فصل: قال الألوسي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الألوسي:

{فألقى عَصَاهُ} وكانت كما روى ابن المنذر.
وابن أبي حاتم من عوسج.
وروى عن علي كرم الله تعالى وجهه أنها كانت من لوز.
وأخرج عبد بن حميد.
وأبو الشيخ عن قتادة أنه قال: ذكر لنا أنها عصا آدم عليه السلام أعطاها لموسى ملك حين توجه إلى مدين فكانت تضيء له بالليل ويضرب بها الأرض بالنهار فيخرج له رزقه ويهش بها على غنمه، والمشهور أنها كانت من آس الجنة وكانت لآدم عليه السلام ثم وصلت إلى شعيب فأعطاه إياها، وجاء عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن اسمها مأشا {فَإِذَا هي ثُعْبَانٌ} أي حية ضخمة طويلة.
وعن الفراء أن الثعبان هو الذكر العظيم من الحيات.
وقال آخرون: إنه الحية مطلقًا.
وفي مجمع البيان أنه مشتق من ثعب الماء إذا انفجر، فكأنه سمي بذلك لأنه يجري كعنق الماء إذا انفجر {مُّبِينٌ} أي ظاهر أمره لا يشك في كونه ثعبانًا؛ فهو إشارة إلى أن الصيرورة حقيقية لا تخييلية، وإيثار الجملة الاسمية للدلالة على كمال سرعة الانقلاب وثبات وصف الثعبانية فيها كأنها في الأصل كذلك، وروى عن ابن عباس.
والسدي أنه عليه السلام لما ألقاها صارت حية صفراء شعراء فاغرة فاهًا بين لحييا ثمانون ذراعًا وارتفعت من الأرض بقدر ميل وقامت على ذنبها واضعة لحيها الأسفل في الأرض ولحيها الأعلى على سور القصر وتوجهت نحو فرعون لتأخذه فوثب عن سريره هاربًا وأحدث، وفي بعض الروايات أنه أحدث في ذلك اليوم أربعمائة مرة، وفي أخرى أنه استمر معه داء البطن حتى غرق، وقيل: إنها أخذت قبة فرعون بين أنيابها وأنها حملت على الناس فانهزموا مزدحمين فمات منهم خمسة وعشرون أفًا، فصاح فرعون يا موسى أنشدك بالذي أرسلك أن تأخذها وأنا أومن بك وأرسل معك بني إسرائيل، فأخذها فعادت عصا كما كانت، وعن معمر أنها كانت في العظم كالمدينة، وقيل: كان طولها ثمانين ذراعًا، وعن وهب بن منبه أن بين لحييها اثني عشر ذراعًا، وعلى جميع الروايات لا تعارض بين ماهنا وقوله سبحانه: {كَأَنَّهَا جَانٌّ} [النمل: 10] بناء على أن الجان هي الحية الصغيرة لما قالوا: إن القصة غير واحدة، أو أن المقصود من ذلك تشبيهًا في خفة الحركة بالجان لا بيان جثتها، أو لما قيل: إنها انقلبت جانًا وصارت ثعبانًا فحكيت الحالتان في آيتين، وسيأتي إن شاء الله تعالى تحقيق ذلك.
والآية من أقوى أدلة جواز انقلاب الشيء عن حقيقته كالنحاس إلى الذهب، إذ لو كان ذلك تخييلًا لبطل الإعجاز، ولم يكن لذكر مبين معنى مبين، وارتكاب غير الظاهر غير ظاهر، ويدل لذلك أيضًا أنه لا مانع في القدرة من توجه الأمر التكويني إلى ما ذكر وتخصيص الإرادة له، والقول بأن قلب الحقائق محالوالقدرة لا تتعلق به فلا يكون النحاس ذهبًا رصاص مموه، والحق جواز الانقلاب إما بمعنى أنه تعالى يخلق بدل النحاس ذهبًا على ما هو رأي المحققين، أو بأن يسلب عن أجزاء النحاس الوصفي الذي صار به نحاسًا ويخلقفيه الوصف الذي يصير به ذهبًا على ما هو رأي بعض المتكلمين من تجانس الجواهر واستوائها في قبول الصفات، والمحال إنما هو انقلابه ذهبًا مع كونه نحاسًا لامتناع كون الشيء في الزمن الواحد نحاسًا وذهبًا، وعلى أحد هذين الاعتبارين توكأ أئمة التفسير في أمر العصا.
