فصل: قال القاسمي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال القاسمي:

{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [33].
{قُلْ} إنهما من المنافع الخاصة في أنفسهما. والإفضاء احتمال غير محقق، فإذا أفضى، فالحرام هو المفضى إليه بالذات لأنه: {إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ} أي: ما تفاحش قبحه من الذنوب، أي: تزايد وهي الكبائر، وهي ما يتعلق بالفروج.
{مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} أي: ما جاهر به بعضهم بعضًا، وما ستره بعضهم عن بعض، وما ظهر من أفعال الجوارح، وما بطن من أفعال القلوب.
{وَالإِثْمَ} أي: ما يوجب الإثم، وهو عام لكل ذنب وذكره للتعميم بعد التخصيص، ويقال إن الإثم هو الخمر، قال الشاعر:
نهانا رسول الله نقرب الزنى ** وأن نشرب الإثم الذي يُوجب الوزرا

وأنشد الأخفش:
شربت الإثم حتى ضل عقلي ** كذاك الإثم تذهب بالعقول

وهو منقول عن ابن عباس والحسن.
وذكره أهل اللغة كالأصمعي وغيره، قال الحسن: ويصدقه قوله تعالى: {قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ}.
وقال ابن الأنباري: لم تسم العرب الخمر إثمًا في جاهلية ولا إسلام، والشعر المذكور موضوع، ورد بأنه مجاز لأنه سببه. وقال أبو حيان: هذا التفسير غير صحيح هنا؛ لأن السورة مكية، ولم تحرم الخمر إلا بالمدينة بعد أُحد وقد سبقه إلى هذا غيره.
وأيضًا، الحصر يحتاج إلى دليل، كذا في العناية.
{وَالْبَغْيَ} أي: الاستطالة على الناس وظلمهم، إنما أفرده بالذكر، مع دخوله فيما قبله، للمبالغة في الزجر عنه.
وذلك لأن تخصيصه بالذكر يقتضي أنه تميز من بينها حتى عد نوعًا مستقلًا.
{بِغَيْرِ الْحَقِّ} متعلق بالبغي، مؤكد له معنى، وقيل: البغي قد يخرج عن كونه ظلمًا إذا كان بسبب جائز في الشرع كالقصاص، إلا أنه مثله لا يسمى بغيًا حقيقة، بل مشاكلة: {وَ} قد حرم: {أَن تُشْرِكُواْ بِاللّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا} أي: برهانًا أي: ما لم يقم عليه حجة.
قال الزمخشري: فيه تهكم، لأنه لا يجوز أن ينزل برهانًا بأن يشرك به غيره.
وفي العناية: إنما جاء التهكم من حيث إنه يوهم أنه لو كان عليه سلطان لم يكن محرمًا، دلالة على تقليدهم في الغي، والمعنى على نفي الإنزال والسلطان معًا على الوجه الأبلغ. انتهى.
قال الرازي: وهذه الآية من أقوى الدلائل على أن القول بالتقليد باطل.
وتبعه القاضي فقال: في الآية تنبيه على تحريم اتباع ما لم يدل عليه برهان: {وَ} قد حرم عليكم: {وَأَن تَقُولُواْ عَلَى اللّهِ مَا لاَ تَعْلَمُونَ} أي: تتقولوا عليه، وتفتروا الكذب في التحليل والتحريم، أو في الشرك.
تنبيه:
قال الجشمي: تدل الآية على تحريم جميع الذنوب، لأن قوله الفواحش والإثم، يشتمل على الصغير والكبير، والأفعال القبيحة، والعقود المخالفة للشرع، والأقاويل الفاسدة، والاعتقادات الباطلة.
