فصل: قال ابن عاشور:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



.قال ابن عاشور:

{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا} عطف على جملة: {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانًا} [التوبة: 124] والظاهر أن المقصود عطف جملة: {نظر بعضهم إلى بعض} على جملة: {فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانًا} [التوبة: 124].
وإنما أعيدت جملة الشرط لبعد ما بين الجملة المعطوفة وجملة الجزاء، أو للإشارة إلى اختلاف الوقت بالنسبة للنزول الذي يقولون عنده {أيكم زادته هذه إيمانًا} [التوبة: 124] وبالنسبة للسورة التي عند نزولها ينظر بعضهم إلى بعض، أو لاختلاف السورتين بأن المراد هنا سورة فيها شيء خاص بهم.
وموجب زيادة {ما} بعد {إذا} في الآيتين متحد لاتحاد مقتضيه.
ونظَرُ بعضهم إلى بعض عند نزول السورة يدل على أنهم كانوا حينئذٍ في مجلس النبي صلى الله عليه وسلم لأن نظر بعضهم إلى بعض تعلقت به أداة الظرفية، وهي {إذا}.
فتعين أن يكون نظرُ بعضهم إلى بعض حاصلًا وقت نزول السورة.
ويدل لذلك أيضًا قوله: {ثُم انصرفوا} أي عن ذلك المجلس.
ويدل أيضًا على أن السورة مشتملة على كشف أسرارهم وفضح مكرهم لأن نظر بعضهم إلى بعض هو نظر تعجب واستفهام.
وقد قال تعالى في الآية السابقة: {يحذر المنافقون أن تنزل عليهم سورة تنبئهم بما في قلوبهم قل استهزئوا إن الله مخرج ما تحذرون} [التوبة: 64].
ويدل أيضًا على أنهم كاتمون تعجُّبَهم من ظهور أحوالهم خشية الاعتراف بما نسب إليهم ولذلك اجتزوا بالتناظر دون الكلام.
فالنظر هنا نظر دال على ما في ضمير الناظر من التعجب والاستفهام.
وجملة: {هل يراكم من أحد} بيان لجملة {نظر بعضهم إلى بعض} لأن النظر تفاهموا به فيما هو سِرّ بينهم؛ فلما كان النظر نظر تفاهم صح بيان جملته بما يدل على الاستفهام التعجيبي، ففي هذا النظم إيجازُ حذف بديعٌ دلت عليه القرينة.
والتقدير: وإذا ما أنزلت سورة فيها فضيحةُ أمرهم نظر بعضهم إلى بعض بخائنة الأعين مستفهمين متعجبين من اطلاع النبي صلى الله عليه وسلم على أسرارهم، أي هل يراكم من أحد إذا خلوتم ودبرتم أموركم، لأنهم بكفرهم لا يعتقدون أن الله أطْلع نبيه عليه الصلاة والسلام على دخيلة أمرهم.
وزيادة جملة: {ثم انصرفوا} لإفادة أنهم لم يكتسبوا من نزول السورة التي أطلعت المؤمنين على أسرارهم عبرةً ولا قُربًا من الإيمان، بل كان قصارى أمرهم التعجب والشك في أن يكون قد اطلع عليهم من يبوح بأسرارهم ثم انصرفوا كأن لم تكن عبرة.
وهذا من جملة الفتن التي تحل بهم ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون.
وجملة: {صرف الله قلوبهم} مستأنفة استئنافًا بيانيًا، لأن ما أفاده قوله: {ثم انصرفوا} من عدم انتفاعهم بما في تلك السورة من الإخبار بالمغيبات الدال على صدق الرسول صلى الله عليه وسلم يثير سؤال من يسأل عن سَبب عدم انتفاعهم بذلك واهتدائهم، فيجاب بأن الله صرف قلوبهم عن الفهم بأمر تكويني فحُرموا الانتفاع بأبلغ واعظ.
وكان ذلك عقابًا لهم بسبب أنهم {قوم لا يفقهون}، أي لا يفهمون الدلائل، بمعنى لا يتطلبون الهدى بالتدبر فيفهموا.
