فصل: قال سيد قطب في الآيات السابقة:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ هُمُ الَّذِينَ إِذَا قَالَ لَهُمُ النَّاسُ: إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ- لَا يَزِيدُهُمْ ذَلِكَ إِلَّا إِيمَانًا وَثَبَاتًا، وَيَقُولُونَ فِي إِقْدَامِهِمْ: {حَسْبُنَا اللهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ} [3: 173]. كَيْفَ يَخْشَى الْمَوْتَ الْمُؤْمِنُ، وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَقْتُولَ فِي سَبِيلِ اللهِ حَيُّ يُرْزَقُ عِنْدَ رَبِّهِ؟ مُمَتَّعٌ بِالسَّعَادَةِ الْأَبَدِيَّةِ فِي نِعْمَةٍ مِنَ اللهِ وَرِضْوَانٍ، كَيْفَ يَخَافُ مُؤْمِنٌ مِنْ غَيْرِ اللهِ، وَاللهُ يَقُولُ: {فَلَا تَخَافُوهُمْ وَخَافُونِ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ} [3: 175].
فَلْيَنْظُرْ كُلٌّ إِلَى نَفْسِهِ، وَلَا يَتَّبِعُ وَسَاوِسَ الشَّيْطَانِ، وَلْيَمْتَحِنْ كُلُّ وَاحِدٍ قَلْبَهُ قَبْلَ أَنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا تَنْفَعُ فِيهِ خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ، وَلْيُطَابِقْ بَيْنَ صِفَاتِهِ وَبَيْنَ مَا وَصَفَ اللهُ بِهِ الْمُؤْمِنِينَ، وَمَا جَعَلَهُ مِنْ خَصَائِصِ الْإِيمَانِ، فَلَوْ فَعَلَ كُلٌّ مِنَّا ذَلِكَ لَرَأَيْنَا عَدْلَ اللهِ فِينَا وَاهْتَدَيْنَا.
يَا سُبْحَانَ اللهِ، إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُنَا أُمَّةً وَاحِدَةً، وَالْعَمَلُ فِي صِيَانَتِهَا مِنَ الْأَعْدَاءِ أَهَمُّ فَرْضٍ مِنْ فُرُوضِ الدِّينِ عِنْدَ حُصُولِ الِاعْتِدَاءِ، يُثْبِتُ ذَلِكَ نَصُّ الْكِتَابِ الْعَزِيزِ، وَإِجْمَاعُ الْأُمَّةِ سَلَفًا وَخَلَفًا، فَمَا لَنَا نَرَى الْأَجَانِبَ يَصُولُونَ عَلَى الْبِلَادِ الْإِسْلَامِيَّةِ صَوْلَةً بَعْدَ صَوْلَةٍ وَيَسْتَوْلُونَ عَلَيْهَا دَوْلَةً بَعْدَ دَوْلَةٍ، وَالْمُتَّسِمُونَ بِسِمَةِ الْإِيمَانِ آهِلُونَ لِكُلِّ أَرْضٍ مُتَمَكِّنُونَ بِكُلِّ قُطْرٍ، وَلَا تَأْخُذُهُمْ عَلَى الدِّينِ نُعْرَةٌ، وَلَا تَسْتَفِزُّهُمْ لِلدِّفَاعِ عَنْهُ حَمِيَّةٌ؟.
أَلَا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ لَسْتُمْ عَلَى شَيْءٍ حَتَّى تُقِيمُوا الْقُرْآنَ، وَتَعْمَلُوا بِمَا فِيهِ مِنَ الْأَوَامِرِ وَالنَّوَاهِي، وَتَتَّخِذُوهُ إِمَامًا لَكُمْ فِي جَمِيعِ أَعْمَالِكُمْ مَعَ مُرَاعَاةِ الْحُكْمِ فِي الْعَمَلِ كَمَا كَانَ سَلَفُكُمُ الصَّالِحُ، أَلَا يَا أَهْلَ الْقُرْآنِ هَذَا كِتَابُكُمْ فَاقْرَءُوا مِنْهُ: {فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ} [47: 20] أَلَا تَعْلَمُونَ فِيمَنْ نَزَلَتْ هَذِهِ الْآيَةُ؟ نَزَلَتْ فِي وَصْفِ مَنْ لَا إِيمَانَ لَهُمْ. هَلْ يَسُرُّ مُؤْمِنًا أَنْ يَتَنَاوَلَهُ هَذَا الْوَصْفُ الْمُشَارُ إِلَيْهِ بِالْآيَةِ الْكَرِيمَةِ؟ أَوْ غَرَّ كَثِيرِينَ مِنَ الْمُدَّعِينَ لِلْإِيمَانِ مَا زُيِّنَ لَهُمْ مِنْ سُوءِ أَعْمَالِهِمْ، وَمَا حَسَّنَتْهُ لَدَيْهِمْ أَهْوَاؤُهُمْ: {أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا} [47: 24].
