فصل: مطلب الأشياء الموجودة الغير مرئية وتصور الشيطان والمحبة الخالصة الصادقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.مطلب الأشياء الموجودة الغير مرئية وتصور الشيطان والمحبة الخالصة الصادقة:

واعلم أن رؤية الشياطين للملائكة والأنس ثابتة لا نزاع فيها، قال تعالى: {إِنَّهُ يَراكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ} الآية 27 من سورة الأعراف في ج 1، وتوجد أشياء كثيرة موجودة حسا غير مرئية كنسخ الظل الشمسي وأعمدة المهواية وشبهها عند سرعة دورانها، وكذلك الهواء موجود غير مرئي والقوى الكهربائية موجودة غير مرئية.
ثم قال الخبيث {إِنِّي أَخافُ اللَّهَ} لأنه ظن عليه اللعنة أن القيامة قامت لعلمه أن جبريل ينزل فيها هو والملائكة، ولذلك أردف قوله بما ذكر الله: {وَاللَّهُ شَدِيدُ الْعِقابِ (49)} وقد كذب أول الآية وصدق آخرها، ولهذا لما رجعت قريش إلى مكة قالوا هزم الناس سرافة، فجاءهم وقال لهم واللّه ما شعرت بمسيركم حتى بلغني هزيمتكم، فقالوا له أما أتيتنا وقلت لنا ونحن بمكة أنا جار لكم ثم هربت؟ فقال واللّه ما جئتكم بالأولى ولا في الثانية.
ولما أسلم من بقي منهم عرفوا أنه إبليس.
أخرج مالك في الموطأ عن طلحة بن عبد اللّه ابن كرزان أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم قال: «ما رئي الشيطان يوما هو أصغر ولا أغيظ منه في يوم عرفة، وما ذاك إلا لما يرى من نزول الرحمة وتجاوز اللّه تعالى عن الذنوب العظام إلا ما رأى يوم بدر، فإنه قد رأى جبريل يزع الملائكة».
أي يسوي صفوفهم ويصلحها فيأمر هذا أن يتقدم وهذا أن يتأخر.
وسبق أن ذكرنا أنه كما تتصور الملائكة بصور البشر فكذلك الشياطين، وان النفس الباطنة لم تتغير ولا يلزم من تغيير الصورة تغيير الحقيقة.
وليعلم أن ذكر اللّه تعالى في مواطن الشدة لاسيما في حالة الجهاد من أقوى الأدلة على محبته تعالى الصادقة التي لا يشوبها شيء، لأن فيه السكينة، قال تعالى: {أَلا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ} الآية 31 من سورة الرعد الآتية، ومتى اطمأن القلب زال عنه دواعي الخوف فضلا عن أنه دليل المحبة لأن من أحب شيئا أكثر ذكره في كل حال ألا ترى قول عنترة:
ولقد ذكرنك والرماح نواهل ** مني وبيض الهند تقطر من دمى

فوددت تقبيل السيوف لأنها ** بوقت كبارق ثغرك المتبسم

وهو أبلغ ما قيل في هذا المعنى بالنسبة لمقام القول، وفي مقام المحبة تراكضت أرواح العاشقين وتفانت في ميدان أشباح السالكين، حتى قال قائلهم:
ولو خطرت لي في سواك إرادة ** على خاطري سهوا حكمت بردتي

وقد عدوا الموت في الحب من الجهاد الأكبر، لأن الحياة الحقيقة التي فيها الوصال تعقبه، قال ابن الفارض أيضا:
ومن لم يمت في حبه لم يعش به ** ودون اجتناء النحل ما جنت النحل

وقد حسنوا التذلل في هذا الباب وعدوّه من أسباب الوصال مع أنهم لم يعرفوا التذلل إلا للّه فقالوا:
ويحسن إظهار التجلد للعدا ** ويقبح إلا العجز عند الحبائب

وقالوا إن من صفات المحبين الخضوع وإنكار النفس حتى بالغ بعضهم فقال:
مساكين أهل العشق حتى قبورهم ** عليها تراب الذل دون الخلائق

وفي رواية بين المقابر، واختلفوا في وصفه ومحله من الجسد، وقيل في ذلك:
يقولون إن الحب كالنار في الحشى ** ألا كذبوا فالنار تذكو وتخمد

وما هو إلا جذوة مس عودها ** ندى فهي لا تذكو ولا تتوقد

وقالوا في ذم من لم يحب:
إذا أنت لم تعشق ولم تدر ما الهوى ** فكن حجرا من يابس الصخر جلمدا