وجعل جماعة من المفسرين قولَه: {صرف الله قلوبهم} دعاء عليهم، ولا داعي إليه لأن دعاء الله على مخلوقاته تكوين كما تقدم، ولأنه يأباه تسْبيبه بقوله: {بأنهم قوم لا يفقهون}.
وقد أعرض المفسرون عن تفسير هذه الآية تفسيرًا يبين استفادة معانيها من نظم الكلام فأتوا بكلام يخاله الناظر إكراهًا لها على المعنى المراد وتقديرات لا ينثلج لها الفؤاد. اهـ.

.قال الشعراوي:

{وَإِذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أَحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا}
ومن قبل جاء قول الحق: {وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ فَمِنْهُمْ مَّن يَقُولُ أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَانًا...} [التوبة: 124].
أي: أن هؤلاء المنافقين يشعرون بالضيق والحصار، ويخافون أن يتكلموا؛ لأنهم موجودون مع المسلمين، ولكنهم لا يعدمون وسيلة للتعبير عن كفرهم، فيغمز الواحد منهم بعينه، أو يشير إشارة بيده، فإذا ما كانوا قد تساءلوا من قبل بـ {أَيُّكُمْ زَادَتْهُ هذه إِيمَانًا} فقد كان هذا السؤال يتعلق بالتكاليف، أما في الآية التي نحن بصدد خواطرنا عنها فليس فيها تكاليف جديدة.
لقد كانوا يريدون أن يقولوا شيئًا، ولكنهم لم يستطيعوا أن يتكلموا بأفواههم، فتكلموا بأعينهم ونظراتهم، فكأن النظر نفسه كان فيه هذه الكلمة: {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ}، وهذا قد تراه من واحد يسمع خطبة الخطيب، ولكنه يرى بها أشياء لا تعجبه، فتجده يعبر بانفاعالات وجهه عن عدم رضاه.
إذن: فهناك نظر، وهناك كلام، وهم قد تساءلوا: هل يراكم من أحد؟ زمثلها مثل قولك: ما عندي من مال؟ أي أنك لا تملك بداية ما يقال عنه مال، والقول الكريم أبلغ بالقطع من أن تقول: هل يراكم أحد.
إن قول الحق: {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} دليل على أنهم في خوف من أن يضبطهم أحد، ومن بعد ذلك تجدهم يتسللون خارج دائرة الاستماع للقرآن أو للرسول؛ لأنهم لا يطيقون الاستمرار في الاستماع؛ لأن منطق الحق يلجم الباطل، والواحد منهم غير قادر على أن يؤمن بالحق وغير قادر على إعلان الكفر؛ فينسحبون، وينصرف كل واحد منهم؛ لذلك نجد أن بعضهم قد قال من قبل: {لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن والغوا فِيهِ...} [فصلت: 26].
وقد قالوا ذلك لأن الكافر أو المنافق قد تأتيه لحظة غفلة عن الباطل، فيتسلل الإيمان إلى قلبه، كما أن المؤمن قد تأتيه لحظة غفلة عن الحق، لكنه يستغفر الله عنها.
وإذا ما أتت للمنافق أو الكافر لحظة غفلة عن كفره أو نفاقه؛ فتأتيه هجمة الإيمان فيخافها، فيقول لمن هم مثله: من الأفضل أن نقول لمن معنا لا تسمعوا هذا القرآن. لماذا؟ حتى لا يصادف فترة غفلة عن النفاق، فإذا صادف فترة غفلة عن النفاق فمن الممكن أن يدخل الإيمان القلب. ولذلك قالوا: {لاَ تَسْمَعُواْ لهذا القرآن}، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل طلبوا من الأتباع ان يلغوا فيه، أي: أن يشوشوا عليه: {والغوا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ...} [فصلت: 26].
إذن: لا غلبة لهم مطلقًا إلا بعدم الاستماع إلى القرآن، أو أن يشوشوا عند سماع القرآن؛ حتى لا ينفذ القرآن إلى القلوب.
