فصل: المسألة السادسة: في زكاة المعادن والركاز:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



وروي نحوه عن علي رضي الله عنه، وبه قال الثوري، وأبو ثور، وأبو حنيفة، وأصحابه، وقال: عثمان وابن عمر وجابر، رضي الله عنهم، وطاوس والنخعي وجابر بن زيد والحسن، وميمون بن مهران والزهري وقتادة، وحماد بن أبي سليمان وإسحاق وأبو عبيد، عليه إخراج زكاته في الحال، لأنه قادر على قبضه.
وقد قدمنا أنه قول مالك والشافعي، فإن كان الدين على معسر، أو جاحد، أو مماطل، فروايتان.
أحدهما: لا تجب فيه الزكاة، وهو قول قتادة، وإسحاق، وأبي ثور، وأهل العراق، لأنه غير مقدور على الانتفاع به.
والثانية: يزكيه إذا قبضه لما مضى، وهو قول الثوري، وأبي عبيد، وعن عمر بن عبد العزيز، والحسن، والليث، والوزاعي، يزكيه إذا قبضه لعام واحد، وهذا هو قول مالك.
ومذهب أحمد رحمه الله: أن الدين يمنع الزكاة في الأموال الباطنة، التي هي الذهب والفضة، وعروض التجارة، وهذا لا خلاف فيه عنه، وهو قول عطاء، سليمان بن يسار، وميمون بن مهران، والحسن، والنخعي، والليث، والثوري، والأوزاعي، وإسحاق، وأبي ثور، وأصحاب الرأي، وقد قدمنا نحوه عن مالك رجمه الله.
وقال ربيعة، وحماد بن أبي سليمان: لا يمنع الدين الزكاة في الأموال الباطنة، وقد قدمناه عن الشافعي، في جديد قوليه.
وأما الأموال الظاهرة. وهي السائمة والثمار والحبوب، فقد اختلفت فيها الرواية، عن أحمد رحمه الله، فروي عنه. أن الدين يمنع الزكاة فيها أيضًا كالأموال الباطنة، وعنه في رواية إسحاق بن إبراهيم، يبتدئ بالدين فيقضيه، ثم ينظر ما بقي عنده بعد إخراج النفقة، فيزكي ما بقي.
ولا يكون على أحد دينه أكثر من ماله صدقة في إبل أو بقر أو غنم أو زرع، ولا زكاة. وبهذا قال: عطاء، والحسن، وسليمان، وميمون بن مهران، والنخعي، والثوري، والليث، وإسحاق.
وروي أن الدين لا يمنع الزكاة في الأموال الظاهرة، وبه قال الأوزاعي، وقد قدمناه عن الشافعي في (الجديد) وهو قول مالك.
إذا عرفت أقوال العلماء في زكاة الدين، وهل هو مانع من الزكاة؟!
فاعلم أن اختلافهم في الدين، هل يزكي قبل القبض، وهل إذا لم يزكه قبل القبض يكفي زكاة سنة واحدة؟ّ أو لابد من زكاته لما مضى من السنين؟!
الظاهر فيه أنه من الاختلاف في تحقيق المناط، هل القدرة على التحصيل كالحصول بالفعل أو لا؟! ولا نعلم في زكاة الدين نصًا من كتاب، ولا سنة، ولا إجماع، ولا كون الدين مانعًا من وجوب الزكاة على المدين إن كان يستغرق أو ينقص النصاب، إلا آثارًا وردت عن بعض السلف.
منها ما رواه مالك في (الموطأ) عن ابن شهاب، عن السائب بن يزيد، عن عثمان بن عفان: أنه كان يقول: هذا شهر زكاتكم. فمن كان عليه دين فليؤد دينه، حتى تحصل أموالكم فتؤدون منه الزكاة.
ومنها ما رواه مالك في (الموطأ) أيضًا عن أيوب بن أبي تميمة السختياني، عن عمر بن عبد العزيز: أنه كتب في مال قبضه بعض الولاة ظلمًا، يأمر برده إلى أهله، ويؤخذ زكاته لما مضى من السِّنين: ثم عقب بعد ذلك بكتاب ألا يؤخذ منه إلا زكاة واحدة، فإنه كان ضمارًا اه: وهو بكسر الضاد: أي غائبًا عن ربه لا يقدر على أخذه ولا يعرف موضعه.

