فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

{قاتلوا الذين لا يؤمنون بالله ولا باليوم الآخر ولا يحرمون ما حرم الله ورسوله ولا يدينون دين الحق}
نزلت حين أمر الرسول صلى الله عليه وسلم بغزو الروم، وغزا بعد نزولها تبوك.
وقيل: نزلت في قريظة والنضير فصالحهم، وكانت أول جزية أصابها المسلمون، وأول ذلك أصاب أهل الكتاب بأيدي المسلمين نفي الإيمان بالله عنهم، لأن سبيلهم سبيل من لا يؤمن بالله، آذ يصفونه بما لا يليق أن يوصف به قاله الكرماني.
وقال الزجاج: لأنهم جعلوا له ولدًا وبدلوا كتابهم، وحرموا ما لم يحرم، وحللوا ما لم يحلل.
وقال ابن عطية: لأنهم تركوا شرائع الإسلام الذي يجب عليهم الدخول فيه، فصار جميع مالهم في البعث وفي الله من تخيلات واعتقادات لا معنى لها، إذْ يلقونها من غير طريقها.
وأيضًا فلم تكن اعتقاداتهم مستقيمة، لأنهم شبهوا وقالوا: عزير ابن الله وثالث ثلاثة، وغير ذلك.
ولهم أيضًا في البعث آراء كثيرة في منازل الجنة من الرهبان.
وقول اليهود في النار يكون فيها أيامًا انتهى.
وفي الغيبان نفي عنهم الإيمان لأنهم مجسمة، والمؤمن لا يجسم انتهى.
والمنقول عن اليهود والنصارى إنكار البعث الجسماني، فكأنهم يعتقدون البعث الروحاني ما حرم الله في كتابه ورسوله في السنة.
وقيل: في التوراة والإنجيل، لأنهم أباحوا أشياء حرمتها التوراة والإنجيل، والرسول على هذا موسى وعيسى، وعلى القول الأول محمد صلى الله عليه وسلم.
وقيل: ولا يحرمون الخمر والخنزير.
وقيل: ولا يحرمون الكذب على الله، قالوا: {نحن أبناء الله وأحباؤه} {وقالوا لن يدخل الجنة إلا من كان هودًا أو نصارى} وقيل: ما حرم الله من الربا وأموال الأميين، والظاهر عموم ما حرم الله ورسوله في التوراة والإنجيل والقرآن.
ولا يدينون دين الحق أي: لا يعتقدون دين الإسلام الذي هو دين الحق، وما سواه باطل.
وقيل: دين الحق دين الله، والحق هو الله قاله: قتادة.
يقال: فلان يدين بكذا أي يتخذه دينًا ويعتقده.
وقال أبو عبيدة: معناه ولا يطيعون طاعة أهل الإسلام، وكل من كان في سلطان ملك فهو على دينه وقد دان له وخضع.
قال زهير:
لئن حللت بجوفي بني أسد ** في دين عمرو وحلت بيننا فدك

