فصل: قال صاحب المنار في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وقيل: هو من الدرجة، فالاستدراج: أن يخطو درجة بعد درجة إلى المقصود، ومنه درج الصبيّ: إذا قارب بين خطاه، وأدرج الكتاب: طواه شيئًا بعد شيء، ودرج القوم: مات بعضهم في إثر بعض.
والمعنى: سنستدرجهم قليلًا قليلًا إلى ما يهلكهم، وذلك بإدرار النعم عليهم وإنسائهم شكرها، فينهمكون في الغواية، ويتنكبون طرق الهداية لاغترارهم بذلك، وأنه لم يحصل لهم إلا بما لهم عند الله من المنزلة والزلفة.
قوله: {وَأُمْلِى لَهُمْ} معطوف على سنستدرجهم، أي أطيل لهم المدّة وأمهلهم، وأؤخر عنهم العقوبة.
وجملة {إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ} مقرّرة لما قبلها من الاستدراج والإملاء، ومؤكدة له.
والكيد: المكر، والمتين: الشديد القويّ، وأصله من المتن وهو اللحم الغليظ الذي على جانب الصلب.
قال في الكشاف: سماه كيدًا، لأنه شبيه بالكيد من حيث إنه في الظاهر إحسان وفي الحقيقة خذلان.
والاستفهام في {أَوَ لَمْ يَتَفَكَّرُواْ} للإنكار عليهم، حيث لم يتفكروا في شأن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وفيما جاء به.
و{ما} في {مَا بِصَاحِبِهِم} للاستفهام الإنكاري، وهي في محل رفع بالابتداء والخبر {بصاحبهم}، والجنة مصدر، أي وقع منهم التكذيب، ولم يتفكروا أيّ شيء من جنون كائن بصاحبهم كما يزعمون، فإنهم لو تفكروا لوجدوا زعمهم باطلًا، وقولهم زورًا وبهتًا.
وقيل إنّ {ما} نافية واسمها {مّن جِنَّةٍ} وخبرها بصاحبهم، أي ليس بصاحبهم شيء مما يدّعونه من الجنون، فيكون هذا ردًا لقولهم: {يا أَيُّهَا الذي نُزّلَ عَلَيْهِ الذكر إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ} [الحجر: 6] ويكون الكلام قد تمّ عند قوله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ}.
والوقف عليه من الأوقاف الحسنة.
وجملة: {إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ} مقررة لمضمون ما قبلها، ومبينة لحقيقة حال رسول الله صلى الله عليه وسلم.
والاستفهام في {أَوَ لَمْ يَنظُرُواْ في مَلَكُوتِ السموات والأرض} للإنكار والتقريع والتوبيخ، ولقصد التعجيب من إعراضهم عن النظر في الآيات البينة الدالة على كمال قدرته وتفرده بالإلهية، والملكوت من أبنية المبالغة، ومعناه الملك العظيم وقد تقدّم بيانه.
والمعنى: إن هؤلاء لم يتفكروا حتى ينتفعوا بالتفكر، ولا نظروا في مخلوقات الله حتى يهتدوا بذلك إلى الإيمان به، بل هم سادرون في ضلالتهم، خائضون في غوايتهم، لا يعملون فكرًا، ولا يمعنون نظرًا.
قوله: {وَمَا خَلَقَ الله مِن شَيْء} أي: لم ينظروا في ملكوت السموات والأرض، ولا فيما خلق الله من شيء من الأشياء كائنًا ما كان، فإن في كل مخلوقاته عبرة للمعتبرين، وموعظة للمتفكرين، سواء كانت من جلائل مصنوعاته كملكوت السموات والأرض، أومن دقائقها من سائر مخلوقاته.
قوله: {وَأَنْ عسى أَن يَكُونَ قَدِ اقترب أَجَلُهُمْ} معطوف على ملكوت.
و{أن} هي المخففة من الثقيلة، واسمها ضمير الشأن وخبرها {عسى} وما بعدها، أي أو لم ينظروا في أن الشأن والحديث عسى أن يكون قد اقترب أجلهم، فيموتون عن قريب.