.المسألة السادسة: في زكاة المعادن والركاز:

اعلم أن العلماء أجمعوا على وجوب إخراج حق شرعي من المعادن في الجملة، لكن وقع بينهم الاختلاف في بعض الصور لذلك، فقال قوم: لا يجب في شيء من المعادن الزكاة، إلا الذهب والفضة خاصة، فإذا أخرج من المعدن عشرين مثقالًا من الذهب، أو مائتي درهم من الفضة، وجب عليه إخراج ربع العشر من ذلك من حين إخراجه، ولا يستقبل به حولًا.
وممن قال بهذا: مالك، والشافعي، ومذهب الإمام أحمد كمذهبهما. إلا أنه يوجب الزكاة في جميع المعادن من ذهب، وفضة، وزئبق، ورصاص، وصفر، وحديد، وياقوت، وزبرجد، ولؤلؤ، وعقيق وسبج، وكحل، وزجاج، وزرنيخ، ومغرة، ونحو ذلك، وكذلك المعادن الجارية، كالقار، والنفط، ونحوهما، ويقوم بمائتي درهم أو عشرين مثقالًا، ما عدا الذهب والفضة، فجميع المعادن عنده تزكى، واللازم فيها ربع العشر.
وذهب أبو حنيفة رحمه الله، إلى أن المعدن من جملة الركاز. ففيه عنده الخمس، وهو عنده الذهب والفضة، وما ينطبع كالحديد والصفر والرصاص في أشهر الروايتين، ولا يشترط عنده النصاب في المعدن والركاز.
وممن قال بلزوم ربع العشر في المعدن: عمر بن عبد العزيز، وحجة من قال بوجوب الزكاة في جميع المعادن، عموم قوله تعالى: {وَمِمَّا أَخْرَجْنَا لَكُم مِّنَ الأرض} [البقرة: 267].
وحجة من قال بوجوبها في معدن الذهب والفضة فقط: أن الأصل عدم وجوب الزكاة، فلم تجب في غير الذهب والفضة للنص عليهما دون غيرهما، واحتجوا أيضًا بحديث لا زكاة في حجر، وهو حديث ضعيف، قال فيه ابن حجر في (التلخيص) رواه ابن عدي، من حديث عمر بن أبي عمر الكلاعي، عن عمرو بن شعيب، عن أبيه عن جده، ورواه البيهقي، من طريقه، وتابعه عثمان الوقاصي، ومحمد بن عبيد الله العرزمي، كلاهما عن عمرو بن شعيب، وهما متروكان. اهـ.
وعمر بن أبي عمر الكلاعي ضعيف، من شيوخ بقية المجهولين، قاله في (التقريب) واحتج لوجوب الزكاة في المعدن بما رواه مالك في (الموطأ) عن ربيعة بن أبي عبد الرحمن، عن غير واحد. أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قطع لبلال بن الحارث المزني معادن القبلية، وهي من ناحية الفرع. فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلى اليوم إلا الزكاة. وقال ابن حجر، في (التلخيص): ورواه أبو داود، والطبراني، والحاكم، والبيهقي، موصولًا، ليست فيه زيادة، وهي من ناحية الفرع. الخ. وقال الشافعي:- بعد أن روى حديث مالك- ليس هذا مما يثبته أهل الحديث ولم يثبتوه ولم يكن فيه رواية عن النَّبي صلى الله عليه وسلم إلا إقطاعه، وأما الزكاة دون الخمس فليست مروية عن النَّبي صلى الله عليه وسلم. وقال البيهقي: هو كما قال الشافعي في رواية مالك، وقد روي عن الداروردي، عن ربيعة، موصولًا، ثم أخرجه عن الحاكم، والحاكم أخرجه في (المستدرك) وكذا ذكره أبو عبد البر، من رواية الداروردي، قال: ورواه أبو سبرة المديني، عن مطرف، عن مالك، عن محمد بن عمرو بن علقمة، عن ابن عباس قلت: أخرجه أبو داود، من الوجهين. اهـ.
قال مقيده- عفا الله عنه- الاستدلال بهذه الزيادة على الحديث المرفوع التي ذكرها مالك في (الموطأ) فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم من نوع الاستدلال بالاستصحاب المقلوب، وهو حجة عند جماعة من العلماء من المالكية، والشافعية.
والاستصحاب المقلوب: هو الاستدلال بثبوت الأمر في الزمن الحاضر، على ثبوته في الزمن الماضي، لعدم ما يصلح للتغيير من الأول إلى الثاني.
قال صاحب (جمع الجوامع): أما ثبوته في الأول لثبوته في الثاني فمقلوب. وقد يقال فيه لو لم يكن الثابت اليوم، ثابتًا أمس لكان غير ثابت فيقتضي استصحاب أمس أنه الآن غير ثابت، وليس كذلك، فدل على أنه ثابت.
وقال: في (نشر البنود) وقد يقال في الاستصحاب المقلوب ليظهر الاستدلال به، لو لم يكن الثابت اليوم ثابتًا أمس، لكان غير ثابت أمس، إذ لا واسطة بين الثبوت وعدمه، فيقتضي استصحاب أمس الخالي عن الثبوت فيه، أنه الآن غير ثابت، وليس كذلك لأنه مفروض الثبوت الآن. فدل ذلك على أنه ثابت أمس ايضًا، ومثل له بعض المالكية بالوقف، إذا جهل مصرفه ووجد على حالة فإنه يجري عليها، لأن وجوده على تلك الحالة دليل على أنه كان كذلك في عقد الوقف. ومثل له المحلي، بأن يقال في الكيال الموجود. كان على عهده صلى الله عليه وسلم، باستصحاب الحال في الماضي. ووجهه في المسألة التي نحن بصددها؛ أن لفظ فتلك المعادن لا يؤخذ منها إلا الزكاة إلى اليوم يدل بالاستصحاب المقلوب؛ أنها كانت كذلك في زمن النَّبي صلى الله عليه وسلم لعدم ما يصلح للتغيير كما ذكرنا.
وقد أشار في (مراقي السعود) إلى مسالة الاستصحاب المذكور في كتاب الاستدلال بقوله:
ورجحن كون الاستصحاب ** للعدم الأصلي من ذا الباب