وهنا يقول الحق سبحانه عن هؤلاء المنافقين:
{وَإِذَا مَا أُنزِلَتْ سُورَةٌ نَّظَرَ بَعْضُهُمْ إلى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ} كانوا يقولون ذلك؛ لأنهم كمنافقين سبق لهم إعلان الإسلام، وكانوا يدعون أنهم متقدمون في تطبيق أحكام الإيمان، وكانوا يصرون على الوقوف أثناء الصلاة في الصف الأول؛ حتى يدفعوا عن أنفسهم تهمة النفاق، وكما يقول المثل: يكاد المريب أن يقول خذوني.
وينظر بعضهم إلى بعض متسائلين: {هَلْ يَرَاكُمْ مِّنْ أَحَدٍ ثُمَّ انصرفوا} لأنهم لا يطيقون الجلوس إلى الرسول صلى الله عليه وسلم أو إلى المؤمنين. وينهي الحق الآية: {صَرَفَ الله قُلُوبَهُم بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} وذلك نتيجة لانصرافهم نفسيًّا إلى النفاق؛ فيساعدهم سبحانه على ذلك، فما داموا لا يعرفون قيمة الإيمان؛ فليذهبوا بعيدًا عنه، فالحق لهم يصرفهم إلا باختيارهم، حتى لا يقول أحد: إن الله هو مصرف القلوب، فما ذنبهم؟ لا، لقد انصرفوا هم بما خلقه الله فيهم من اختيار، فصرف الله قلوبهم، لماذا؟ لأنهم {قَوْمٌ لاَّ يَفْقَهُونَ} أي: لا يفهمون.
والفهم أول مرحلة من مراحل الذات الإنسانية، وهناك فرق بين الفهم والعلم. فالفهم يعني أنك تملك القدرة على تَفَهُّم ذاتية الأشياء بملكة فيك، لكن العلم يعني أنك قد لا تفهم أنت بذاتك، وإنما يفهم غيرك ويعلمك. فأنت قد تعلم جزئية لا من عندك وإنما من معلم لك. ولكن قد يقول قائل: ما داموا لا يفقهون فما ذنبهم؟ ونقول: الذي لا يفهم عليه أن يتقبل التعليم، لكن هؤلاء لم يفهموا ولم يتعلَّموا، وأصروا على عدم قبول العلم.
وبعد ذلك يتأتى ختام سورة التوبة.
والسورة بدأت بالقطيعة: {بَرَاءَةٌ مِّنَ الله وَرَسُولِهِ إِلَى الذين عَاهَدْتُمْ مِّنَ المشركين} [التوبة: 1].
ووردت لنا أحوال الكفار والمنافقين وتكاليف الجهاد الشاقة، وأراد الحق أن يختم السورة بما يبرر هذه المشقات المتقدمة، فبيّن لنا: إياكم أن تنفضُّوا عن الرسول أو تغضبوه؛ لأنه وإن جاء لكم ببلاغ فيه أمور شاقة عليكم فخذوا هذه الأمور الشاقة على أنها من حبيب لكم، لا من عدو لكم.
إنك مثلًا إن رأيت عدوّا ضرب ابنك وجرحه، يكون وقع هذا الأمر شديدًا عليك؛ لأنه عدو. لكنك إذا أخذت ابنك للطبيب وقرر الطبيب إجراء جراحة للابن، فأنت تقبل ذلك؛ لتزيل عن ابنك خطرًا. إذن: فهناك فارق بين جرح عدوك لابنك وجرح الطبيب له رغم أن الإيلام قد يكون واحدًا.
إذن: لا ترفض الأمور الشاقة عليك لمجرد ورود المشاق عليك، ولكن اعرف أولًا من الذي أجرى المشاق عليك، فإن كان ربك، فربك بك رحيم. وإن كان الرسول فخذ أوامر الرسول وطبيقها؛ لأنها من حبيب يريد لك الخير. اهـ.