{وَنَزَعَ يَدَهُ} أي أخرجها من جيبه لقوله تعالى: {ادخل يَدَكَ في جَيْبِكَ} [النمل: 12] أو من تحت أبطه لقوله سبحانه: {واضمم يَدَكَ إلى جَنَاحِكَ} [طه: 22] والجمع بينهما ممكن في زمان واحد، وكانت اليد اليمنى كما صرح به في بعض الآثار {فَإِذَا هي بَيْضَاء للناظرين} أي بيضاء بياضًا نورانيًا خارجًا عن العادة يجتمع عليه النظار.
فقد روى أنه أضاء له ما بين السماء السماء والأرض، وجاء في رواية أنه أرى فرعون يده، وقال عليه السلام: ما هذه؟ فقال: يدك.
ثم أدخلها جيبه وعليه مدرعه صوف ونزعها فإذا هي بيضاء بياضًا نورانيًا غلب شعاعه شعاع الشمس، وقيل: المعنى بيضاء لأجل النظار لا أنها بيضاء في أصل خلقتها لأنه عليه السلام كان آدم شديد الأدمة، فقد أخرج البخاري عن ابن عمر قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وأما موسى فآدم جثيم سبط كأنه من رجال الزط» وعنى عليه الصلاة والسلام بالزنط جنسًا من السودان والهنود، ونص البعض على أن ذلك البياض إنما كان في الكف وإطلاق اليد عليها حقيقة.
وفي القاموس الكيد الكف أو من أطراف الأصابع إلى الكف، وأصلها يدي بدليل جمعها على أيدي ولم ترد اليد عند الإضافة لما تقرر في محله، وجاء في كلامهم يد بالتشديد وهو لغة فيه. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107)}.
والإلقاء: الرمي على الأرض أو في الماء أو نحو ذلك، أي: فرمى عصاه من يده.
وإذا للمفاجأة وهي حدوث الحادث عن غير ترقب.
والثعبان: حية عظيمة، و{مبين} اسم فاعل من أبان القاصر المرادف لبان، أي ظهر، أي: الظاهر الذي لا شك فيه ولا تخيل.
ونزع: أزال اتصال شيء عن شيء، ومنه نزع ثوبه، والمعنى هنا أنه أخرج يده من جيب قميصه بعد أن أدخلها في جيبه كما في سورة النمل وسورة القصص فلما أخرجها صارت بيضاء، أي بياضًا من النور.
وقد دل على هذا البياض قوله: {للناظرين}، أي بياضًا يراه الناظرون رؤية تعجب من بياضها.
فالمقصود من ذكر قوله: {للناظرين} تتميم معنى البياض.
واللام في قوله: {للناظرين} لم يعرج المفسرون على بيان معناها وموقعها سوى أن صاحب الكشاف قال: يتعلق للناظرين ببيضاء دون أن يبين نوع التعلق ولا معنى اللام، وسكت عليه شراحه والبيضاوي، وظاهر قوله يتعلق أنه ظرف لغو تعلق ببيضاء فلعله لما في بيضاء من معنى الفعل كأنه قيل: ابيضّت للناظرين كما يتعلق المجرور بالمشتق فتعين أن يكون معنى اللام هو ما سماه ابن مالك بمعنى التعدية وهو يريد به تعدية خاصة لا مطلقَ التعدية أي تعدية الفعل القاصر إلى ما لا يتعدى له بأصل وضعه لأن ذلك حاصل في جميع حروف الجر، فلا شك أنه أراد تعدية خاصة لم يبين حقيقتها.
وقد مثل لها في شرح الكافية بقوله تعالى: {فهب لي من لدنك وليًا} [مريم: 5] وجعل في شرح التسهيل هذا المثال مثالًا لمعنى شبه الملك، واختار ابن هشام أن يمثل للتعدية بنحو ما أضرب زيدًا لعمرو.
ولم يفصحوا عن هذه التعدية الخاصة باللام، ويظهر لي أنها عمل لفظي محض، أي لا يفيد معنى جزئيًا كمعاني الحروف، فتحصّل أنهم في ارتباك في تحقيق معنى التعدية، وعندي أن قوله تعالى: {بيضاء للناظرين} أحسن ما يمثل به لكون اللام للتعدية وأن نفسر هذا المعنى بأنه تقريب المتعلّق بكسر اللام لمتعلّق بفتح اللام تقريبًا لا يجعله في معنى المفعول به.