ودخل في قوله: {مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ} أفعال الجوارح، وأفعال القلوب والخيانات، والمكر، والخديعة، ودخل تحت قوله: {وَالْبَغْيَ} كل ظلم يتعدى على الغير، فيدخل فيه ما يفعله البغاة والخوارج، والأمراء إذا انتصروا بغير حق. ودخل تحت قوله: {وَأَن تُشْرِكُواْ} تحريم كل شرك وعبادة لغير الله. ودخل تحت قوله: {وَأَن تَقُولُواْ} كل بدعة وضلالة وفتوى بغير حق، وشهادة زور ونحوه.
فالآية جامعة في المحرمات، كما أن ما قبلها جامعة في المباحات، وفيه تعليم للآداب، دينًا ودنيا، وتدل على بطلان التقليد، لأنه أوجب اتباع الحجة، لقوله: {ما لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا}، والسلطان الحجة.
وتدل على أن لكل أحد وقت حياة، ووقت موت، لا يجوز فيه التقديم والتأخير، فيبطل قول من يقول: المقتول مات قبل أجله. انتهى. اهـ.

.قال الشعراوي:

{قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ}
والحق سبحانه- قد بدأ الآية ب {إنما} التي هي للحصر: أي ما حرم ربي إلا هذه الأشياء، الفواحش ما ظهر منها وما بطن، والإِثم، والبغي بغير الحق، والشرك بالله، والقول على الله ما لا نعلم، فلا تدخلوا أشياء أخرى وتجعلوها حرامًا، لأنها لا تدخل في هذه، وقول الله في الآية السابقة: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ الله} هوعلى صيغة استفهام لكي يجيبوا هم. ولن يجدوا سببًا لتحريم زينة الله لأن الحق قد وضح وبينّ ما حرم فقال: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغي بِغَيْرِ الحق وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]
ونتأمل الخمسة المحرمات التي جاءت بالآية؛ فحين ننظر إلى مقومات حياة الخلافة في الأرض ليبقى الإِنسان خليفة فيها نرى أنه لابد من صيانة أشياء ضرورية لسلامة هذه الخلافة وأداء مهمتها، وأول شيء أن يسلم للمجتمع طهر أنسابه. وسلامة طهر الأنساب أي الإِنجاب والأنسال ضرورية للمجتمع؛ لأن الإِنسان حين يثق أن ابنه هذا منه فهو يحرص عليه لأنه منسوب إليه، ويرعاه ويربيه. أما إذا تشكك في هذه المسألة فإنه يهمله ويلفظه، كذلك يهمله المجتمع، ولا أحد يربيه ولا يلتفت إليه ولا يعنى به.
إذن فسلامة الأنساب أمر مهم ليكون المجتمع مجتمعًا سليمًا، بحيث لا يوجد فرد من الأفراد إلا وهو محسوب على أبيه، بحيث يقوم له بكل تبعات حياته، ولذلك يجب أن تعلموا أن الأطفال المشردين مع وجود آبائهم حدث من أن شكًا طرأ على الأب في أن هذا ليس ابنه. ولذلك ماتت فيه غريزة الحنان عليه، فلا يبالي إن رآه أم لم يره، ولا يبالي أهو في البيت أم شرد، لا يبالي أكل أم جاع، لا يبالي تعرى أم لا.
إذن فطهارة الأنساب ضمان لسلامة المجتمع؛ لأن المجتمع سيكون بين مربٍّ يقوم على شأن وصغير مرَّبى، المربي قادر على أن يعمل، والمربَّى صغير يحتاج إلى التربية. ولذلك حرم الله الفواحش. والفحش- كما قلنا- ما زاد قبحه، وانتهوا على أنه هو الزنا؛ لأن أثره لا يتوقف فقط عند الذنب والاستمتاع. بل يتعدى إلى الأنسال. وما تعدى إلى الأنسال فهو تعد إلى المجتمع، ويصير مجتمعًا مهملًا لا راعي له.