أَقُولُ وَلَا أَخْشَى نَكِيرًا: لَا يَمَسُّ الْإِيمَانُ قَلْبَ شَخْصٍ إِلَّا وَيَكُونُ أَوَّلُ أَعْمَالِهِ تَقْدِيمَ مَالِهِ وَرُوحِهِ فِي سَبِيلِ الْإِيمَانِ، لَا يُرَاعِي فِي ذَلِكَ عُذْرًا وَلَا عِلَّةً، وَكُلُّ اعْتِذَارٍ فِي الْقُعُودِ عَنْ نُصْرَةِ اللهِ فَهُوَ آيَةُ النِّفَاقِ، وَعَلَامَةُ الْبُعْدِ عَنِ اللهِ.
مَعَ هَذَا كُلِّهِ نَقُولُ: إِنَّ الْخَيْرَ فِي هَذِهِ الْأُمَّةِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ كَمَا جَاءَنَا بِهِ نَبَأُ النُّبُوَّةِ، وَهَذَا الِانْحِرَافُ الَّذِي نَرَاهُ الْيَوْمَ نَرْجُو أَنْ يَكُونَ عَارِضًا يَزُولُ، وَلَوْ قَامَ الْعُلَمَاءُ الْأَتْقِيَاءُ وَأَدَّوْا مَا عَلَيْهِمْ مِنَ النَّصِيحَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ، وَأَحْيَوْا رُوحَ الْقُرْآنِ، وَذَكَّرُوا الْمُؤْمِنِينَ بِمَعَانِيهِ الشَّرِيفَةِ وَاسْتَلْفَتُوهُمْ إِلَى عَهْدِ اللهِ الَّذِي لَا يُخْلَفُ لَرَأَيْتَ الْحَقَّ يَسْمُو، وَالْبَاطِلَ يَسْفِلُ، وَلَرَأَيْتَ نُورًا يَبْهَرُ الْأَبْصَارَ، وَأَعْمَالًا تَحَارُ فِيهَا الْأَفْكَارُ. وَإِنَّ الْحَرَكَةَ الَّتِي نُحِسُّهَا مِنْ نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ فِي أَغْلَبِ الْأَقْطَارِ هَذِهِ الْأَيَّامَ تُبَشِّرُنَا بِأَنَّ اللهَ تَعَالَى قَدْ أَعَدَّ النُّفُوسَ لِصَيْحَةِ حَقٍّ يَجْمَعُ بِهَا كَلِمَةَ الْمُسْلِمِينَ، وَيُوَحِّدُ بِهَا بَيْنَ جَمِيعِ الْمُوَحِّدِينَ، وَنَرْجُو أَنْ يَكُونَ الْعَمَلُ قَرِيبًا، فَإِنْ فَعَلَ الْمُسْلِمُونَ، وَأَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ لِلْقِيَامِ بِمَا أَوْجَبَ اللهُ عَلَيْهِمْ، صَحَتْ لَهُمُ الْأَوْبَةُ، وَنَصَحَتْ مِنْهُمُ التَّوْبَةُ، وَعَفَا اللهُ عَنْهُمْ، وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ، فَعَلَى الْعُلَمَاءِ أَنْ يُسَارِعُوا إِلَى هَذَا الْخَيْرِ، وَهُوَ الْخَيْرُ كُلُّهُ: جَمْعُ كَلِمَةِ الْمُسْلِمِينَ، وَالْفَضْلُ كُلُّ الْفَضْلِ لِمَنْ يَبْدَأُ مِنْهُمْ بِالْعَمَلِ الله: {مَنْ يَهْدِ اللهُ فَهُوَ الْمُهْتَدِي وَمَنْ يُضْلِلْ فَلَنْ تَجِدَ لَهُ وَلِيًّا مُرْشِدًا} [18: 17] اهـ.
