فصل: قال نظام الدين النيسابوري في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال نظام الدين النيسابوري في الآيات السابقة:

{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ} إلى قوله تعالى: {إِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ غَرَّ هَؤُلَاءِ دِينُهُمْ وَمَنْ يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ (49)}
التفسير: لما أمر سبحانه بالقتال في قوله: {وقاتلوهم} [الأنفال: 39] والمقاتلة مظنة حصول الغنيمة أعاد حكم الغنيمة ببيان أوفى وأشفى فقال: {واعلموا أنما غنمتم} أي الذي حزتم من أموال الكفرة قهرًا. وقوله: {من شيء} بيان ما أي من كل ما يقع عليه اسم الشيء حتى المخيط والخيط. وقوله: {فأن الله} بالفتح مبتدأ محذوف الخبر. وروى الجعفي عن أبي عمرو {فإن الله} بالكسر. قال في الكشاف: والمشهورة آكد وأثبت للإيجاب كأنه قيل: فلابد من ثبات الخمس فيه ولا سبيل إلى الإخلال به لأنه إذا حذف الخبر واحتمل غير واحد من المقدرات كقولك: ثابت واجب حق لازم كان أقوى لإيجابه من النص على واحد. عن الكلبي أن الآية نزلت ببدر. وقال الواقدي: كان الخمس في غزوة بني قينقاع بعد بدر بشهر وثلاثة أيام للنصف من شوال على رأس عشرين شهرًا في الهجرة. واعلم أن الآية تقتضي أخذ الخمس من الغنائم واختلفوا في كيفية قسمة ذلك الخمس على أقوال أشهرها: أن ذلك الخمس يخمس حتى يكون مجموع الغنيمة ومقسمًا بخمسة وعشرين قسمًا عشرون الغنائم بالاتفاق لأنهم كسبوها كالاحتطاب والاصطياد، وأما الخمسة الباقية فواحد منها كان لرسول الله ويصرف الآن ما كان يصرفه إليه من مصالح المسلمين كسد الثغور وعمارة الحصون والقناطر والمساجد وأرزاق القضاة والأئمة الأهم فالأهم، وواحد لذوي القربى يعني أقارب رسول الله من أولاد هاشم والمطلب ابني عبد مناف دون عبد شمس ونوفل وهما ابنا عبد مناف أيضًا لما روي عن عثمان بن عفان وجبير بن مطعم- وكان عثمان من بني عبد شمس وجبير من بني نوفل- أنهما قالا لرسول الله صلى الله عليه وسلم: هؤلاء إخوتك بنو هاشم لا ننكر فضلهم لمكانك الذي جعلك الله منهم، أرأيت إخواننا بني المطلب أعطيتهم وحرمتنا وإنما نحن وهم بمنزلة واحدة؟ فقال صلى الله عليه وسلم: إنهم لم يفارقونا في جاهلية ولا إسلام، إنما بنو هاشم وبنو المطلب شيء واحد- وشبك بين أصابعه- يستوي في هذا السهم غنيهم وفقيرهم إلا أن للذكر مثل حظ الأنثيين.
وثلاثة أخماس الباقية لليتامى والمساكين وابن السبيل. وهذا عند الإمامين أبي حنيفة والشافعي إلا أن أبا حنيفة قال: إن سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ساقط بموته وكذلك سهم ذوي القربى وإنما يعطون لفقرهم فهم أسوة سائر الفقراء. فعلى مذهب الإمامين. معنى قوله سبحانه: {فأن لله خمسه وللرسول} [التوبة: 62] فأن لرسول الله خمسة كقوله: {والله ورسوله أحق أن يرضوه} وعن أبي العالية إيجاب سهم آخر لله وأنه يقسم الخمس على ستة أسهم. والذاهبون إلى هذا القول اختلفوا فقيل: إن ذلك السهم لبيت المال. وقيل: يصرف إلى مصالح الكعبة لما روي أنه صلى الله عليه وسلم كان يأخذ الخمس فيضرب بيده فيه فيأخذ منه قبضة فيجعلها للكعبة فهو سهم الله. وعن ابن عباس أنه كان يقسم على ستة لله وللرسول سهمان، وسهم لأقاربه حتى قبض فأجرى أبو بكر الخمس على ثلاثة وهم اليتامى والمساكين وابن السبيل، وكذلك روي عن عمرو ومن بعده من الخلفاء. وروي أن أبا بكر منع بني هاشم الخمس وقال: إنما لكم أن يعطى فقيركم ويزوّج أيمكم ويخدم من لا خادم له منكم، فأما الغني منكم فهو بمنزلة ابن سبيل غني لا يعطى هو ولا يتيم موسر من الصدقة شيئًا، وروي عن زيد بن علي أنه قال: ليس لنا أن نبني منه قصورًا ولا أن نركب منه البراذين. وقيل: الخمس كله للقرابة لما روي عن علي عليه السلام أنه قيل له: إن الله تعالى قال: {واليتامى والمساكين} فقال: أيتامنا ومساكيننا. وعن الحسن: في سهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لولي الأمر من بعده. وعند مالك بن أنس الأمر في الخمس مفوّض إلى اجتهاد الإمام إن رأى قسمه بين الأصناف الخمسة عند الشافعي وإن رأى أعطى بعضهم دون بعض، وإن رأى غيرهم أولى وأهم فذاك. فعند هذا يكون معنى قوله: {فأن لله خمسه} أن من حق الخمس أن يكون متقربًا به إلى الله لا غير. ثم خص من وجوه القرب هذه الخمسة تفضيلًا لها على غيرها كقوله: {وملائكته ورسله وجبريل وميكائيل} وحاصل الآية إن كنتم آمنتم بالله وبالمنزل على عبدنا فاعلموا علمًا يتضمن العلم والطاعة أن الخمس من الغنيمة يجب التقرب به فاقطعوا عنه أطماعكم واقنعوا بالأخماس الأربعة {يوم الفرقان} يوم بدر لأنه فرق فيه بين أهل الحق وأهل الباطل.
