فصل: قال الخازن:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الخازن:

قوله عز وجل: {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا على طاعم يطعمه}
اعلم أنه لما بين الله تعالى فساد طريقة أهل الجاهلية وما كانوا عليه من التضليل والتحريم من عند أنفسهم واتباع أهوائهم فيما أحلوه وحرموه من المطعومات أتبعه بالبيان الصحيح في ذلك وبيَّن أن التحريم والتحليل لا يكون إلا بوحي سماوي وشرع نبوي، فقال تعالى: {قل} أي قل يا محمد لهؤلاء المشركين الجاهلين الذي يحللون ويحرمون من عند أنفسهم {لا أجد فيما أوحي إليّ}، وقيل إنهم قالوا فما المحرم إذًا فنزل؟ {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا} يعني شيئًا محرمًا على طاعم يطعمه يعني على آكل يأكله {إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا} يعني سائلًا مصبوبًا {أو لحم خنزير فإنه رجس} أي نجس {أو فسقًا أهلّ لغير الله به} يعني ما ذبح على غير اسم الله تعالى فبين الله تعالى في هذه الآية أن التحريم والتحليل لا يكون إلا بوحي منه وأن المحرمات محصورة في الأربعة الأشياء المذكورة في هذه الآية وهي: الميتة والدم المسفوح ولحم الخنزير وما ذبح على غير اسم الله، وهذا مبالغة في أن التحريم لا يخرج عن هذه الأربعة وذلك أنه ثبت أنه لا طريق إلى معرفة المحرمات إلا بالوحي وثبت أن الله تعالى نص في هذه الآية على هذه الأربعة الأشياء ولهذا اختلف العلماء في حكم هذه الآية فذهب بعضهم إلى ظاهرها وأنه لا يحرم شيء من سائر المطعومات والحيوان إلا ما ذكر في هذه الآية؛ ويروى ذلك عن ابن عباس وعائشة وسعيد بن جبير وهو ظاهر مذهب مالك واحتجوا على ذلك بأن هذه الآية محكمة لأنها خبر والخبر لا يدخله النسخ واحتجوا بأن هذه الآية وإن كانت مكية لكن يعضدها آية مدنية وهي قوله تعالى في سورة البقرة: {إنما حرم عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهلَّ به لغير الله}، وكلمة إنما تفيد الحصر فصارت هذه الآية المدنية مطابقة للآية المكية في الحكم، وذهب جمهور العلماء إلى أن هذا التحريم لا يختص بهذه الأشياء المنصوص عليها في هذه الآية فإن المحرم بنص الكتاب هو ما ذكر في هذه الآية.
وقد حرمت السنة أشياء فوجب القول بها: منها تحريم الحمر الأهلية وكل ذي ناب من السباع ومخلب الطير.
عن المقدام بن معديكرب قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا هل عسى رجل يبلغه الحديث عني وهو متكئ على أريكته فيقول بيننا وبينكم كتاب الله فما وجدنا فيه حلالًا استحللناه وما وجدنا فيه حرامًا حرمناه وإنما حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم كما حرم الله تعالى» أخرجه الترمذي وقال حديث حسن غريب.
ولأبي داود قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا إني أوتيت الكتاب ومثله معه ألا يوشك رجل شبعان على أريكته يقول عليكم بهذا القرآن فما وجدتم فيه من حلال فأحلوه وما وجدتم فيه من حرام فحرموه ألا لا يحل لكم الحمار الأهلي ولا كل ذي ناب من السباع ولا لقطة معاهد إلا أن يستغني عنها صاحبها ومن نزل بقوم فعليهم أن يقروه فإن لم يقروه فله أن يعفيهم بمثل قراه».
عن ابن عباس قال: كان أهل الجاهلية يأكلون أشياء ويتركون أشياء تقذرًا فبعث الله نبيه صلى الله عليه وسلم وأنزل كتابه وأحل حلاله وحرم حرامه فما أحل فهو حلال وما حرم فهو حرام وما سكت عنه فهو معفو وتلا: {قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة} الآية أخرجه أبو داود.
(م) عن ابن عباس قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن كل ذي ناب من السباع وكل ذي مخلب من الطير».
