فصل: تفسير الآية رقم (23):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وانطلاقًا من هذه القاعدة وعلى هذا الأساس تقاس الأعمال التي تصدر من الشخصيات الكبيرة بمكانتهم وشأنهم الممتاز، وربّما يطلق على ذلك العمل- مع مقايسته بذلك- لفظ العصيان والذنب.
فالصّلاة التي يقوم بها فرد عادي قد تعتبر صلاة ممتازة، ولكنّها تعدّ معصية إِذا صدر مثلها من أولياء الله، لأن لحظة واحدة من الغفلة في حال العبادة لا تناسب مقامهم ولا تليق بشأنهم. بل نظرًا لعلمهم وتقواهم ومنزلتهم القريبة يجب أن يكونوا حال عبادة الله تعالى مستغرقين في صفات الله الجمالية والجلالية، وغارقين في التوجه إِلى عظمته وحضرته.
وهكذا الحال في سائر أعمالهم، فإِنّها على غَرار عباداتهم، يجب أن تقاس بمنازلهم وشؤونهم، ولهذا إِذا صدر منهم ترك الأولى عوتبوا من جانب الله، والمراد من ترك الأَولى، هو أن يترك الإِنسان فعل ما هو الأفضل، ويعمد إِلى عمل جيد أو مُستحبّ أدنى منه في الفضل.
فإنّنا نقرأ في الأحاديث الإِسلامية أن ما أُصيب به يعقوب من محنةِ فراقِ ولده يوسف، كان لأجل غفلته عن إِطعام فقير صائم وقف على باب بيته عند غروب الشمس يطلب طعامًا، فغفل يعقوب عن اطعامه، فعاد ذلك الفقير جائعًا منكسرًا خائبًا.
فلو أنّ هذا الصنيع صدر من إِنسان عادي من عامّة الناس لما حظي بمثل هذه الأهمية والخطورة، ولكن يُعدّ صدوره من نبيّ إِلهيٍّ كبير، ومن قائد أُمّة أمرًا مُهمًّا وخطيرًا استتبع عقوبةً شديدةً من جانبِ الله تعالى.
إِنّ نهي آدم عن الشجرة الممنوعة لم يكن نهيًا تحريميًا، بل كان ترك أَوْلى، ولكن نظرًا إِلى مكانة آدم ومقامه ومرتبته عُدَّ صدورُه أمرًا مهمًا وخطيرًا، واستوجب مخالفة هذا النهي وإِن كان نهيًا كراهيًا وتنزيهيًا تلك العقوبة والمؤاخذة من جانب الله تعالى.
هذا وقد احتمل بعض المفسّرين- أيضًا- أنّ نهي آدم عن الشجرة الممنوعة كان نهيًا إِرشاديًا لا نهيًا مولويًا، وتوضيح ذلك: أنه قد ينهى الله تعالى عن شيء من منطلق كونه مالك الإِنسان وصاحب أمره ومولاه، وطاعة هذا النوع من النهي واجبة على كل أحد من الناس، وهذا النوع من النهي يسمى نهيًا مولويًا.
ولكنّه قد ينهي عن شيء لمجرّد أن ينبه الإِنسان على أن ارتكاب هذا النهي ينطوي على أثر غير محمود تمامًا، مثل نهي الطبيب عن الأطعمة المضّرة، ولا شك في أنّ المريض لو خالَفَ الطبيب لا يكون قد أهان الطبيب، ولا أنّه خالف شخصه، بل يكون بتجاهله نهيَ الطبيب قد تجاهَلَ إِرشاده، وجرّ إِلى نفسه التَعَب والنَصَب.
وفي قصة آدم أيضًا قال الله تعالى له: إِنّ نتيجة الأكل من الشجرة الممنوعة هي الخروج من الجنّة، والوقوع في التعب والنصب، وكان هذا مجرّد إرشاد وليس أمرًا، وبهذا فإِنّ آدم خالفَ نهيًا إِرشاديًا فقط، لا أنّه أتى عصيانًا وذنبًا واقعيًا.
ولكنَ التّفسير الأوّل أصحّ، لأنَّ النهي الإِرشاديّ لا يحتاج إِلى مغفرة، في حين أنَّ آدم- ما سنقرأ في الآية اللاحقة- يطلب من الله تعالى الغفران، هذا مضافًا إِلى أنّ فترة الجنّة كانت تعدّ فترةً تدريبية وتعليمية بالنسبة لآدم...، فترة الوقوف على التكاليف والأوامر والنواهي الإِلهية... فترة معرفة الصّديق والعدو... فترة الوقوف على نتائج العصيان وثمرة مخالفة الأمر الإِلهي واتباع الشيطان وقبول وساوسه، ونحن نعلم أنّ النهي الإِرشادي ليس في حقيقته تكليفًا، ولا ينطوي على تعهّد، ولا يورث مسؤولية.
وفي خاتمة هذا البحث نذكّر القارئ بأنّ كلمة النهي والعصيان والغفران والظلم تبدو في بادئ النظر وكأنها تعطي معنى المعصية المطلقة والذنب الحقيقي وآثاره، ولكن نظرًا لمسألة عصمة الأنبياء الثابتة بالدليل العقلي والنقلي تُحمل جميع هذه التعابير على العصيان النسبيّ وهذا الأمر لا يبدو بعيدًا عن ظاهر اللفظ بالنظر إِلى منزلة آدم وسائر الأنبياء العظيمة وسموّ مقامه. اهـ.