والمعنى: إنهم إذا كانوا يجوّزون قرب آجالهم فما لهم لا ينظرون فيما يهتدون به، وينتفعون بالتفكر فيه والاعتبار به.
{فَبِأَيّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ} الضمير يرجع إلى ما تقدّم من التفكر والنظر في الأمور المذكورة، أي فبأيّ حديث بعد هذا الحديث المتقدم بيانه يؤمنون؟ وفي هذا الاستفهام من التقريع والتوبيخ ما لا يقادر قدره؛ وقيل الضمير للقرآن.
وقيل لمحمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل للأجل المذكور قبله.
وجملة {مَن يُضْلِلِ الله فَلاَ هَادِيَ لَهُ} مقررة لما قبلها، أي إن هذه الغفلة منهم عن هذه الأمور الواضحة البينة ليس إلا لكونهم ممن أضله الله، ومن يضلله فلا هادي له، أي فلا يوجد من يهديه إلى الحق، وينزعه عن الضلالة ألبتة {وَيَذَرُهُمْ في طغيانهم يَعْمَهُونَ} قرئ بالرفع على الاستئناف، وبالجزم عطفًا على محل الجزاء.
وقرئ بالنون.
ومعنى يعمهون: يتحيرون.
وقيل: يترددون، وهو في محل نصب على الحال.
وقد أخرج ابن جرير، وابن المنذر، وأبو الشيخ، عن ابن جريج، في قوله: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق} قال: ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «هذه أمتي بالحق يحكمون ويقضون ويأخذون ويعطون» وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، عن قتادة، في الآية قال: بلغنا أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كان يقولإذا قرأها: «هذه لكم وقد أعطى القوم بين أيديكم مثلها» {وَمِن قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بالحق وَبِهِ يَعْدِلُونَ} [الأعراف: 159].
وأخرج ابن أبي حاتم عن الربيع في الآية قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن من أمتي قومًا على الحق حتى ينزل عيسى ابن مريم متى نزل» وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن السديّ في قوله: {سَنَسْتَدْرِجُهُم مّنْ حَيْثُ لاَ يَعْلَمُونَ} يقول: سنأخذهم من حيث لا يعلمون.
قال: عذاب بدر.
وأخرج أبو الشيخ، عن يحيى بن المثنى في الآية قال: كلما أحدثوا ذنبًا جددنا لهم نعمة، تنسيهم الاستغفار.
وأخرج ابن أبي الدنيا، وأبو الشيخ، والبيهقي في الأسماء والصفات، عن سفيان في الآية قال: نسبغ عليهم النعمة ونمنعهم شكرها.
وأخرج ابن أبي الدنيا، والبيهقي عن ثابت البناني، أنه سئل عن الاستدراج فقال: ذلك مكر الله بالعباد المضيعين.
وأخرج أبو الشيخ، في قوله: {وَأُمْلِى لَهُمْ} يقول: أكفّ عنهم {إِنَّ كَيْدِى مَتِينٌ} إن مكري شديد، ثم نسخها الله فأنزل {فاقتلوا المشركين حَيْثُ وَجَدتُّمُوهُمْ} [التوبة: 5].
وأخرج ابن أبي حاتم، عن ابن عباس قال: كيد الله العذاب والنقمة.
وأخرج عبد بن حميد، وابن جرير، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن قتادة، قال: ذكر لنا أن نبيّ الله صلى الله عليه وسلم قام على الصفا، فدعا قريشًا فخذًا فخذًا: يا بني فلان يا بني فلان، يحذرهم بأس الله ووقائع الله إلى الصباح حتى قال قائل: إن صاحبكم هذا لمجنون بات يصوّت حتى أصبح، فأنزل الله: {أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُواْ مَا بِصَاحِبِهِم مّن جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلاَّ نَذِيرٌ مُّبِينٌ}. اهـ.

.قال صاحب المنار في الآيات السابقة:

{وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا}.