بعد قصارى البحث عن نص فلم ** يلف وهذا البحث وفقًا منحتم

إلى أن قال- وهو محل الشاهد-:
وما بماض مثبت للحال ** فهو مقلوب وعكس الخالي

كجري ما جهل فيه المصرف ** على الذي الآن لذاك يعرف

وأما الركاز: ففيه الخمس بلا نزاع؛ لقوله صلى الله عليه وسلم: «وفي الركاز الخمس»؛ أخرجه الشيخان؛ وأصحاب السنن؛ والإمام أحمد؛ من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، إلا أنهم اختلفوا في المراد بالركاز.
فذهب جمهور منهم مالك، والشافعي وأحمد، إلى أن الركاز هو دفن الجاهلية، وأنه لا يصدق على المعادن اسم الركاز.
واحتجوا بما جاء في حديث أبي هريرة المتفق عليه الذي ذكرنا بعضًا منه آنفًا؛ فإن فيه أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «والمعدن جبار وفي الركاز الخمس» ففرق بين المعدن والركاز بالعطف المقتضي للمغايرة.
وذهب أبو حنيفة والثوري وغيرهما إلى أن المعدن ركاز، واحتجوا بما رواه البيهقي من حديث أبي هريرة رضي الله عنه، أن النَّبي صلى الله عليه وسلم قال: «وفي الركاز الخمس، قيل يا رسول الله- صلى الله عليه وسلم وما الركاز؟ قال: الذهب والفضة المخلوقان في الأرض يوم خلق الله السماوات والأرض» ورده الجمهور بأن الحديث ضعيف، قال ابن حجر في (التلخيص) رواه: البيهقي من حديث أبي يوسف، عن عبد الله بن سعيد بن أب يسعيد عن أبيه عن جده، عن أبي هريرة مرفوعًا وتابعه حبان بن علي، عن عبد الله بن سعيد، وعبد الله متروك الحديث، وحبان ضعيف.
وأصل الحديث ثابت في (الصحاح) وغيرها بدون الزيادة المذكورة. وقال الشافعي في (الجديد): يشترط في وجوب الخمس في الركاز أن يكون ذهبًا أو فضة دون غيرهما. وخالفه جمهور أهل العلم، وقال بعض العلماء: إذا كان في تحصيل المعدن مشقة ففيه ربع العشر، وإن كان لا مشقة فيه فالواجب فيه الخمس. وله وجه من النظر والعلم عند الله تعالى. اهـ.

