فصل: قال السمرقندي:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال السمرقندي:

{لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ} يعني: من قبل غزوة تبوك، لأنهم قصدوا قتل النبي صلى الله عليه وسلم قبل كثرة المؤمنين؛ ويقال: طلبوا إظهار الشرك قبل غزوة تبوك؛ {وَقَلَّبُواْ لَكَ الامور}، يعني: احتالوا في هلاكك من كل وجه؛ ويقال: {وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور} ظهرًا لبطن، فانظر كيف يصنعون.
{حتى جَاء الحق}، يعني: كثر المسلمون؛ ويقال: حتى جاء الحق يعني: الإسلام {وَظَهَرَ أَمْرُ الله}؛ يعني: ظهر دين الله الإسلام.
{وَهُمْ كارهون}، يعني: كارهون الإسلام. اهـ.

.قال الثعلبي:

{لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ} أي عملوا بها لصد أصحابك عن الدين وردهم إلى الكفر بتخذيل الناس عنك قبل هذا اليوم، كفعل عبد الله بن أبي يوم أحد حين انصرف عنك بأصحابه {وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور} أجالوا فيك وفي إبطال دينك الرأي بالتخذيل عنك وتشتّت أصحابك.
{حتى جَاءَ الحق} أي النصر والظفر {وَظَهَرَ أَمْرُ الله} دين الله: {وَهُمْ كَارِهُونَ}. اهـ.

.قال الماوردي:

قوله عز وجل: {لَقَدْ ابْتَغَوا الْفِتْنَةَ مِن قَبْلُ}
يعين إيقاع الخلاف وتفريق الكلمة.
{وَقَلَّبُواْ لَكَ الأُمُورَ} يحتمل أربعة أوجه:
أحدها: معاونتهم في الظاهر وممالأة المشركين في الباطن.
والثاني: قولهم بأفواههم ما ليس في قلوبهم.
والثالث: توقع الدوائر وانتظار الفرص.
والرابع: حلفهم بالله لو استطعنا لخرجنا معكم.
{حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ} يعني النصر.
{وَظَهَرَ أَمْرُ اللَّهِ} يعني الدين.
{وَهُمْ كَارِهُونَ} يعني النصر وظهور الدين. اهـ.

.قال ابن عطية:

{لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ}
في هذه الآية تحقير شأنهم، وذلك أنه أخبر أنهم قد لما سعوا على الإسلام فأبطل الله سعيهم، ومعنى قوله: {من قبل} ما كان من حالهم من وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجوعهم عنه في أحد وغيرها، ومعنى {وقلبوا لك الأمور} دبروها ظهرًا لبطن ونظروا في نواحيها وأقسامها وسعوا بكل حيلة، وقرأ مسلمة بن محارب {وقلَبوا لك} بالتخفيف في اللام، و{أمر الله} الإسلام ودعوته. اهـ.

.قال ابن الجوزي:

قوله تعالى: {لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ}
في الفتنة قولان:
أحدهما: الشر، قاله ابن عباس.
والثاني: الشرك، قاله مقاتل.
قوله تعالى: {من قبل} أي: من قبل غزوة تبوك.
وفي قوله: {وقلَّبوا لك الأمور} خمسة أقوال:
أحدها: بَغَوْا لك الغوائل، قاله ابن عباس.
وقيل: إن اثني عشر رجلًا من المنافقين وقفوا على طريقه ليلًا ليفتكوا به، فسلَّمه الله منهم.
والثاني: احتالوا في تشتُّت أمرك وإبطال دينك، قاله أبو سليمان الدمشقي.
قال ابن جرير: وذلك كانصراف ابن أُبيّ يوم أُحد بأصحابه.
والثالث: أنه قولهم ما ليس في قلوبهم.
والرابع: أنه ميلهم إليك في الظاهر، وممالأة المشركين في الباطن.
والخامس: أنه حلفهم بالله: {لو استطعنا لخرجنا معكم} ذكر هذه الأقوال الثلاثة الماوردي.
قوله تعالى: {حتى جاء الحق} يعني: النصر {وظهر أمر الله} يعني الإسلام. اهـ.

.قال القرطبي:

قوله تعالى: {لَقَدِ ابتغوا الفتنة مِن قَبْلُ} أي لقد طلبوا الإفساد والخبال من قبل أن يظهر أمرهم، وينزل الوَحْيُ بما أسّروه وبما سيفعلونه.
وقال ابن جريج: أراد اثني عشر رجلًا من المنافقين، وقفوا على ثَنِية الوداع ليلة العقبة ليفتِكوا بالنبيّ صلى الله عليه وسلم.
{وَقَلَّبُواْ لَكَ الأمور} أي صرفوها وأجالوا الرأي في إبطال ما جئت به.
{حتى جَاءَ الحق وَظَهَرَ أَمْرُ الله} أي دينه {وَهُمْ كَارِهُونَ}. اهـ.