والإِثم: أهو كل كبيرة أو ما يقام على فاعله حد؟. لقد انتهى العلماء على أن الإِثم هو الخمر والميسر؛ لأن الله قال بالنص: {وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا...} [البقرة: 219]
وأراد الحق بذلك أن يضمن مقوم تنظيم حركة الحياة في الإِنسان وهو العقل وأن الخمر تغيب العقل، والإِنسان مطالب بأن يحفظ عقله ليواجه به أمور الحياة مواجهة تبقى الصالح على صلاحه أو تزيده صلاحًا ولا تتعدى على الإِنسان فإذا ما ستر العقل بالخمر فسد واختل، ويختل بذلك التخطيط لحركة الحياة.
والذين يأتون ويشربون ويقولون: نريد أن ننسى همومنا نقول لهم: ليس مراد الشارع أن ينسى كل واحد ما أهمه؛ لأنه إن نسي كل واحد ما أهمه فلن يحتاط أحد ولن يقوم على تقدير الأمور التي تضمن السلامة.
إن الشارع يطلب منك أن تواجه الهموم التي تعاني منها مضاعف لتزيلها. أما أن تستر العقل فأنت قد هربت من المشكلة، إذن يجب عليك أن تواجه مشكلات الحياة بعقلك وبتفكيرك. فإن كانت المشكلة، قد نشأت من أنك أهملت في واجب سببي أي له أسباب وقد قصرت في الأخذ بها فأنت الملوم. وإن كانت المشكلة جاءتك من أمر ليس في قدرتك، أي هبطت عليك قضاء وقدرًا؛ فاعلم أن مجريها عليك له فيها حكمة.
وقد يكون البلاء ليحيمك الله من عيون الناس فيحسدوك عليها، لأن كل ذي نعمة محسود، وحتى لا تتم النعمة عليك؛ لأن تمام النعمة على الإنسان يؤذن بزوالها، وأنت ابن الأغيار وفي دنيا الأغيار، وإن تمت لك فقد تتغير النعمة بالنقصان.
إذن فالتفكير في ملافاة الأسباب الضارة وتجنبها يأتي بالعقل الكامل، والتفكير في الأشياء التي ليس لها سبب يأتي من الإيمان، والإيمان يطلب منك أن ترد كل شيء إلى حكمة الحكيم. إذن فأنت تحتاج إلى العقل فلا تستره بشرب الخمر؛ لأن العقل يدير حركة الحياة.
البغي نعرف انه مجاوزة الحد ظلمًا أو أكبر، أو بخلًا. والظلم أن تأخذ حق غيرك وتحرمه من ثمرة عمله فيزهد في العمل؛ لذلك يحرم الحق أن يبغي أحد على أحد. لا في عرضه، ولا في نفسه، ولا في ماله. ويجب أن نصون العرض من الفواحش؛ لأن كل فاحشة قد تأتي بأولاد من حرام. وإن لم تأت فهي تهدر العرض، والمطلوب صيانته، كذلك لا يبغى أحد على محارم أحد، وكذلك لا يبغى أحد على حياة إنسان بأن يهدمها بالقتل.
