فصل: النَّظَرُ الثَّانِي فِي دَفْعِ الصَّائِلِ:

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الذخيرة (نسخة منقحة)



.النَّظَرُ الثَّانِي فِي دَفْعِ الصَّائِلِ:

وَهُوَ فِي الْمَدْفُوعُ فَكُلُّ صَائِلٍ إِنْسَانًا كَانَ أَوْ غَيْرَهُ فَمَنْ خَشِيَ مِنْ ذَلِكَ فَدَفَعَهُ عَنْ نَفْسِهِ فَهُوَ هَدَرٌ حَتَّى الصَّبِيُّ وَالْمَجْنُونُ إِذَا صَالَا أَوِ الْبَهِيمَةُ لِأَنَّهُ نَابَ عَنْ صَاحِبِهَا فِي دَفعه وَالْمَدْفُوعُ عَنْهُ كُلُّ مَعْصُومٍ مِنْ نَفْسٍ أَوْ بضع أم وَمَال قَالَ الْقَاضِي أَبُو بَكْرٍ أَعْظَمُهَا النَّفْسُ وَأَمْرُهُ بِيَدِهِ إِنْ شَاءَ سَلَّمَ نَفْسَهُ أَوْ يَدْفَعَ عَنْهَا وَيَخْتَلِفُ الْحَالُ فَفِي زَمَانِ الْفِتْنَةِ الصَّبْرُ أَوْلَى تَقْلِيلًا لَهَا أَوْ مَقْصُودًا وَحْدَهُ فَالْأَمْرُ سَوَاءٌ وَأَعْظَمُ مِنَ الْجَمِيعِ الدِّينُ وَهُوَ أَقْوَى رُخْصَةً لِقَوْلِهِ تَعَالَى {إِلا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مطمئن بِالْإِيمَان} وَأَمَّا الدَّفْعُ فَقَالَ الْقَاضِي لَا يَقْصِدُ الْقَتْلَ بَلِ الدَّفْعَ فَإِنْ أَدَّى لِلْقَتْلِ فَذَلِكَ إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ أَنَّهُ لَا يَنْدَفِعُ إِلَّا بِالْقَتْلِ فَيَقْصِدُ ابْتِدَاءً وَلَوْ قَدَرَ الْمَصُولُ عَلَيْهِ عَلَى الْهَرَبِ مِنْ غَيْرِ مضرَّة تلْحقهُ لم يدْفع بِالْجرْحِ وغلا دَفَعَ بِمَا يَقْدِرُ وَلَا يَتَعَيَّنُ قَصْدُ الْعُضْوِ الْجَانِي لِأَن الشَّرّ من نفس الصَّائِل فغن عَضَّ يَدَ غَيْرِهِ فَنَزَعَ الْيَدَ فَتَبَدَّدَتْ أَسْنَانُهُ ضَمِنَ النَّازِعُ دِيَةَ الْأَسْنَانِ لِأَنَّهَا مِنْ فِعْلِهِ وَقيل لَا يضمن لِأَنَّهُ أَلْجَأَهُ إِلَى ذَلِك وَإِنْ نَظَرَ إِلَى حَرَمٍ مِنْ كُوَّةٍ لَمْ يَجُزْ أَنْ يَقْصِدَ عَيْنَهُ أَوْ غَيْرَهَا لِأَنَّهُ لَا يَدْفَعُ الْمَعْصِيَةَ بِالْمَعْصِيَةِ وَفِيهِ الْقَوَدُ إِنْ فَعَلَ وَيَجِبُ تَقَدُّمُ الْإِنْذَارِ فِي كُلِّ دَفْعٍ تَمْهِيدٌ فِي الصِّحَاحِ «كُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْمَقْتُولَ وَلَا تَكُنْ عَبْدَ اللَّهِ الْقَاتِلَ» وَعَلَيْهِ اعْتَمَدَ عُثْمَانُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ عَلَى أَحَدِ التَّأْوِيلَاتِ وَلِأَنَّهَا تَعَارَضَتْ مَفْسَدَةُ أَنْ يَقْتُلَ أَوْ يُمَكِّنَ مِنْ نَفْسِهِ وَالتَّمْكِينُ مِنَ الْقَتْلِ أَخَفُّ مَفْسَدَةً مِنَ الْقَتْلِ فَيُقَدَّمُ وَالْفَرْقُ بَيْنَ أَنْ يُمَكِّنَ مِنْ قَتْلِ نَفْسِهِ أَوْ يَتْرُكَ الْغِذَاءَ أَوِ الشَّرَابَ حَتَّى يَمُوتَ أَنَّ تَرْكَ الْغِذَاءِ هُوَ السَّبَبُ التَّامُّ فِي الْمَوْتِ لَمْ يَنْضَفْ إِلَيْهِ غ يره ولابد أَنْ يَنْضَافَ فِعْلُ الصَّائِلِ لِلتَّمْكِينِ وَالْفَرْقُ بَيْنَ مَنْ تَرَكَ الْغِذَاءَ يَحْرُمُ وَمَنْ تَرَكَ الدَّوَاءَ فَلَا يَحْرُمُ أَنَّ الدَّوَاءَ غَيْرُ مُنْضَبِطِ النَّفْعِ فَقَدْ يُفِيدُ وَقَدْ لَا وَالْغِذَاءُ ضَرُورِيُّ النَّفْعِ.

