فصل: قال القاسمي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وكان ينكر عليهم من لا توافق أعمالُهم هواه: كما وقع لامرئ القيس، حيث عزم على قتال بني أسد بعد قتلهم أباه حُجْرًا، فقصد ذا الخَلَصة صنمَ خَثْعَمَ واستقسم عنده بالأزلام فخرج له النّاهي فكسر الأزلام وقال:
لو كنتَ يا ذا الخَلَص الموتورا ** مِثْلي وكان شيخُك المقبورا

لَمْ تنهَ عن قتل العُداة زُورًا

ثمّ جاء الإسلام فنعى عليهم أعمالهم الفاسدة، وأسمعهم قوارع القرآن فحينئذ تصدّوا للاعتذار.
وقد علم من السّياق تشنيع معذرتهم وفساد حجّتهم.
ودلّت الآية على إنكار ما كان مماثلًا لهذا الاستدلال وهو كلّ دليل توكأ على اتّباع الآباء في الأمور الظّاهر فسادها وفحشها، وكلّ دليل استند إلى ما لا قبل للمستدل بعلمه، فإنّ قولهم: {والله أمرنا بها} دعوى باطلة إذ لم يبلغهم أمر الله بذلك بواسطة مبلّغ، فإنّهم كانوا ينكرون النّبوءة، فمن أين لهم تلقي مراد الله تعالى.
وقد ردّ الله ذلك عليهم بقوله لرسوله: {قل إن الله لا يأمرنا بالفحشاء} فَأعْرَضَ عن ردّ قولهم: {وجدنا عليها آباءنا} لأنّه إن كان يراد ردّه من جهة التّكذيب فهم غير كاذبين في قولهم، لأنّ آباءهم كانوا يأتون تلك الفواحش، وإن كان يراد ردّه من جهة عدم صلاحيته للحجّة فإنّ ذلك ظاهر، لأنّ الإنكار والنّهي ظاهر انتقالهما إلى آبائهم، إذ ما جاز على المثل يجوز على المماثل، فصار ردّ هذه المقدّمة من دليلهم بديهيًا وكان أهمّ منه ردّ المقدّمة الكبرى، وهي مناط الاستدلال، أعني قولهم: {والله أمرنا بها}.
فقوله: {قل إن الله لا يأمر بالفحشاء} نقض لدعواهم أنّ الله أمَرهم بها أي بتلك الفواحش، وهو ردّ عليهم، وتعليم لهم، وإفاقة لهم من غرورهم، لأنّ الله متّصف بالكمَال فلا يأمر بما هو نقص لم يرضه العقلاء وأنكروه، فكون الفعل فاحشة كاف في الدّلالة على أنّ الله لا يأمر به لأنّ الله له الكمال الأعلى، وما كان اعتذارهم بأنّ الله أمر بذلك إلاّ عن جهل، ولذلك وبَّخهم الله بالاستفهام التّوبيخي بقوله: {أتقولون على الله ما لا تعلمون} أي ما لا تعلمون أنّ اللهأمر به، فحُذف المفعول لدلالة ما تقدّم عليه، لأنّهم لم يعلموا أنّ الله أمرهم بذلك إذ لا مستند لهم فيه، وإنّما قالوه عن مجرّد التّوهّم، ولأنّهم لم يعلموا أنّ الله لا يليق بجلاله وكماله أن يأمر بمثل تلك الرّذائل.
وضمن: {تقولون} معنى تكذيون أو معنى تتقَوّلون، فلذلك عُدّي بعَلى، وكان حقّه أن يعدى بعَنْ لو كان قولًا صحيح النّسبة، وإذ كان التّوبيخ واردًا على أن يقولوا على الله ما لا يعلمون كان القول على الله بما يُتحقّق عدمُ وروده من الله أحرى.
وبهذا الرد تمحض عملهم تلك الفواحش للضّلال والغرور واتّباع وحي الشّياطين إلى أوليائهم أئمّة الكفر، وقادة الشّرك: مثل عَمْرو بن لُحَي، الذي وَضَعَ عبادة الأصنام، ومثل أبي كَبشة، الذي سنّ عبادة الشّعري من الكواكب، ومثل ظالم بن أسْعد، الذي وضع عبادة العُزى، ومثل القلَمَّسسِ، الذي سنّ النَّسيء إلى ما اتّصل بذلك من موضوعات سدنة الأصنام وبيوتتِ الشّرك.
واعلم أن ليس في الآية مستند لإبطال التّقليد في الأمور الفرعيّة أو الأصول الدّينيّة لأنّ التّقليد الذي نعاه الله على المشركين هو تقليدهم مَن ليسوا أهلًا لأنّ يقلَّدوا، لأنّهم لا يرتفعون عن رتبة مقلِّديهم، إلاّ بأنّهم أقدم جيلًا، وأنّهم آباؤهم، فإنّ المشركين لم يعتذروا بأنّهم وجدوا عليه الصّالحين وهداة الأمّة، ولا بأنّه ممّا كان عليه إبراهيم وأبناؤه، ولأنّ التّقليد الذي نعاه الله عليهم تقليد في أعمال بديهيّة الفساد، والتّقليد في الفساد يستوي، هو وتسنينه، في الذّم، على أنّ تسنين الفساد أشدّ مذمّة من التّقليد فيه كما أنبأ عنه الحديث الصّحيح: «مَا من نفس تُقتل ظُلمًا إلاّ كان على ابنِ آدم الأولِ كِفْل من دمها ذلك لأنّه أوّلُ من سَنّ القتل» وحديث: «مَن سَنّ سُنّة سَيِّئة فعليه وزرها ووزر من عَمِل بها إلى يوم القيامة».
فما فرضه الذين ينزعون إلى علم الكلام من المفسّرين في هذه الآية من القول في ذمّ التّقليد ناظر إلى اعتبار الإشراك داخلًا في فعل الفواحش. اهـ.