.تفسير الآية رقم (23):

قوله تعالى: {قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

قال البقاعي:
ولما كان هذا، تشوف السامع إلى جوابهما، فأجيب بقوله: {قالا} أي آدم وحواء- عليهما السلام وأزكى التحية والإكرام- قول الخواص بإسراعهما في التوبة {ربنا} أي أيها المحسن إلينا والمنعم علينا {ظلمنا أنفسنا} أي ضررناها بأن أخرجناها من نور الطاعة إلى ظلام المعصية، فإن لم ترجع بنا وتتب علينا لنستمر عاصيين {وإن لم تغفر لنا} أي تمحو ما عملناه عينًا واثرًا {وترحمنا} فتعلي درجاتنا {لنكونن من الخاسرين} فأعربت الآية عن أنهما فزعا إلى الانتصاب بالاعتراف، وسيما ذنبهما- وإن كان إنما هو خلاف الأولى لأنه بطريق النسيان كما في طه- ظلمًا كما هي عادة الأكابر في استعظام الصغير منهم، ولم يجادلا كما فعل إبليس، وفي ذلك إشارة إلى أن المبادرة إلى الإقرار بالذنب من فعال الأشراف لكونه من معالي الأخلاق، وأنه لا مثيل له في اقتضاء العفو وإزالة الكدر وأن الجدال من فعال الأرذال ومن مساوي الأخلاق وموجبات الغضب المقتضى للطرد. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ}
اعلم أن هذه الآية مفسرة في سورة البقرة، وقد ذكرنا هناك أن هذه الآية تدل على صدور الذنب العظيم من آدم عليه السلام، إلا أنا نقول: هذا الذنب إنما صدر عنه قبل النبوة.
وعلى هذا التقدير فالسؤال زائل. اهـ.

.قال السمرقندي:

قوله عز وجل: {قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا}
بأكلنا الشجرة فاغفر لنا وتجاوز عن معصيتنا {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا} يعني: إن لم تتجاوز عن ذنوبنا {لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} بالعقوبة فهذه لام القسم كأنهما قالا: والله لنكونن من الخاسرين إن لم تغفر لنا وترحمنا.
وقد ذكر الله تعالى قبول توبتهما في سورة البقرة.
وهو قوله تعالى: {فتلقى ءَادَمُ مِن رَّبِّهِ كَلِمَاتٍ فَتَابَ عَلَيْهِ إِنَّهُ هُوَ التواب الرحيم} [البقرة: 37] أي قبل توبته.
وفي الآية دليل أنّ الله تعالى يعذب عباده إذا أصروا على الذنوب ويتجاوز عنهم إذا تابوا، لأن إبليس لم يتب، وسأل النظرة، فجعل مأواه جهنم.
وتاب آدم ورجع عن ذنبه فقبل توبته. اهـ.

.قال ابن عطية:

وقولهما {ربنا ظلمنا أنفسنا}
اعتراف من آدم وحواء عليهما السلام وطلب للتوبة والستر والتغمد بالرحمة، فطلب آدم هذا وطلب إبليس النظرة ولم يطلب التوبة فوكل إلى رأيه، قال الضحاك هذه الآية هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه. اهـ.

.قال الخازن:

قوله عز وجل: {قالا ربنا ظلمنا أنفسنا}
وهذا خبر من الله عز وجل عن آدم عليه الصلاة والسلام وحواء عليها السلام واعترافهما على أنفسهما بالذنب والندم على ذلك والمعنى: قالا يا ربنا إنا فعلنا بأنفسنا من الإساءة إليها بمخالفة أمرك وطاعة عدونا وعدوك ما لم يكن لنا أن نطيعه فيه من أكل الشجرة التي نهيتنا عن أكلها {وإن لم تغفر لنا} يعني وأنت يا ربنا إن لم تستر علينا ذنبنا {وترحمنا} يعني وتتفضل علينا برحمتك {لنكونن من الخاسرين} يعني من الهالكين.
قال قتادة: قال آدم يا رب أرأيت إن تبت إليك واستغفرتك، قال: إذًا أدخلك الجنة.
وأما إبليس فلم يسأله التوبة وسأله أن ينظره فأعطى كل واحد مهما ما سأل وقال الضحاك في قوله: {ربنا ظلمنا أنفسنا} قال: هي الكلمات التي تلقّاها آدم عليه الصلاة والسلام من ربه عز وجل.
فصل:
وقد استدل من يرى صدور الذنب من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام بهذه الآية وأجيب عنه بأن درجة الأنبياء عليهم الصلاة والسلام في الرقعة والعلو والمعرفة بالله عز وجل مما حملهم على الخوف منه والإشفاق من المؤاخذة بما لم يؤاخَذ به غيرهم وأنهم ربما عوتبوا بأمور صدرت منهم على سبيل التأويل والسهو فهم بسبب ذلك خائفون وجِلون وهي ذنوب بالإضافة إلى علو منصبهم وسيئات بالنسبة إلى كمال طاعتهم لا أنها ذنوب كذنوب غيرهم ومعاص كمعاصي غيرهم فكان ما صدر منهم، مع طهارتهم ونزاهتهم وعمارة بواطنهم بالوحي السماوي والذكر القدسي وعمارة ظواهرهم بالعمل الصالح والخشية لله عز وجل، ذنوبًا وهي حسنات بالنسبة إلى غيرهم كما قيل: حسنات الأبرار سيئات المقربين.
يعني أنهم يرونها بالنسبة إلى أحوالهم كالسيئات وهي حسنات لغيرهم.
وقد تقدم في سورة البقرة أن أكل آدم من الشجرة هل كان قبل النبوة أو بعدها؟ والخلاف فيه فأغنى عن الإعادة. والله أعلم. اهـ.

.قال أبو حيان:

{قالا رّبنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكوننّ من الخاسرين}
قال الزمخشري وسمّيا ذنبهما وإن كان صغيرًا مغفورًا ظلمًا وقالا {لنكوننّ من الخاسرين} على عادة الأولياء والصالحين في استعظامهم الصغير من السيئات، وقال ابن عطية اعتراف من آدم وحوّاء عليهما السلام وطلب للتوبة والسّتر والتغمّد بالرّحمة فطلب آدم هذا وطلب إبليس النظرة ولم يطلب التوبة فوكل إلى رأيه، قال الضحاك: هذه الآية هي الكلمات التي تلقى آدم من ربه، وقيل: سعد آدم بخمسة أشياء اعترف بالمخالفة وندم عليها، ولام نفسه وسارع إلى التوبة ولم يقنط من الرحمة، وشقي إبليس بخمسة أشياء لم يقرّ بالذنب، ولم يندم، ولم يسلم نفسه بل أضاف إلى ربّه الغواية، وقنط من الرحمة، و{لنكوننّ} جواب قسم محذوف قبل {إن} كقوله: {وإن لم ينتهوا عما يقولون ليمسنّ} التقدير والله إن لم يغفر لنا وأكثر ما تأتي إنّ هذه ولام التوطئة قبلها كقوله: {لئن لم ينته} ثم قال: لنغرينّك بهم. اهـ.

.قال أبو السعود:

{قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} أي ضرّرناها بالمعصية والتعريضِ للإخراج من الجنة {وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا} ذلك {وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} وهو دليلٌ على أن الصغائرَ يُعاقب عليها إن لم تُغفرْ، وقالت المعتزلةُ: لا يجوز المعاقبةُ عليها مع اجتناب الكبائرِ، ولذلك حمَلوا قولَهما ذلك على عادات المقربين في استعظام الصغيرِ من السيئات واستصغارِ العظيمِ من الحسنات. اهـ.

.قال الألوسي:

{قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23)}
{قَالاَ رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنفُسَنَا} أي ضررناها بالمعصية، وقيل: نقصناها حظها بالتعرض للإخراج من الجنة، وحذفا حرف النداء مبالغة في التعظيم لما أن فيه طرفًا من معنى الأمر.
{وَإِن لَّمْ تَغْفِرْ لَنَا} ذلك بعدم العقاب عليه {وَتَرْحَمْنَا} بالرضا علينا، وقيل: المراد وإن لم تستر علينا بالحفظ عما يتسبب نقصان الحظ وترحمنا بالتفضل علينا بما يكون عوضًا عما فاتنا {لَنَكُونَنَّ مِنَ الخاسرين} جواب قسم مقدر دل على جواب الشرط السابق على ما قيل.
واستدل بالآية على أن الصغائر يعاقب عليها مع اجتناب الكبائر إن لم يغفر الله تعالى.
وذهبت المعتزلة إلى أن اجتناب الكبائر يوجب تكفير الصغائر وإن لم يتب العبد منها، وجعلوا لذلك ما ذكر هنا جاريا على عادة الأولياء والصالحين في تعظيمهم الصغير من السيآت وتصغيرهم العظيم من الحسنات فلا ينافي كونهما مغفورًا لهما، والكثير من أهل السنة جعلوه من باب هضم النفس بناء على أن ما وقع كان عن نسيان ولا كبيرة ولا صغيرة معه.
وادعى الإمام أن ذلك الإقدام كان صغيرة، وكان قبل نبوة آدم عليه السلام إذ لا يجوز على الأنبياء عليهم السلام بعد النبوة كبيرة ولا صغيرة، والكلام في هذه المسئلة مشهور. اهـ.