أَقُولُ: رَحِمَ اللهُ مُحَمَّدَ عَبْدُه كَاتِبَ هَذَا الْخِطَابِ، وَرَحِمَ اللهُ السَّيِّدَ الْأَفْغَانِيَّ الَّذِي فَتَحَ لَهُ وَلَنَا هَذَا الْبَابَ، فَهَكَذَا فَلْيَكُنِ التَّذْكِيرُ بِالْقُرْآنِ: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ كَدَأْبِ آلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِ رَبِّهِمْ الْكَلَامُ فِي هَذَا كَالْكَلَامِ فِي نَظِيرِهِ، مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ شَاهِدُ حَقٍّ وَاقِعٍ فِيمَا تَقَدَّمَ مِنْ سُنَّةِ اللهِ تَعَالَى فِي الْأُمَمِ وَالدُّوَلِ، وَإِنَّمَا يُخَالِفُهُ فِي مَوْضُوعِ دَأْبِ الْقَوْمِ، وَفِي الْجَزَاءِ عَلَيْهِ الْمُشَارِ إِلَيْهِمَا فِيمَا اخْتَلَفَ بِهِ التَّعْبِيرُ مِنَ الْآيَتَيْنِ، فَالْآيَةُ السَّابِقَةُ فِي بَيَانِ كُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللهِ، وَهُوَ جَحْدُ مَا قَامَتْ عَلَيْهِ أَدِلَّةُ الرُّسُلِ مِنْ وَحْدَانِيَّةِ اللهِ، وَوُجُوبِ إِفْرَادِهِ بِالْعِبَادَةِ إِلَخْ. وَفِي تَعْذِيبِ اللهِ إِيَّاهُمْ فِي الْآخِرَةِ. فَتَكْرَارُ اسْمِ الْجَلَالَةِ فِيهَا يَدُلُّ عَلَى مَا ذَكَرْنَا؛ لِأَنَّهُ مُتَعَلِّقٌ بِحَقِّهِ تَعَالَى مِنْ حَيْثُ ذَاتِهِ وَصِفَاتِهِ، وَفِي الْجَزَاءِ الدَّائِمِ عَلَى الْكُفْرِ بِهِ الَّذِي يَبْتَدِئُ بِالْمَوْتِ وَيَنْتَهِي بِدُخُولِ النَّارِ. وَهَذِهِ الْآيَةُ فِي تَكْذِيبِهِمْ بِآيَاتِ رَبِّهِمْ مِنْ حَيْثُ إِنَّهُ هُوَ الْمُرَبِّي لَهُمْ بِنِعَمِهِ، وَلِهَذَا ذَكَرَ فِيهَا اسْمَ الرَّبِّ مُضَافًا إِلَيْهِمْ بَدَلَ اسْمِ الْجَلَالَةِ هُنَاكَ- فَيَدْخُلُ فِي ذَلِكَ تَكْذِيبُ الرُّسُلِ وَمُعَانَدَتُهُمْ وَإِيذَاؤُهُمْ وَكُفْرُ النِّعَمِ الْمُتَعَلِّقَةِ بِبَعْثِهِمْ وَالسَّابِقَةِ عَلَيْهَا، وَفِي الْجَزَاءِ عَلَى ذَلِكَ بِعَذَابِ الدُّنْيَا.
فَقوله تعالى: {فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ} كَقَوْلِهِ فِي آيَةِ الْعَنْكَبُوتِ: {فَكُلًّا أَخَذْنَا بِذَنْبِهِ فَمِنْهُمْ مَنْ أَرْسَلْنَا عَلَيْهِ حَاصِبًا وَمِنْهُمْ مَنْ أَخَذَتْهُ الصَّيْحَةُ وَمِنْهُمْ مَنْ خَسَفْنَا بِهِ الْأَرْضَ وَمِنْهُمْ مَنْ أَغْرَقْنَا وَمَا كَانَ اللهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ} [29: 40].
