فصل: قال القرطبي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال القرطبي:

قوله تعالى: {وَسْئَلْهُمْ عَنِ القرية} أي عن أهل القرية؛ فعبّر عنهم بها لما كانت مستقرًا لهم أو سبب اجتماعهم.
نظيره {واسأل القرية التي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82].
وقوله عليه السلام: «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ» يعني أهل العرش من الملائكة، فرحا واسبشارًا بقدومه، رضي الله عنه.
أي واسأل اليهود الذين هم جيرانك عن أخبار أسلافهم وما مسخ الله منهم قِردة وخنازير.
وهذا سؤال تقرير وتوبيخ.
وكان ذلك علامة لصدق النبيّ صلى الله عليه وسلم؛ إذ أطلعه الله على تلك الأُمور من غير تعلم.
وكانوا يقولون: نحن أبناء الله وأحباؤه، لأنا من سِبط خليله إبراهيم، ومن سِبط إسرائيل وهم بكر الله، ومن سبط موسى كليم الله؛ ومن سبط ولده عزير، فنحن من أولادهم.
فقال الله عز وجل لنبيه: سلهم يا محمد عن القرية، أما عذبتهم بذنوبهم؛ وذلك بتغيير فرع من فروع الشريعة.
واختلف في تعيين هذه القرية؛ فقال ابن عباس وعِكرمة والسُّدِّي: هي أيْلة.
وعن ابن عباس أيضًا أنها مَدْين بين أيلة والطور.
الزُّهْرِيّ: طَبَرِيّة.
قتادة وزيد بن أسلم: هي ساحل من سواحل الشأم، بين مَدْين وعَيْنون، يقال لها: مقناة.
وكان اليهود يكتمون هذه القصة لما فيها من السُّبّة عليهم.
{التي كَانَتْ حَاضِرَةَ البحر} أي كانت بقرب البحر؛ تقول: كنت بحضرة الدار أي بقربها.
{إِذْ يَعْدُونَ فِي السبت} أي يصيدون الحِيتان، وقد نُهوا عنه؛ يقال: سَبَت اليهودُ؛ تركوا العمل في سبتهم.
وسُبِت الرجل للمفعول سُباتًا أخذه ذلك، مثل الخرس.
وأسبت سكن فلم يتحرك.
والقوم صاروا في السبت.
واليهود دخلوا في السبت، وهو اليوم المعروف.
وهو من الراحة والقَطْع.
ويجمع أسْبُت وسُبُوت وأسبات.
وفي الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: «من احتجم يوم السبت فأصابه بَرَص فلا يلومنّ إلا نفسه» قال علماؤنا: وذلك لأن الدّم يجمد يوم السبت، فإذا مددته لتستخرجه لم يجرِ وعاد بَرَصًا.
وقراءة الجماعة {يَعْدُون}.
وقرأ أبو نَهِيك {يُعِدّون} بضم الياء وكسر العين وشد الدال.
الأُولى من الاعتداء والثانية من الإعداد؛ أي يهيئون الآلة لأخذها.
وقرأ ابن السَّمَيْقَع {في الأسبات} على جمع السبت.
{إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ} وقرئ {أسباتهم}.
{شُرَّعًا} أي شوارع ظاهرة على الماء كثِيرة.
وقال اللّيث: حيتان شُرّع رافعة رؤوسها.
وقيل: معناه أن حيتان البحر كانت ترِد يوم السبت عُنُقًا من البحر فتزاحم أيْلة.
ألهمها الله تعالى أنها لا تُصاد يوم السبت؛ لنَهْيِه تعالى اليهود عن صيدها.
وقيل: إنها كانت تشرع على أبوابهم؛ كالكِباش البيض رافعةً رؤوسها.
حكاه بعض المتأخرين؛ فتعدّوا فأخذوها في السبت؛ قاله الحسن.
وقيل: يوم الأحد، وهو الأصح على ما يأتي بيانه.
{وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ} أي لا يفعلون السبت؛ يقال: سبت يسبِت إذا عظّم السبت.
وقرأ الحسن {يُسْبِتون} بضم الياء، أي يدخلون في السبت؛ كما يقال: أجمعنا وأظهرنا وأشهرنا، أي دخلنا في الجمعة والظهر والشهر.
{لاَ تَأْتِيهِمْ} أي حيتانهم.
{كَذَلِكَ نَبْلُوهُم} أي نشدّد عليهم في العبادة ونختبرهم.
والكاف في موضع نصب.
{بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ} أي بفسقهم.
وسئل الحسين بن الفضل: هل تجد في كتاب الله الحلال لا يأتيك إلا قوتًا، والحرام يأتيك جَزْفًا جَزْفًا؟ قال: نعم، في قصة داود وأيلة {إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعًا وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ}.
