فصل: قال أبو حيان:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال أبو حيان:

{فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم} لما قطع رجاء المنافقين عن جميع منافع الآخرة، بيّن أن الأشياء التي يظنونها من باب منافع الدنيا جعلها الله تعالى أسبابًا ليعذبهم بها في الدنيا أي: ولا يعجبك أيها السامع بمعنى لا يستحسن ولا يفتتن بما أوتوا من زينة الدنيا كقوله: {ولا تمدن عينيك} وفي هذا تحقير لشأن المنافقين.
قال ابن عباس وقتادة ومجاهد والسدي وابن قتيبة: في الكلام تقديم وتأخير، والمعنى: فلا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا، إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة انتهى.
ويكون إنما يريد الله ليعذبهم بها جملة اعتراض فيها تشديد للكلام وتقوية لانتفاء الإعجاب، لأنّ من كان مآل إتيانه المال والولد للتعذيب لا ينبغي أن تستحسن حاله ولا يفتتن بها، إلا أنّ تقييد الإيجاب المنهى عنه الذي يكون ناشئًا عن أموالهم وأولادهم من المعلوم أنه لا يكون إلا في الحياة الدنيا، فنفى ذلك، كأنه زيادة تأكيد بخلاف التعذيب، فإنه قد يكون في الدنيا كما يكون في الآخرة، ومع أن التقديم والتأخير لخصه أصحابنا بالضرورة.
وقال الحسن: الوجه في التعذيب إنه بما ألزمهم فيها من أداء الزكاة والنفقة في سبيل الله، فالضمير في قوله: {بها}، عائد في هذا القول على الأموال فقط.
وقال ابن زيد وغيره: التعذيب هو مصائب الدنيا ورزاياها هي لهم عذاب، إذ لا يؤجرون عليها انتهى.
ويتقوى هذا القول بأنّ تعذيبهم بإلزام الشريعة أعظم من تعذيبهم بسائر الرزايا، وذلك لاقتران الذلة والغلبة وأمر الشريعة لهم قاله: ابن عطية، وقد جمع الزمخشري هذا كله فقال: إنما أعطاهم ما أعطاهم للعذاب بأن عرضهم للمغنم والسبي، وبلاهم فيه بالآفات والمصائب، وكلفهم الإنفاق منه في أبواب الخير وهم كارهون له على رغم أنوفهم، وأذاقهم أنواع الكلف والمجاشم في جمعه واكتسابه وفي تربية أولادهم.
وقيل: أموالهم التي ينفقونها فإنها لا تقبل منهم ولا أولادهم المسلمون، مثل عبد الله بن عبد الله بن أبي وغيره، فإنهم لا ينفعون آباءهم المنافقين حكاه القشيري.
وقيل: يتمكن حب المال من قلوبهم، والتعب في جمعه، والوصل في حفظه، والحسرة على تخلفته عند من لا يحمده، ثم يقدم على ملك لا يعذره.
وقدم الأموال على الأولاد لأنها كانت أعلق بقلوبهم، ونفوسهم أميل إليها، فإنهم كانوا يقتلون أولادهم خشية ذهاب أموالهم.
قال تعالى: {ولا تقتلوا أولادكم خشية إملاق}
قال الزمخشري: (فإن قلت): إن صح تعليق العذاب بإرادة الله تعالى، فما بال زهوق أنفسهم وهم كافرون؟ (قلت): المراد الاستدراج بالنعم كقوله تعالى: {إنما نملي لهم ليزدادوا إثمًا} كأنه قيل: ويريد أن يديم عليهم نعمته إلى أن يموتوا وهم كافرون ملتهون بالتمتع عن النظر للعاقبة انتهى.
وهو بسط كلام ابن عيسى وهو الرماني، وهما كلاهما معتزليان.
قال ابن عيسى: المعنى إنما يريد الله أن يملي لهم ويستدرجهم ليعذبهم انتهى.
وهي نزغة اعتزالية.
والذي يظهر من حيث عطف وتزهق على ليعذب أن المعنى ليعذبهم بها في الحياة الدنيا وفي الآخرة، ونبه على عذاب الآخرة بعلته وهو زهوق أنفسهم على الكفر، لأنّ من مات كافرًا عذب في الآخرة لا محالة.
والظاهر أن زهوق النفس هنا كناية عن الموت.
قال ابن عطية: ويحتمل أن يريد وتزهق أنفسهم من شدة التعذيب الذي ينالهم. اهـ.

.قال أبو السعود:

{فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم}
فإن ذلك استدراجٌ لهم ووبالٌ عليهم حسبما ينبئ عنه قولُه عز وجل: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله} بما يكابدون لجمعها وحفظِها من المتاعب وما يقاسون فيها من الشدائد والمصائب {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ وَهُمْ كافرون} فيموتوا كافرين مشتغلين بالتمتع عن النظر في العاقبة فيكون ذلك لهم نقمةً لا نعمةً وأصلُ الزهوقِ الخروجُ بصعوبة. اهـ.