.قال الشعراوي:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}
وبعد أن شرح سبحانه لنا ما يدور في ذواتهم، وانحرافهم عن منهج الله تعالى، والغرق في حب الدنيا وحب الشهوات، وهم قد اشتروا بآيات الله ثمنًا قليلًا، وحرَّفوا تعاليم السماء حتى يأكلوا أموال الناس بالباطل، ولكن هل الأموال تؤكل؟ طبعًا لا، بل نشتري بالمال الطعام الذي نأكله، فلماذا استخدم الحق سبحانه عبارة {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس}؟ أراد الحق سبحانه وتعالى بذلك أن يلفتنا إلى أنهم لا يأخذون المال على قدر حاجتهم من الطعام والشراب، ولكنهم يأخذون أكثر من حاجتهم ليكنزوه.
ولذلك يأتي قوله تعالى في ذات الآية أنهم {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ}. هم إذن أكلوا أموال الناس بالباطل، مصداقًا لقول الحق سبحانه: {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل} ومعنى ذلك أنَّ هناك أكْلًا من أموال الناس بالحق في عمليات تبادل المنافع، فالتاجر يأخذ مالك ليعطيك بضاعة؛ ويذهب التاجر ليشتري بها بضاعة وهكذا، وقانون الاحتياط هنا في أن يكون هناك رهبان وأحبار محافظون على تعاليم الدين، ولا يأكلون أموال الناس بالباطل، وهذا ظاهر في قول الحق سبحانه وتعالى: {إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأحبار والرهبان لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل} ولم يقل جل جلاله: كل الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل، بل قال: {إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الأحبار والرهبان}؛ لأنه قد يوجد عدد محدود من الأحبار والرهبان ملتزمون، والله لا يظلم أحدًا؛ لذلك جاء بالاحتمال. فلو أن الله سبحانه وتعالى عمَّم ووُجد منهم من هو ملتزم بالدين. فمعنى ذلك أن يكون القرآن الكريم لم يُغطِّ كل الاحتمالات، ومعاذ الله أن يكون الأمر كذلك؛ لأن الحق سبحانه وتعالى في قرآنه يصون الاحتمالات كلها.
إذن: فاستيلاء بعض من هؤلاء الأحبار والرهبان على أموال الناس لا يكون بالحق، لأي لا يحصلون فقط على ما يكفيهم، بل بالباطل أي بأكثر مما يحتاجون. وهم يأخذون المال ليصدوا به عن سبيل الله، وهم في سبيل الحصول على الأموال الدنيوية؛ يُغيِّرون منهج الله بما يتفق مع شهوتهم للمال، وما يحقق لهم كثرة الأموال التي يحصلون عليها، ولهذا تأتي العقوبة في ذات الآية فيقول المولى سبحانه وتعالى: {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} والكنز مأخوذ من الامتلاء والتجمع، ولذلك يقال: الشاة مكتنزة، أي مليئة باللحم وتجمَّعَ فيها لحمٌ كثير.