{من الذين أوتوا الكتاب} بيان لقوله: الذين.
والظاهر اختصاص أخذ الجزية من أهل الكتاب وهم بنو إسرائيل والروم نصًا.
وأجمع الناس على ذلك.
وأما المجوس فقال ابن المنذر: لا أعلم خلافًا في أنّ الجزية تؤخذ منهم انتهى.
وروي أنه كان بعث في المجوس نبي اسمه زرادشت، واختلف أصحاب مالك في مجوس العرب.
وأما السامرة والصابئة فالجمهور على أنهم من اليهود والنصارى تؤخذ منهم الجزية وتؤكل ذبيحتهم.
وقالت فرقة: لا تؤخذ منهم جزية، ولا تؤكل ذبائحهم.
وقيل: تؤخذ منهم الجزية، ولا تؤكل ذبائحهم.
وقال الأوزاعي: تؤخذ من كل عابد وثن أو نارٍ أو جامدٍ مكذب.
وقال أبو حنيفة: لا يقبل من مشركي العرب إلا الإسلام أو السيف، وتقبل من أهل الكتاب ومن سائر كفار العجم الجزية.
وقال مالك: تؤخذ من عابد النار والوثن وغير ذلك كائنًا من كان من عربي تغلبي أو قرشي أو عجمي إلا المرتد.
وقال الشافعي، وأحمد، وأبو ثور: لا تقبل إلا من اليهود والنصارى والمجوس فقط.
والظاهر شمول جميع أهل الكتاب في إعطاء الجزية.
وقال أبو حنيفة ومالك والشافعي: لا تؤخذ إلا من الرجال البالغين الأحرار العقلاء، ولا تضرب على رهبان الديارات والصوامع المنقطعين.
وقال مالك في الواضحة: إن كانت قد ضربت عليهم ثم انقطعوا لم تسقط، وتضرب على رهبان الكنائس.
واختلف في الشيخ الفاني، ولم تتعرض الآية لمقدار ما على كل رأس ولا لوقت إعطائها.
فأما مقدارها فذهب مالك وكثير من أهل العلم إلى ما فرضه عمر: أربعة دنانير على أهل الذهب، وأربعون درهمًا على أهل الفضة، وفرض عمر ضيافة وأرزاقًا وكسوة.
وقال الثوري: رويت عن عمر ضرائب مختلفة، وأظن ذلك بحسب اجتهاده في عسرهم ويسرهم.
وقال الشافعي وغيره: على كل رأس دينار.
وقال أبو حنيفة: على الفقير المكتسب اثنا عشر درهمًا، وعلى المتوسط في المعنى ضعفها، وعلى المكثر ضعف الضعف ثمانية وأربعون درهمًا، ولا يؤخذ عنده من فقير لا كسب له.
قال ابن عطية: وهذا كله في الفترة.
وأما الصلح فهو ما صولحوا عليه من قليل أو كثير.
وأما وقتها فعند أبي حنيفة أول كل سنة، وعند الشافعي آخر السنة.
وسميت جزية من جزى يجزي إذ كافأ عما أسدي عليه، فكأنهم أعطوها جزاء ما منحوا من الأمن، وهي كالعقدة والجلسة، ومن هذا المعنى قول الشاعر:
نجزيك أو نثني عليك وأن من ** أثنى عليك بما فعلت فقد جزى

وقيل: لأنها طائفة مما على أهل الذمة أنْ يجزوه أي يقضوه عن يد.
قال ابن عباس: يعطونها بأيديهم ولا يرسلون بها.
وقال عثمان: يعطونها نقدًا لا نسيئة.
وقال قتادة: يعطونها وأيديهم تحت يد الآخذ، فالمعنى أنهم مستعلى عليهم.
وقيل: عن اعتراف.
وقيل: عن قوة منكم وقهر وذل ونفاذ أمر فيهم، كما تقول: اليد في هذا لفلان أي الأمر له.
وقيل: عن إنعام عليهم بذلك، لأن قبولها منهم عوضًا عن أرواحهم إنعام عليهم من قولهم له: عليَّ يد أيْ: نعمة.
وقال القتبي: يقال أعطاه عن يدٍ وعن ظهر يد، إذا أعطاه مبتدئًا غير مكافيء.
وقيل: عن يد عن جماعة أي: لا يعفى عن ذي فضل منهم لفضله.
واليد جماعة القوم، يقال القوم على يد واحدة أي: هم مجتمعون.
وقيل: عن يد أي عن غنى، وقدرة فلا تؤخذ من الفقير.
ولخص الزمخشري في ذلك فقال: أما أن يريد يد الآخذ فمعناه حتى يعلوها عن يد قاهرة مستولية وعن إنعام عليهم، لأن قبول الجزية منهم وترك أرواحهم لهم نعمة عظيمة عليهم.
وإما أن يريد المعطى فالمعنى عن يدٍ مواتية غير ممتنعة، لأنّ من أبي وامتنع لم يعط يده بخلاف المطيع المنقاد، ولذلك قالوا: أعطى بيده إذا انقاد واحتجب.
ألا ترى إلى قولهم: نزع يده عن الطاعة، أو عن يد إلى يد أي نقدًا غير نسيئة، أولًا مبعوثًا على يد آخر ولكن عن يد المعطى البريد الآخذ.
وهم صاغرون جملة حالية أي: ذليلون حقيرون.
وذكروا كيفيات في أخذها منهم وفي صغارهم لم تتعرض لتعيين شيء منها الآية.
قال ابن عباس: يمشون بها ملببين.
وقال سليمان الفارسي: لا يحمدون على إعطائهم.
وقال عكرمة: يكون قائمًا والآخذ جالسًا.
وقال الكلبي: يقال له عند دفعها أدّ الجزية ويصك في قفاه.
وحكى البغوي: يؤخذ بلحيته ويضرب في لهزمته. اهـ.