وَحَاصِلُ الْمَعْنَى: أَنَّ مَا يَحْفَظُهُ التَّارِيخُ مِنْ وَقَائِعِ الْأُمَمِ مِنْ دَأْبِهَا وَعَادَتِهَا فِي الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ وَالظُّلْمِ فِي الْأَرْضِ، وَمِنْ عِقَابِ اللهِ إِيَّاهَا، هُوَ جَارٍ عَلَى سُنَّتِهِ تَعَالَى الْمُطَّرِدَةِ فِي الْأُمَمِ، وَلَا يَظْلِمُ تَعَالَى أَحَدًا بِسَلْبِ نِعْمَةٍ، وَلَا إِيقَاعِ نِقْمَةٍ، وَإِنَّمَا عِقَابُهُ لَهُمْ أَثَرٌ طَبِيعِيٌّ، لِكُفْرِهِمْ وَفَسَادِهِمْ وَظُلْمِهِمْ لِأَنْفُسِهِمْ- هَذَا هُوَ الْمُطَّرِدُ فِي كُلِّ الْأُمَمِ فِي جَمِيعِ الْأَزْمِنَةِ. وَأَمَّا عَذَابُ الِاسْتِئْصَالِ بِعَذَابٍ سَمَاوِيٍّ فَهُوَ خَاصٌّ مِمَّنْ طَلَبُوا الْآيَاتِ مِنَ الرُّسُلِ، وَأَنْذَرَهُمُ الْعَذَابَ إِذَا كَفَرُوا بِهَا فَفَعَلُوا.
إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ الَّذِينَ عَاهَدْتَ مِنْهُمْ ثُمَّ يَنْقُضُونَ عَهْدَهُمْ فِي كُلِّ مَرَّةٍ وَهُمْ لَا يَتَّقُونَ فَإِمَّا تَثْقَفَنَّهُمْ فِي الْحَرْبِ فَشَرِّدْ بِهِمْ مَنْ خَلْفَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ إِنَّ اللهَ لَا يُحِبُّ الْخَائِنِينَ وَلَا يَحْسَبَنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَبَقُوا إِنَّهُمْ لَا يُعْجِزُون الْآيَاتُ الثَّلَاثُ الْأُولَى بَيَانٌ لِحَالِ فَرِيقٍ مُعَيَّنٍ مِنَ الْكُفَّارِ، الَّذِينَ عَادُوا النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم وَقَاتَلُوهُ بَعْدَ بَيَانِ حَالِ مُشْرِكِي قَوْمِهِ فِي قِتَالِهِمْ لَهُ فِي بَدْرٍ، وَالْمُرَادُ بِهَذَا الْفَرِيقِ: الْيَهُودُ الَّذِينَ كَانُوا فِي بِلَادِ الْعَرَبِ كُلِّهَا أَوِ الْحِجَازِ مِنْهَا، وَهُوَ الرَّاجِحُ عِنْدِي. قَالَ سَعِيدُ بْنُ جُبَيْرٍ: نَزَلَتْ فِي سِتَّةِ رَهْطٍ مِنَ الْيَهُودِ مِنْهُمُ ابْنُ تَابُوتٍ. اهـ. أَوْ يَهُودُ الْمَدِينَةِ أَوْ بَنُو قُرَيْظَهَ مِنْهُمْ، وَهُوَ قَوْلُ مُجَاهِدٍ، وَكَانَ زَعِيمَهُمِ الطَّاغُوتُ كَعْبُ بْنُ الْأَشْرَفِ كَأَبِي جَهْلٍ فِي مُشْرِكِي مَكَّةَ- وَالْآيَةُ الرَّابِعَةُ فِي حُكْمِ أَمْثَالِ هَؤُلَاءِ الْخَوَنَةِ، وَالْخَامِسَةُ فِي تَهْدِيدِهِمْ، وَتَأْمِينِ الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنْ عَاقِبَةِ كَيْدِهِمْ. اهـ.