(م) عن أبي هريرة «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى يوم خيبر عن أكل لحوم الحمر الأهلية».
(ق) عن جابر «أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن لحوم الحمر الأهلية وأذن في الخيل».
وفي رواية: «أكلنا من خيبر الخيل وحمر الوحش».
ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن الحمار الأهلي عن جابر «أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن أكل الهر وأكل ثمنه» وقد استثنى الشارع من الميتة السمك والجراد ومن الدم الكبد والطحال وأباح أكل ذلك وقد تقدم دليله.
والأصل في ذلك عند الشافعي أن كل ما لم يرد فيه نص بتحريم أو تحليل فما كان أمر الشرع بقتله كام ورد في الصحيح «خمس فواسق يقتلن في الحل والحرم وهي الحية والعقرب والفأرة والحدأة والكلب العقور» وروي عن سعد بن أبي وقاص «أن النبي صلى الله عليه وسلم أمر قتل الوزغ» أخرجه البخاري ومسلم، وسماه فويسقًا.
وعن ابن عباس قال: «نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتل أربع من الدواب: النملة والنحلة والهدهد والصرد» أخرجه أبو داود فهذا كله حرام لا يحل أكله وما سوى ذلك فالمرجع فيه إلى الأغلب من عادة العرب فما يستطيبه الأغلب منهم فهو حلال وما يستخبثه الأغلب منهم ولا يأكلونه فهو حرام لأن الله خاطبهم بقوله: {أحل لكم الطيبات} فما استطابوه فهو حلال فهذا تقرير ما يحل ويحرم من المطعومات.
وأما الجواب عن هذه الآية الكريمة فمن وجوه:
أحدها: أن يكون المعنى لا أجد محرمًا مما أهل الجاهلية يحرمونه من البحائر والسوائب وغيرها إلا ما أوحي إليّ في هذه الآية.
الوجه الثاني: أن يكون المراد وقت نزول هذه الآية لم يكن محرمًا غير ما ذكر ونص عليه في هذه الآية ثم حرم بعد نزولها أشياء أخر.
الوجه الثالث: يحتمل أن هذا اللفظ العام خصص بدليل آخر، وهو ما ورد في السنة.
الوجه الرابع: أن ما ذكر في هذه الآية محرم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ما ورد في السنة من المحرمات والله أعلم.
بقي في الآية أحكام في قوله تعالى: {أو دمًا مسفوحًا} وهو ما سال من الحيوان في حال الحياة أو عند الذبح فإن ذلك الدم حرام نجس وما سوى ذلك كالكبد والطحال فإنهما حلال لأنهما دمان جامدان.
وقد ورد الحديث بإباحتهما وكذا ما اختلط باللحم من الدم لأنه غير سائل، قال عمران بن جرير: سألت أبا مجلز عما يختلط باللحم من الدم وعن القدر يُرى فيها حمرة الدم فقال لا بأس بذلك وإنما نهي عن الدم المسفوح.
وقال إبراهيم النخعي: لا بأس بالدم في عرق أو مخ إلا المسفوح، وقال عكرمة: لولا هذه الآية لتتبع المسلمون الدم من العروق ما تتبع اليهود.
وقوله تعالى: {فمن اضطر غير باغ ولا عاد} لما بين الله المحرمات في هذه الآية أباح أكلها عند الاضطرار من غير بغي ولا عدوان، وفي قوله: {فإن ربك غفور رحيم} دليل على الرخصة والإباحة عند الاضطرار. اهـ.

.قال أبو حيان:

{قل لا أجد فيما أوحي إليّ محرمًا على طاعم يطعمه إلا أن يكون ميتة أو دمًا مسفوحًا أو لحم خنزير فإنه رجس أو فسقًا أُهلّ لغير الله به}
لما ذكر أنهم حرموا ما حرموا افتراء على الله، أمره تعالى أن يخبرهم بأن مدرك التحريم إنما هو بالوحي من الله تعالى وبشرعه لا بما تهوي الأنفس وما تختلقه على الله تعالى، وجاء الترتيب هنا كالترتيب الذي في البقرة والمائدة وجاء هنا هذه المحرمات منكرة والدم موصوف بقوله: {مسفوحًا} والفسق موصوفًا بقوله: {أهلَّ لغير الله به} وفي تينك السورتين معرفًا لأن هذه السورة مكية فعلق بالتنكير، وتانك السورتان مدنيتان فجاءت تلك الأسماء معارف بالعهد حوالة على ما سبق تنزيله في هذه السورة.