.قال أبو السعود:

{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ}
أمرَهم بقتال أهلِ الكتابين إثرَ أمرِهم بقتال المشركين وبمنعهم من أن يحرموا حول ما كانوا يفعلونه من الحج والعمرةِ غيرَ خائفين من الفاقة المتوهَّمةِ من انقطاعهم، ونبّههم في تضاعيف ذلك على بعض طرقِ الإغناء الموعودِ على الوجه الكليِّ وأرشدهم إلى سلوكه ابتغاءً لفضله واستنجازًا لوعده، والتعبيرُ عنهم بالموصول للإيذان بعلِّية ما في حيز الصلةِ للأمر بالقتال وبانتظامهم بسبب ذلك في سلك المشركين، فإن اليهودَ مُثَنّيةٌ والنصارى مُثلِّثةٌ، فهم بمعزل من أن يؤمنوا بالله سبحانه وباليوم الآخر فإن عِلمَهم بأحوال الآخرة كلا علمٍ، فإيمانُهم المبنيُّ عليه ليس بإيمان به {وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ} أي ما ثبت تحريمُه بالوحي متلوًّا أو غيرَ متلوٍ. وقيل: المرادُ برسوله الرسولُ الذي يزعُمون اتباعَه أي يخالفون أصلَ دينهم المنسوخِ اعتقادًا وعملًا {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق} الثابتَ الذي هو ناسخٌ لسائر الأديان وهو دينُ الإسلام وقيل: دين الله: {مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} من التوراة والإنجيل، فمن بيانيةٌ لا تبعيضيةٌ حتى يكونَ بعضُهم على خلاف ما نُعت {حتى يُعْطُواْ} أي يقبَلوا أن يعطوا {الجزية} أي ما تقرَّرَ عليهم أن يُعطوه، مشتقٌّ من جزَى دَينَه أي قضاه، أو لأنهم يَجْزُون بها مَنْ مَنّ عليهم بالإعفاء عن القتل {عَن يَدٍ} حالٌ من الضمير في يُعطوا أي عن يد مؤاتيةٍ مطيعةٍ بمعنى منقادين، أو من يدهم بمعنى مسلّمين بأيديهم غيرَ باعثين بأيدي غيرِهم ولذلك مُنع من التوكيل فيه، أو عن غِنىً ولذلك لم تجِب الجزيةُ على الفقير العاجزِ، أو عن يد قاهرةِ عليهم أي بسبب يد بمعنى عاجزين أذلأَ أو عن إنعام عليهم، فإن إبقاءَ مُهجتِهم بما بذلوا من الجِزية نعمةٌ عظيمةٌ عليهم، أو من الجزية أي نقدًا مسلّمةً عن يد إلى يد، وغايةُ القتالِ ليست نفسَ هذا الإعطاء بل قبولَه كما أشير إليه {وَهُمْ صاغرون} أي أذلاءُ وذلك بأن يأتيَ بها بنفسه ماشيًا غيرَ راكبٍ ويسلِّمَها وهو قائمٌ والمتسلِّمُ جالسٌ ويُؤخَذَ بتَلْبيبه ويقال له: أدِّ الجزية وإن كان يؤديها، وهي تؤخذ عند أبي حنيفة رضي الله عنه من أهل الكتاب مطلقًا ومن مشركي العجَم لا من مشركي العرب، وعند أبي يوسف رضي الله عنه لا تؤخذ من الأعجميِّ كتابيًا كان أو مشركًا وعند الشافعي رضي الله عنه تؤخذ من أهل الكتابِ عربيًا أو عجميًا، ولا تؤخذ من أهل الأوثانِ مطلقًا، وذهب مالكٌ والأوزاعيُّ إلى أنها تؤخذ من جميع الكفارِ، وأما المجوسُ فقد اتفقت الصحابةُ رضي الله عنهم على أخذ الجزيةِ منهم لقوله عليه الصلاة والسلام: «سُنّوا بهم سُنَّةَ أهلِ الكتاب».
وروي عن علي رضي الله عنه أنه كان لهم كتابٌ يدرُسونه فأصبحوا وقد أسرى على كتابهم فرُفع من بين أظهُرِهم، واتفقوا على تحريم ذبيحتِهم ومناكحتِهم لقوله عليه الصلاة والسلام في آخر ما نقل من الحديث: «غيرَ ناكحي نسائِهم ولا آكلي ذبيحتِهم» ووقت الأخذ عند أبي حنيفة رضي الله عنه أولُ السنة وتسقطُ بالموت والإسلام، ومقدارُها على الفقير المعتمِل اثنا عشر درهمًا وعلى المتوسط الحالِ أربعةٌ وعشرون درهمًا وعلى الفتى ثمانيةٌ وأربعون درهمًا ولا جزيةَ على فقير عاجزٍ عن الكسب ولا على شيخ فانٍ أو زَمِنٍ أو صبيَ أو امرأةٍ، وعند الشافعي رضي الله عنه تؤخذ في آخر السنة من كل واحد دينارٌ غنيًا كان أو فقيرًا كان له كسبٌ أو لم يكن. اهـ.