.قال الخازن:

قوله سبحانه وتعالى: {لقد ابتغوا الفتنة من قبل} يعني لقد طلبوا صد أصحابك يا محمد عن الدين وردهم إلى الكفر وتخذيل الناس عنكم قيل هذا اليوم كما فعل عبد الله بن أبي بن سلول يوم أحد حين انصرف بأصحابه عنكم {وقلبوا لك الأمور} يعني وأجالوا فيك وفي أمرك وفي إبطال دينك الرأي وبالغوا في تخذيل الناس عنك وقصدهم تشتيت أمرك {حتى جاء الحق} عين النصر والظفر {وظهر أمر الله وهم كارهون} يعني ذلك. اهـ.

.قال أبو حيان:

{لقد ابتغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور حتى جاء الحق وظهر أمر الله وهم كارهون}
تقدّم ذكر السبب في نزول هذه الآية والتي قبلها من قصة رجوع عبد الله بن أبي وأصحابه في هذه الغزاة، حقّر شأنهم في هذه الآية، وأخبر أنهم قديمًا سعوا على الإسلام فأبطل الله سعيهم، وفي الأمور المقلبة أقوال.
قال ابن عباس: بغوا لك الغوائل.
وقال ابن جريج: وقف اثنا عشر من المنافقين على التثنية ليلة العقبة كي يفتكوا به.
وقال أبو سليمان الدمشقي: احتالوا في تشتيت أمرك وإبطال دينك.
قال ابن جريج: كانصراف ابن أبيّ يوم أحد بأصحابه.
ومعنى من قبل أي: منن قبل هذه الغزاة، وذلك ما كان من حالهم وقت هجرة رسول الله صلى الله عليه وسلم ورجوعهم عنه في أحد وغيرها.
وتقليب الأمور: هو تدبيرها ظهر البطن، والنظر في نواحيها وأقسامها، والسعي بكل حيلة.
وقيل: طلب المكيدة من قولهم: هو حول قلب.
وقرأ مسلمة بن محارب: وقلبوا بتخفيف اللام.
حتى جاء الحق أي: القرآن وشريعة الرسول صلى الله عليه وسلم.
ولفظة جاء مشعرة بأنه كان قد ذهب.
وظهر أمر الله وصفه بالظهور لأنه كان كالمستور أي: غلب وعلا دين الله.
وهم كارهون لمجيء الحق وظهور دين الله.
وفي ذلك تنبيه على أنه لا تأثير لمكرهم وكيدهم، ومبالغتهم في إثارة الشر فإنهم مذ راموا ذلك رده الله في نحرهم، وقلب مرادهم، وأتى بضد مقصودهم، فكما كان ذلك في الماضي كذا يكون في المستقبل. اهـ.

.قال أبو السعود:

{لَقَدِ ابتغوا الفتنة}
تشتيتَ شملِك وتفريقَ أصحابِك منك {مِن قَبْلُ} أي يومَ أحُدٍ حين انصرف عبدُ اللَّه بنُ أُبيِّ بنِ سَلولٍ المنافقُ بمن معه وقد تخلف بمن معه عن تبوكَ أيضًا بعدما خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى ذي جُدّة، أسفلَ من ثنية الوداع، وعن ابن جريج رضي الله عنه وقفوا لرسول الله صلى الله عليه وسلم على الثنية ليلةَ العقبةِ وهم اثنا عشر رجلًا من المنافقين ليفتِكوا به عليه الصلاة والسلام فردّهم الله تعالى خاسئين {وَقَلَّبُواْ لَكَ الامور} تقليبُ الأمر تصريفُه من وجه إلى وجه وترديدُه لأجل التدبير والاجتهادِ في المكر والحيلة، يقال للرجل المتصرِّف في وجوه الحِيَل: حُوَّلٌ وقُلّبٌ، أي اجتهدوا ودبروا لك الحِيلَ والمكايدَ ودّوروا الآراءَ في إبطال أمرِك، وقرئ بالتخفيف {حتى جَاء الحق} أي النصرُ والتأييدُ الإلهي {وَظَهَرَ أَمْرُ الله} غلب دينُه وعلا شرعُه {وَهُمْ كارهون} والحالُ أنهم كارهون لذلك أي على رغم منهم والآيتان لتسلية الرسول صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن تخلف المتخلفين وبيانُ ما ثبّطهم الله تعالى لأجله وهتَك أستارَهم وكشف أسرارَهم، وإزاحةِ أعذارِهم تداركًا لما عسى يفوت بالمبادرة إلى الإذن وإيذانًا بأن ما فات بها ليس مما لا يمكن تلافيه تهوينًا للخطب. اهـ.

