فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

{واذكر ربك في نفسك تضرّعًا وخيفة ودون الجهر من القول بالغدوّ والآصال ولا تكن من الغافلين}.
لما أمرهم تعالى بالاستماع والإنصات إذا شرع في قراءة القرآن ارتقى من أمرهم إلى أمر الرسول صلى الله عليه وسلم أن يذكر ربه في نفسه أي بحيث يراقبه ويذكره في الحالة التي لا يشعر بها أحد وهي الحالة الشريفة العليا، ثم أمره أن يذكره دون الجهر من القول أي يذكره بالقول الخفي الذي لا يشعر بالتذلّل والخشوع من غير صياح ولا تصويت شديد كما تناجى الملوك وتستجلب منهم الرغائب، وكما قال للصحابة وقد جهروا بالدعاء: «إنكم لا تدعون أصمَّ ولا غائبًا اربؤوا على أنفسكم» وكان كلام الصحابة رضي الله عنهم للرسول صلى الله عليه وسلم سرارًا وكما قال تعالى: {إن الذين ينادونك من وراء الحجرات أكثرهم لا يعقلون} وقال تعالى: {لا ترفعوا أصواتكم فوق صوت النبيّ ولا تجهروا له بالقول} لأنّ في الجهر عدم مبالاة بالمخاطب وظهور استعلاء وعدم تذلّل والذكر شامل لكلّ من التهليل والتسبيح وغير ذلك وانتصب {تضرّعًا وخيفة} على أنهما مفعولان من أجلهما لأنهما يتسبب عنهما الذكر وهو التضرّع في اتصال الثواب والخوف من العقاب ويحتمل أن ينتصبا على أنهما مصدران في موضع الحال أي متضرعًا وخائفًا أو ذا تضرُّع وخيفة، وقرئ وخفية والظاهر أن قوله: {واذكر} خطاب للرسول صلى الله عليه وسلم، وقيل: خطاب لكلّ ذاكر، وقال ابن عطية: خطاب له ويعمّ جميع أمته، والظاهر تعلّق الذكر بالرب تعالى لأنّ استحضار الذات المقدسة استحضار لجميع أوصافها، وقيل: هو على حذف مضاف أي واذكر نعم ربك في نفسك باستدامة الفكر حتى لا تنسى نعمه الموجبة لدوام الشكر، وفي لفظة ربك من التشريف بالخطاب والإشعار بالإحسان الصادر من المالك للملوك ما لا خفاء فيه ولم يأت التركيب واذكر الله ولا غيره من الأسماء وناسب أيضًا لفظ الرب قوله: {تضرعًا وخيفة} لأنّ فيه التصريح بمقام العبودية والظاهر أن قوله: {ودون الجهر من القول} حالة مغايرة لقوله: {في نفسك} لعطفها عليها والعطف يقتضي التغاير.
وقال ابن عطية: والجمهور على أن الذكر لا يكون في النفس ولا يراعى إلا بحركة اللسان قال: ويدل عليه من هذه الآية قوله تعالى: {ودون الجهر من القول} فهذه مرتبة السرّ والمخافتة باللفظ انتهى، ولا دلالة في ذلك لما زعم بل الظاهر المغايرة بين الحالتين وأنهما ذكران نفساني ولساني، ولذلك قال الزمخشري ومتكلمًا كلامًا دون الجهر لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب إلى جنس التفكر انتهى، ولما ذكر حالتي الذكر وسببهما وهما التضرُّع والخفية ذكر أوقات الذكر فقيل: أراد خصوصية الوقتين لأنهم كانوا يصلون في وقتين قبل فرض الخمس، وقال قتادة: الغدوّ صلاة الصبح {والآصال}: صلاة العصر، وقيل: خصهما بالذكر لفضلهما، وقيل: المعنى جميع الأوقات وعبر بالطرفين المشعرين بالليل والنهار والغدوّ، قيل: جمع غدوة فعلى هذا تظهر المقابلة لاسم جنس بجمع ويكون المراد بالغدوات والعشايا وإن كان مصدر الغداء فالمراد بأوقات الغدوّ حتى يقابل زمان مجموع بزمان مجموع.
وقرأ أبو مجلز لاحق بن حميد السدوسي البصري والإيصال جعله مصدرًا لقولهم آصلت أي دخلت في وقت الأصيل فيكون قد قابل مصدرًا بمصدر ويكون كأعصر أي دخل في العصر وهو العشي وأعتم أي دخل في العتمة، ولما أمره بالذكر أكد ذلك بالنهي عن أن يكون من الغافلين أي استلزم الذكر ولا تغفل طرفة عين ومعلوم أنه عليه السلام تستحيل عليه الغفلة لعصمته فهو نهي له صلى الله عليه وسلم والمراد أمته. اهـ.