وقدمنا في الآية 67 من سورة الزخرف ج 2 ما يتعلق بالمحبة فراجعها.
واذكر يا سيد الرسل لقومك {إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ} من أهل المدينة {وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ} شك وريبة إذ لم يقو الإسلام في قلوبهم ولم تتشرب بشاشة الإيمان فيها لما رأوا قلتكم عند ذهابكم لقتال المشركين في بدر قال بعضهم لبعض: {غَرَّ هؤُلاءِ دِينُهُمْ} صدق إيمانهم باللّه وحملهم على ما لا طاقة لهم به من لقاء عدوهم لأن عددهم وعددهم أكثر وأقوى، فقد هفوا ولم يعلموا أن توكلكم على ربكم لا على قوتكم وكثرتكم {وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ} ويثق به {فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ} لا يغلب من يتوكل عليه {حَكِيمٌ (49)} لا يسوّي بين أحبابه وأعدائه فإنه ينصر أولياءه على قلتهم، ويخذل أعداءه مع كثرتهم مهما كان عددهم وعددهم، لأنهم طلبوا النصر منه وحسنوا ظنهم فيه وأيقنوا بالإجابة منه واللّه عند حسن ظن عبده به.
قال تعالى معجبا رسوله صلّى اللّه عليه وسلم مما يقع على الكافرين عند الموت من البلاء والشدة: {وَلَوْ تَرى} يا أكمل الرسل {إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ}.
لرأيت أمرا فظيعا هالك مرآه، لأنهم إذ ذاك {يَضْرِبُونَ وُجُوهَهُمْ} عند الاقدام {وَأَدْبارَهُمْ} حال الانهزام والأفظع من هذين الأمرين أنهم يقولون لهم بعد الموت موتوا {وَذُوقُوا عَذابَ الْحَرِيقِ (50)} في جهنم فهي مثواكم في الآخرة.
{ذلِكَ} الذي حل بكم أيها الكفار في الدنيا من القتل وفي الآخرة من العذاب هو {بِما قَدَّمَتْ أَيْدِيكُمْ} من الشرك والمعاصي وظلمكم أنفسكم بذلك.
ووصفت اليد لأنها آلة العمل المؤثرة، وإلا فالكفر محله القلب وعلامته اللسان {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ (51)} إذ لا يعذب أحدا بلا ذنب، على أنه لو فعل فلا يعد ظلما لاستحالة نسبة الظلم إليه، لأنه المالك المطلق وللمالك التصرف بملكه كيف يشاء، ألا ترى أنك إذا هدمت دارك أو أخربت ما هو ملكك لا يعترضك فيه أحد؟ وإن عادة هؤلاء الكفار في كفرهم {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآياتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ (52)} بحيث لا تطيقه الجبال الحديدية.
وفي هذه الآية تهديد ووعيد لهؤلاء الكفار والمنافقين من أمة محمد صلّى اللّه عليه وسلم، وإعلام بأنه تعالى سيعذبهم في الدنيا بالهلاك وفي الآخرة بالنار، كما عذب أولئك في الدنيا ويعذبه مفي الآخرة.
والدأب إدامة العمل.
وسميت العبادة دأبا لمداومة الإنسان عليها {ذلِكَ} العذاب والانتقام {بِأَنَّ اللَّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرًا نِعْمَةً أَنْعَمَها عَلى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا ما بِأَنْفُسِهِمْ} كي يكونوا هم السبب في ذلك ويندموا من حيث لا ينفعهم الندم، لأن ما يحدثه للخلق من بعض ما هو مدون في أزله قبل خلقهم، إذ لا يقع شيء إلا وهو مسجل في اللوح المحفوظ ثابت في علم الله: {وَأَنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ} لما يقع من عبده سرا أو جهرا {عَلِيمٌ (53)} به قبل وقوعه.
وليعلم كل إنسان أن يذكر مع كل نعمة زوالها كي يحافظ عليها بالشكر، ويذكر مع كل بلية كشفها ليحافظ على الرجاء من اللّه فإن ذلك أبقى للنعمة، وأسلم من البطر، وأقرب من الفرج، لأن الدنيا دار تجارة، فالويل لمن تزود منها الخسارة، ويكفيك أنها مزرعة الآخرة، وقيل في المعنى في هذا:
إذا أنت لم تبذر وأبصرت حاصدا ** ندمت على التفريط في زمن البذر