ورُوي في قصص هذه الآية أنها كانت في زمن داود عليه السلام، وأن إبليس أوْحَى إليهم فقال: إنما نُهيتم عن أخذها يوم السبت، فاتخذوا الحياض؛ فكانوا يسوقون الحِيتان إليها يوم الجمعة فتبقى فيها، فلا يمكنها الخروج منها لقلة الماء، فيأخذونها يوم الأحد.
وروى أشهب عن مالك قال.
زعم ابن رُومان أنهم كانوا يأخذ الرجل خيطًا ويضع فيه وَهَقة، وألقاها في ذنب الحوت، وفي الطرف الآخر من الخيط وتِد وتركه كذلك إلى الأحد، ثم تطرّق الناس حين رأُوا من صنع هذا لا يُبْتَلى حتى كثُرَ صيد الحوت، ومُشي به في الأسواق، وأعلن الفسقة بصيده؛ فقامت فرقة من بني إسرائيل ونهت، وجاهرت بالنهي واعتزلت.
وقيل: إن الناهين قالوا: لا نساكنكم؛ فقسموا القرية بجدار.
فأصبح الناهون ذات يوم في مجالسهم ولم يخرج من المعتدين أحد، فقالوا: إن للناس لشأنا؛ فعلَوْا على الجدار فنظروا فإذا هم قَردة، ففتحوا الباب ودخلوا عليهم، فعرفت القِردة أنسابَها من الإنس، ولم تعرف الإنس أنسابهم من القِردة؛ فجعلت القِردة تأتي نسيبها من الإنس فَتَشُم ثيابه وتبكي؛ فيقول: ألم ننهكم! فتقول برأسها نعم.
قال قتادة: صار الشبان قردةً والشيوخ خنازير، فما نجا إلا الذين نَهوْا وهلك سائرهم.
فعلى هذا القول إن بني إسرائيل لم تفترق إلا فرقتين.
ويكون المعنى في قوله تعالى: {وَإِذَا قَالَتْ أُمَّةٌ مِّنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا الله مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا} أي قال الفاعلون للواعظين حين وعظوهم: إذا علمتم أن الله مهلكنا فلم تعظوننا؟ فمسخهم الله قردة.
{قَالُواْ مَعْذِرَةً إلى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ} أي قال الواعظون: موعظتنا إياكم معذرةٌ إلى ربكم؛ أي إنما يجب علينا أن نعظكم لعلكم تتقون.
أسند هذا القول الطَّبريّ عن ابن الكلبيّ.
وقال جمهور المفسرين: إن بني إسرائيل افترقت ثلاث فِرَق، وهو الظاهر من الضمائر في الآية.
فرقة عَصَتْ وصادت، وكانوا نحوًا من سبعين ألفًا.
وفرقة نَهَت واعتزلت، وكانوا اثني عشر ألفًا.
وفرقة اعتزلت ولم تَنْهَ ولم تَعْص، وأن هذه الطائفة قالت للناهية: لِم تعظون قومًا تريد العاصية الله مهلكُهم أو معذّبهم على غلبة الظن، وما عُهد من فعل الله تعالى حينئذ بالأمم العاصية.
فقالت الناهية: موعظتنا معذرةٌ إلى الله لعلّهم يتقون.
ولو كانوا فرقتين لقالت الناهية للعاصية: ولعلكم تتقون، بالكاف.
ثم اختلف بعد هذا؛ فقالت فرقة: إن الطائفة التي لم تَنْه ولم تَعْص هلكت مع العاصية عقوبةً على ترك النهي؛ قاله ابن عباس.
وقال أيضًا: ما أدري ما فُعل بهم؛ وهو الظاهر من الآية.
وقال عكْرمة: قلت لابن عباس لمّا قال ما أدري ما فعل بهم: ألا ترى أنهم قد كَرِهوا ما هم عليه وخالفوهم فقالوا: لِمَ تعظون قومًا الله مهلكهم؟ فلم أزل به حتى عرّفته أنهم قد نَجَوْا؛ فكسَاني حُلّة. وهذا مذهب الحسن.
ومما يدل على أنه إنما هلكت الفرقة العادية لا غيرُ قولُه: {وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا}.
وقولُه: {وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الذين اعتدوا مِنْكُمْ فِي السبت} [البقرة: 65] الآية. اهـ.

.قال الخازن:

قوله: {واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر}.