.قال أبو السعود:

{واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ}.
على الأول عطفٌ على قل وعلى الثاني فيه تجريد للخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عام في الأذكار كافةً فإن الإخفاءَ أدخلُ في الإخلاص وأقربُ من الإجابة {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} أي متضرعًا وخائفًا {وَدُونَ الجهر مِنَ القول} أي ومتكلمًا كلامًا دون الجهر فإنه أقرب إلى حسن التفكر {بالغدو والاصال} متعلقٌ باذكر أي اذكره في وقت الغُدوات والعشيات وقرئ والإيصال وهو مصدر آصَلَ أي دخل في الآصيل موافقٌ للغدو {وَلاَ تَكُنْ مّنَ الغافلين} عن ذكر الله تعالى. اهـ.

.قال الألوسي:

{واذكر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ}.
عطف على {قل} وعلى الثاني فيه تجريد الخطاب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو عام لكل ذكر فإن الإخفاء أدخل في الإخلاص وأقرب من القبول، وفي بعض الأخبار يقول الله تعالى: {مِنْ مَنَعَكَ أَن تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَىَّ أَسْتَكْبَرْتَ أَمْ كُنتَ مِنَ العالين قَالَ أَنَاْ خَيْرٌ مّنْهُ} وقال الإمام: المراد بالذكر في نفسه أن يكون عارفًا بمعان الأذكار التي يقولها بلسانه مستحضرًا لصفات الكمال والعز والعظمة والجلال، وذلك لأن الذكر باللسان عاريًا عن الذكر بالقلب كأنه عديم الفائدة، بل ذكر جمع أن الذكر اللساني الساذج لا ثواب فيه أصلًا، ومن أتى بالكلمة الطيبة غير ملاحظ معناها أو جاهلًا به لا عد مؤمنًا عند الله تعالى، وقيل: الخطاب لمستمع القرآن والذكر القرآن، والمراد أمر المأموم بالقراءة سرًا بعد فراغ الإمام عن قراءته وفيه بعد ولو التزم قول الإمام، وقوله سبحانه وتعالى: {تَضَرُّعًا وَخِيفَةً} في موضع الحال بتأويل اسم الفاعل أي متضرعًا وخائفًا، أو بتقدير مضاف أي ذا تضرع وخيفة، وكونه مفعولًا لأجله غير مناسب.
وجوز بعضهم كون ذلك مصدرًا لفعل من غر المذكور وليس بشيء، وأصل خيفة خوفة، ودون في قوله تعالى: {وَدُونَ الجهر مِنَ القول} صفة لمعمول حال محذوفة أي ومتكلمًا كلامًا دون الجهر لأن دون لا تتصرف على المشهور؛ والعطف على تضرعًا، وقيل: لا حاجة إلى ما ذكر والعطف على حاله، والمراد اذكره متضرعًا ومقتصدًا.
وقيل: إن العطف على قوله تعالى: {فِى نَفْسِكَ} لكن على معنى اذكره ذكرًا في نفسك وذكرًا بلسانك دون الجهر، والمراد بالجهر رفع الصوت المفرط وبما دونه نوع آخر من الجهر.
قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما: هو أن يسمع نفسه وقال الإمام: المراد أن يقع الذكر متوسطًا بين الجهر والمخافتة كما قال تعالى: {وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلاَ تُخَافِتْ بِهَا} [الإسراء: 110] ويشعر كلام ابن زد أن المراد بالجهر مقابل الذكر في النفس، والآية عنده خطاب للمأموم المأمور بالإنصات أي اذكر ربك أيها المنصت في نفسك ولا تجهر بالذكر {بالغدو} جمع غدوة كما في القاموس، وفي الصحاح الغدو نقيض الرواح وقد غدا يغدو غدوًا.
وقوله تعالى: {بالغدو} أي بالغدوات جمع غدوة وهي ما بين صلاة الغداة وطلوع الشمس، فعبر بالفعل عن الوقت كما يقال: أتيتك طلوع الشمس أي وقت طلوعها، وهو نص في أن الغدو مصدر لا جمع، وعليه فقد يقدر معه مضاف مجموع أي أوقات الغدو ليطابق قوله سبحانه وتعالى: {والاصال} وهو كما قال الأزهري جمع أصل، وأصل جمع أصيل أعني ما بين العصر إلى غروب الشمس فهو جمع الجمع وليس للقلة وليس جمعًا لأصيل لأن فعيلًا لا يجمع على أفعال، وقل: إنه جمع له لأنه قد يجمع عليه كيمين وأيمان، وقيل: إنه جمع لأصل مفردًا كعنق ويجمع على أصلان أيضًا، والجار متعلق باذكر، وخص هذان الوقتان بالذكر قيل لأن الغدوة عندها ينقلب الحيوان من النوم الذي هو كالموت إلى اليقظة التي هي كالحياة، والعالم يتحول من الظلمة التي هي طبعة عدمية إلى النور الذي هو طبيعة وجودة، وفي الأصل الأمر بالعكس، أو لأنهما وقتا فراغ فيكون الذكر فيهما ألصق بالقلب، وقيل: لأنهما وقتان يتعاقب فيهما الملائكة على ابن آدم، وقيل: ليس المراد التخصيص بل دوام الذكر واتصاله أي اذكر كل وقت.
وقرأ أبو مجاز لاحق بن حميد السدوسي {والإيصال}، وهو مصدر آصل إذ ادخل في الأصيل وهو مطابق لغدو بناء على القول بإفراده ومصدريته فتذكر {وَلاَ تَكُنْ مّنَ الغافلين} عن ذكر الله تعالى. اهـ.

.قال القاسمي:

{وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالآصَالِ} خطاب للنبي صلى الله عليه وسلم، والمراد عام، أو المعنى: واذكر ربك أيها الْإِنْسَاْن، والأول أظهر، لأن ما خوطب به النبي صلى الله عليه وسلم ولم يكن من خصائصه، فإنه مشروع لأمته.
وقد أوضح هذا آية: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا اللَّهَ ذِكْرًا كَثِيرًا وَسَبِّحُوهُ بُكْرَةً وَأَصِيلًا} والأمر بالذكر.
قال الزمخشري: هو عام في الأذكار من قراءة القرآن والدعاء والتسبيح والتهليل وغير ذلك.
وقال بعض الزيدية: هذا الأمر يحتمل الوجوب، إن فسر الذكر بالصلاة، وإن أريد الدعاء أو الذكر باللسان، فهو محمول على الإستحباب. قال: وبكل فسرت الآية.
ثم إنه تعالى ذكر آدابًا لذكره:
الأول: أن يكون في نفسه، لأن الإخفاء أدخل في الإخلاص، وأقرب إلى الإجابة، وأبعد من الرياء.
الثاني: أن يكون على سبيل التضرع، وهو التذلل والخضوع والإعتراف بالتقصير، ليتحقق بذلة العبودية لعزة الربوبية.
الثالث: أن يكون على وجه الخيفة، أي: الخوف والخشية من سلطان الربوبية، وعظمة الألوهية، من المؤاخذة على التقصير في العمل، لتخشع النفس، ويخضع القلب.
الرابع: أن يكون دون الجهر، لأنه أقرب إلى حسن التفكر. قال ابن كثير: فلهذا يستحب أن لا يكون الذكر نداءً ولا جهرًا بليغًا.
وفي الصحيحين عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه قال: رفع الناس أصواتهم بالدعاء في بعض الأسفار، فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «يا أيها الناس! اربعوا على أنفسكم، فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبًا، إن الذي تدعونه سميع قريب، أقرب إلى أحدكم من عنق راحلته».
قال الإمام: المراد أن يقع الذكر متوسطًا بين الجهر والمخافة كما قال تعالى: {وَلا تَجْهَرْ بِصَلاتِكَ وَلا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا}.
الخامس: أن يكون باللسان لا بالقلب وحده، وهو مستفاد من قوله: {وَدُونَ الْجَهُرِ} لأن معناه: ومتكلمًا كلامًا دون الجهر، فيكون صفة لمعمول حال محذوفة معطوفًا على {تَضَرُّعًا}، أو هو معطوف على: {فِي نَفْسِكَ} أي: اذكره ذكرًا في نفسك، وذكرًا بلسانك دون الجهر.
السادس: أن يكون بالغدو والآصال، أي: في البكرة والعشي. فتدل الآية على مزية هذين الوقتين، لأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد، وما بينهما الغالب فيه الإنقطاع إلى أمر المعاش.
وقد روي أن عمل العبد يصعد أول النهار وآخره، فطلب الذكر فيهما، ليكون ابتداء عمله واختتامه بالذكر.
ثم نهى تعالى عن الغفلة عن ذكره بقوله: {وَلاَ تَكُن مِّنَ الْغَافِلِينَ} أي: من الذين يغفلون عن ذكر الله، ويلهون عنه، وفيه إشعار بطلب دوام ذكره تعالى، واستحضار عظمته وجلاله وكبريائه، بقدر الطاقة البشرية. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً}.
إقبال بالخطاب على النبي صلى الله عليه وسلم فيما يختص به، بعد أن أمر بما أمر بتبليغه من الآيات المتقدمة، والمناسبة في هذا الانتقال أن أمر الناس باستماع القرآن يستلزم أمر الرسول عليه الصلاة والسلام بقراءة القرآن عليهم قراءة جهرية يسمعونها، فلما فرغ الكلام من حظ الناس نحو قراءة الرسول عليه الصلاة والسلام، أقبل على الكلام في حظ الرسول صلى الله عليه وسلم من القرآن وغيره، وهو التذكر الخاص به، فأمر بأن يذكر الله ما استطاع وكيفما تسنى له، وفي أوقات النهار المختلفة، فجملة {واذكر ربك} معطوفة على الجمل السابقة من قوله: {إن وليي الله} [الأعراف: 196] إلى هنا.