فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عاشور:

{وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ}
التّعريف في قوله: {أصحاب الأعراف} للعهد بقرينة تقدّم ذكره في قوله: {وعلى الأعراف رجال} [الأعراف: 46] وبقرينة قوله هنا {رجالًا يعرفونهم} إذ لا يستقيم أن يكون أولئك الرّجال يناديهم جميع من كان على الأعراف، ولا أن يَعرفهم بسيماهم جميع الذين كانوا على الأعراف، مع اختلاف العصور والأمم، فالمقصود بأصحاب الأعراف هم الرّجال الذين ذكروا في الآية السابقة بقوله: {وعلى الأعراف رجال} [الأعراف: 46] كأنّه قيل: ونادى أولئك الرّجالُ الذين على الأعراف رجالًا.
والتّعبير عنهم هنا بأصحاب الأعراف إظهار في مقام الإضمار، إذ كان مقتضى الظّاهر أن يقال.
ونادوا رجالًا، إلاّ أنّه لما تعدّد في الآية السّابقة ما يصلح لعود الضّمائر إليه وقع الإظهار في مقام الإضمار دفعًا للالتباس.
والنّداء يؤذن ببعد المخاطب فيظهر أنّ أهل الأعراف لما تطلّعوا بأبصارهم إلى النّار عرفوا رجالًا، أو قَبْلَ ذلك لمّا مُرّ عليهم بأهل النّار عرفوا رجالًا كانوا جبارين في الدّنيا.
والسيما هنا يتعيّن أن يكون المراد بها المشخّصات الذاتية التي تتميّز بها الأشخاص، وليست السيما التي يتميّز بها أهل النّار كلّهم كما هو في الآية السّابقة.
فالمقصود بهذه الآية ذكر شيء من أمر الآخرة، فيه نذارة وموعظة لجبابرة المشركين من العرب الذين كانوا يحقرون المستضعفين من المؤمنين، وفيهم عبيد وفقراء فإذا سمعوا بشارات القرآن للمؤمنين بالجنّة سكتوا عمن كان من أحرار المسلمين وسادتهم.
وأنكروا أن يكون أولئك الضّعاف والعبيد من أهل الجنّة، وذلك على سبيل الفرض، أي لو فرضوا صدق وجود جنّة، فليس هؤلاء بأهل لسكنى الجنّة لأنّهم ما كانوا يؤمنون بالجنّة، وقصدهم من هذا تكذيب النّبي صلى الله عليه وسلم وإظهار ما يحسبونه خَطلا من أقواله، وذلك مثل قولهم: {هل ندلكم على رجل ينبئكم إذا مزقتم كل ممزق إنكم لفي خلق جديد} [سبأ: 7] فجعلوا تمزّق الأجساد وفناءها دليلا على إبطال الحشر، وسكتوا عن حشر الأجساد التي لم تمزّق.
وكلّ ذلك من سوء الفهم وضعف الإدراك والتّخليط بين العاديات والعقليات.
قال ابن الكلبي: ينادي أهل الأعراف وهم على السور يَا وليدُ بنَ المغيرة يا أبَا جهل بنَ هشام يا فلان ويا فلان فهؤلاء من الرّجال الذين يعرفونهم بسيماهم وكانوا من أهل العزّة والكبرياء.
ومعنى {جمعكم} يحتمل أن يكون جَمْع النّاس، أي ما أغنت عنكم كثرتكم التي تعتزّون بها، ويحتمل أن يراد من الجمع المصدر بمعنى اسم المفعول.
أي ما جمعتموه من المال والثّروة كقوله تعالى: {ما أغنى عني ماليه} [الحاقة: 28].
وما الأولى نافية، ومعنى {ما أَغْنَى} ما أَجْزَى مصدره الغَناء بفتح الغين وبالمدّ.
والخبر مستعمل في الشّماتة والتّوقيف على الخطأ.
وما الثّانية مصدريّة، أي واستكباركم الذي مضى في الدّنيا، ووجه صوغه بصيغة الفعل دون المصدر إذ لم يقل استكباركم ليتوسّل بالفعل إلى كونه مضارِعا فيفيد أنّ الاستكبار كان دأبَهم لا يفترون عنه. اهـ.

