الآية مرآته فأبصر الحق، وأخذ يَعْضُد مذهب الحنفِيّ ويقوّيه.
وقال في كتاب (القبس بما عليه الإمام مالك بن أنس) فقال: قال الله تعالى: {والزيتون والرمان مُتَشَابِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ}.
واختلف الناس في وجوب الزكاة في جميع ما تضمنته أو بعضه، وقد بيّنا ذلك، في (الأحكام) لُبَابُه، أن الزكاة إنما تتعلق بالمقْتات كما بيّنا دون الخضراوات؛ وقد كان بالطائف الرمان والفِرسِك والأُتْرُجُّ فما اعترضه رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا ذكره ولا أحد من خلفائه.
قلت: هذا وإن لم يذكره في الأحكام هو الصحيح في المسألة، وأن الخضراوات ليس فيها شيء.
وأما الآية فقد اختلف فيها، هل هي محكمة أو منسوخة أو محمولة على النَّدْب.
ولا قاطع يبين أحد مَحَامِلها، بل القاطع المعلوم ما ذكره ابن بكير في أحكامه: أن الكوفة افتتحت بعد موت النبيّ صلى الله عليه وسلم وبعد استقرار الأحكام في المدينة، أفيجوز أن يتوهّم متوهمٌ أو من له أدنى بصيرة أن تكون شريعة مثل هذه عُطّلت فلم يُعمل بها في دار الهجرة ومُستقَر الوحي ولا في خلافة أبي بكر، حتى عمِل بذلك الكوفيون؟.