وتشير هذه الآية إلى أن اللّه تعالى أرسل محمدا نعمة عظمى لأهل مكة خاصة مكملة لنعمهم الأولى من جوارهم لحماه، وأمنهم مما يخافون، ومما يخافه غيرهم، وتخويلهم رحلة الشتاء والصيف، فلم يقدروها ولم يشكروها، بل قابلوها بالكفر والجحود، فنقله اللّه عنهم إلى الأنصار لأنه رحمة للعالمين أجمع، راجع الآية 29 من سورة إبراهيم في ج 2، والآية 43 من سورة الرعد الآتية.
وديدنهم هذا {كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ} لما كفروا بموسى عليه السلام {وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآياتِ رَبِّهِمْ} وكفروا بأنبيائهم أيضا {فَأَهْلَكْناهُمْ بِذُنُوبِهِمْ} بعضهم بالخسف وبعضهم بالصيحة ومنهم بالحجارة ومنهم بالمسخ والغرق، وحرم فرعون نعمة موسى إذ نقلت لبني إسرائيل الذين اتبعوه {وَأَغْرَقْنا آلَ فِرْعَوْنَ} وأنجينا موسى وقومه {وَكُلٌّ} من المعذبين والمهلكين {كانُوا ظالِمِينَ (54)} أنفسهم وغيرهم، فأخذناهم بظلمهم.
وقد كررت ألفاظ هذه الآية تأكيدا لأنها جرت مجرى التفصيل للآية الأولى التي ذكر فيها أخذهم وكفرهم بآياته، وفي الثانية إعراضهم وتكذيبهم بآياته.
قال تعالى: {إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لا يُؤْمِنُونَ (55)} لا يتوقع إيمانهم لتوغلهم بالكفر، وهؤلاء {الَّذِينَ عاهَدْتَ مِنْهُمْ} يا سيد الرسل {ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لا يَتَّقُونَ (56)} [56] نقض العهد مع أنهم أهل كتاب ودين يجب عليهم الوفاء به وعدم النكث بمقتضى كتابهم ودينهم، وهم على العكس شأنهم شأن الذين لا دين لهم بل أضل.
قد نزلت هذه الآية في بني قريظة المار ذكرهم في الآية 26 إذ عاهدهم الرسول أولا على أن لا يحاربوه ولا يعاونون عليه، فنقضوا عهدهم وأعانوا مشركي العرب عليه بسلاحهم، وقالوا نسينا وأخطأنا، ثم عاهدهم ثانيا فنكثوا أيضا ومالئوا عليه الكفار يوم الخندق، وذهب رئيسهم كعب بن الأشرف إلى مكة وحالف قريش وأهلها على حرب الرسول.
وقال سعيد بن جبير: نزلت في ستة رهط من اليهود منهم ابن تابوت كانوا عاهدوا ثم نقضوا.
قال تعالى: {فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ} يا محمد فتجدنّهم وتصادفنهم {فِي الْحَرْبِ} فتظفر بهم {فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ} أي نكّل بهم غيرهم بأن تقتلهم قتلا ذريعا فظيعا، تفرق به جمعهم وتكسر به شوكتهم ليعتبر بهم كل من تحدثه نفسه بنقض العهد.
وأصل التشريد التفريق مع الاضطراب {لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (57)} يتعظون فلا يجرؤ بعدهم أحد على نكثه.
وهذه الآية من قبيل الإخبار بالغيب، إذ وقعت كما ذكر اللّه تعالى، لأن حضرة الرسول حكّم فيهم سعدا فحكم فيهم بحكم اللّه، كما سيأتي في الآية الثانية من سورة الحشر المشيرة إلى هذه الحادثة، وقد ألمعنا إليها في الآية 27 المارة.
وفي هذه الآية وما بعدها فنون من فنون الحرب ودواعيه وما يتعلق به يعلمها اللّه إلى رسوله قبل وقوعها ليطبقها عند الحاجة.
ولفظ الدواب يطلق على كل ما دبّ على وجه الأرض من إنسان وحيوان، وقد جعل اللّه الكافرين من صنف الدواب في هذه الآية لأنهم شرّ منهم، لأن الدواب الحقيقية لا تضر غالبا وهم يضرون الناس ويكفرون نعم اللّه.
قال تعالى: {وَإِمَّا تَخافَنَّ مِنْ قَوْمٍ} معاهدين فتتوقع منهم {خِيانَةً} غدرا أو نقضا للعهد مثل بني قريظة {فَانْبِذْ} اطرح وارم عهدهم {إِلَيْهِمْ} وأعلمهم بفسخ المعاهدة ليكونوا على بصيرة من أمرهم ولئلا يقولوا لم تخبرنا بنقض العهد قبل ويتهموك بالنكث والغدر، حتى تكون أنت وإياهم في علم نقض العهد {عَلى سَواءٍ إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْخائِنِينَ (58)} في كل شيء.
الحكم الشرعي: إذا ظهرت آثار نقض العهد ممن هادنهم الإمام بأمر ظاهر مستفيض فلا حاجة لنبذ العهد وإعلامهم بالحرب، وإن ظهرت الخيانة به بأمارات من غير أمر مستفيض فيجب على الإمام إعلامهم بفسخ المعاهدة كما ذكر اللّه وقاية من سمات الغدر ولعلهم يرجعون إلى عهدهم أو يستسلمون ويسلمون.
روى مسلم عن جابر عن رجل من حمير قال: كان بين معاوية والروم معاهدة، وكان يسير نحو بلادهم ليتقرب منهم، حتى إذا نقض العهد غزاهم، فجاءه رجل على فرس أو برذون وهو يقول اللّه أكبر اللّه أكبر وفاء لا غدرا، فإذا هو عمرو بن عينية، فأرسل إليه معاوية فسأله، فقال سمعت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلم يقول: «من كان بينه وبين قوم عهد فلا يشدّ عقدة ولا يحلها حتى ينقضي أمدها أو ينبذ إليهم على سواء».
فرجع معاوية.- أخرجه أبو داود- وأخرج النسائي بمعناه.
وقد أسهبنا البحث في هذا عند الآية 34 من سورة الإسراء ج 1 والآية 91 فما بعدها من سورة النحل في ج 2 فراجعها.