.قال الشعراوي:

{وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ}
وكأن أصحاب الأعراف قد صرفت أنظارهم لأصحاب النار ويرون فيهم طبقات من المعذبين، فهذا أبو جهل، وذاك الوليد، ومعه أمية بن خلف وغيرهم ممن كانوا يظنون أن قيادتهم لمجتمعهم وسيادتهم على غيرهم تعطيهم كل سلطان وكيان، وكانوا يسخرون من السابقين إلى الإسلام كعمار وبلال وصهيب وخباب، وغيرهم ممن عاشوا للحق مع الحق، فيقول أهل الأعراف لهؤلاء: {مَا أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ}.
وكأنهم يقولون لهم: إن اجتماعكم على الضلال في الدنيا لم ينفعكم بشيء.. شياطينكم، والأصنام والسلطان لم ينفعوكم وكذلك استكباركم على الدعوة إلى الإيمان هل أغنى عنكم شيئًا؟ لا. لم يغن عنكم شيئًا. اهـ.

.فوائد لغوية وإعرابية:

قال ابن عادل:
قوله: {مَا أغْنَى} يجوز أن تكون استفهامية للتوبيخ والتقريع، وهو الظاهر، ويجوزُ أن تكون نافية.
وقوله: {وما كنتم} {ما} مصدرية ليُنْسَق مصدرٌ على مثله أي: ما أغنى عنكم جمعكم المال والاجتماع والكثرة وكونكم مستكبرين عن قَبُولِ الحقِّ، أو استكباركم على الناس.
وقرئ {تَسْتَكْثِرُون} بثاء مُثلثة من الكثرة. اهـ.

.تفسير الآية رقم (49):

قوله تعالى: {أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)}

.مناسبة الآية لما قبلها:

.قال البقاعي:

ثم زادوا في توبيخهم وتقريعهم وتحزينهم وتأسيفهم والإنكار عليهم بقولهم مشيرين إلى ناس كانوا يستضعفونهم من أهل الجنة ويحقرونهم: {أهؤلاء} وكأنه يكشف لهم عنهم حتى يروهم زيادة في عذابهم {الذين أقسمتم} أي في الدنيا {لا ينالهم الله} أي الذي له صفات الكمال {برحمة} فكيف بكمال الرحمة.
ولما كان التصريح بأمرهم بدخول الجنة إنكاء لأهل النار لأنه أنفى لما أقسموا عليه، قالوا: {ادخلوا} أي قال الله لهم أو قائل من قبله ادخلوا {الجنة لا خوف عليكم} أي من شيء يمكن توقع أذاه {ولا أنتم تحزنون} أي يتجدد لكم حزن في وقت من الأوقات على شيء فات لما عندكم من الخيرات التي لا تدخل تحت الوصف. اهـ.

.قال الفخر:

ثم زادوا على هذا التبكيت، وهو قولهم: {أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ} فأشاروا إلى فريق من أهل الجنة، كانوا يستضعفونهم ويستقلون أحوالهم، وربما هزؤوا بهم، وأنفوا من مشاركتهم في دينهم، فإذا رأى من كان يدعي التقدم حصول المنزلة العالية، لمن كان مستضعفًا عنده قلق لذلك، وعظمت حسرته وندامته على ما كان منه في نفسه. اهـ.

.من أقوال المفسرين:

.قال الفخر:

وأما قوله تعالى: {ادخلوا الجنة} فقد اختلفوا فيه.
فقيل هم أصحاب الأعراف، والله تعالى يقول لهم ذلك أو بعض الملائكة الذين يأمرهم الله تعالى بهذا القول.
وقيل: بل يقول بعضهم لبعض والمراد أنه تعالى يحث أصحاب الأعراف بالدخول في الجنة، واللحوق بالمنزلة التي أعدها الله تعالى لهم، وعلى هذا التقدير فقوله: {أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ} من كلام أصحاب الأعراف.
وقوله: {ادخلوا الجنة} من كلام الله تعالى، ولابد هاهنا من إضمار، والتقدير: فقال الله لهم هذا كما قال: {يُرِيدُ أَن يُخْرِجَكُم مّنْ أَرْضِكُمْ} [الأعراف: 110] وانقطع هاهنا كلام الملأ.
ثم قال فرعون: {فَمَاذَا تَأْمُرُونَ} [الأعراف: 110] فاتصل كلامه بكلامهم من غير إظهار فارق، فكذا هاهنا. اهـ.