.قال صاحب المنار في الآيات السابقة:

{وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} أي مَا كَانَ شَأْنُ الْمُؤْمِنِينَ وَلَا مِمَّا يَجِبُ عَلَيْهِمْ وَيُطْلَبُ مِنْهُمْ، أَنْ يَنْفِرُوا جَمِيعًا فِي كُلِّ سَرِيَّةٍ تَخْرُجُ لِلْجِهَادِ، فَإِنَّ هَذِهِ السَّرَايَا مِنْ فُرُوضِ الْكِفَايَةِ لَا مِنْ فُرُوضِ الْأَعْيَانِ، وَإِنَّمَا يَجِبُ ذَلِكَ إِذَا خَرَجَ الرَّسُولُ وَاسْتَنْفَرَهُمْ لِلْخُرُوجِ {فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ} لَوْلَا حَرْفُ تَحْضِيضٍ وَحَثٍّ عَلَى مَا تَدْخُلُ عَلَيْهِ: أَيْ فَهَلَّا نَفَرَ لِلْقِتَالِ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ كَبِيرَةٍ {مِنْهُمْ} كَالْقَبِيلَةِ أَوْ أَهْلِ الْمَدِينَةِ، {طَائِفَةٌ} أَيْ جَمَاعَةٌ بِقَدْرِ الْحَاجَةِ {لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ} أَيْ لِيَتَأَتَّى لَهُمْ أَيِ الْمُؤْمِنِينَ فِي جُمْلَتِهِمُ التَّفَقُّهُ فِي الدِّينِ بِأَنْ يَتَكَلَّفَ الْبَاقُونَ فِي الْمَدِينَةِ الْفَقَاهَةَ فِي الدِّينِ بِمَا يَتَجَدَّدُ نُزُولُهُ عَلَى الرَّسُولِ صلى الله عليه وسلم مِنَ الْآيَاتِ، وَمَا يَجْرِي عَلَيْهِ صلى الله عليه وسلم مِنْ بَيَانِهَا بِالْقَوْلِ وَالْعَمَلِ، فَيُعَرِّفُ الْحُكْمَ مَعَ حِكْمَتِهِ، وَيُفَصِّلُ الْعِلْمَ الْمُجْمَلَ بِالْعَمَلِ بِهِ، {وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ} الَّذِينَ نَفَرُوا لِلِقَاءِ الْعَدُوِّ {إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ} أَيْ يَجْعَلُوا جُلَّ هَمِّهِمْ مِنَ الْفَقَاهَةِ بِأَنْفُسِهِمْ إِرْشَادَ هَؤُلَاءِ وَتَعْلِيمِهِمْ مَا عَلِمُوا، وَإِنْذَارَهُمْ عَاقِبَةَ الْجَهْلِ، وَتَرْكِ الْعَمَلِ بِالْعِلْمِ {لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ} أَيْ رَجَاءَ أَنْ يَخَافُوا اللهَ وَيَحْذَرُوا عَاقِبَةَ عِصْيَانِهِ؛ وَيَكُونُ جَمِيعُ الْمُؤْمِنِينَ عُلَمَاءَ بِدِينِهِمْ قَادِرِينَ عَلَى نَشْرِ دَعْوَتِهِ، وَإِقَامَةِ حُجَّتِهِ، وَتَعْمِيمِ هِدَايَتِهِ، فَهَذَا مَا يَجِبُ أَنْ يَكُونَ غَايَةَ الْعِلْمِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالْغَرَضَ مِنْهُ لَا الرِّيَاسَةُ وَالْعُلُوُّ بِالْمَنَاصِبِ، وَالتَّكَبُّرُ عَلَى النَّاسِ وَطَلَبُ الْمَنَافِعِ الشَّخْصِيَّةِ مِنْهُمْ.
