فصل: قال الطبري:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقال مقاتل: إن ملك البلقاء قال لبلعام: أدعُ على موسى، فقال: إنه من أهل ديني لا أدعو عليه فنصبت خشبة ليصلب فلما رأى ذلك خرج على أتان له ليدعو عليهم، فلما عاين عسكرهم قامت به الأتان ووقفت فضربها فقالت: لم تضربني إني مأمورة فلا تظلمني وهذه نار أمامي قد منعتني أن أمشي فرجع وأخبر الملك، فقال: لتدعون عليه أو لأصلبنك فدعا على موسى بالاسم الأعظم ألا يدخل المدينة فاستجيب له ووقع موسى وبنو إسرائيل في التيه بدعائه فقال موسى: يارب بأي ذنب وقعنا في التيه قال: بدعاء العالم، قال: فكما سمعت دعاءه عليّ فاسمع دعائي عليه فدعا موسى عليه أن ينزع منه الاسم الأعظم والإيمان فسلخه الله تعالى مما كان عليه ونزع منه المعرفة فخرجت من صدره كحمامة بيضاء فذلك قوله تعالى: {فانسلخ مِنْهَا} فأنزل الله تعالى فيه هذه الآية.
وقال عبد الله بن عمر بن العاص وسعيد بن المسيب وزيد بن أسلم وأبو روق: نزلت هذه الآية في أُميّة بن أبي الصلت الثقفي وكانت قصّته أنّه كان في ابتداء أمره قرأ الكتب وعلم أن الله تعالى مرسل رسولًا في ذلك الوقت ورجا أن يكون هو ذلك الرسول.
فلما أرسل محمد عليه السلام حسده وكان قصد بعض الملوك فلما رجع مرَّ على قتلى بدر فسأل عنهم فقيل قتلهم محمد فقال: لو كان نبيًا ما قتل أقرباءه. فلمّا مات أميّة أتت أخته فارعة رسول الله صلى الله عليه وسلم فسألها رسول الله صلى الله عليه وسلم عن وفاة أخيها فقالت: بينا هو قد أتانا فنام على سريري فأقبل طائران ونزلا فقعد أحدهما عند رجله والآخر عند رأسه فقال الذي عند رجله للذي عند رأسه: أَدُعي؟ قال: دُعي، قال: أزكّي؟ قال: أبى، قالت: فسألته عن ذلك. قال: خيرًا زيدي، فصرف عني ثمّ غشي عليه فلما أفاق قال:
كل عيش وإن تطاول دهرًا ** صائر أمره إلى أن يزولا

ليتني كنت قبل ما بدا لي ** في قلال الحبال أرعى الوعولا

يوم الحساب يوم عظيم ** شاب فيه الصغير نومًا ثقيلًا

ثمّ قال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم أنشديني شعر أخيك. فأنشدته:
لك الحمد والنعماء والفضل ربنا ** ولا شيء أعلى منك جدًّا وأمجد

مليك على عرش السماء مهيمن ** لعزته تعنو الوجوه وتسجد

وهي قصيدة طويلة حتّى أتت على آخرها. وأنشدته قصيدته:
وقف الناس للحساب جميعًا ** فشقي معذب وسعيد

ثمّ أنشدته قصيدته التي فيها:
عند ذي العرش يعرضون عليه ** يعلم الجهر والسرار الخفيا