بَيَّنَ اللهُ تَعَالَى لَنَا فِي الْآيَةِ السَّابِقَةِ حَالَ الْمَخْلُوقِينَ لِجَهَنَّمَ فِي عَدَمِ اسْتِعْمَالِ عُقُولِهِمْ وَمَشَاعِرِهِمْ فِي الِاعْتِبَارِ بِآيَاتِ اللهِ، وَالتَّفَقُّهِ فِي تَزْكِيَةِ أَنْفُسِهِمْ بِالْعِلْمِ الصَّحِيحِ الَّذِي يَتَرَتَّبُ عَلَيْهِ الْعَمَلُ الصَّالِحُ، وَأَنَّ ذَلِكَ الْإِهْمَالَ أَعْقَبَهُمُ الْغَفْلَةَ التَّامَّةَ عَنْ أَنْفُسِهِمْ، وَمَا فِيهِ صَلَاحُهَا مِنْ ذِكْرِ اللهِ تَعَالَى وَشُكْرِهِ وَالثَّنَاءِ عَلَيْهِ بِمَا هُوَ أَهْلُهُ مِنْ صِفَاتِ الْكَمَالِ- وَقَفَّى عَلَى ذَلِكَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ بِدَوَاءِ هَذِهِ الْغَفْلَةِ، وَأَقْرَبِ الْوَسَائِلِ لِلْمَخْرَجِ مِنْهَا إِلَى ضِدِّهَا فَقَالَ: وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا الْأَسْمَاءُ جَمْعُ اسْمٍ، وَهُوَ اللَّفْظُ الدَّالُّ عَلَى الذَّاتِ فَقَطْ، أَوْ عَلَى الذَّاتِ مَعَ صِفَةٍ مِنْ صِفَاتِهَا، سَوَاءٌ كَانَ مُشْتَقًّا، كَالرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ الْخَالِقِ الرَّازِقِ، أَوْ مَصْدَرًا، كَالرَّبِّ وَالسَّلَامِ وَالْعَدْلِ. وَالْحُسْنَى جَمْعُ أَحْسَنَ، وَالْمَعْنَى: وَلِلَّهِ دُونَ غَيْرِهِ جَمِيعُ الْأَسْمَاءِ الدَّالَّةِ عَلَى أَحْسَنِ الْمَعَانِي وَأَكْمَلِ الصِّفَاتِ، فَادْعُوهُ أَيْ سَمُّوهُ وَاذْكُرُوهُ وَنَادُوهُ بِهَا، لِمُجَرَّدِ الثَّنَاءِ، وَعِنْدَ السُّؤَالِ وَطَلَبِ الْحَاجَاتِ، فَمِنَ الذِّكْرِ لِمَحْضِ الثَّنَاءِ آيَةُ الْكُرْسِيِّ: {اللهُ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ} (2: 255) إِلَخْ. وَآخِرُ سُورَةٍ الْحَشْرِ: {هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ سُبْحَانَ اللهِ عَمَّا يُشْرِكُونَ هُوَ اللهُ الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ لَهُ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى يُسَبِّحُ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ} (59: 22- 24) وَقَدْ وَرَدَ فِي السُّنَّةِ الدُّعَاءُ بِهَذِهِ الْآيَاتِ، وَأَنْ يَقُولَ قَبْلَهَا «أَعُوذُ بِاللهِ السَّمِيعِ الْعَلِيمِ، مِنَ الشَّيْطَانِ الرَّجِيمِ- ثَلَاثَ مَرَّاتٍ» رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالدَّارِمِيُّ وَابْنُ السُّنِّيِّ مِنْ حَدِيثِ مَعْقِلِ بْنِ يَسَارٍ.