والجمعان فريقاهما والذي أنزل عليه يومئذ الآيات والملائكة والنصر والتأييد {والله على كل شيء قدير} فبذلك نصر القليل على الكثير {إذ أنتم} بدل من يوم الفرقان {بالعدوة} بالكسر والضم شط الوادي أي جانبه وحافته. وقال أبو عمرو، هي المكان المرتفع و{الدنيا} تأنيث الأدنى يعني الجانب الذي يلي المدينة وقلب الواو ياء فيه على القياس لأن فعلى من بنات الواو وتقلب ياء كالعليا، وأما القصوى تأنيث الأقصى فإنه كالقود في مجيئه على الأصل وقد جاء القصيا أيضًا قليلًا والعدوة القصوى مما يلي مكة {والركب} يعني الأربعين الذين كانوا يقودون العير {أسفل منكم} بالساحل وهو نصبب على الظرف مرفوع المحل خبرًا للمبتدأ أي مكانًا أسفل من مكانكم والفائدة في ذكر مراكز الفرق الثلاث تصوير وقعة بدر وما دبر الله سبحانه من عجيب صنعه وكمال رأفته ونصره حتى كان ما كان. وذلك أن العدوة القصوى التي أناخ بها المشركون كانت في مكان فيه الماء وكانت أرضًا لا بأس بها، وأما العدوة الدنيا فهي رخوة تسوخ فيها الأقدام ولا ماء بها وكانت العير وراء ظهور العدو مع كثرة عددهم فكانت الحماية دونها تضاعف حميتهم وعبدتهم، ولهذا كانت العرب تخرج إلى الحروب بعيالهم وأثقالهم ليبعثهم الذب عن الحرم على بذل مجهودهم حيث لم يتركوا وراءهم ما يحدثون أنفسهم بالانحياز إليه.
{ولو تواعدتم} أنتم وأهل مكة على موضع تتلاقون فيه {لاختلفتم في الميعاد} فثبطكم قلتكم وكثرتهم عن الوفاء بالموعد وثبطهم ما في قلوبهم من هيبة الرسول والمسلمين فلم يتفق لكم من التلاقي ما تيسر بتوفيق الله وتسبيبه {ولكن ليقضي الله} أي ليظهر {أمرًا كان مفعولًا} مقدرًا وهو نصر أوليائه وقهر أعدائه دبر ذلك. وقوله: {ليهلك} بدل من {ليقضي} بدل الخاص من العام واستعير الهلاك والحياة للكفر والإسلام، وذلك أن وقعة بدر كان فيها من الآيات والمعجزات ما يكون الكافر بعدها كالمكابر لنفسه فكفره صادر عن وضوح بينة أي لا شك في كفره وعناده كما أنه لم يبق شك للمسلمين في حقية دين الإسلام. وفي قوله: {ليقضي} و{ليهلك} دلالة على أن أفعاله تعالى مستتبعة للحكم والمقاصد والغايات خلاف ما عليه ظاهر الأشاعرة.
{وإن الله لسميع} لدعائكم {عليم} بنياتكم {إذ يريكم} منصوب باذكر أو بدل آخر من يوم الفرقيان أو متعلق بعليم أي يعلم تدابيركم إذ يريكهم {في منامك} أي في رؤياك {قليلًا} أراه وإياهم في رؤياه قليلًا فأخبر بذلك أصحابه فكان تثبيتًا لهم وتشجيعًا على عدوهم. وقيل: في منامك أي في عينك في اليقظة لأن العين موضع النوم وفيه تكلف.
{ولو أراكهم كثيرًا} على ما هم عليه {لفشلتم} والفشل الجبن والخور.