الخطاب للنبي صلى الله عليه وسلم أي: سل يا محمد هؤلاء اليهود الذين هم جيرانك عن حال أهل القرية وهذا السؤال سؤال توبيخ وتقريع لا سؤال استفهام، لأنه كان قد علم حال أهل هذه القرية بوحي الله إليه وإخباره إياهم بحالهم وإنما المقصود بهذا السؤال تقريع اليهود على إقدامهم على الكفر والمعاصي قديمًا وأن إصرارهم على الكفر بمحمد صلى الله عليه وسلم وإنكار نبوته ومعجزاته ليس بشيء قد حدث منهم في زمانه بل إصرارهم على الكفر كان حاصلًا لأسلافهم في قديم الزمان.
وفي الإخبار بهذه القصة معجزة للنبي صلى الله عليه وسلم لأنه كان أميًا لا يقرأ الكتب القديمة ولم يعرف أخبار الأولين، ثم أخبرهم بما جرى لأسلافهم في قديم الزمان وأنهم بسبب مخالفتهم أمر الله مسخوا قردة وخنازير واختلفوا في هذه القرية فقال ابن عباس: هي قرية بين مصر والمدينة والمغرب.
وقيل بين مدين والطور على شاطئ البحر.
وقال الزهري: هي طبرية الشام.
وفي رواية عن ابن عباس قال: هي مدين وقال وهب: هي ما بين مدين وعيوني يعني القرية التي كانت على ساحل البحر وقريبة منه {إذ يعدون في السبت} يعني يتجاوزون حد الله فيه، وما أمرهم به من تعظيمه فخالفوا أمر الله وصادوا فيه السمك {إذ تأتيهم حيتانهم يوم سبتهم شرعًا} يعني ظاهرة على الماء كثيرة وقال الضحاك تأتيهم متتابعة يتبع بعضها بعضًا وقيل كانت تأتيهم يوم السبت مثل الكباش البيض السمان {ويوم لا يسبتون لا تأتيهم} يعني الحيتان {كذلك نبلوهم} يعني مثل هذا الاختبار الشديد نختبرهم ونحن أعلم بحالهم {بما كانوا يفسقون} يعني أن ذلك الابتداء والاختبار بسبب فسقهم وخروجهم عن طاعة الله وما أمروا به.
قال أهل التفسير: إن اليهود أمروا يوم الجمعة فتركوه واختاروا يوم السبت فابتلوا به وهو أن الله أمرهم بتعظيمه ونهاهم عن العمل فيه وحرم عليه فيه الصيد، فلما أراد ان يبتليهم كانت الحيتان تظهر لهم في يوم السبت ينظرون إليها في البحر فإذا انقضى السبت ذهبت فلم تُر إلى السبت المقبل فلما ابتلوا به وسوس إليهم الشيطان وقال إن الله لم ينهكم عن الاصطياد وإنما نهاكم عن الأكل فاصطادوا وقيل إنه وسوس إليهم أنكم إنما نهيتم عن الأخذ فاتخذوا حياضًا على ساحل البحر وسوقوا إليها الحيتان يوم السبت فإذا كان يوم الأحد خذوها ففعلوا ذلك زمانا ثم إنهم تجرؤوا على السبت وقالوا: ما نرى السبت إلا قد حل لنا فاصطادوا فيه وأكلوا وباعوا وصار أهل القرية أحزابًا ثلاثة وكانوا من سبعين ألفًا فثلث نهوا عن الاصطياد وثلث سكتوا ولم ينهوا وقالوا للناهين لم تعظمون قومًا الله مهلكهم وثلث هم أصحاب الخطيئة الذين خالفوا أمر الله واصطادوا وأكلوا وباعوا فلما لم ينتهوا عما هم فيه من المعصية قال الناهون لا نساكنكم في قرية واحد فقسموا القرية بينهم بجدار للناهين باب يدخلون ويخرجون منه وللعاصين باب، ولعنهم داود وكانوا في زمنه فأصبح الناهون ذات يوم ولم يخرج من المعتدين أحد فقالوا إن لهم لَشأنًا لعل الخمر قد غلبتهم فعلوا على الجدار الذي بينهم فإذا هم قد مسخوا قردة ففتحوا عليهم الباب ودخلوا إليهم فصار القردة يعرفون أنسابهم من الناس ولم يعرف الناس أنسابهم من القردة فجعلت القردة تأتي أنسابها من الناس فتشم ثيابها فيقول لهم أهلوهم ألم ننهكم فتقول القردة برأسها نعم فنجا الناهون وهلك سائرهم فذلك قوله تعالى: {وإذ قالت أمة منها لم تعظون قومًا الله مهلكهم أو معذبهم عذابًا شديدًا قالوا معذرة إلى ربكم}. اهـ.