فصل: (الآية الثانية عشرة):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.[الآية الثانية عشرة]:

{ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيا وَاللَّهُ يُرِيدُ الْآخِرَةَ وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (67)}.
{ما كانَ لِنَبِيٍّ أَنْ يَكُونَ لَهُ أَسْرى حَتَّى يُثْخِنَ فِي الْأَرْضِ} هذا حكم آخر من أحكام الجهاد.
ومعنى ما كان لنبي: ما صح له وما استقام.
والأسرى جمع أسير. ويقال في جمع أسير أيضا: أسارى بضم الهمزة وبفتحها، وهو مأخوذ من الأسر، وهو القد، لأنهم كانوا يشدون به الأسير.
وقال أبو عمرو بن العلاء: الأسرى هم غير الموثقين عند ما يؤخذون، والأسارى هم الموثقون ربطا.
والإثخان كثرة القتل والمبالغة فيه، يقال: أثخن فلان في هذا الأمر، أي بالغ فيه.
فالمعنى ما كان لنبي أن يكون له أسرى، حتى يبالغ في قتل الكافرين، ويستكثر من ذلك.
وقيل: معنى الإثخان التمكن.
وقيل: هو القوة. أخبر اللّه سبحانه أن قتل المشركين يوم بدر كان أولى من أسرهم وفداهم، ثم لما كثر المسلمون رخّص اللّه في ذلك فقال: {فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِداءً} [محمد: 4].

.[الآية الثالثة عشرة]:

{إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (72)}.
{وَالَّذِينَ آمَنُوا} من المقيمين بمكة المكرمة.
{وَلَمْ يُهاجِرُوا} منها مبتدأ خبره.
{ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ} أي من نصرتهم وإعانتهم أو من ميراثهم، ولو كانوا من قراباتكم.
{مِنْ شَيْءٍ} لعدم وقوع الهجرة منهم.
{مِنْ شَيْءٍ} لعدم وقوع الهجرة منهم.
{حَتَّى يُهاجِرُوا} فيكون لهم ما كان للطائفة الأولى، الجامعين بين الإيمان والهجرة.
{وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ} أي هؤلاء الذين آمنوا ولا يهاجروا إذا طلبوا منكم النصرة لهم على المشركين.
{فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ} أي فواجب عليكم، إِلَّا أن يستنصروكم، {عَلى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثاقٌ}

.[الآية الرابعة عشرة]:

{وَالَّذِينَ آمَنُوا مِنْ بَعْدُ وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا مَعَكُمْ فَأُولئِكَ مِنْكُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (75)}.
{وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ} من غيرهم ممن لم يكن بينه وبينهم رحم في الميراث، والمراد بهم القرابات، فيتناول كل قرابة.
وقيل: المراد بهم هنا العصبات، كقول العرب: صلتك رحم فإنهم لا يريدون قرابة الأم، ولا يخفى عليك أنه ليس في هذا ما يمنع من إطلاقه على غير العصبات.
وقد استدل بهذه الآية من أثبت الميراث لذوي الأرحام، وهم من ليس بعصبته ولا ذي سهم على حسب اصطلاح أهل علم المواريث، والخلاف في ذلك معروف مقرر في مواطنه.
وقد قيل إن هذه الآية ناسخة للميراث بالموالاة والنصرة عند من فسّر ما تقدم، من قوله: {بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ} [الأنفال: 72]. وما بعده، بالتوارث.
وأما من فسّرها بالنصرة والمعونة، فيجعل هذه الآية إخبارا منه سبحانه وتعالى بأن القرابات بعضهم أولى ببعض.
{فِي كِتابِ اللَّهِ} أي في حكمه أو في اللوح المحفوظ، أو في القرآن، ويدخل في هذه الأولوية في الميراث دخولا أوليا، لوجود سببه أعني القرابة. اهـ.