.قال سيد قطب في الآيات السابقة:

{وَاعْلَمُوا أَنَّمَا غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ إِنْ كُنْتُمْ آَمَنْتُمْ بِاللَّهِ وَمَا أَنْزَلْنَا عَلَى عَبْدِنَا يَوْمَ الْفُرْقَانِ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (41)} إلى قوله تعالى: {كَدَأْبِ آَلِ فِرْعَوْنَ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَذَّبُوا بِآَيَاتِ رَبِّهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَغْرَقْنَا آَلَ فِرْعَوْنَ وَكُلٌّ كَانُوا ظَالِمِينَ (54)}
السياق متصل بين مطالع هذا الدرس وخواتم الدرس الماضي في آخر الجزء التاسع.. فهو استطراد في أحكام القتال الذي بدأ الحديث عنه هناك في قوله تعالى: {قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف وإن يعودوا فقد مضت سنة الأولين وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله فإن انتهوا فإن الله بما يعملون بصير وإن تولوا فاعلموا أن الله مولاكم نعم المولى ونعم النصير} ثم تابع الحديث في هذا الدرس عن أحكام الغنائم التي تنشأ من النصر في ذلك القتال الذي بين غايته وهدفه: {حتى لا تكون فتنة ويكون الدين كله لله} ومع أن غاية الجهاد قد تحددت بهذا النص الواضح؛ وتبين منها أنه جهاد لله، وفي سبيل أهداف تخص دعوة الله ودينه ومنهجه للحياة.. ومع أن ملكية الأنفال التي تتخلف عن هذا الجهاد قد بت في أمرها من قبل، فردت إلى الله والرسول، وجرّد منها المجاهدون لتخلص نيتهم وحركتهم لله.. مع هذا وذلك فإن المنهج القرآني الرباني يواجه الواقع الفعلي بالأحكام المنظمة له. فهناك غنائم وهناك محاربون. وهؤلاء المحاربون يجاهدون في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم: هم يتطوعون للجهاد، وهم يجهزون أنفسهم على نفقتهم الخاصة؛ وهم يجهزون غيرهم من المجاهدين الذين لا يجدون ما ينفقون.. ثم هم يغنمون من المعركة غنائم. يغنمونها بصبرهم وثباتهم وبلائهم في الجهاد.. ولقد خلص الله نفوسهم وقلوبهم من أن يكون فيها شيء يحيك من شأن هذه الغنائم فرد ملكيتها ابتداء لله ورسوله.. وهكذا لم يعد من بأس في إعطائهم نصيبهم من هذه الغنائم- وهم يشعرون أنهم إنما يعطيهم الله ورسوله- فيلبي هذا الإعطاء حاجتهم الواقعية، ومشاعرهم البشرية، دون أن ينشأ عنه محظور من التكالب عليه، والتنازع فيه، بعد ذلك الحسم الذي جاء في أول السورة.
إنه منهج الله الذي يعلم طبيعة البشر؛ ويعاملهم بهذا المنهج المتوازن المتكامل، الذي يلبي حاجات الواقع كما يلبي مشاعر البشر؛ وفي الوقت ذاته يتقي فساد الضمائر وفساد المجتمع، من أجل تلك المغانم!
{واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيلإن كنتم آمنتم بالله وما أنزلنا على عبدنا يوم الفرقان يوم التقى الجمعان والله على كل شيء قدير}.
وبين الروايات المأثورة والآراء الفقهية خلاف طويل.. أولًا: حول مدلول الغنائم ومدلول الأنفال هل هما شيء واحد، أم هما شيئان مختلفان؟ وثانيًا: حول هذا الخمس- الذي يتبقى بعد الأخماس الأربعة التي منحها الله للمقاتلين- كيف يقسم؟ وثالثًا: حول خمس الخمس الذي لله. أهو الخمس الذي لرسول الله، أم هو خمس مستقل؟
ورابعًا: حول خمس الخمس الذي لرسول الله صلى الله عليه وسلم أهو خاص به أم ينتقل لكل إمام بعده؟ وخامسًا: حول خمس الخمس الذي لأولي القربى، أهو باق في قرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني هاشم وبني عبد المطلب، كما كان على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، أم يرجع إلى الإمام يتصرف فيه؟ وسادسًا: أهي أخماس محددة يقسم إليها الخمس. أم يترك التصرف فيه كله لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولخلفائه من بعده؟.. وخلافات أخرى فرعية.
ونحن- على طريقتنا في هذه الظلال- لا ندخل في هذه التفريعات الفقهية التي يحسن أن تطلب في مباحثها الخاصة.. هذا بصفة عامة.. وبصفة خاصة فإن موضوع الغنائم بجملته ليس واقعًا إسلاميًا يواجهنا اليوم أصلًا. فنحن اليوم لسنا أمام قضية واقعة، لسنا أمام دولة مسلمة وإمامة مسلمة وأمة مسلمة تجاهد في سبيل الله، ثم تقع لها غنائم تحتاج إلى التصرف فيها! لقد استدار الزمان كهيئته يوم جاء هذا الدين إلى البشرية أول مرة؛ ورجع الناس إلى الجاهلية التي كانوا عليها، فأشركوا مع الله أربابًا أخرى تصرف حياتهم بشرائعها البشرية! ولقد عاد هذا الدين أدراجه ليدعو الناس من جديد إلى الدخول فيه.. إلى شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله.. إلى إفراد الله سبحانه بالألوهية والحاكمية والسلطان. والتلقي في هذا الشأن عن رسول الله وحده! وإلى التجمع تحت قيادة مسلمة تعمل لإعادة إنشاء هذا الدين في حياة البشر، والتوجه بالولاء كله لهذا التجمع ولقيادته المسلمة؛ ونزع هذا الولاء من المجتمعات الجاهلية وقياداتها جميعًا.