يوم يأتي الرحمن وهو رحيم ** إنّه كان وعده مأتيًا

يوم يأتيه مثل ما قال فرد ** ثم لابد راشدًا أو غويًا

أو سعيدًا سعادة أنا أرجو ** أو مهانًا لما اكتسبت شقيًا

إن أوءاخذ بما أجرمت فإني ** سوف ألقى في العذاب قويا

ورب إن تعفو فالمعافاة ظنّي ** أو تعاقب فلم تعاقب بريًّا

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «آمن شعره وكفر قلبه».
وأنزل الله عزّ وجلّ: {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا} الآية.
ومنهم مَنْ قال: إنها نزلت في البسوس.
وكان رجلًا قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات. وكانت له امرأة وكان له منها ولد فقالت له: اجعل منها دعوة واحدة لي. فقال: لك منها واحدة، فما تريدين؟ فقالت: ادع الله أن يجعلني أجمل امرأة في بني إسرائيل، فدعا لها فجعلت أجمل امرأة في بني إسرائيل. فلما علمت أنّه ليس فيهم مثلها رغبت عنه فغضب الرجل. ودعا عليها فصارت كلبة نبّاحة فذهبت فيها دعوتان، فجاء بنوها فقالوا: ليس لنا على هذا قرار دعوت على أمّنا فصارت كلبة نبّاحة والناس يُعيروننا ادعو الله أن يردها على الحال التي كانت عليها، فدعا الله عزّ وجلّ فعادت كما كانت فذهبت فيها الدعوات.
وقال سعيد بن المسيب: نزلت في أبي عامر بن النعمان بن صيفي الراهب الذي سمّاه النبيّ صلى الله عليه وسلم الفاسق.
وكان قد ترهب في الجاهلية ولبس المسوخ فقدم المدينة وقال للنبيّ صلى الله عليه وسلم ما هذا الذي جئت به. قال: «جئت بالحنفية دين إبراهيم»، فقال: أنا جئتها، فقال النبيّ صلى الله عليه وسلم: «لست عليها ولكنك أدخلت إبليس فيها»، فقال أبو عامر: أمات الله كاذبًا منا طريدًا وحيدًا فخرج إلى الشام وأرسل إلى المنافقين أن استعدوا القوّة والسلاح وابنوا إلي مسجدًّا ثمّ أتى الراهب قيصر وأتى بجند ليُخرج النبيّ صلى الله عليه وسلم وأصحابه من المدينة فذلك قوله: {وَإِرْصَادًا لِّمَنْ حَارَبَ الله وَرَسُولَهُ} [التوبة: 107] يعني انتظارًا لمجيئه فمات بالشام طريدًا وحيدًا.
وقال عبادة بن الصامت: نزلت في قريش أتاهم الله الآيات فانسلخوا منها فلم يقبلوها، فقال الحسن وابن كيسان: نزلت في منافقي أهل الكتاب الذين كانوا يعرفون النبيّ صلى الله عليه وسلم كما يعرفون أبناءهم.
وقال عمرو بن دينار: سُئل عكرمة عن هذه الآية فقال: هذا وهذا ليست في خاصة.
وقال قتادة: هذا مثل ضربه الله لمن عرض عليه الهدى فلم يقبله فذلك قوله: {واتل عَلَيْهِمْ نَبَأَ الذي ءَاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا}.
وقال ابن عباس والسدي: هي اسم الله الأعظم. وقال ابن زيد: كان لا يسأل الله شيئًا إلاّ أعطاه.
وقال ابن عباس في رواية أُخرى: أعظم أنها كتابًا من كتب الله.
مجاهد: هو نبي من بني إسرائيل يقال له بلعم أوتي النبوّة فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه.
{فانسلخ} [خرج] {مِنْهَا} كما تنسلخ الحيّة من جلدها {فَأَتْبَعَهُ الشيطان} أي لحقه وأدركه {فَكَانَ مِنَ الغاوين}. اهـ.

.قال الطبري:

والصواب من القول في ذلك أن يقال: إن الله تعالى ذكره أمر نبيه صلى الله عليه وسلم أن يتلو على قومه خبر رجل كان صالحا آتاه الله حججه وأدلته، وهي الآيات... وجائز أن يكون الذي آتاه الله ذلك: بلعم، وجائز أن يكون أمية ولا خبر بأي الرجلين المعنيّ- يوجب الحجة، ولا في العقل دلالة على أي ذلك، المعنيّ به من أيٍّ. فالصواب أن يقال فيه ما قال الله، ونقرّ بظاهر التنزيل، على ما جاء به الوحي من الله. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {وَاتْلُ عَلَيْهِم نَبَأَ اْلَّذِيّ ءاتَيْنَاهُ ءَايَاتِنَا فانَسَلَخَ مِنْهَا}.
فيه ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه بلعام بن عوراء، واختلفوا فيه فقيل كان من اليمن، وقيل كان من الكنعانيين، وقيل من بني صال بن لوط، قاله ابن عباس، وابن مسعود.
والثاني: أنه أمية بن أبي الصلت الثقفي، قاله عبد الله بن عمرو.
والثالث: أنه من أسلم من اليهود والنصارى ونافق، قاله عكرمة.
وفي الآيات التي أوتيها ثلاثة أقاويل:
أحدها: أنه اسم الله الأعظم الذي تجاب به الدعوات، قاله السدي وابن زيد.
والثاني: أنها كتاب من كتب الله. قاله ابن عباس.
والثالث: أنه أوتي النبوة فرشاه قومه على أن يسكت ففعل وتركهم على ما هم عليه، قاله مجاهد، وهو غير صحيح لأن الله لا يصطفي لنبوته إلا من يعلم أن لا يخرج عن طاعته إلى معصيته.
وفي قوله: {فَانسَلَخَ مِنهَا} وجهان:
أحدهما: فانسلخ من العلم بها لأنه سيسلب ما أوتي منها بالمعصية. والثاني: أنه انسلخ منها أي من الطاعة بالمعصية مع بقاء علمه بالآيات حتى حكي أن بلعام رُيثي على أن يدعو على قوم موسى بالهلاك فسها فدعا على قومه فهلكوا.
{فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ} فيه ثلاثة أوجه:
أحدها: أن الشيطان صيره لنفسه تابعًا بإجابته له حين أغواه.
والثاني: أن الشيطان متبع من الإنس على ضلالته من الكفر.
والثالث: أن الشيطان لحقه فأغواه، يقال اتبعت القوم إذا لحقتهم، وتبعتهم إذا سرت خلفهم، قاله ابن قتيبة.
{فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ} فيه وجهان:
أحدهما: من الهالكين.
الثاني: من الضالين. اهـ.

.قال ابن عطية:

قوله تعالى: {واتل عليهم} الآية.
{اتل} معناه قص واسرد، والضمير في {عليهم} عائد على حاضري محمد صلى الله عليه وسلم من الكفار وغيرهم، واختلف المتأولون في الذي أوتي الآيات، فقال عبد الله بن مسعود وغيره: هو رجل من بني إسرائيل بعثه موسى عليه السلام إلى ملك مدين داعيًا إلى الله تعالى وإلى الشريعة وعلمه من آيات الله ما يمكن أن يدعو به وإليه، فلما وصل رشاه الملك وأعطاه على أن يترك دين موسى ويتابع الملك على دينه، ففعل وفتن الملك به الناس وأضلهم، وقال ابن عباس: هو رجل من الكنعانيين الجبارين اسمه بلعم، وقيل بلعام بن عابر، وقيل ابن آبر، وقيل غير هذا مما ذكره تطويل، وكان في جملة الجبارين الذي غزاهم موسى عليه السلام، فلما قرب منهم موسى لجؤوا إلى بلعام وكان صالحًا مستجاب الدعوة، وقيل كان عنده علم من صحف إبراهيم ونحوها، وقال مجاهد كان رشح للنبوءة وأعطيها فرشاه قومه على أن يسكت ففعل.
قال القاضي أبو محمد: وهذا قول مردود لا يصح عن مجاهد، ومن أعطي النبوءة فقد أعطي العصمة ولابد، ثبت هذا بالشرع، وقد نص معنى ما قلته أبو المعالي في كتاب الشامل، وقيل كان يعلم اسم الله الأعظم، قاله ابن عباس أيضًا، وهذا الخلاف في المراد بقوله: {آياتنا}، فقال له قومه ادع الله تعالى على موسى وعسكره، فقال لهم وكيف أدعوا على نبي مرسل، فما زالوا به حتى فتنوه فخرج حتى أشرف على جبل يرى منه عسكر موسى، وكان قد قال لقومه لا أفعل حتى أستأمر ربي ففعل فنهي عن ذلك، فقال لهم قد نهيت، فما زالوا به قال أستأمر ربي ثانية ففعل فسكت عنه فأخبرهم فقالوا له إن الله لم يدع نهيك إلا وقد أراد ذلك، فخرج، فلما أشرف على العسكر جعل يدعو على موسى فتحول لسانه بالدعاء لموسى والدعاء على قومه، فقالوا له ما تقول؟ فقال إني لا أملك إلا هذا وعلم أنه قد أخطأ، فروي أنه خرج لسانه على صدره، فقال لقومه إني قد هلكت ولكن لم تبق لكم إلا الحيلة فأخرجوا النساء إلى عسكر موسى على جهة التجرد وغيره ومروهن ألا تمتنع امرأة من رجل فإنهم إذا زنوا هلكوا، ففعلوا فخرج النساء فزنى بهن رجال بني إسرائيل، وجاء فنحاص بن ألعيزار بن هارون، فانتظم برمحه امرأة ورجلًا من بني إسرائيل، ورفعهما على أعلى الرمح فوقع في بني إسرائيل الطاعون فمات منهم في ساعة واحدة سبعون ألفًا، ثم ذكر المعتز عن أبيه أن موسى عليه السلام قتل بعد ذلك الرجل المنسلخ من آيات الله، قال المهدوي: روي أنه دعا على موسى أن لا يدخل مدينة الجبارين فأجيب، ودعا عليه موسى صلى الله عليه وسلم أن ينسى اسم الله الأعظم فأجيب قال الزجّاج: وقيل إن الإشارة إلى منافقي أهل الكتاب.
قال القاضي أبو محمد: وصواب هذا أن يقال إلى كفار أهل الكتاب لأنه لم يكن منهم منافق إنما كانوا مجاهرين، وفي هذه القصة روايات كثيرة اختصرتها لتعذر صحتها واقتصرت منها على ما يخص ألفاظ الآية، وقالت فرقة: المشار إليه في الآية رجل كان قد أعطي ثلاث دعوات مستجابات فترك أن يدعو بها في مصالح العباد فدعا بواحدة أن ترجع امرأته أجمل النساء، فكان ذلك، فلما رأت نفسها كذلك أبغضته واحتقرته فدعا عليها ثانية فمسخت كلبة، فشفع لها بنوها عنده فانصرفت إلى حالها فذهب الدعوات، وقال عبد الله بن عمرو بن العاصي المشار إليه في الآية أمية بن أبي الصلت، وكان قد أوتي علمًا، وروي أنه جاء يريد الإسلام فوصل إلى بدر بعد الوقعة بيوم أو نحوه فقال من قتل هؤلاء؟ فقيل محمد صلى الله عليه وسلم، فقال: لا حاجة لي بدين من قتل هؤلاء، فارتد ورجع، وقال: الآن حلت لي الخمر، وكان قد حرمها على نفسه، فمر حتى لحق بقوم من ملوك حمير فنادمهم حتى مات، و{انسلخ} عبارة عن البراءة منها والانفصال والبعد كالسلخ من الثياب، والجلد و{أتبعه} صيره تابعًا كذا قال الطبري إما لضلالة رسمها له وإما لنفسه، وقرأ الجمهور {فأتبعه} بقطع الألف وسكون التاء، وهي راجحة لأنها تتضمن أنه لحقه وصار معه، وكذلك {فأتبعه شهاب} [الحجر: 18] و{فأتبعهم فرعون} [يونس: 90] وقرأ الحسن فيما روى عنه هارون {فاتّبعه} بصلة الألف وشد التاء وكذلك طلحة بن مصرف بخلاف، وكذلك الخلاف عن الحسن على معنى لازمه {اتبعه} بالإغواء حتى أغواه، و{من الغاوين} أي من الضالين. اهـ.