وَلِلذِّكْرِ الْمَحْضِ فَوَائِدُ كَثِيرَةٌ فِي تَغْذِيَةِ الْإِيمَانِ، وَمُرَاقَبَةِ اللهِ تَعَالَى وَحُبِّهِ وَالْخُشُوعِ لَهُ، وَالرَّغْبَةِ فِيمَا عِنْدَهُ، وَاحْتِقَارِ مَصَائِبِ الدُّنْيَا، وَقِلَّةِ الْمُبَالَاةِ وَالتَّأَلُّمِ لِمَا يَفُوتُ الْمُؤْمِنَ مِنْ نَعِيمِهَا، وَلِذَلِكَ وَرَدَ فِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ: مَنْ نَزَلَ بِهِ غَمٌّ أَوْ كَرْبٌ أَوْ أَمْرٌ مُهِمٌّ فَلْيَقُلْ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ الْعَظِيمُ الْحَلِيمُ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ، لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ رَبُّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْكَرِيمِ رَوَاهُ الشَّيْخَانِ وَالتِّرْمِذِيُّ وَالنَّسَائِيُّ.
وَمِنَ الذِّكْرِ بِصِيغَةِ النِّدَاءِ مَا رَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ أَنَّهُ صلى الله عليه وسلم سَمِعَ رَجُلًا وَهُوَ يَقُولُ: «يَا ذَا الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ فَقَالَ: قَدِ اسْتُجِيبَ لَكَ فَسَلْ» وَرَوَى الْحَاكِمُ فِي الْمُسْتَدْرَكِ مِنْ حَدِيثِ أَنَسٍ رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم لِفَاطِمَةَ: مَا يَمْنَعُكِ أَنْ تَسْمَعِي مَا أُوصِيكِ بِهِ؟ أَنْ تَقُولِي إِذَا أَصْبَحْتِ وَإِذَا أَمْسَيْتِ: يَا حَيُّ يَا قَيُّومُ بِرَحْمَتِكَ أَسْتَغِيثُ، أَصْلِحْ شَأْنِي كُلَّهُ وَلَا تَكِلْنِي إِلَى نَفْسِي طَرْفَةَ عَيْنٍ وَقَالَ: هَذَا حَدِيثٌ صَحِيحٌ عَلَى شَرْطِ الشَّيْخَيْنِ، وَأَقَرَّهُ الْحَافِظُ الذَّهَبِيُّ عَلَى ذَلِكَ.
وَالْأَدْعِيَةُ بِأَسْمَاءِ اللهِ تَعَالَى نِدَاءً أَوْ غَيْر نِدَاءٍ كَثِيرَةٌ، تُرَاجَعُ فِي كِتَابِ الْأَذْكَارِ لِلنَّوَوِيِّ، وَكِتَابِ الْحِصْنِ الْحَصِينِ لِابْنِ الْجَزَرِيِّ وَغَيْرِهِمَا مِنْ كُتُبِ السُّنَّةِ.
وَأَسْمَاءُ اللهِ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّهَا حُسْنَى بِدَلَالَةِ كُلٍّ مِنْهَا عَلَى مُنْتَهَى كَمَالِ مَعْنَاهُ، وَتَفْضِيلِهَا عَلَى مَا يُطْلَقُ مِنْهَا عَلَى الْمَخْلُوقِينَ، كَالرَّحِيمِ وَالْحَكِيمِ وَالْحَفِيظِ وَالْعَلِيمِ.
وَفِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي الصَّحِيحَيْنِ وَغَيْرِهَا قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مِائَةً إِلَّا وَاحِدًا، مَنْ أَحْصَاهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ هَذَا لَفْظُ الْبُخَارِيِّ فِي كِتَابِ الشُّرُوطِ وَكِتَابِ التَّوْحِيدِ وَمُسْلِمٍ فِي الذِّكْرِ. قَالَ مُسْلِمٌ: وَزَادَ هَمَامٌ عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: إِنَّهُ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ وَفِي الرِّوَايَةِ الْأُخْرَى لَهُ: إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا، مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ، وَإِنَّ اللهَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ قَالَ: وَفِي رِوَايَةِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ «مَنْ أَحْصَاهَا» اهـ. وَرَوَاهُ الْبُخَارِيُّ فِي كِتَابِ الدَّعَوَاتِ بِلَفْظِ: لِلَّهِ تَعَالَى تِسْعَةٌ وَتِسْعُونَ اسْمًا مِائَةٌ إِلَّا وَاحِدَةً مَنْ حَفِظَهَا دَخَلَ الْجَنَّةَ وَهُوَ وِتْرٌ يُحِبُّ الْوِتْرَ وَقَوْلُهُ: «إِلَّا وَاحِدَةً» بِالتَّأْنِيثِ وَجَّهَهُ ابْنُ مَالِكٍ؛ لِأَنَّهُ بِاعْتِبَارِ التَّسْمِيَةِ أَوِ الصِّفَةِ أَوِ الْكَلِمَةِ.
