فصل: قال ابن عطية:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عطية:

قوله: {كدأب آل فرعون} الآية.
الدأب: العادة في كلام العرب، ومنه قول امرئ القيس: [الطويل]
كدأبك من أم الحويرث قبلها ** وجارتها أم الرباب بمأسل

ويروى كدينك، ومنه قول خراش بن زهير العامري:
فما زال ذاك الدأب حتى تخاذلت ** هوازن وارفضَّت سليم وعامر

وهو مأخوذ من دأب على العمل إذا لزمه، ومنه قول النبي صلى الله عليه وسلم، لصاحب الجميل الذي هش إليه وأقبل نحوه وقد ذل ودمعت عيناه: «إنه شكا إليّ أنك تجيعه وتدئبه فكأن العادة دءوب ما».
وقال جابر بن زيد وعامر الشعبي ومجاهد وعطاء: المعنى كسنن آل فرعون، ويحتمل أن يراد كعادة آل فرعون وغيرهم، فتكون عادة الأمم بجملتها لا على انفراد أمة، إذ آل فرعون لم يكفروا وأهلكوا مرارًا بل لكل أمة مرة واحدة، ويحتمل أن يكون المراد كعادة الله فيهم، فأضاف العادة إليهم إذ لهم نسبة إليها يضاف المصدر إلى الفاعل وإلى المفعول، والكاف من قوله: {كدأب} يجوز أن يتعلق بقوله: {وذوقوا} وفيه بعد، والكاف على هذا في موضع نصب نعت لمصدر محذوف، ويجوز أن تتعلق بقوله: {قدمت أيديكم} وموضعها أيضًا على هذا نصب كما تقدم، ويجوز أن يكون معنى الكلام الأمر مثل دأب آل فرعون فتكون الكاف في موضع خبر الابتداء، وقوله: {فأخذهم} معناه أهلكهم وأتى عليهم بقرينة قوله: {بذنوبهم} ثم ابتدأ الإخبار بقوة الله تعالى وشدة عقابه. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {كدأب آل فرعون}
أي: كعادتهم.
والمعنى: كذَّب هؤلاء كما كذَّب أولئك، فنزل بهم العذاب كما نزل بأولئك، قال ابن عباس: أيقن آل فرعون أن موسى نبيُّ الله فكذَّبوه، فكذلك هؤلاء في حق محمد صلى الله عليه وسلم. اهـ.

.قال القرطبي:

{كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ}
الدأب العادة.
وقد تقدّم في آل عمران.
أي العادة في تعذيبهم عند قبض الأرواح وفي القبور كعادة آل فرعون.
وقيل: المعنى جُوزي هؤلاء بالقتل والسبي كما جُوزي آل فرعون بالغرق.
أي دأبهم كدأب آل فرعون. اهـ.

.قال الخازن:

قوله تعالى: {كدأب آل فرعون} يعني أن عادة هؤلاء الكفار في كفرهم كعادة آل فرعون في كفرهم فجوزي هؤلاء بالقتل والأسر يوم بدر كما جوزي آل فرعون بالإغراق وأصل الدأب في اللغة إدامة العمل يقال فلان يدأب في كذا وكذا يداوم عليه ويتعب نفسه فيه ثم سميت العادة دأبًا لأن الإنسان يداوم على عادته ويواظب عليها.
قال ابن عباس: معناه أن آل فرعون أيقنوا أن موسى عليه السلام نبي من الله تعالى فكذبوه فكذلك هؤلاء لما جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق كذبوه فأنزل الله بهم عقوبته كما أنزل بآل فرعون {والذين من قبلهم} يعني من قبل آل فرعون {كفروا بآيات الله} يعني أن عادة الأمم السالفة هو كفرهم بآيات الله: {فأخذهم الله بذنوبهم} يعني بسبب كفرهم وذنوبهم {إن الله قوي} يعني في أخذه وانتقامه ممن كفر به وكذب رسله {شديد العقاب} يعني لمن كفر به وكذب رسله. اهـ.

.قال أبو السعود:

{كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ} في محل الرفع على أنه خبرُ مبتدأ محذوفٍ والجملةُ استثنافٌ مَسوقٌ لبيان أن ما حل بهم من العذاب بسبب كفرِهم لا بشيء آخرَ، من جهة غيرِهم بتشبيه حالِهم بحال المعرفين بالإهلاك بسبب جرائمِهم لزيادة تقبيحِ حالِهم وللتنبيه على أن ذلك سنةٌ مطردةٌ فيما بين الأمم المهلَكةِ أي شأنُهم الذي استمروا عليه مما فعلوا وفُعل بهم من الأخذ كدأب آل فرعونَ المشهورين بقباحة الأعمالِ وفظاعةِ العذابِ والنكال {والذين مِن قَبْلِهِمْ} أي من قبل آلِ فوعونَ من الأمم التي فعلوا من المعاصي ما فعلوا ولقُوا من العقاب ما لقُوا كقوم نوحٍ وعادٍ وأضرابِهم من أهل الكفر والعناد وقوله تعالى: {كَفَرُواْ بئايات الله} تفسيرٌ لدأبهم الذي فعلوه لا لدأب آلِ فرعونَ ونحوِهم كما قيل، فإن ذلك معلومٌ منه بقضية التشبيهِ، وقوله تعالى: {فَأَخَذَهُمُ الله} تفسيرٌ لدأبهم الذي فُعل بهم، وإلقاءٌ لبيان كونِه من لوازم جناياتِهم وتبعاتِها المتفرِّعةِ عليها، وقوله تعالى: {بِذُنُوبِهِمْ} لتأكيد ما أفاده الفاءُ من السببية مع الإشارةِ إلى أن لهم مع كفرهم ذنوبًا أُخَرَ لها دخلٌ في استتباع العقابِ، ويجوز أن يكون المرادُ بذنوبهم معاصيَهم المتفرِّعةَ على كفرهم فتكونُ الباءُ للملابسة أي فأخذهم متلبسين بذنوبهم غيرَ تائبين عنها فدأبُهم مجموعُ ما فعلوا وفُعل بهم لا ما فعلوه فقط كما قيل.
قال ابن عباس رضي الله عنهما: إن آلَ فرعون أيقنوا أن موسى عليه السلام نبيُّ الله فكذّبوه كذلك هؤلاء جاء محمدٌ صلى الله عليه وسلم بالصدق فكدبوه فأنزل الله تعالى بهم عقوبتَه كما أنزل بآل فرعونَ، وجعلُ العذابِ من جملة دأبِهم مع أنه ليس مما يُتصوَّر مداومتُهم عليه واعتيادُهم إياه كما هو المعتبرُ في مدلول الدأبِ إما لتغليب ما فعلوه على ما فُعل بهم أو لتنزيل مداومتِهم على ما يوجبه من الكفر والمعاصي منزلةَ مداومتِهم عليه لما بينهما من الملابسة التامةِ، وقوله تعالى: {إِنَّ الله قَوِىٌّ شَدِيدُ العقاب} اعتراضٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله من الأخذ. اهـ.

.قال الألوسي:

{كَدَأْبِ ءالِ فِرْعَوْنَ} خبر مبتدأ محذوف أي دأب هؤلاء كائن كدأب الخ؛ والجملة استئناف مسوق لبيان أن ما حل بهم من العذاب بسبب كفرهم لا بشيء آخر حيث شبه حالهم بحال المعروفين بالإهلاك لذلك لزيادة تقبيح حالهم وللتنبيه على أن ذلك سنة مطردة فيما بين الأمم المهلكة، والدأب العادة المستمرة ومنه قوله:
وما زال ذاك الدأب حتى تجادلت ** هوازن وارفضت سليم وعامر