وَالْآيَةُ تَدُلُّ عَلَى وُجُوبِ تَعْمِيمِ الْعِلْمِ وَالتَّفَقُّهِ فِي الدِّينِ وَالِاسْتِعْدَادِ لِتَعْلِيمِهِ فِي مَوَاطِنِ الْإِقَامَةِ وَتَفْقِيهِ النَّاسِ فِيهِ عَلَى الْوَجْهِ الَّذِي يَصْلُحُ بِهِ حَالُهُمْ، وَيَكُونُونَ بِهِ هُدَاةً لِغَيْرِهِمْ، وَأَنَّ الْمُتَخَصِّصِينَ لِهَذَا التَّفَقُّهِ بِهَذِهِ النِّيَّةِ، لَا يَقِلُّونَ فِي الدَّرَجَةِ عِنْدَ اللهِ عَنِ الْمُجَاهِدِينَ بِالْمَالِ وَالنَّفْسِ لِإِعْلَاءِ كَلِمَةِ اللهِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الْمِلَّةِ وَالْأُمَّةِ. بَلْ هُمْ أَفْضَلُ مِنْهُمْ فِي غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي يَكُونُ فِيهَا الدِّفَاعُ فَرْضًا عَيْنِيًّا، وَالدَّلَائِلُ عَلَى هَذَا كَثِيرَةٌ، وَمَا قَالَهُ بَعْضُ الْأُصُولِيِّينَ مِنْ دَلَالَةِ الْآيَةِ عَلَى الِاحْتِجَاجِ بِخَبَرِ الْوَاحِدِ مُتَكَلَّفٌ بَعِيدٌ عَنْ مَعْنَى النَّظْمِ الْكَرِيمِ، وَمَبْنِيٌّ عَلَى أَنَّ لَفْظَ طَائِفَةٍ يُطْلَقُ عَلَى الْوَاحِدِ كَمَا قِيلَ وَهُوَ بَاطِلٌ.
كُنْتُ أَطْلُبُ الْعِلْمَ فِي طَرَابُلُسَ وَكَانَ حَاكِمُهَا الْإِدَارِيُّ (الْمُتَصَرِّفُ) فِيهَا مُصْطَفَى بَاشَا بَابَانِ مِنْ سَرَوَاتِ الْكُرْدِ، وَكَانَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ فِي مَذْهَبِ الشَّافِعِيَّةِ، وَقَدْ قَالَ لِي مَرَّةً فِي دَارِنَا بِالْقَلَمُونِ: لِمَاذَا تَسْتَثْنِي الدَّوْلَةُ الْعُلَمَاءَ وَطُلَّابَ الْعُلُومِ الدِّينِيَّةِ مِنْ خِدْمَةِ الْعَسْكَرِيَّةِ وَهِيَ وَاجِبَةٌ شَرْعًا وَهُمْ أَوْلَى النَّاسِ بِالْقِيَامِ بِهَذَا الْوَاجِبِ؟- يُعَرِّضُ بِي- أَلَيْسَ هَذَا خَطَأً لَا أَصْلَ لَهُ فِي الشَّرْعِ؟ فَقُلْتُ لَهُ عَلَى الْبَدَاهَةِ بَلْ لِهَذَا أَصْلٌ فِي نَصِّ الْقُرْآنِ الْكَرِيمِ وَتَلَوْتُ الْآيَةَ، فَاسْتَكْثَرَ الْجَوَابَ عَلَى مُبْتَدِئٍ مِثْلِي لَمْ يَقْرَأِ التَّفْسِيرَ وَأَثْنَى وَدَعَا. وَقَدْ تَعَارَضَتِ الرِّوَايَاتُ الْمَأْثُورَةُ فِي هَذِهِ الْآيَةِ فَاخْتَلَفَتِ الْأَقْوَالُ فِي تَفْسِيرِهَا، وَالْحَقُّ فِيهَا مَا قُلْنَا وَعَلَيْهِ الْجُمْهُورُ.
أَخْرَجَ أَبُو دَاوُدَ فِي نَاسِخِهِ وَابْنُ أَبِي حَاتِمٍ وَابْنُ مَرْدَوَيْهِ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ رضي الله عنه قَالَ نَسْخُ هَؤُلَاءِ الْآيَاتِ: {انْفَرُوا خِفَافًا وَثِقَالًا} (9: 41)- {إِلَّا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذَابًا أَلِيمًا} (9: 39) قَوْلُهُ: {وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً} يَقُولُ لِتَنْفِرْ طَائِفَةٌ وَلِتَمْكُثْ طَائِفَةٌ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم فَالْمَاكِثُونَ مَعَ رَسُولِ اللهِ صلى الله عليه وسلم: هُمُ الَّذِينَ يَتَفَقَّهُونَ فِي الدِّينِ وَيُنْذِرُونَ إِخْوَانَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ مِنَ الْغَزْوِ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ مَا نَزَلْ مِنْ بَعْدِهِمْ مِنْ قَضَاءِ اللهِ فِي كِتَابِهِ وَحُدُودِهِ.