ويصمون الحق المال فيمنع عنه البغي فلا يأخذ أحد ثمرة عمل آخر وكفاحه عدوانًا وظلمًا، ومظاهر البغي كثيرة. ومن البغي أن تأخذ سلطة قسرًا بغير حق ولكن هناك من يأخذ سلطة قسرًا وقهرًا بحق، فإن كنت- على سبيل المثال- تركب سفينة، ثم قامت الرياح والزوابع، وأنت أمهر في قيادتها أتترك الربان يقودها وربما غرفت بمن فيها أم تضرب على يده وتمسك بالدفة وتديرها لتنقذها ومن فيها، إنك في هذه الحالة تكون قد أخذت القيادة بحق صيانة أرواح الناس، وهذا بغي بحق، وهو يختلف عن البغي بغير الحق. وحتى تفرق بين البغي البغي بحق والبغي بغير الحق نقول. إن هذا يظهر ويتضح عندما نأخذ مال السفيه منه للحفاظ عليه وصيانته وتثميره له، فنكون قد أخذنا من صاحبه رعاية لهذا الحق، فهو وإن كان في ظاهره بغيا على صاحب الحق إلا أنه كان لصالحه وللصالح العام فهذا بغي بحق أو أنه سمي بغيا؛ لأنه جاء على ذكر الشيء بلفظ غيره لوقوعه في صحبة ذلك الغير، ونقرأ أيضًا قول الله: {وَجَزَاءُ سَيِّئَةٍ سَيِّئَةٌ مِّثْلُهَا...} [الشورى: 40]
فهل جزاء السيئة يكون سيئة؟ لا. وإنما هي سيئة بالنسبة لمن وقعت عليه؛ لأنه لما عمل سيئة واختلس مالا- مثلا- وضربت على يده وأخذت منه المال فقد أتعبته ولذلك فالحق يقول: {وَإِنْ عَاقَبْتُمْ فَعَاقِبُواْ بِمِثْلِ مَا عُوقِبْتُمْ بِهِ وَلَئِن صَبَرْتُمْ لَهُوَ خَيْرٌ لِّلصَّابِرينَ} [النحل: 126]
ومن بغى بغير حق علينا أن نذكره بأن هناك من هو أقوى منه، أن يتوقع أن يناله بغي ممن هو أكثر قدرة منه.
وينبهنا الحق إلى العمل الذي لا غفران له: {وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا}.
ومحال أن ينزل الحق الذي نعبده شريكًا له ويؤيده بالبرهان والسلطان والحجة على أنه شريك له- تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا؛ لأن من خصائص الإِيمان أنه سبحانه ينفي هذا الشرك بأدلته العقلية وأدلته النقلية.
وإذا كان الحق قد قال لنا في هذه الآية: {قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الفواحش مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ والإثم والبغي بِغَيْرِ الحق وَأَن تُشْرِكُواْ بالله مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُواْ عَلَى الله مَا لاَ تَعْلَمُونَ} [الأعراف: 33]
فبعض من الآيات الأخرى جمعت هذه الأشياء، في إطار إيجازي ومع المقابل أيضًا، يقول الحق: {إِنَّ الله يَأْمُرُ بالعدل والإحسان وَإِيتَاءِ ذِي القربى وينهى عَنِ الفحشاء والمنكر والبغي...} [النحل: 90]
لقد جاء بالفحشاء في هذه الآية ليؤكد طهارة الأنسال، وجاء أيضًا بتحريم المنكر والبغي، وزاد في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها الإِثم فقط. وكأن الإثم في آية الأمر بالعدل والإِحسان والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي، مطمور في المنكر، والمنكر ليس محرمًا بالشرع فقط، بل هو ما ينكره الطبع السليم؛ وأيضًا فصاحب الطبع غير السليم يحكم أنه منكر إذا كانت المعاصي تعود عليه بالضرر، هنا يقول: أعوذ بالله منها. وإن كان هو يوقعها على الغير فهو يعتقد أنها غير منكر، وعلى سبيل المثال نجد رجلًا يبيح لنفسه أن يفتح أعينه على عورات الناس ويتلذذ بهذه المسألة. لكنه ساعة يرى إنسانًا آخر يفتح عينيه على عورته أو على ابنته مثلا إنّه يرى في ذلك أبشع المنكرات؛ لذلك لابد أن تجعل للمنكر حدًّا يشملك ويشمل غيرك ولا تنظر إلى الأمر الذي تكلف به أنت وحدك، وإنما انظر إلى الأمر المكلف به الآخرون.. وإياك أن تقول: إنه حدد بصري من أن يتمتع بجسم يسير أمامي، إنه سبحانه كما حرم نظرك إلى ذلك، حرم أنظار الناس جميعًا أن ينظروا إلى محارمك؛ وفي هذا صيانة لك. اهـ.