وروي عن ابن عامر {فيما أوحي} بفتح الهمزة والحاء جعله فعلًا ماضيًا مبنيًا للفاعل و{محرمًا} صفة لمحذوف تقديره مطعومًا ودل عليه قوله: {على طاعم يطعمه} ويطعمه صفة لطاعم.
وقرأ الباقر {بطعمه} بتشديد الطاء وكسر العين والأصل يطتعمه أبدلت تاؤه طاء وأدغمت فيها فاء الكلمة.
وقرأت عائشة وأصحاب عبد الله ومحمد بن الحنفية تطعمه بفعل ماض وإلا أن يكون استثناء منقطع لأنه كون وما قبله عين، ويجوز أن يكون نصبه بدلًا على لغة تميم ونصبًا على الاستثناء على لغة الحجاز.
وقرأ الابنان وحمزة إلا أن تكون بالتاء وابن كثير وحمزة {ميتة} بالنصب واسم {يكون} مضمر يعود على قوله: {محرمًا} وأنث لتأنيث الخبر.
وقرأ ابن عامر {ميتة} بالرفع جعل كان تامة.
وقرأ الباقون بالياء ونصب {ميتة} واسم كان ضمير مذكر يعود على {محرمًا} أي {إلا أن يكون} المحرم {ميتة} وعلى قراءة ابن عامر وهي قراءة أبي جعفر فيما ذكر مكي يكون قوله: {أو دمًا} معطوفًا على موضع {أن يكون} وعلى قراءة غيره، يكون معطوفًا على قوله: {ميتة} ومعنى {مسفوحًا} مصبوبًا سائلًا كالدم في العروق لا كالطحال والكبد، وقد رخص في دم العروق بعد الذبح.
وقيل لأبي مجلز: القدر تعلوها الحمرة من الدم.
فقال: إنما حرم الله تعالى المسفوح وقالت نحوه عائشة وعليه إجماع العلماء.
وقيل: الدم حرام لأنه إذا زايل فقد سفح.
والظاهر أن الضمير في {فإنه} عائد على {لحم خنزير} وزعم أبو محمد بن حزم أنه عائد على {خنزير} فإنه أقرب مذكور، وإذا احتمل الضمير العود على شيئين كان عوده على الأقرب أرجح وعورض بأن المحدث عنه إنما هو اللحم، وجاء ذكر {الخنزير} على سبيل الإضافة إليه لا أنه هو المحدث عنه المعطوف، ويمكن أن يقال: ذكر اللحم تنبيهًا على أنه أعظم ما ينتفع به من الخنزير وإن كان سائره مشاركًا له في التحريم بالتنصيص على العلة من كونه رجسًا أو لإطلاق الأكثر على كله أو الأصل على التابع لأن الشحم وغيره تابع للحم.
واختلفوا في هذه الآية أهي محكمة؟ وهو قول الشعبي وابن جبير فعلى هذا لا شيء محرم من الحيوان إلا فيها وليس هذا مذهب الجمهور.
وقيل: هي منسوخة بآية المائدة، وينبغي أن يفهم هذا النسخ بأنه نسخ للحصر فقط.