.قال الألوسي:

{قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآَخِرِ}
أمر بقتال أهل الكتابين إثر أمرهم بقتال المشركين ومنعهم من أن يحوموا حول المسجد الحرام، وفي تضاعيفه تنبيه لهم على بعض طرق الإغناء الموعود، والتعبير عنهم بالموصول للإيذان بعلية ما في حيز الصلاة للأمر بالقتال وبانتظامهم بسبب ذلك في سلك المشركين وإيمانهم الذي يزعمونه ليس على ما ينبغي فهو كلا إيمان {وَلاَ يُحَرِمُونَ مَا حَرَّمَ الله وَرَسُولُهُ} أي ما ثبت تحريمه بالوحي متلوًا وغير متلو، فالمراد بالرسول نبينا صلى الله عليه وسلم، وقيل: المراد به رسولهم الذي يزعمون اتباعه فإنهم بدلوا شريعته وأحلوا وحرموا من عند أنفسهم اتباعًا لأهوائهم فيكون المراد لا يتبعون شريعتنا ولا شريعتهم، ومجموع الأمرين سبب لقتالهم وإن كان التحريف بعد النسخ ليس علة مستقلة {وَلاَ يَدِينُونَ دِينَ الحق} أي الدين الثابت فالإضافة من إضافة الصفة إلى الموصوف.
والمراد به دين الإسلام الذي لا ينسخ بدين كما نسخ كل دين به، وعن قتادة أن المراد بالحق هو الله تعالى وبدينه الإسلام، وقيل: ما يعمه وغيره أي لا يدينون بدين من الأديان التي أنزلها سبحانه على أنبيائه وشرعها لعباده والإضافة على هذا على ظاهرها {مِنَ الذين أُوتُواْ الكتاب} أي جنسه الشامل للتوراة والإنجيل و{مِنْ} بيانية لا تبعيضية حتى يكون بعضهم على خلاف ما نعت {حتى يُعْطُواْ} أي يقبلوا أن يعطوا {الجزية} أي ما تقرر عليهم أن يعطوه، وهي مشتقة من جزى دينه أي قضاه أو من جزيته بما فعل أي جازيته لأنهم يجزون بها من منّ عليهم بالعفو عن القتل.