.قال القاسمي:

{وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} أي: ما تناهى قبحه من الذنوب، كالشرك وكشف العورة في الطواف {قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا} أي: إذا فعلوها إعتذروا بأن آباءهم كانوا يفعلونها، فاقتدوا بهم، وبأن الله أمرهم بأن يفعلوها، حيث أقرنا عليها إذ لو كرهها لنقلنا عنها، وهما باطلان، لأن أحدهما تقليد للجهال، والتقليد ليس بطريق للعلم، والثاني افتراء على ذي الجلال.
قال الشهاب: في قوله تعالى: {وَاللّهُ أَمَرَنَا}: مضاف مقدر أي: أمر آباءنا، فلا يقال الظاهر أمرهم بها، والعدول عن الظاهر إشارة إلى إدعاء أن أمر آباءهم أمر لهم.
{قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء} أي: هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك، لأن عادته سبحانه وتعالى جرت على الأمر بمحاسن الأفعال والحث على مكارم الخصال: {أَتَقُولُونَ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} إنكار لإضافتهم الأمر بالفحشاء إليه سبحانه، يتضمن النهي عن الإفتراء عليه تعالى، وفيه شهادة على أن مبنى قولهم على الجهل المفرط.
قال الشهاب: ولا دليل في الآية لمن نفى القياس، بناء على أن ما يثبت به مظنون لا معلوم، لأنه مخصوص في عمومها بإجماع الصحابة ومن يعتد به، أو بدليل آخر.
تنبيه:
قال مجاهد: كان المشركون يطوفون بالبيت عراةً، يقولون: نطوف كما ولدتنا أمهاتنا، فتضع المرأة على قُبُلها النِّسعة أو الشيء وتقول:
اليومَ يبدو بعضهُ أو كلُّهُ وما بدا منه فلا أُحِلُّهُ