هذه هي القضية الحية الواقعية التي تواجه اليوم هذا الدين؛ وليس هناك- في البدء- قضية أخرى سواها.. ليس هناك قضية غنائم، لأنه ليس هناك قضية جهاد! بل ليس هناك قضية تنظيمية واحدة، لا في العلاقات الداخلية ولا في العلاقات الخارجية، وذلك لسبب بسيط: هو أنه ليس هناك مجتمع إسلامي ذو كيان قائم مستقل، يحتاج إلى الأحكام التي تضبط العلاقات فيه والعلاقات بينه وبين غيره من المجتمعات الأخرى!
والمنهج الإسلامي منهج واقعي، لا يشتغل بقضايا ليست قائمة بالفعل؛ ومن ثم لا يشتغل أصلًا بأحكام تتعلق بهذه القضايا التي لا وجود لها من ناحية الواقع!.. إنه منهج أكثر جدية وواقعية من أن يشتغل بالأحكام! هذا ليس منهج هذا الدين. هذا منهج الفارغين الذين ينفقون أوقات الفراغ في البحوث النظرية وفي الأحكام الفقهية، حيث لا مقابل لها من الواقع أصلًا! بدلًا من أن ينفقوا هذه الجهود في إعادة إنشاء المجتمع المسلم وفق المنهج الحركي الواقعي لهذا الدين نفسه: دعوة إلى لا إله إلا الله وأن محمدًا رسول الله؛ ينشأ عنها دخول فئة في هذا الدين من جديد- كما دخل فيه الناس أول مرة- كما ينشأ عن هذا الدخول في الدين تجمع حركي ذو قيادة مسلمة وذو ولاء خاص به وذو كينونة مستقلة عن المجتمعات الجاهلية.
ثم يفتح الله بينه وبين قومه بالحق.. ثم يحتاج حينئذ- وحينئذ فقط- إلى الأحكام التي تنظم علاقاته فيما بينه؛ كما يحتاج إلى الأحكام التي تنظم علاقاته مع غيره.. وحينئذ- وحينئذ فقط- يجتهد المجتهدون فيه لاستنباط الأحكام التي تواجه قضاياه الواقعية- في الداخل وفي الخارج- وحينئذ- وحينئذ فقط- تكون لهذا الاجتهاد قيمته، لأنه تكون لهذا الاجتهاد جديته وواقعيته!
من أجل هذا الإدراك لجدية المنهج الحي الواقعي الحركي لهذا الدين، لا ندخل هنا في تلك التفصيلات الفقهية الخاصة بالأنفال والغنائم؛ حتى يحين وقتها عندما يشاء الله؛ وينشأ المجتمع الإسلامي، ويواجه حالة جهاد فعلي، تنشأ عنه غنائم تحتاج إلى أحكام! وحسبنا- في هذه الظلال- أن نتتبع الأصل الإيماني في السياق التاريخي الحركي، والمنهج القرآني التربوي. فهذا هو العنصر الثابت، الذي لا يتأثر بالزمن في هذا الكتاب الكريم.. وكل ما عداه تبع له وقائم عليه:
إن الحكم العام الذي تضمنه النص القرآني:
{واعلموا أنما غنمتم من شيء فأن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل}.
يتلخص في رد أربعة أخماس كل شيء من الغنيمة إلى المقاتلين، واستبقاء الخمس يتصرف فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم والأئمة المسلمون القائمون على شريعة الله المجاهدون في سبيل الله، من بعده في هذه المصارف: لله وللرسول، ولذي القربى، واليتامى، والمساكين، وابن السبيل. بما يواجه الحاجة الواقعة عند وجود ذلك المغنم وفي هذا كفاية.