{ولتنازعتم في الأمر} أمر الحرب والإقدام {ولكن الله سلم} عصم من الفشل والتنازع {إنه عليم بذات الصدور} يعلم ما سيحدث فيها من مواجب الإقدام والإحجام {وإذ يريكموهم} يبصركم إياهم {إذ التقيتم في أعينكم قليلًا} نصب على الحال لأن الرؤية رؤية العين لا القلب وقد استوفت الإراءة مفعولية فلن يتعدى إلى ثالث {ويقللكم في أعينهم} الحكمة في تقليل الكفار في أعين المؤمنين ظاهرة مع أن في ذلك تصديقًا لرؤيا النبي، وأما تقليل المؤمنين في أعين الكفار فالحكمة في ذلك أن يجترئ الكفار عليهم قلة مبالاة بهم وأن يستعدّوا لهم كما ينبغي {ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا} فعل ما فعل من التقليل {وإلى الله ترجع الأمور} فيه أن أحوال الدنيا غير مقصودة لذواتها. وإنما المراد منها ما يصلح أن يكون زادًا للمعاد. ثم علم المؤمنين آداب اللقاء في الحروب فقال: {إذا لقيتم فئة فاثبتوا} لقتالهم ولا تفروا واللقاء اسم غلب في القتال فلهذا ترك وصف الفئة بالمحاربين ونحو ذلك، والأمر بالثبات في القتال لا ينافي الرخصة في التحرف والتحيز فلعل الثبات في الحرب لا يحصل إلا بهما.
{واذكروا الله كثيرًا} في مواطن الحرب {لعلكم تفلحون} تظفرون بمرادكم من النصر والمثوبة. وفيه إشعار بأن العبد لا يجوز له أن يفتر عن ذكر ربه في أي شغل وعمل كان، ولو أن رجلا أقبل من المغرب إلى المشرق منفقًا أمواله لله، والآخر من المشرق إلى المغرب ضاربًا بسيفه في سبيل الله كان الذاكر لله أعظم أجرًا. وقيل: المراد من هذا الذكر أن يدعو على العدو: اللهم اخذلهم اللهم اقطع دابرهم ونحو ذلك والأولى حمله على العموم {وأطيعوا الله ورسوله} في سائر ما يأمر به لأن الجهاد لا ينفع إلى مع التمسك بسائر الطاعات {ولا تنازعوا فتفشلوا} منصوب بإضمار أن أو مجزوم لدخوله في حكم النهي ويظهر التقدير أن في قوله: {وتذهب ريحكم} على القراءتين. والريح الدولة شبهت في نفوذ أمرها وتمشيته على وفق المشيئة بالريح وهبوبها. يقال: هبت رياح فلان إذا دالت له الدولة ونفذ أمره. وقيل: الريح حقيقة ولم يكن نصر قط إلا بريح يبعثها الله. وفي الحديث: «نصرت بالصبا» حذرهم التنازع واختلاف الرأي نحو ما وقع لهم بأحد بمخالفتهم رسول الله. احتج نفاة القياس بالآية لأن القول به يفضي غالبًا إلى النزاع المنهى عنه. وكذا القائلون: بأن النص لا يجوز تخصيصه بالقياس.
قال أهل السير: إن أهل مكة حين نفروا لحماية العير أتاهم رسول أبي سفيان وهم بالجحفة أن ارجعوا فقد سلمت عيركم، فأبى أبو جهل وقال: حتى نقدم بدرًا نشرب بها الخمور وتعزف علينا القيان ونطعم بها من حضرنا من العرب.
فوافوها فسقوا كئوس المنايا مكان الخمر وناحت عليهم النوائح مكان القيان فنهى الله المؤمنين أن يكونوا مثلهم بطرين مرائين بأعمالهم كإطعام الطعام ونحوه فقال: {ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم} الآية. وصفهم بأوصاف ثلاثة: أولها: البطر وهو الطغيان في النعمة ويقال أيضًا شدّة المرح. والتحقيق إن النعم إذا كثرت من الله على العبد فإن صرفها في مرضاته وعرف حق الله فيها فذاك هو الشكر وإن توسل بها إلى المفاخرة على الأقران والمكاثرة على أبناء الزمان فذاك هو البطر. وثانيها: رئاء الناس وهو القصد إلى إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الجميل مع قبح النية وفساد الطوية، أو هو إظهار الطاعة مع إبطان المعصية كما أن النفاق إظهار الإيمان مع إبطان الكفر. وثالثها قوله: {ويصدون عن سبيل الله} أي يمنعون عن قبول دين محمد صلى الله عليه وسلم. قال الواحدي: معناه وصدا عن سبيل الله ليكون عطفًا للاسم على الاسم، أو يكون الكل أحوالًا على تأويل بطرين مرائين صادّين أو يبطرون ويراءون ويصدّون. واعترض عليه في التفسير الكبير بأنه تارة يقيم الاسم مقام الفعل والأخرى بالعكس ليصح له كون الكلمة معطوفة على جنسها، وكان من الواجب عليه أن يذكر السبب الذي لأجله عبر عن الأولين بالمصدر وعن الثالث بالفعل. ثم ذكر السبب فقال: إن أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على البطر والرياء فذكرا بلفظ الاسم تنبيهًا على أصالتهم فيهما، وأما الصدّ فإنما حصل في زمان ادعاء محمد النبوة فذكر بلفظ الفعل الدال على التجدد. قلت: لو جعلنا قوله: {ويصدون} عطفًا على صلة الذين لم يحتج إلى هذه التكلفات التي اخترعها الإمامان.