.قال السايس:

بسم اللّه الرّحمن الرّحيم
من سورة الأنفال:
قال الله تعالى: {يَسْئَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفالِ قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ فَاتَّقُوا اللَّهَ وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (1)}
هذه السورة كلّها مدنية، وقيل: هي مدنية إلا قوله تعالى: {وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا}، وقيل: إلا قوله تعالى: {يا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَسْبُكَ اللَّهُ وبعضهم استثنى خمس آيات بعد آية وَإِذْ يَمْكُرُ}.
ومناسبتها لسورة الأعراف: أنها في بيان حال الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم مع قومه، وسورة الأعراف مبينة لأحوال أشهر الرسل مع أقوامهم.
وسبب نزول هذه الآية ما أخرجه أحمد وابن حبّان والحاكم من حديث عبادة بن الصّامت رضي اللّه عنه أنّ المسلمين اختلفوا في غنائم بدر، وفي قسمتها، فسألوا الرسول صلّى اللّه عليه وسلّم كيف تقسم، ولمن الحكم فيها، أهي للمهاجرين أم للأنصار أم لهم جميعا؟ فنزلت.
والسؤال إمّا لاستدعاء معنى في نفس المسئول، وهذا يتعدّى بنفسه تارة، وبعن أخرى، كما في هذه الآية. وإما لاقتضاء مال، فيتعدّى لاثنين بنفسه، نحو سألت زيدا مالا، وقد يتعدّى بمن، وفاعل السؤال يعود على معلوم، وهو من حضر بدرا.
والأنفال جمع نفل كسبب وأسباب، وهو في أصل اللغة من النّفل بفتح فسكون- أي الزيادة- ولذا سمي التطوع وولد الولد نافلة، ثم صار حقيقة في العطية لكونها تبرعا غير لازم. وتسمّى الغنيمة نفلا لأنّها منحة من اللّه من غير وجوب، أو لأن المسلمين فضّلوا بها على سائر الأمم التي لم تحلّ لهم، أو لأنها زيادة على ما شرع الجهاد له، وهو إعلاء كلمة اللّه: كذلك يسمّى بالنفل ما يشترطه الإمام للغازي زيادة على سهمه. وبعضهم فرّق بين الغنيمة والنفل بالعموم والخصوص: فالغنيمة ما حصل مستغنما ببعث كان أو بغير بعث، قبل الظفر أو بعده. والنفل ما كان قبل الظفر أو ما كان بغير قتال، وهو الفي ء، أو ما يفضل عن القسم.
إذا تبين هذا فاعلم أن الراجح هنا كون السؤال سؤال استفتاء لا استعطاء، وأنّ المراد بالأنفال الغنائم لا المشروط للغازي زيادة على سهمه، ويؤيد ذلك الراجح أمور:
1- أنّ هذا أول تشريع للغنيمة.
2- ما تقدّم من سبب النزول.
3- قوله تعالى: {فَاتَّقُوا اللَّهَ} فإنّه لو كان السؤال طلبا للمشروط لما كان هناك محذور يجب اتقاؤه.
ومن ذهب إلى المرجوح وهو أن السؤال سؤال استعطاء، وأن النفل ما يشترط للغازي فقد التزم زيادة عن أو جعلها بمعنى من وهو تكلّف لا ضرورة إليه.
ويبعده أيضا الجواب بقوله تعالى: {قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} فإنّ المراد به اختصاص أمرها وحكمها باللّه تعالى ورسوله، فيقسمها النبي عليه الصلاة والسلام كما يأمره اللّه تعالى من غير أن يدخل فيه رأي أحد، ولو كان السؤال سؤال استعطاء، وعن زائدة لما كان هذا جوابا له، فإنّ اختصاص حكم ما شرط لهم باللّه ورسوله لا ينافي إعطاءه إياهم، بل يحققه، لأنّهم إنما يسألون بموجب شرط الرسول عليه الصلاة والسلام الصادر عنه بإذن اللّه، لا بحكم سبق أيديهم إليه مما يخل بالاختصاص المذكور.
والمعنى: يسألونك يا محمد عن غنائم بدر كيف تقسم ولمن الحكم فيها {قُلِ الْأَنْفالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ} أي قل لهم: الأنفال للّه يحكم فيها بحكمه، وللرسول يقسمها بحسب حكم اللّه تعالى.
وهذه الآية محكمة بيّن فيها إجمالا أنّ الأمر مفوّض لرسول اللّه، وآية: {وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ} إلخ فصّلت هذا الإجمال ببيان مصارف الغنيمة، فلا تكون ناسخة لها فَاتَّقُوا اللَّهَ أي وإذا كان أمر الغنائم للّه ورسوله فاتقوه سبحانه، واجتنبوا ما أنتم فيه من المشاجرة فيها والاختلاف الموجب لشق العصا وسخطه تعالى، أو فاتقوه في كل ما تأتون وتذرون، فيدخل ما هم فيه دخولا أوليا {وَأَصْلِحُوا ذاتَ بَيْنِكُمْ} أي أصلحوا نفس ما بينكم، وهي الحال والصلة التي بينكم تربط بعضكم ببعض، وهي رابطة الإسلام، وإصلاحها يكون بالوفاق والتعاون والمواساة وترك الأثرة والتفوق، وبالإيثار أيضا، فذات بمعنى حقيقة الشيء ونفسه مفعول به، وقيل: إنّ ذات بمعنى صاحبة، صفة لمفعول محذوف، أي أحوالا ذات بينكم، ولما كانت الأحوال ملابسة للبين أضيفت إليه، كما تقول: اسقني ذا إنائك أي ما فيه، جعل كأنه صاحبه.
والبين في أصل اللغة يطلق على الاتصال والافتراق، وكل ما بين طرفين كما قال تعالى: {لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ} [الأنعام: 94] برفع بين بمعنى الوصل، وبنصبه على الظرفية بمعنى وقع التقطع بينكم. ومن استعمال البين بمعنى الافتراق والوصل قول الشاعر:
فو اللّه لولا البين لم يكن الهوى ** ولولا الهوى ما حنّ للبين آلف

{وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ} في الغنائم، وفي كل أمر ونهي، وقضاء وحكم، وذكر الاسم الجليل في الأمرين لتربية المهابة وتعليل الحكم. وذكر الرسول مع اللّه تعالى أولا وآخرا لتعظيم شأنه، وإظهار شرفه، والإيذان بأنّ طاعته عليه الصلاة والسلام طاعة اللّه تعالى: وتوسيط الأمر بإصلاح ذات البين بين الأمر بالتقوى، والأمر بالطاعة لإظهار كمال العناية بالإصلاح، وليندرج الأمر به بعينه تحت الأمر بالطاعة {إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} متعلق بالأوامر الثلاثة، والجواب محذوف لدلالة ما تقدّم عليه، أي فامتثلوا الأوامر الثلاثة فإنّ الإيمان يقتضي ذلك كله، أو الجواب نفس ما تقدم على الخلاف.
وأيا ما كان، فالمراد بيان ترتب ما ذكر عليه، لا التشكيك في إيمانهم، وهو يكفي في التعليق بالشرط.
والمراد بالإيمان التصديق، ولا خفاء في اقتضائه ما ذكر على معنى أن من شأنه ذلك، لا أنه لازم له حقيقة.
وقد يراد بالإيمان الإيمان الكامل، والأعمال شرط فيه، أو شطر، فالمعنى إن كنتم كاملي الإيمان فإنّ كمال الإيمان يدور على تلك الخصال الثلاثة: الاتقاء والإصلاح وإطاعة اللّه تعالى ورسوله صلّى اللّه عليه وسلّم.
ما يستنبط من الآية:
يستفاد منها أمور:
1- حرص الصحابة على السؤال عما يهمهم من أمر دينهم.
2- إنّ الأحكام مرجعها إلى اللّه تعالى ورسوله، لا إلى غيرهما.
3- اهتمام الشارع بإصلاح ذات البين، فهو واجب شرعا لتوقف قوة الأمة عليه وعزتها ومنعتها، ولحفظ وحدتها به.
4- إن امتثال ما أمر به الشارع من ثمرات الإيمان. واللّه أعلم.
قال الله تعالى: {يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا زَحْفًا فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ (15) وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ فَقَدْ باءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْواهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (16)}
الزحف قال الأزهري: أصل الزحف للصبي، وهو أن يزحف على استه قبل أن يقوم. وشبّه بزحف الصبي مشي الطائفتين اللتين تذهب كل واحدة منهما إلى صاحبتها للقتال، فتمشي كلّ فئة مشيا إلى الفئة الأخرى قبل التداني للضّراب.
وقال الزمخشري: الزحف الجيش الدهم الذي يرى لكثرته كأنّه يزحف، أي يدبّ دبيبا، من زحف الصبي إذا دبّ على استه قليلا، سمي بالمصدر، والجمع زحوف.
{فَلا تُوَلُّوهُمُ الْأَدْبارَ} أي لا تجعلوا ظهوركم مما يليهم.
{إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتالٍ} المتحرّف للقتال هو الذي يفرّ موهما قرنه أنه منهزم، فإذا تبعه عطف عليه فقتله، وهو باب من خدع الحرب ومكايدها، وهو حال من فاعل {يُوَلِّهِمْ} والاستثناء مفرّغ، أو منصوب على الاستثناء أي {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ} إلا رجلا متحرفا لقتال.
{أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلى فِئَةٍ} التحيّز التنحي. والفئة: الجماعة.