وَرَوَاهُ التِّرْمِذِيُّ وَالْحَاكِمُ مِنْ طَرِيقِ الْوَلِيدِ بْنِ مُسْلِمٍ وَسَرَدَا فِيهِ الْأَسْمَاءَ التِّسْعَةَ وَالتِّسْعِينَ، وَرَوَاهُ غَيْرُهُمَا أَيْضًا مِنْ طَرِيقِهِ، وَفِي سَرْدِ الْأَسْمَاءِ اخْتِلَافٌ فِي الرِّوَايَاتِ، وَقَدِ اخْتَلَفَ الْمُحَدِّثُونَ فِي سَرْدِ الْأَسْمَاءِ، هَلْ هُوَ مَرْفُوعٌ أَوْ مُدْرَجٌ فِي الْحَدِيثِ مِنْ بَعْضِ الرُّوَاةِ؟ وَالرَّاجِحُ أَنَّهُ مُدْرَجٌ لَا مَرْفُوعٌ، وَلَمْ يُخْرِجْهُ الشَّيْخَانِ؛ لِتَفَرُّدِ الْوَلِيدِ بِهِ، وَالِاخْتِلَافِ عَلَيْهِ فِيهِ، وَتَدْلِيسِهِ وَاحْتِمَالِ الْإِدْرَاجِ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ فِي الْفَتْحِ، وَرُوِيَ مِنْ طَرِيقٍ أُخْرَى أَضْعَفَ مِنْ هَذِهِ، وَهَذَا سَرْدُ الْأَسْمَاءِ فِي أَمْثَلِ الطُّرُقِ عَنِ الْوَلِيدِ مِنْ جَامِعِ التِّرْمِذِيِّ كَمَا قَالَ الْحَافِظُ:
«هُوَ اللهُ الَّذِي لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ الْمَلِكُ الْقُدُّوسُ السَّلَامُ، الْمُؤْمِنُ الْمُهَيْمِنُ الْعَزِيزُ الْجَبَّارُ الْمُتَكَبِّرُ، الْخَالِقُ الْبَارِئُ الْمُصَوِّرُ الْغَفَّارُ الْقَهَّارُ، الْوَهَّابُ الرَّزَّاقُ الْفَتَّاحُ الْعَلِيمُ الْقَابِضُ الْبَاسِطُ، الْخَافِضُ الرَّافِعُ، الْمُعِزُّ الْمُذِلُّ، السَّمِيعُ الْبَصِيرُ، الْحَكَمُ الْعَدْلُ، اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ، الْحَلِيمُ الْعَظِيمُ، الْغَفُورُ الشَّكُورُ، الْعَلِيُّ الْكَبِيرُ، الْحَفِيظُ الْمُقِيتُ، الْحَسِيبُ الْجَلِيلُ الْكَرِيمُ الرَّقِيبُ الْمُجِيبُ، الْوَاسِعُ الْحَكِيمُ، الْوَدُودُ الْمَجِيدُ، الْبَاعِثُ الشَّهِيدُ، الْحَقُّ الْوَكِيلُ الْقَوِيُّ الْمَتِينُ، الْوَلِيُّ الْحَمِيدُ، الْمُحْصِي الْمُبْدِئُ الْمُعِيدُ، الْمُحْيِي الْمُمِيتُ، الْحَيُّ الْقَيُّومُ، الْوَاجِدُ الْمَاجِدُ، الْوَاحِدُ الصَّمَدُ، الْقَادِرُ الْمُقْتَدِرُ، الْمُقَدِّمُ الْمُؤَخِّرُ، الْأَوَّلُ الْآخِرُ، الظَّاهِرُ الْبَاطِنُ الْوَالِي الْمُتَعَالِي، الْبَرُّ التَّوَّابُ، الْمُنْتَقِمُ الْعَفُوُّ الرَّؤُوفُ، مَالِكُ الْمُلْكِ، ذُو الْجَلَالِ وَالْإِكْرَامِ الْمُقْسِطُ الْجَامِعُ، الْغَنِيُّ الْمُغْنِي الْمَانِعُ، الضَّارُّ النَّافِعُ، النُّورُ الْهَادِي، الْبَدِيعُ الْبَاقِي الْوَارِثُ، الرَّشِيدُ الصَّبُورُ».