وإن شئت إرجاع معنى التعدية إلى أصل من المعاني المشهورة للام، فالظاهر أنها من فروع معنى شبه الملك كما اقتضاه جعل ابن مالك المثال الذي مثل به للتعدية مثالًا لشبه الملك.
وأقرب من ذلك أن تكون اللام بمعنى عند ويكون مفاد قوله تعالى: {بيضاء للناظرين} أنها بيضاء بياضًا مستقرًا في أنظار الناظرين ويكون الظرف مستقرًا يجعل حالًا من ضمير يده. اهـ.

.قال الشعراوي:

{فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107)}.
وهذا الإلقاء كان له سابق تجربة أخرى حينما خرج مع أهله من مدين ورأى نارًا وبعد ذلك قال لأهله: {امكثوا إني آنَسْتُ نَارًا...} [طه: 10].
ثم سمع خطابًا: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى قَالَ هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى} [طه: 17- 18].
وحين يقال له: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى}، كان يكفي أن يقول في الجواب: عصاي، ولا داعي أن يقول: هي ولا داعي أن يشرح ويقول: إنه يتوكأ عليها وأن له فيها مآرب أخرى؛ لأن الحق لم يسأله ماذا تفعل بعصاك، إذن فجواب موسى قد جاوز في الخطاب قدر المطلوب، ويظن البعض أنه كان من الواجب أن يعطي الجواب على قدر السؤال. لكن من يقول ذلك ينسى أنه لا يوجد من يزهد في الأنس بخطاب الله. وحين قال موسى عليه السلام: {هِيَ عَصَايَ أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا وَأَهُشُّ بِهَا على غَنَمِي...} [طه: 18].
ولقد شعر موسى عليه السلام واستدرك هيبة المخاطب فكان تهافته على الخطاب حبًّا لأنسه في الله، لكنه حين شعر أنه قارب أن يتجاوز قال: {وَلِيَ فِيهَا مَآرِبُ أخرى} كان من الممكن أن يقول استعمالات كثيرة للعصا. إذن فللعصا أكثر من إلقاء، إلقاء الدربة والتمرين على لقاء فرعون حين أمره الحق: {قَالَ أَلْقِهَا ياموسى * فَأَلْقَاهَا فَإِذَا هِيَ حَيَّةٌ تسعى} [طه: 19- 20].
فماذا حدث؟ قال له الله: {قَالَ خُذْهَا وَلاَ تَخَفْ سَنُعِيدُهَا سِيَرتَهَا الأولى} [طه: 21].
فساعة خاف، دل على أن ما حدث للعصا ليس من قبيل السحر؛ لأن الساحر حين يلقي عصاه أو حبله يرى ذلك عصا أو حبلًا، بينما يرى ذلك غيرُه حية، ولذلك يقول الحق عن السحرة: {سحروا أَعْيُنَ الناس...} [الأعراف: 116].
وهذا يدل على أن حقيقة الشيء في السحر تظل كما هي في نظر الساحر، لكن موسى أوجس في نفسه خيفة، فهذا يدل على أن العصا انتقلت من طبيعتها الخشبية وصارت حية.
وكان من الممكن أن تورق العصا وتخضر على الرغم من أنها كانت غصنًا يابسًا. ولو حدث ذلك فسيكون معجزة أيضًا، ولكن نقلها الله نقلتين: نقلها من الجمادية، وتعدى بها مرحلة النباتية إلى مرحلة الحيوانية.
وكأن الحق العليم أزلًا يرد على من أراد اللغط في مسألة إلقاء العصا، وقد ظن بعض الجاهلين أن ذلك تكرار في الكلام في قصة واحدة. ولم يلحظوا أن جهة الإِلقاء للعصا كانت منفكة، ففي القرآن ثلاثة إلقاءات للعصا: إلقاء التدريب حينما اصطفى الله موسى رسولًا وأعلمه بذلك في طور سيناء: {إنني أَنَا الله لا إله إلا أَنَاْ فاعبدني...} [طه: 14].
وبعد ذلك قال له: {وَمَا تِلْكَ بِيَمِينِكَ ياموسى قَالَ هِيَ عَصَايَ...} [طه: 17- 18].
وإلقاء التدريب على المهمة هدفه طمأنة موسى، حتى إذا ما باشرها أمام فرعون باشرها وهو على يقين أن العصا ستستجيب له فتنقلب حية بمجرد إلقائها، ولو أن الله قال له خبرًا إذا ذهبت إلى فرعون فألق العصا فستنقلب حية، فقد لا يطمئن قلبه إلى هذا الأمر.