والمراد شأنهم الذي استمروا عليه مما فعلوا وفعل بهم من الأخذ كدأب آل فرعون المشهورين بقباحة الأعمال وفظاعة العذاب والنكال {والذين مِن قَبْلِهِمْ} أي من قبل آل فرعون وأصحابه من الأمم الذين فعلوا ما فعلوا ولقوا من العذاب ما لقوا كقوم نوح وعاد.
واضرابهم، وقوله تعالى: {كَفَرُواْ بآيات الله} تفسير لدأبهم لكن بملاحظة أنه الذي فعلوه لا لدأب آل فرعون ومن بعدهم فإن ذلك معلوم منه بقضية التشبيه.
والجملة لا محل لها من الاعراب لما أشير إليه، وكذا على ما قيل: من أنها مستأنفة استئنافًا نحويًا أو بيانيًا، وقيل: انها حالية بتقدير قد فهي في محل نصب، وقوله سبحانه: {فَأَخَذَهُمُ الله بِذُنُوبِهِمْ} عطف عليها وحكمة في التفسير حكمها لكن بملاحظة الدأب الذي فعل بهم، والفاء لبيان كونه من لوازم جناياتهم وتبعاتها المتفرعة عليها.
وذكر الذنوب لتأكيد ما أفدته الفاء من السببية من الإشارة إلى أن لهم مع كفرهم ذنوبًا أخر لها دخل في استتباع العقاب، وجوز أن يراد بذنوبهم معاصيهم المتفرعة على كفرهم فيكون الباء للملابسة أي فأخذهم ملتبسين بذنوبهم غير تائبين عنها، وجعل العذاب من جملة دأبهم مع أنه ليس مما يتصور مداومتهم عليه واعتيادهم إياه كما هو المعتبر في مدلول الدأب كما عرفت اما لتغليب ما فعلوه على ما فعل بهم أو لتنزيل مداومتهم على ما يوجبه من الكفر والمعاصي بمنزلة مداومتهم عليه لما بينهما من الملابسة التامة، وإلى كون المراد بدأبهم مجموع ما فعلوه وما فعل بهم يشير ما روي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال: إن آل فرعون أيقنوا بأن موسى عليه السلام نبي الله تعالى فكذبوه كذلك هؤلاء جاءهم محمد صلى الله عليه وسلم بالصدق فكذبوه فأنزل الله تعالى لهم عقوبة كما أنزل بآل فرعون، وإلى ذلك ذهب ابن الخازن وغيره، وقيل: المراد بدأبهم ما فعلوا فقط، وقيل: ما فعل بهم فقط، وليس بشيء.
وقوله سبحانه: {إِنَّ الله قَوِىٌّ شَدِيدُ العقاب} اعتراض مقرر لمضمون ما قبله من الأخذ أي أنه سبحانه لا يغلبه غالب فيدفع عقابه عمن أراد معاقبته. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَفَرُوا بِآَيَاتِ اللَّهِ فَأَخَذَهُمُ اللَّهُ بِذُنُوبِهِمْ}
{كَدَأْبِ} خبر مبتدأ محذوف، وهو حذف تابع للاستعمال في مثله، فإنّ العرب إذا تَحَدَّثوا عن شيء ثم أتَوا بخبر دون مبتدأ عُلم أنّ المبتدأ محذوف، فقُدّر بما يدل عليه الكلام السابق.
فالتقدير هنا: دأبُهم كدَأب آلِ فرعون والذين من قبلهم، أي من الأمم المكذّبين برسل ربّهم، مثل عاد وثمود.
والدأب: العادة والسيرة المألوفة، وقد تقدّم مثله في سورة آل عمران.
وتقدّم وجه تخصيص آل فرعون بالذكر.
ولا فرق بين الآيتين إلاّ اختلاف العبارة، ففي سورة [آل عمران: 11] {كذبوا بآياتنا} وهنا {كفروا بآيات الله}، وهنالك {والله شديد العقاب} [آل عمران: 11] وهنا {إن الله قوي شديد العقاب}.
فأمّا المخالفة بين {كذبوا} [آل عمران: 11] و{كفروا} فلأنَّ قوم فرعون والذين من قبلهم شاركوا المشركين في الكفر بالله وتكذيب رسله، وفي جحد دلالة الآيات على الوحدانية وعلى صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فذُكِروا هنا ابتداء بالأفظع من الأمرين فعبّر بالكفر بالآيات عن جحد الآيات الدالّة على وحدانية الله تعالى، لأنّ الكفر أصرح في إنكار صفات الله تعالى.
وقد عقبت هذه الآية بالتي بعدها، فذكر في التي بعدها التكذيب بالآيات، أي التكذيب بآيات صدق الرسول عليه الصلاة والسلام، وجَحد الآيات الدالّة على صدقه.
فأمّا في سورة آل عمران [11] فقد ذكر تكذيبهم بالآيات، أي الدالّة على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم لأنّ التكذيب متبادر في معنى تكذيب المخبِر، لوقوع ذلك عقب ذكر تنزيل القرآن وتصديق من صدق به، وإلحاد من قصد الفتنة بمتشابهه، فعبّر عن الذين شابَهوهم في تكذيب رسولهم بوصف التكذيب.
فأمّا الإظهار هنا في مقام الإضمار، فاقتضاه أنّ الكفر كفر بما يرجع إلى صفات الله فأضيفت الآيات إلى اسم الجلالة؛ ليدلّ على الذات بعنوان الإله الحَقّ وهو الوحدانية.
وأمّا الإضمار في آل عمران فلكون التكذيب تكذيبًا لآيات دالّة على ثبوت رسالة محمد صلى الله عليه وسلم فأضيفت الآيات إلى الضمير على الأصل في التكلّم.
وأمّا الاختلاف بذكر حرف التأكيد هنا، دونه في سورة آل عمران [11]، فلأنّه قصد هنا التعريض بالمشركين، وكانوا ينكرون قوّة الله عليهم، بمعنى لازمها، وهو إنزال الضرّ بهم، وينكرون أنّه شديد العقاب لهم، فأكّد الخبر باعتبار لازمه التعريضي الذي هو إبلاغ هذا الإنذار إلى من بقي من المشركين، وفي سورة آل عمران [11] لم يقصد إلا الإخبار عن كون الله شديد العقاب إذا عاقب، فهو تذكير للمسلمين وهم المقصود بالإخبار بقرينة قوله، عقِبَه: {قل للذين كفروا ستغلبون} [آل عمران: 12] الآية.
وزيد وصفُ قوي هنا مبالغة في تهديد المشركين المقصودين بالإنذار والتهديد.
والقوي الموصوف بالقوة، وحقيقتها كمال صلابة الأعضاء لأداء الأعمال التي تراد منها، وهي متفاوتة مقول عليها بالتشكيك.
وقد تقدّم عند قوله تعالى: {فخذها بقوة} [الأعراف: 145].
وهي إذا وصف الله بها مستعملة في معناها اللزومي وهي منتهى القدرة على فعل ما تتعلّق به إرادته تعالى من المُمْكنات.
والمقصود من ذكر هذين الوصفين: الإيماء إلى أنّ أخذهم كان قويًا شديدًا، لأنّه عقابُ قوي شديد العقاب، كقوله: {فأخذناهم أخذ عزيز مقتدر} [القمر: 42]، وقوله: {إن أخذه أليم شديد} [هود: 102]. اهـ.