فصل: قال الشوكاني في الآيتين:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال الشوكاني في الآيتين:

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}
لما فرغ سبحانه من ذكر حال أتباع الأحبار والرهبان المتخذين لهم أربابًا ذكر حال المتبوعين فقال: {إِنَّ كَثِيرًا مّنَ الأحبار} إلى آخره، ومعنى أكلهم لأموال الناس بالباطل: أنهم يأخذونها بالوجوه الباطلة كالرشوة، وأثبت هذا للكثير منهم؛ لأن فيهم من لم يلتبس بذلك، بل بقي على ما يوجبه دينه من غير تحريف ولا تبديل، ولا ميل إلى حطام الدنيا، ولقد اقتدى بهؤلاء الأحبار والرهبان من علماء الإسلام من لا يأتي عليه الحصر في كل زمان، فالله المستعان، قوله: {وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ الله} أي: عن الطريق إليه وهو دين الإسلام، أو عن ما كان حقًا في شريعتهم قبل نسخها بسبب أكلهم لأموال الناس بالباطل.
قوله: {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة} قيل: هم المتقدّم ذكرهم من الأحبار والرهبان، وإنهم كانوا يصنعون هذا الصنع.
وقيل: هم من يفعل ذلك من المسلمين، والأولى حمل الآية على عموم اللفظ، فهو أوسع من ذلك، وأصل الكنز في اللغة: الضم والجمع، ولا يختص بالذهب والفضة.
قال ابن جرير: الكنز كل شيء مجموع بعضه إلى بعض في بطن الأرض كان أو على ظهرها. انتهى..
ومنه ناقة كناز: أي مكتنزة اللحم، واكتنز الشيء: اجتمع.
واختلف أهل العلم في المال الذي أديت زكاته هل يسمى كنزًا أم لا؟ فقال قوم: هو كنز، وقال آخرون: ليس بكنز.
ومن القائلين بالقول الأوّل: أبو ذر.
وقيده بما فضل عن الحاجة.
ومن القائلين بالقول الثاني: عمر بن الخطاب، وابن عمر، وابن عباس، وجابر، وأبو هريرة، وعمر بن عبد العزيز، وغيرهم، وهو الحق لما سيأتي من الأدلة المصرحة بأن ما أديت زكاته فليس بكنز.
قوله: {وَلاَ يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ الله} اختلف في وجه إفراد الضمير مع كون المذكور قبله شيئين، هما: الذهب والفضة، فقال ابن الأنباري: إنه قصد إلى الأعمّ الأغلب، وهو الفضة قال: ومثله قوله تعالى: {واستعينوا بالصبر والصلاة وَإِنَّهَا لَكَبِيرَةٌ} [البقرة: 45] ردّ الكناية إلى الصلاة لأنها أعمّ، ومثله قوله: {وَإِذَا رَأَوْاْ تجارة أَوْ لَهْوًا انفضوا إِلَيْهَا} [الجمعة: 11] أعاد الضمير إلى التجارة؛ لأنها الأهمّ.
وقيل: إن الضمير راجع إلى الذهب والفضة معطوفة عليه، والعرب تؤنث الذهب وتذكره.
وقيل: إن الضمير راجع إلى الكنوز المدلول عليها بقوله: {يَكْنِزُونَ} وقيل: إلى الأموال.
وقيل: للزكاة، وقيل: إنه اكتفى بضمير أحدهما عن ضمير الآخر مع فهم المعنى، وهو كثير في كلام العرب، وأنشد سيبويه:
نحن بما عندنا وأنت بما ** عندك راض والرأي مختلف

ولم يقل: راضون، ومثله قول الآخر:
رماني بأمر كنت منه ووالدي ** بريًا ومن أجل الطوى رماني

ولم يقل: بريين، ومثله قول حسان:
إن شرخ الشباب والشعر الأس ** ود ما لم يعاض كان جنونا

ولم يقل: يعاضا.
وقيل: إن إفراد الضمير من باب الذهاب إلى المعنى دون اللفظ؛ لأن كل واحد من الذهب والفضة جملة وافية، وعدّة كثيرة، ودنانير ودراهم، فهو كقوله: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ المؤمنين اقتتلوا} [الحجرات: 9].
وإنما خص الذهب والفضة بالذكر دون سائر الأموال لكونهما أثمان الأشياء.
وغالب ما يكنز وإن كان غيرهما له حكمهما في تحريم الكنز، قوله: {فَبَشّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ} هو خبر الموصول، وهو من باب التهكم بهم كما في قوله:
تحية بينهم ضرب وجيع