أَوْرَدَ هَذِهِ الْأَسْمَاءَ الْحَافِظُ ابْنُ حَجَرٍ فِي الْفَتْحِ، وَذَكَرَ اخْتِلَافَ الرِّوَايَاتِ فِيهَا وَإِنْكَارَ بَعْضِ كِبَارِ الْعُلَمَاءِ لِرَفْعِهَا، كَابْنِ حَزْمٍ وَالدَّاوُدِيُّ وَالْقَاضِي أَبِي بَكْرِ بْنِ الْعَرَبِيِّ- وَالْأَقْوَالَ فِي حَصْرِهَا وَمَأْخَذِهَا ثُمَّ قَالَ: وَإِذَا تَقَرَّرَ رُجْحَانُ أَنَّ سَرْدَ الْأَسْمَاءِ لَيْسَ مَرْفُوعًا، فَقَدِ اعْتَنَى جَمَاعَةٌ بِتَتَبُّعِهَا مِنَ الْقُرْآنِ مِنْ غَيْرِ تَقْيِيدٍ بِعَدَدٍ، فَرُوِّينَا فِي كِتَابِ الْمِائَتَيْنِ لِأَبِي عُثْمَانَ الصَّابُونِيِّ بِسَنَدِهِ إِلَى مُحَمَّدِ بْنِ يَحْيَى الذُّهْلِيِّ أَنَّهُ اسْتَخْرَجَ الْأَسْمَاءَ مِنَ الْقُرْآنِ، وَكَذَا أَخْرَجَ أَبُو نُعَيْمٍ عَنِ الطَّبَرَانِيِّ عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ، وَالْخَلَّالُ عَنِ ابْنِ أَبِي عُمَرَ، وَحَدَّثَنَا مُحَمَّدُ بْنُ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدِ بْنِ عَلِيِّ بْنِ الْحُسَيْنِ قَالَ: سَأَلْتُ جَعْفَرَ بْنَ مُحَمَّدٍ الصَّادِقَ عَنِ الْأَسْمَاءِ الْحُسْنَى فَقَالَ: هِيَ فِي الْقُرْآنِ، وَرُوِّينَا فِي فَوَائِدِ تَمَّامٍ مِنْ طَرِيقِ أَبِي الطَّاهِرِ بْنِ السَّرْجِ عَنْ حِبَّانَ بْنِ نَافِعٍ عَنْ سُفْيَانَ بْنِ عُيَيْنَةَ الْحَدِيثَ، يَعْنِي حَدِيثَ: «إِنَّ لِلَّهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ اسْمًا» قَالَ: فَوَعَدَنَا سُفْيَانُ أَنْ يُخْرِجَهَا لَنَا مِنَ الْقُرْآنِ فَأَبْطَأَ، فَأَتَيْنَا أَبَا زَيْدٍ فَأَخْرَجَهَا لَنَا، فَعَرَضْنَاهَا عَلَى سُفْيَانَ فَنَظَرَ فِيهَا أَرْبَعَ مَرَّاتٍ وَقَالَ: نَعَمْ هِيَ هَذِهِ.