فأنزل الله: {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً} الآية، قال ابن كثير: كانت العرب، ما عدا قريشًا، لا يطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها.
وكانت قريش- وهم الحمس- يطوفون في ثيابهم، ومن أعاره أحمسي ثوبًا طاف فيه، ومن معه ثوب جديد طاف فيه ثم يلقيه، فلا يتملكه أحد، ومن لم يجد ثوبًا جديدًا، ولا أعاره أحمسي ثوبًا، طاف عريانًا، وربما كانت امرأة، فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئًا ليستره بعد الستر، فتقول: اليوم يبدو...- البيت- وأكثر ما كان النساء يطفن بالليل، وكان هذا شيئًا قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع، فأنكر تعالى عليهم ذلك.
وذكر السيوطي في الإكليل عن ابن عباس أيضًا، أنه نزلت في طوافهم بالبيت عراة، رواه أبو الشيخ وغيره، قال: ففيها وجوب ستر العورة في الطواف.
تنبيهان:
الأول: ذهب المعتزلة إلى أن الإرادة مدلول الأمر، ولازمة له، والفحشاء- أعني الشرور والمعاصي- غير مأمور بها بنص الآية، فلا تكون مرادة له تعالى.
وأجاب أهل السنة بأن الأمر قد ينفك عن الإرادة، بمعنى أنه يوجد بدون الإرادة، فلا تكون الإرادة تابعة له وجودًا، ومما يوضح أن الشيء قد يؤمر به ولا يكون مرادًا، أن السيد إذا أراد أن يظهر على الحاضرين عصيان عبده، يأمره بالشيء ولا يريده منه.
ومنها أن الأمر أمران:
أمر تكويني: يحصل به وجود الأشياء، وهو خطاب كن وهو تابع للإرادة، يعم جميع الكائنات. فالطاعات والمعاصي كلها مأمورة ومرادة بهذا الأمر، ولا يتعلق بهذا الأمر الطاعة والعصيان والثواب والعقاب، لأنه يتعلق بالأشياء حال العدم.
وأمر تشريعي تدويني: أي: شرعه الله لعباده، وكلفهم به، مما دون في كتب الشريعة وبُين، وهذا الأمر يتعلق به الطاعة والعصيان والثواب والعقاب والرضا والسخط، والكفر والمعاصي ليست مأمورة بهذا الأمر.
والمعتزلة لم يفرقوا بين الأمرين، وقالوا: إن الكفر والمعاصي لو كانت مراده تعالى، لكانت مأمورًا بها، وإتيان المأمور به طاعة، فيكون الكافر والفاسق مطيعين، فإنهما مأمور بهما بالأمر الأول، وليس مأمورًا بهما بالأمر الثاني، حتى يكون إتيانهما طاعة.
قال السيلكوتي: ولا يخفى عليك تقسيم الأمر إلى أمرين، إنما يستقيم إذا كان قوله تعالى: {إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ} على ظاهره، كما ذهب إليه البعض.
وأما إذا كان عبارة عن الإيجاد من غير أن يتعلق بها خطاب، كما ذهب إليه الأشعري ومن تبعه، فلا. انتهى.
والمسألة مبسوطة في محالها المعروفة.
الثاني: قوله تعالى: {قُلْ إِنَّ اللّهَ لاَ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاء} جواب عن شبهتهم الثانية.
ولم يذكر جوابًا عن الأولى، قال الإمام: لأنها إشارة إلى محض التقليد، وقد تقرر في المعقول أنه طريقة فاسدة، لأن التقليد حاصل في الأديان المتناقضة، فلو كان التقليد حقًا، لزم القول بحقية الأديان المتناقضة، فلما كان فساده ظاهرًا، لم يذكره تعالى.
الثالث: قال في فتح البيان: في هذه الآية الشريفة أعظم زاجر، وأبلغ واعظ، للمقلدة الذين يتبعون آباءهم في المذاهب المخالفة للحق، فإن ذلك من الاقتداء بأهل الكفر، لا بأهل الحق، فإنهم القائلون: {إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُقْتَدُونَ}
والقائلون: {وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءنَا وَاللّهُ أَمَرَنَا بِهَا}. والمقلد، لولا اغتراره بكونه وجد آباءه على ذلك المذهب، مع اعتقاده بأنه الذي أمر الله به، وأنه الحق لم يبق عليه.
وهذه الخصلة هي التي بقى بها اليهودي على يهوديته، والنصراني على نصرانيته، والمبتدع على بدعته، فما أبقاهم على هذه الضلالات إلا كونهم وجدوا آباءهم في اليهودية والنصرانية والبدعة، وأحسنوا الظن بهم بأن ما هم عليه هو الحق الذي أمر الله به، ولم ينظروا لأنفسهم ولا طلبوا الحق كما يجب، ولا بحثوا عن الله كما ينبغي، وهذا هو التقليد البحت القصور الخالص.
ثم قال: وإن من أعجب الغفلة وأعظم الذهول عن الحق، اختيار المقلدة لآراء الرجال، مع وجود كتاب الله ووجود سنة رسوله بين ظهرانيهم، ووجود من يأخذونهما عنه بين أيديهم، ووجود آلة الفهم لديهم، وملكة العقل عندهم. انتهى. اهـ.

.قال الشعراوي:

{وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آَبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا}
والفاحشة مأخوذة من التفحش أي التزايد في القبح، ولذلك صرفها بعض العلماء إلى لون خاص من الذنوب، وهو الزنا، لأن هذا تزيد في القبح، فكل معصية يرتكبها الإنسان تنتهي بأثرها، لكن الزنا يخلف آثارًا.. فإمّا أن يوأد المولود، وإما أن تجهض المرأة، وإما أن تلد طفلها وتلقيه بعيدًا، ويعيش طريدًا في المجتمع لا يجد مسئولًا عنه، وهكذا تصبح المسألة ممتدة امتدادًا أكثر من أي معصية أخرى. وتصنع هذه المعصية الشك في المجتمع. ولنا أن نتصور إن إنسانًا يشك في أن من ينسبون إليه ويحملون اسمه ليسوا من صلبه، وهذه بلوى كبيرة للغاية. والذين قالوا: إن الفاحشة المقصود بها الزنا نظروا إلى قول الله سبحانه: {وَلاَ تَقْرَبُواْ الزنى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاءَ سَبِيلًا} [الإسراء: 32]
أو الفاحشة هي ما فيه حد، أو الفاحشة هي الكبائر، ونحن نأخذها على أنها التزيد في القبح على أي لون من الألوان.
فما هي الفاحشة المقصودة هنا؟. إنها الفواحش التي تقدمت في قوله: {مَا جَعَلَ الله مِن بَحِيرَةٍ وَلاَ سَائِبَةٍ...} [المائدة: 103]
وكذلك ما جاء في قوله تعالى: {وكذلك زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِّنَ المشركين قَتْلَ أَوْلاَدِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ...} [الأنعام: 137]
وكذلك في قوله الحق سبحانه: {وَجَعَلُواْ للَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الحرث والأنعام نَصِيبًا فَقَالُواْ هذا للَّهِ بِزَعْمِهِمْ وهذا لِشُرَكَائِنَا...} [الأنعام: 136]
أو أن المقصود أنهم كانوا يطوفون بالبيت عراة، فيطوف الرجال نهارًا، والنساء يطفن ليلًا، لماذا؟. لأنهم ادَّعَوْا الورع. وقالوا: نريد أن نطوف إلى بيت ربنا كما ولدتنا أمهاتنا، وأن نتجرد من متاع الدنيا، ولا نطوف ببيت الله في ثياب عصينا الله فيها.
وقولهم: {وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا} تقليد، والتقليد لا يعطي حكمًا تكليفيًا، وإن أعطى علمًا تدريبيا، بأن ندرب الأولاد على مطلوب الله من المكلف ليستطيعوا ويألفوا ما يكلفون به عندما يصلون إلى سن التكليف. ومما يدل على أن التقليد لا يعطي حقيقة، أنك تجد المذهبين المتناقضين- الشيوعية والرأسمالية مثلًا- مقلدين؛ لهذا المذهب مقلدون، ولهذا المذهب مقلدون. فلو أن التقليد معترف به حقيقة لكان التقليدان المتضادان حقيقة، والمتضادان لا يصبحان حقيقة؛ لأنهم- كما يقولون- الضدان لا يجتمعان، هذا هو الدليل العقلي في إبطال التقليد. ولذلك نلاحظ في أسلوب الأداء القرآني أنه أداء دقيق جدًّا؛ فالذي يتكلم إله. {وَإِذَا فَعَلُواْ فَاحِشَةً قَالُواْ وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا والله أَمَرَنَا بِهَا} [الأعراف: 28]
والرد من الله عليهم أنه سبحانه لم يأت في مسألة التقليد بردّ لأنه بداهة لا يؤدي إلى حقيقة، بل قال: {... قُلْ إِنَّ الله لاَ يَأْمُرُ بالفحشاء أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28]
وهذا رد على قولهم: والله أمرنا بها. وأين الرد على قولهم: {وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا}؟.
نقول إنه أمر لا يحتاج إلى رد؛ لأنه أمر يرفضه العقل الفطري، ولذلك ترك الله الرد عليه؛ لوضوح بطلانه عند العقل الفطري، وجاء بالرد على ادعائهم أن الله يأمر بالفحشاء، فالله لا يأمر بالفحشاء. ثم كيف كان أمر الله لكم؟. أهو أمر مباشر.. بمعنى أنه قد أمر كل واحد منكم أن يرتكب فاحشة؟ ألم تنتبهوا إلى قول الحق سبحانه: {وَمَا كَانَ لِبَشَرٍ أَن يُكَلِّمَهُ الله إِلاَّ وَحْيًا أَوْ مِن وَرَاءِ حِجَابٍ أَوْ يُرْسِلَ رَسُولًا...} [الشورى: 51]
أم بلغكم الأمر بالفاحشة عن طريق نبي فكيف ذلك وأنتم تكذبون مجيء الرسول؟. وهكذا يكون قولكم مردودًا من جهتين: الجهة الأولى: إنه لا طريق إلى معرفة أمر الله إلا بأن يخاطبكم مباشرة أو يخاطبكم بواسطة رسل؛ لأنكم لستم أهلًا للخطاب المباشر، والجهة الثانية: أنكم تنكرون مسألة الأنبياء والرسل. فأنتم لم يخاطبكم الله بالمباشرة أو بواسطة الرسل فلم يبق إلا أن يقال لكم: {... أَتَقُولُونَ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 28]
ولا جواب على السؤال إلا بأمرين: إما أن يقولوا: لا فقد كذبوا أنفسهم، وإما أن يقولوا: نعم؛ فإذا قالوا: نعم نقول على الله ما لا نعلم؛ فقد فضحوا أنفسهم وأقروا بأن الله لم يأمر بالفاحشة، بل أمر الله بالقسط، لذلك يقول سبحانه بعد ذلك: {قُلْ أَمَرَ رَبِّي بالقسط...}. اهـ.