وقيل: إن البشارة هي الخبر الذي يتغير له لون البشرة لتأثيره في القلب، سواء كان من الفرح أو من الغمّ.
ومعنى {يَوْمَ يحمى عَلَيْهَا في نَارِ جَهَنَّمَ} أن النار توقد عليها وهي ذات حمى وحرّ شديد.
ولو قال يوم تحمي: أي الكنوز لم يعط هذا المعنى.
فجعل الإحماء للنار مبالغة.
ثم حذف النار وأسند الفعل إلى الجارّ، كما تقول رفعت القصة إلى الأمير، فإن لم تذكر القصة قلت رفع إلى الأمير، وقرأ ابن عامر {تحمى} بالمثناة الفوقية، وقرأ أبو حيوة {فيكوى} بالتحتية.
وخص الجباه، والجنوب والظهور؛ لكون التألم بكيها أشدّ لما في داخلها من الأعضاء الشريفة.
وقيل: ليكون الكيّ في الجهات الأربع: من قدّام، وخلف، وعن يمين، وعن يسار.
وقيل: لأن الجمال: في الوجه، والقوّة: في الظهر والجنبين، والإنسان إنما يطلب المال للجمال والقوّة.
وقيل غير ذلك مما لا يخلو عن تكلف.
قوله: {هذا مَا كَنَزْتُمْ لأنفُسِكُمْ} أي: يقال لهم هذا ما كنزتم لأنفسكم: أي كنزتموه لتنفتعوا به، فهذا نفعه على طريقة التهكم والتوبيخ {فَذُوقُواْ مَا كُنتُمْ تَكْنِزُونَ} ما: مصدرية أو موصولة: أي ذوقوا وباله، وسوء عاقبته، وقبح مغبته، وشؤم فائدته.
وقد أخرج أبو الشيخ، عن الضحاك، في قوله: {إِنَّ كَثِيرًا مّنَ الأحبار والرهبان} يعني: علماء اليهود والنصارى {لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الناس بالباطل} والباطل: كتب كتبوها لم ينزلها الله فأكلوا بها أموال الناس، وذلك قول الله تعالى: {فَوَيْلٌ لّلَّذِينَ يَكْتُبُونَ الكتاب بِأَيْدِيهِمْ ثُمَّ يَقُولُونَ هذا مِنْ عِندِ الله} [البقرة: 79].
وأخرج ابن المنذر، عن ابن عباس، في قوله: {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة} قال: هؤلاء الذين لا يؤدّون الزكاة من أموالهم، وكل ما لا تؤدي زكاته كان على ظهر الأرض أو في بطنها فهو كنز، وكل مال أدّيت زكاته، فليس بكنز، كان على ظهر الأرض أو في بطنها.
وأخرجه عنه ابن أبي شيبة، وابن المنذر، وأبو الشيخ، من وجه آخر.
وأخرج مالك، وابن أبي شيبة، وابن المنذر، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن ابن عمر، نحوه.
وأخرج ابن مردويه، عنه، نحوه مرفوعًا.
وأخرج ابن عديّ، والخطيب عن جابر، نحوه مرفوعًا أيضًا.
وأخرجه ابن أبي شيبة، عنه، موقوفًا.
وأخرج أحمد في الزهد، والبخاري، وابن ماجه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عمر، في الآية قال: إنما كان هذا قبل أن تنزل الزكاة، فلما نزلت الزكاة جعلها الله طهرة للأموال، ثم قال: ما أبالي لو كان عندي مثل أحد ذهبًا أعلم عدده وأزكيه، وأعمل فيه بطاعات الله؟ وأخرج ابن أبي شيبة، وأبو الشيخ، عن عمر بن الخطاب قال: ليس بكنز ما أدّى زكاته.
وأخرج ابن مردويه، والبيهقي عن أمّ سلمة، مرفوعًا نحوه.
وأخرج ابن أبي شيبة، في مسنده، وأبو داود، وأبو يعلى، وابن أبي حاتم، والحاكم وصححه، وابن مردويه، والبيهقي في سننه، عن ابن عباس قال: لما نزلت هذه الآية: {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة} كبر ذلك على المسلمين، وقالوا: ما يستطيع أحد منا لولده ما لا يبقى بعده، فقال عمر: أنا أفرج عنكم، فانطلق عمر واتبعه ثوبان فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال: يا نبيّ الله، إنه قد كبر على أصحابك هذه الآية، فقال: «إن الله لم يفرض الزكاة إلا ليطيب بها ما بقي من أموالكم، وإنما فرض المواريث من أموال تبقى بعدكم»، فكبر عمر، ثم قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبرك بخير ما يكنز المرء؟ المرأة الصالحة التي إذا نظر إليها سرّته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته» وقد أخرجه أحمد، والترمذي وحسنه، وابن ماجه، عن سالم بن أبي الجعد من غير وجه عن ثوبان.
وحكى البخاري أن سالمًا لم يسمعه من ثوبان.
وأخرج ابن مردويه، عن ابن عباس، في قوله: {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة} قال: هم أهل الكتاب، وقال: هي خاصة وعامة.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عليّ بن أبي طالب، قال: أربعة آلاف فما دونها نفقة وما فوقها كنز.
وأخرج ابن أبي حاتم، والطبراني، عن أبي أمامة قال: حلية السيوف من الكنوز ما أحدّثكم إلا ما سمعت.
وأخرج ابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، عن عراك بن مالك، وعمر بن عبد العزيز، أنهما قالا في قوله: {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة} إنها نسختها الآية الأخرى: {خُذْ مِنْ أموالهم صَدَقَةً} [التوبة: 103] الآية.
وأخرج البخاري ومسلم، وغيرهما عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال: «ما من صاحب ذهب ولا فضة لا يؤدي زكاتها إلا جعل لها يوم القيامة صفائح، ثم أحمى عليها في نار جهنم، ثم يكوى بها جنباه وجبهته وظهره في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة حتى يقضي بين الناس فيرى سبيله، إما إلى الجنة، وإما إلى النار» وأخرج ابن أبي شيبة، والبخاري، وابن أبي حاتم، وأبو الشيخ، وابن مردويه، عن زيد بن وهب، قال: مررت على أبي ذرّ بالربذة، فقلت: ما أنزلك بهذه الأرض؟ فقال: كنا بالشأم فقرأت {والذين يَكْنِزُونَ الذهب والفضة} الآية، فقال معاوية: ما هذه فينا، ما هذه إلا في أهل الكتاب، قلت: إنها لفينا وفيهم. اهـ.