.قال الألوسي:

{لَقَد ابْتَغُوُا الْفتْنَةَ} تشتيت شملك وتفرق أصحابك {من قبل} تشتيت شملك وتفرق أصحابك {مِن قَبْلُ} أي من قبل هذه الغزوة، وذلك كما روي عن الحسن يوم أحد حين انصرف عبد الله بن أبي بن سلول بأصحابه المنافقين، وقد تخلف بهم عن هذه الغزوة أيًا بعد أن خرج مع النبي صلى الله عليه وسلم إلى قريب من ثنية الوداع.
وروي عن سعيد بن جبير وابن جريج أن المراد بالفتنة الفتك برسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة، وذلك أنه اجتمع اثنا عشر رجلًا من المنافقين ووقفوا على الثنية ليفتكوا به عليه الصلاة والسلام فردهم الله تعالى خاسئين {وَقَلَّبُواْ لَكَ الامور} أي المكايد تقليبها مجاز عن تدبيرها أو الآراء وهو مجاز عن تفتيشها، أي دبروا لك المكايد والحيل أو دوروا الآراء في إبطال أمرك.
وقرئ {وَقَلَّبُواْ} بالتخفيف {حتى جَاء الحق} أي النصر والظفر الذي وعده الله تعالى: {وَظَهَرَ أَمْرُ الله} أي غلب دينه وعلا شرعه سبحانه: {وَهُمْ كارهون} أي في حال كراهتهم لذلك أي على رغم منهم، والاتيان كما قالوا لتسلية رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنين عن تخلف المتخلفين وبيان ما ثبطهم الله تعالى لأجله وهتك أستارهم وإزاهة أعذارهن تداركا لما عسى يفوت بالمبادرة إلى الاذن وإيذنًا بأن ما فات بها ليس مما لا يمكن تلافيه تهويلًا للخطب. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{لَقَدِ ابْتَغَوُا الْفِتْنَةَ مِنْ قَبْلُ وَقَلَّبُوا لَكَ الْأُمُورَ حَتَّى جَاءَ الْحَقُّ}
الجملة تعليل لقوله: {يبغونكم الفتنة} [التوبة: 47] لأنّها دليل بأنّ ذلك ديدن لهم من قبل، إذ ابتغوا الفتنة للمسلمين وذلك يومَ أحد إذ انخزل عبد الله بن أبي ابنُ سلول ومن معه من المنافقين بعد أن وصلوا إلى أحد، وكانوا ثُلث الجيش قصدوا إلقاء الخوف في نفوس المسلمين حين يرون انخزال بعض جيشهم وقال ابن جريج: الذين ابتغوا الفتنة اثنا عشر رجلًا من المنافقين، وقفوا على ثنية الوداع ليلة العقبة ليفتِكوا بالنبي صلى الله عليه وسلم.
و{قلّبوا} بتشديد اللام مضاعف قلب المخفف، والمضاعفة للدلالة على قوة الفعل.
فيجوز أن يكون من قلَب الشيء إذا تأمل باطنه وظاهره ليطّلع على دقائق صفاته فتكون المبالغة راجعة إلى الكمّ أي كثرة التقليب، أي ترددوا آراءهم وأعملوا المكائد والحيل للإضرار بالنبي صلى الله عليه وسلم والمسلمين.
ويجوز أن يكون {قلبوا} من قلب بمعنى فتّش وبحث، استعير التقليب للبحث والتفتيش لمشابهة التفتيش للتقليب في الإحاطة بحال الشيء كقوله تعالى: {فأصبح يقلب كفيه} [الكهف: 42] فيكون المعنى، أنّهم بحثوا وتجسَّسوا للاطّلاع على شأن المسلمين وإخبار العدوّ به.
واللام في قوله: {لك} على هذين الوجهين لام العلّة، أي لأجلك وهو مجمل يبيّنهُ قوله: {لقد ابتغوا الفتنة من قبل} [التوبة: 48].
فالمعنى اتّبعوا فتنة تظهر منك، أي في أحوالك وفي أحوال المسلمين.
ويجوز أن يكون {قلبوا} مبالغة في قَلَب الأمر إذا أخفى ما كان ظاهرًا منه وأبدَى ما كان خفيًّا، كقولهم: قَلب له ظهر المِجَن.
وتعديته باللام في قوله: {لك} ظاهرة.
و{الأمور} جمع أمر، وهو اسم مبهم مثل شيء كما في قول الموصلي:
ولكن مقاديرٌ جرتْ وأمور

والألف واللام فيه للجنس، أي أمورًا تعرفون بعضها ولا تعرفون بعضًا.
و{حتى} غاية لتقليبهم الأمور.
ومجِيء الحقّ حصوله واستقراره والمراد بذلك زوال ضعف المسلمين وانكشاف أمر المنافقين.
والمراد بظهور أمر الله نصر المسلمين بفتح مكة ودخول الناس في الدين أفواجًا وذلك يكرهه المنافقون.
الظهور والغلبة والنصر.
و{أمر الله} دينه، أي فلمّا جاء الحقّ وظهر أمر الله علموا أنّ فتنتهم لا تضرّ المسلمين، فلذلك لم يروا فائدة في الخروج معهم إلى غزوة تبوك فاعتذروا عن الخروج من أول الأمر. اهـ.