وقيل: جميع ما حرم داخل في الاستثناء سواء كان بنص قرآن أو حديث عن الرسول صلى الله عليه وسلم بالاشتراك في العلة التي هي الرجسية والذي نقوله: إن الآية مكية وجاءت عقيب قوله: {ثمانية أزواج} وكان أهل الجاهلية يحرمون ما يحرمون من البحائر والسوائب والوصائل والحوامي من هذه الثمانية، فالآية محكمة وأخبر فيها أنه لم يجد فيما أوحي إليه إذ ذاك من القرآن سوى ما ذكر ولذلك أتت صلة {ما} جملة مصدرة بالفعل الماضي فجميع ما حرّم بالمدينة لم يكن إذ ذاك سبق منه وحي فيه بمكة فلا تعارض بين ما حرم بالمدينة وبين ما أخبر أنه أوحي إليه بمكة تحريمه، وذكر {الخنزير} وإن لم يكن من ثمانية الأزواج لأن من الناس من كان يأكله إذ ذاك ولأنه أشبه شيء بثمانية الأزواج في كونه ليس سبعًا مفترسًا يأكل اللحوم ويتغذى بها، وإنما هو من نمط الثمانية في كونه يعيش بالنبات ويرعى كما ترعى الثمانية.
وذكر المفسرون هنا أشياء مما اختلف أهل العلم فيه ونلخص من ذلك شيئًا، فنقول: أما الحمر الأهلية: مذهب الشعبي: وابن جبير إلى انه يجوز أكلها وتحريم رسول الله لها إنما كان لعلة واما لحوم الخيل فاختلف فيها السلف وأباحها الشافعي وابن حنبل وأبو يوسف ومحمد بن الحسن، وعن أبي حنيفة الكراهة.
فقيل: كراهة تنزيه.
وقيل: كراهة تحريم وهو قول مالك والأوزاعي والحكم بن عيينة وأبي عبيد وأبي بكر الأصم وقال به من التابعين مجاهد ومن الصحابة ابن عباس، وروى عنه خلافه وقد صنف في حكم لحوم الخيل جزءًا أقاضي القضاة شمس الدين أحمد بن ابراهيم بن عبد الغني السروجي الحنفي رحمه الله قرأناه عليه وأجمعوا على تحريم البغال، وأما الحمار الوحشي إذا تأنس فذهب أبو حنيفة وأصحابه والحسن بن صالح والشافعي إلى جواز أكله وروى ابن القاسم عن مالك أنه إذا دجن وصار يعمل عليه كما يعمل على الأهلي أنه لا يؤكل.
وقال أبو حنيفة وأبو يوسف وزفر ومحمد: لا يحل أكل ذي الناب من السباع وذي المخلب من الطير.
وقال مالك: لا يؤكل سباع الوحش ولا البر وحشيًا كان أو أهليًا ولا الثعلب ولا الضبع ولا بأس بأكل سباع الطير الرخم والعقاب والنسور وغيرها ما أكل الجيفة وما لم يأكل.
وقال الأوزاعي: الطير كله حلال إلا أنهم يكرهون الرخم.
وقال الشافعي: ما عدا على الناس من ذي الناب كالأسد والذئب والنمر وعلى الطيور من ذي المخلب كالنسر والبازي لا يؤكل، ويؤكل الثعلب والضبع وكره أبو حنيفة الغراب الأبقع لا الغراب الزرعي والخلاف في الحدأة كالخلاف في العقاب والنسر وكره أبو حنيفة الضب.
وقال مالك والشافعي: لا بأس به والجمهور على أنه لا يؤكل الهر الإنسي وعن مالك جواز أكله إنسيًا كان أو وحشيًا وعن بعض السلف جواز أكل إنسيه.
وقال ابن أبي ليلى: لا بأس بأكل الحية إذا ذكيت.
وقال الليث: لا بأس بأكل القنفذ وفراخ النحل ودود الجبن ودود التمر ونحوه وكذا قال ابن القاسم عن مالك في القنفذ.
وقال أبو حنيفة والشافعي: لا تؤكل الفأرة.
وقال أبو حنيفة: لا يؤكل اليربوع.
وقال الشافعي: يؤكل وعن مالك في الفأر التحريم والكراهة والإباحة، وذهب أبو حنيفة والشافعي وأصحابهما إلى كراهة أكل الجلالة.
وقال مالك والليث: لا بأس بأكلها.
وقال صاحب التحرير والتحبير: وأما المخدرات كالبنج والسيكران واللفاح وورق القنب المسمى بالحشيشة فلم يصرح فيها أهل العلم بالتحريم وهي عندي إلى التحريم أقرب، لأنها إن كانت مسكرة فهي محرّمة بقوله صلى الله عليه وسلم: «ما أسكر كثيره فقليله حرام».