.قال الألوسي:

{فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ} أي لا يروقك شيء من ذلك فإنه استدراج لهم ووبال عليهم حسبما ينبئ عنه قوله تعالى: {فَلاَ تُعْجِبْكَ أموالهم وَلاَ أولادهم إِنَّمَا يُرِيدُ الله} والخطاب يحتمل أن يكون للنبي صلى الله عليه وسلم وأن يكون لكل من يصلح له على حد ما قيل في نحو قوله تعالى: {لاَ تُشْرِكْ بالله} [لقمان: 13] ومفعول الإرادة قيل: التعذيب واللام زائدة وقيل: محذوف واللام تعليلية، أي يريد إعطاءهم لتعذيبهم، وتعذيبهم بالأموال والأولاد في الدنيا لما أنهم يكابدون بجمعها وحفظها المتاعب ويقاسون فيها الشدائد والمصائب وليس عندهم من الاعتقاد بثواب الله تعالى ما يهون عليهم ما يجدونه، وقيل: تعذيبهم في الدنيا بالأموال لأخذ الزكاة منهم والنفقة في سبيل الله تعالى مع عدم اعتقادهم الثواب على ذلك، وتعذيبهم فيها بالأولاد أنهم قد يقتلون في الغزو فيجزعون لذلك أشد الجزع حيث لا يعتقدون شهادتهم وأنهم أحياء عند ربهم يرزقون وأن الاجتماع بهم فريب ولا كذلك المؤمنون فيما ذكر، وقيل: تعذيبهم بالأموال بأن تكون غنيمة للمسلمين وبالأولاد بأن يكونوا سببًا لهم إذا أظهروا الكفر وتمكنوا منهم.
وأخرج ابن المنذر وابن أبي حاتم وأبو الشيخ عن قتادة أن في الآية تقديمًا وتأخيرًا أي لا تعجبك أموالهم ولا أولادهم في الحياة الدنيا إنما يريد الله ليعذبهم بها في الآخرة {وَتَزْهَقَ أَنفُسُهُمْ} أي يموتون وأصل الزهوق الخروج بصعوبة {وَهُمْ كافرون} في موضع الحال أي حال كونهم كافرين، والفعل عطف على ما قبله داخل معه في حيز الإرادة.
واستدل بتعليق الموت على الكفر بإرادته تعالى على أن كفر الكافر بإرادته سبحانه وفي ذلك رد على المعتزلة.
وأجاب الزمخشري بأن المراد إنما هو إمهالهم وإدامة النعم عليهم إلى أن يموتوا على الكفر مشتغلين بما هم فيه عن النظر في العاقبة، والامهال والإدامة المذكورة مما يصح أن يكون مرادًا له تعالى.
واعترضه الطيبي بأن ذلك لا يجديه شيئًا لأن سبب السبب سبب في الحقيقة، وحاصله أن ما يؤدي إلى القبح ويكون سببًا له حكمه حكمه في القبح وهو في حيز المنع، وأجاب الجبائي بأن معنى الآية أن الله تعالى أراد زهوق أنفسهم في حال الكفر وهو لا يقتضي كونه سبحانه مريدًا للكفر فإن المريض يريد المعالجة في وقت المرض ولا يريد المرض والسلطان يقول لعسكره: اقتلوا البغاة حال هجومهم ولا يريد هجومهم.
ورده الإمام بأنه لا معنى لما ذكر من المثال إلا إرادة إزالة المرض وطلب إزالة هجوم البغاة وإذا كان المراد إعدام الشيء امتنع أن يكون وجوده مرادًا بخلاف أرادة زهوق نفس الكافر فإنها ليست عبارة عن إرادة إزالة الكفر فلما أراد الله تعالى زهوق أنفسهم حال كونهم كافرين وجب أن يكون مريدًا لكفرهم، وكيف لا يكون كذلك والزهوق حال الكفر يمتنع حصوله إلا حال حصول الكفر، وأرادة الشيء تقتضي أرادة ما هو من ضرورياته فيلزم كونه تعالى مريدًا للكفر.
وفيه أن الظاهر أن إرادة المعالجة شيء غير إرادة إزالة المرض وكذا أرادة القتل غير إرادة إزالة الهجوم ولهذا يعلل إحدى الإرادتين بالأخرى فكيف تكون نفسها، وأما أن كون إرادة ضروريات الشيء من لوازم إرادته فغير مسلم؛ فكم من ضروري لشيء لا يخطر بالبال عند أرادته فضلًا عما ادعاه، فالاستدلال بالآية على ما ذكر غير تام. اهـ.