.التفسير المأثور:

قال السيوطي:
{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ}
أخرج أبو الشيخ عن الضحاك رضي الله عنه في قوله: {يا أيها الذين آمنوا إن كثيرًا من الأحبار} يعني علماء اليهود {والرهبان} علماء النصارى {ليأكلون أموال الناس بالباطل} والباطل كتب كتبوها لم ينزلها الله تعالى فأكلوا بها الناس، وذلك قول الله تعالى: {الذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هو من عند الله وما هو من عند الله} [البقرة: 79].
وأخرج أبو الشيخ عن السدي رضي الله عنه في الآية قال: أما الأحبار فمن اليهود، وأما الرهبان فمن النصارى، وأما سبيل الله فمحمد صلى الله عليه وسلم.
وأخرج أبو الشيخ عن الفضيل بن عباس رضي الله عنه قال: اتبعوا عالم الآخرة، واحذروا عالم الدنيا لا يضركم بشكره، ثم تلا هذه الآية: {إن كثيرًا من الأحبار والرهبان ليأكلون أموال الناس بالباطل ويصدون عن سبيل الله}.
وأخرج ابن المنذر عن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: {والذين يكنزون الذهب والفضة...} الآية. قال: هم الذين لا يؤدون زكاة أموالهم، وكل مال لا تؤدى زكاته كان على ظهر الأرض أو في بطنها فهو كنز، وكل مال أدي زكاته فليس بكنز كان على ظهر الأرض أو في بطنها.
وأخرج ابن أبي شيبة وابن المنذر وأبو الشيخ عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: ما أدي زكاته فليس بكنز.