.قال السمرقندي:

{أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ} يعني: أنّ أهل الأعراف يقولون: يا وليد ويا أبا جهل: أهؤلاء؟ يعني: صهيبًا وبلالًا والضعفة من المسلمين الذين كنتم تحلفون لا ينالهم الله برحمة.
يعني: إنَّهم لا يدخلون الجنة.
ثم يقول الله تعالى لأصحاب الأعراف: {ادخلوا الجنة لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}.
وعن أبي مجلز أنه قال: وعلى الأعراف رجال من الملائكة، نادوا أصحاب الجنة قبل أن يدخلوها سلام عليكم لم يدخلوها.
وهم يطمعون دخولها يعني: في الجنة.
وإذا نظروا إلى أصحاب النار حين مروا بهم {قَالُواْ رَبَّنَا لاَ تَجْعَلْنَا مَعَ القوم الظالمين ونادى أصحاب الأعراف رِجَالًا} من المشركين {يَعْرِفُونَهُمْ بسيماهم قَالُواْ مَا أغنى عَنكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ أهؤلاء الذين أَقْسَمْتُمْ لاَ يَنَالُهُمُ الله بِرَحْمَةٍ ادخلوا الجنة} يعني: لأهل الجنة.
قال مقاتل: فأقسم أهل النار أن أصحاب الأعراف داخلون النار معهم.
فقالت الملائكة لأهل النار: أهؤلاء الذين أقسمتم لا ينالهم الله برحمة؟.
ثم تقول الملائكة لأصحاب الأعراف: ادخلوا الجنة.
ويقال: إن أهل النار يقولون لأهل الأعراف: ما أغنى عنكم جمعكم وعملكم وأنتم والله تكونون معنا في النار ولا تدخلون الجنة؟.
فيقول الملائكة لأهل النار: أهؤلاء الذين أقسمتم يعني، أصحاب الأعراف لا ينالهم الله برحمته.
ثم يقال: لأصحاب الأعراف: {ادخلوا الجنة لاَ خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلا أَنتُمْ تَحْزَنُونَ}. اهـ.

.قال ابن عطية:

{أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49)}
قال أبو مجلز: أهل الأعراف هم الملائكة وهم القائلون {أهؤلاء} إشارة إلى أهل الجنة.
قال القاضي أبو محمد: وكذلك يجيء قول من قال أهل الأعراف أنبياء وشهداء، وقال غيره: أهل الأعراف بشر مذنبون، وقوله: {أهؤلاء} من كلام ملك بأمر الله عز وجل إشارة إلى أهل الأعراف ومخاطبة لأهل النار، وهذا قول ابن عباس، وقال النقاش: لما وبخوهم بقولهم {ما أغنى عنكم جمعكم} [الأعراف: 48]، أقسم أهل النار أن أهل الأعراف داخلون النار معهم فنادتهم الملائكة {أهؤلاء}، ثم نادت أصحاب الأعراف {ادخلوا الجنة}، وقال بعض المتأولين: الإشارة بهؤلاء إلى أهل الجنة، والمخاطبون هم أهل الأعراف والذين خوطبوا هم أهل النار، والمعنى أهؤلاء الضعفاء في الدنيا الذين حلفتم أن الله لا يعبأ بهم قيل لهم ادخلوا الجنة، وقد تقدم ما قال النقاش من أن القسم هو في الآخرة على أهل الأعراف، وقرأ الحسن وابن هرمز {أدخِلوا الجنة} بفتح الألف وكسر الخاء معنى أدخلوا أنفسكم، أو على أن تكون مخاطبة للملائكة ثم ترجع المخاطبة بعد إلى البشر في {عليكم}، وقرأ عكرمة مولى ابن عباس {دخلوا الجنة} على الإخبار بفعل ماض، وقرأ طلحة بن مصرف وابن وثاب والنخعي {أُدخلوا الجنة} خبر مبني للمفعول.
قال القاضي أبو محمد: وترتيب كل قراءة من هذه على الأقوال في المخاطب والمخاطب بقوله تعالى: {أهؤلاء} ممكن بأيسر تناول فاختصرته إيجازًا، وكذلك ما في الآية من الرجوع من مخاطبة فريق إلى مخاطبة غيره، وقوله تعالى: {لا خوف عليكم ولا أنتم تحزنون} معناه: لا تخافون ما يأتي ولا تحزنون على ما فات، وذكر الطبري من طريق حذيفة أن أهل الأعراف يرغبون في الشفاعة فيأتون آدم فيدفعهم إلى نوح ثم يتدافعهم الأنبياء عليهم السلام حتى يأتوا محمدًا صلى الله عليه وسلم فيشفع لهم فيشفع فيدخلون الجنة فيلقون في نهر الحياة فيبيضون ويسمون مساكين الجنة، قال سالم مولى أبي حذيفة: ليت أني من أهل الأعراف. اهـ.