.قال ابن عاشور:

{فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ}
تفريع على مذمّة حالهم في أموالهم، وأن وفرة أموالهم لا توجب لهم طُمَأنِينَة بال، بإعلام المسلمين أنّ ما يرون بعض هؤلاء المنافقين فيه من متاع الحياة الدنيا لا ينبغي أن يكون محلّ إعجاب المؤمنين، وأن يحسبوا المنافقين قد نالوا شيئًا من الحظّ العاجل ببيان أنّ ذلك سبب في عذابهم في الدنيا.
فالخطاب للنبيء صلى الله عليه وسلم والمراد تعليم الأمّة.
ومعنى هذه الآية: أنّ الله كشف سرًّا من أسرار نفوس المنافقين بأنّه خلق في نفوسهم شحًّا وحرصًا على المال وفتنة بتوفيره والإشفاق من ضياعه، فجعلهم بسبب ذلك في عناء وعذاب من جرّاء أموالهم، فهم في كَبَد من جمعها.
وفي خوف عليها من النقصان، وفي ألم من إنفاق ما يلجئهم الحال إلى إنفاقه منها، فقد أراد الله تعذيبهم في الدنيا بما الشأن أن يكون سبب نعيم وراحة، وتمّ مراده.
وهذا من أشدّ العقوبات الدنيوية وهذا شأن البخلاء وأهل الشحّ مطلقًا، إلاّ أنّ المؤمنين منهم لهم مسلاة عن الرزايا بما يرجون من الثواب على الإنفاق أو على الصبر.
ثم يجوز أن يكون هذا الخلق قد جبلهم الله عليه من وقت وجودهم فيكون ذلك من جملة بواعث كفرهم ونفاقهم، إذ الخلق السيّء يدعو بعضه بعضًا، فإنّ الكفر خُلق سيّء فلا عجب أن تنساق إليه نفس البخيل الشحيح، والنفاق يبعث عليه الخلقُ السيّء من الجُبن والبخل، ليتقّي صاحبه المخاطر، وكذلك الشأن في أولادهم إذ كانوا في فتنة من الخوف على إيمان بعض أولادهم، وعلى خلاف بينهم وبين بعض أولادهم الموفّقين إلى الإسلام: مثل حنظلة: ابن أبي عامر الملقّببِ غَسيلَ الملائكة، وعبد الله بننِ عبدِ الله بننِ أُبي فكان ذلك من تعذيب أبويهما.
ولكون ذكر الأولاد كالتكملة هنا لزيادة بيان عدم انتفاعهم بكلّ ما هو مظنّة أن ينتفع به الناس، عُطف الأولاد بإعادة حرف النفي بَعْد العاطف، إيماء إلى أنّ ذكرهم كالتكملة والاستطراد.
واللام في {ليعذّبهم} للتعليل: تعلّقت بفعل الإرادة للدلالة على أنّ المراد حكمة وعلّة فتغني عن مفعول الإرادة، وأصل فعل الإرادة أن يعدَّى بنفسه كقوله تعالى: {يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر} [البقرة: 185] ويعدّى غالبًا باللام كما في هذه الآية وقوله تعالى: {يريد الله ليبين لكم} في سورة النساء (26) وقول كُثيّرِ:
أريدُ لأنْسَى حُبَّها فكأنما ** تَمَثَّلُ لِي ليلَى بكلّ مكان

وربما عَدَّوه باللام وكَي مبالغةً في التعليل كقول قيس بن عُبادة:
أردتُ لكيما يعلمَ الناس أنّها ** سراويلُ قيس والوفُود شهود

وهذه اللام كثير وقوعها بعد مادة الإرادة ومادة الأمر.
وبعضُ القرّاء سمّاها (لام أنْ) بفتح الهمزة وتقدم عند قوله تعالى: {يريد الله ليبين لكم} في سورة النساء (26).
فقوله: {في الحياة الدنيا} متعلّق بـ {يعذبهم} ومحاولة التقديم والتأخير تعسّف وعطف {وتزهق} على {ليعذبهم} باعتبار كونه أراده الله لهم عندما رزقهم الأموال والأولاد فيعلم منه: أنّه أراد موتهم على الكفر، فيستغرق التعذيبُ بأموالهم وأولادهم حياتَهم كلّها، لأنّهم لو آمنوا في جزء من آخر حياتهم لحصل لهم في ذلك الزمن انتفاع ما بأموالهم ولو مع الشحّ.
وجملة: {وهم كافرون} في موضع الحال من الضمير المضاف إليه لأنّه إذا زهقت النفس في حال الكفر فقد مات كافرًا.
والإعجاب استحسان مشوب باستغراب وسرور من المرئي قال تعالى: {ولو أعجبك كثرة الخبيث} [المائدة: 100] أي استحسنت مرأى وفرة عدده.
و(الزهوق) الخروج بشدّة وضيق، وقد شاع ذكره في خروج الروح من الجسد، وسيأتي مثل هذه الآية في هذه السورة. اهـ.

.قال الشعراوي:

{فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ}
وإياكم أن تروا واحدًا من هؤلاء ممن رزقهم الله المال والولد ثم تقولون: كيف يكون عذابهم في الدنيا وهم يملكون المال والولد؟ ومثل هذا التعجب يعني استحسان المال والولد، والظن أن فيهما الخير كله، لكنك إن نظرت بعمق إلى المال والولد وكل حطام الدنيا فستجده لا يستحق الإعجاب، وإياك أن تغتر بشيء يمكن أن يتركك، ويمكن أن يكون سببًا في عذابك، فالمال والولد قد يجعلان الإنسان ملتفتًا إلى النعمة ويلهيانه عن المنعم. وإن لم يلتفت الإنسان إلى المنعم لا يذكره. وإن لم يذكر الله أهمل منهجه.