.النَّظَرُ الثَّالِثُ: فِي إِتْلَافِ الْبَهَائِمِ:

فِي الْجَوَاهِرِ مَا أَكَلَتْهُ مِنَ الزَّرْعِ بِالنَّهَارِ لَا ضَمَانَ عَلَى أَرْبَابِهَا لِأَنَّ عَلَى أَرْبَابِ الْحَوَائِطِ الْحِفْظُ نَهَارًا قَالَ مُحَمَّدُ بْنُ حَارِثٍ وَهَذَا الْكَلَامُ مَحْمُول على أَن أأهل «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» قَالَ قَالَ مَالِكٌ الْقَائِدُ وَالسَّائِقُ وَالرَّاكِبُ ضَامِنُونَ لِمَا أَصَابَتْهُ بِيَدٍ أَو رجل فغن اجْتَمَعُوا فَعَلَى كُلِّ وَاحِدٍ ثُلُثُ الدِّيَةِ يُرِيدُ أَنَّ الرَّاكِبَ يُشْرِكُهُمْ فِي فِعْلٍ فَعَلَهُ بِهَا كَانَ عَنْهُ فِعْلُهَا إِلَّا أَنْ تَرْمَحَ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ أَحَدٍ وَفَعَلَهُ عُمَرُ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ فِي مُجْرِي الْفَرَسِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ وَأَشْهَبُ إِذَا اجْتَمَعُوا فَمَا وَطِئَتْ عَلَيْهِ لَمْ يَلْزَمِ الرَّاكِبَ وَلَزِمَ الْقَائِدَ وَالسَّائِقَ لِأَنَّ الرَّاكِب كالتباع لَا يُقَدِّمُهَا وَلَا يُؤَخِّرُهَا إِلَّا أَنْ يَفْعَلَ مَا يبعها عَلَى ذَلِكَ وَلَمْ يَكُنْ مِنَ السَّائِقِ وَالْقَائِدِ عون فَهُوَ الضَّامِن قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ فَهُوَ الضَّامِنُ قَالَ أَشْهَبُ مَا نَفَجَتْ أَوْ كَدَمَتْ مِنْ غَيْرِ تَهْيِيجٍ من أحد مِنْهُم فأجدرهم بِالضَّمَانِ السَّائِق إِن كَانَ سوقه يدعوها لِأَنَّهُ خَلْفَهَا فَهِيَ تَخَافُهُ وَفِي الْمَوَّازِيَّةِ إِنْ وَطِئَتِ الدَّابَّةُ وَعَلَيْهَا رَاكِبٌ صَغِيرٌ لَا يَضْبُطُ وَلَا يُحَرك أَو نَائِم أَو مَرِيض وَذَلِكَ عَلَيْهِ إِلَّا أَنْ يَكُونَ لَهَا سَائِقٌ أَوْ قَائِدٌ فَعَلَيْهِمَا دُونَهُ قَالَ مَالِكٌ يَضْمَنُ مِنَ المرتسمين الْمُقَدَّمُ إِلَّا أَنْ يُحَرِّكَهَا الْمُؤَخِّرُ أَوْ يَضْرِبَهَا فَعَلَيْهِمَا أَوْ يَفْعَلَ الْمُؤَخِّرُ مَا لَا يَقْدِرُ الْمُقَدِّمُ عَلَى دَفْعِهِ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَخْتَصُّ بِهِ الضَّمَانُ عَلَى عَاقِلَتِهِ فِيمَا تَحْمِلُهُ الْعَاقِلَةُ قَالَ مَالِكٌ فَإِنْ رَمَحَتْ مِنْ غَيْرِ فِعْلِ وَاحِدٍ مِنْهُمَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِمَا قَالَ ابْنُ الْقَاسِم يضمن قَائِد القطار مَا وطىء عَلَيْهِ أَو الْقِطَارُ أَوْ آخِرِهُ لِأَنَّهُ أَوْطَأَهُ بِقَوْدِهِ إِيَّاهُ قَالَ أَشْهَبُ وَقَدْ يَضْمَنُ أَعْذَرَ مِنْهُ كَمَنْ يَرَى طَائِرًا فَيَقَعُ عَلَى إِنْسَانٍ فَيُقْتُلُهُ الطَّائِرُ قَالَ مَالِكٌ لَا يَضْمَنُ الرَّاكِبُ مَا كَدَمَتْ أَوْ ضَرَبَتْ بِيَدٍ أَوْ رِجْلٍ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مِنْهُ فِعْلٌ بِخِلَافِ مَا وَطِأَتْ لِأَنَّ الرّكُوب سلب الْمَشْيِ لَا الْكَدْمَ وَإِنْ نَزَلَ عَنْ دَابَّتِهِ فَوَقَعت فِي الطَّرِيقِ ضَمِنَ مَا أَصَابَتْ لِأَنَّ ذَلِكَ يَحْرُمُ عَلَيْهِ وَلَهُ الْوُقُوفُ عَلَيْهَا فِي الطُّرُقِ لِحَاجَتِهِ أَوْ نَزَلَ عَنْهَا فَيُوقِفُهَا وَلَا يَضْمَنُ وَإِن جمحت براكبها وَعلم أَنه مقلوب ضَمِنَ مَا أَصَابَتْ لِأَنَّ رُكُوبَهُ سَبَبُ ذَلِكَ قَالَ أَشْهَبُ إِنْ رَكِبَهَا فَطَارَتْ مِنْ تَحْتِ يَدهَا حَصَاة ففقأت عينهَا فَلَا شَيْءَ عَلَيْهِ قَالَ مُحَمَّدٌ هَذَا إِنْ طَارَتْ لحفرة وَقع الْحَافِر من غ ير أَنْ يَدْفَعَهَا بِحَافِرِهَا أَمَّا لَوْ أَطَارَتْهَا بِحَافِرِهَا ضَمِنَ وَإِنْ سَاقَهَا فَوَقَعَ سَرْجُهَا أَوْ مَتَاعٌ عَلَيْهَا فَأُتْلِفَ لَمْ يَضْمَنْ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِنْ رَمَحَتِ الدَّابَّةُ فَصِحْتَ إِيَّاكِ فَوَطِئَتْ ضَمِنْتَ لِأَنَّكَ تُهَيِّجُهَا وَإِنِ انْفَلَتَتْ فَصِحْتَ لِرَجُلٍ يُمْسِكُهَا فَقَتَلَتْهُ فَهُوَ جُبَارٌ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَأْمُورُ عَبْدًا لِغَيْرِهِ أَوْ حُرًّا صَغِيرًا وَإِنْ أَفْلَتَتْ من يَد رجل أَو من مدورها فأسدت فَهَدَرٌ وَغَلَبَتُهَا إِيَّاهُ عَلَى الِانْفِلَاتِ كَغَلَبَتِهَا لِلرَّاكِبِ عَلَى الْجِمَاحِ قَالَ مَالِكٌ إِنِ اقْتَنَى كَلْبًا عَقُورًا فِي دَارِهِ لِمَاشِيَةٍ وَهُوَ يَعْلَمُ بِعَقْرِهِ ضَمِنَ قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ يَعْنِي إِنِ اتَّخَذَهُ بِمَوْضِعٍ لَا يَجُوزُ لَهُ وَإِلَّا لَمْ يَضْمَنْ إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ لَهُ وَعَنِ ابْنِ وَهْبٍ فِي الدَّابَّة الصؤول فِي مِرْبَطِهَا فَانْفَلَتَتْ مِنْهُ فَتُفْسِدُ لَا يَضْمَنُ صَاحِبُهَا إِلَّا أَنْ يَتَقَدَّمَ لَهُ قَالَ أَشْهَبُ لَا يَضْمَنُ مُطْلَقًا قَالَ ابْنُ الْقَاسِمِ إِنِ اتَّخَذَ الْكَلْبَ فِيمَا لَهُ اتِّخَاذُهُ كَالصَّيْدِ أَوْ حِرَاسَةِ الدَّارِ لَا يَضْمَنُ مَنْ دَخَلَ دَخَلَ بِإِذْنٍ أَمْ لَا إِلَّا أَنْ يَعْلَمَ رَبُّهُ أَنَّهُ يَعْقِرُ قَالَ مُحَمَّدٌ أَصْلُ ذَلِكَ إِنِ اتَّخَذَهُ فِيمَا لَا يَجُوزُ لَهُ أَوْ لِحِرَاسَةِ الدَّارِ ضَمِنَ أَوْ بِمَوْضِعٍ يَجُوزُ إِلَّا أَنَّهُ عَلِمَ أَنَّهُ يَعْقِرُ وَإِنِ اتَّخَذَهُ لِلسُّرَّاقِ قَالَ مَالِكٌ إِنِ اقْتَنَاهُ فِي دَارِهِ لِلْمَاشِيَةِ ضَمِنَ إِنْ عَلِمَ أَنَّهُ يَعْقِرُ لِأَنَّ الْمَاشِيَةَ فِي الدَّار لَا يخَاف عَلَيْهَا فللناس اتَّخذهُ قَالَ مَالك إِن عرفت الْإِبِل بالعدوى عَلَى أَهْلِ الزَّرْعِ بِيعَتْ بِبَلَدٍ لَا زَرْعَ فِيهِ.
تَنْبِيه:
وَافَقنَا الشَّافِعِي أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْعِجْلُ الصَّائِلُ وَالْمَجْنُونُ وَالصَّغِيرُ وَقَالَ (ح) وَافَقنَا الشَّافِعِي أَنَّهُ لَا يَضْمَنُ الْعِجْلُ الصَّائِلُ وَالْمَجْنُونُ وَالصَّغِيرُ وَقَالَ (ح) يُبَاحُ لَهُ الدَّفْعُ وَيَضْمَنُ وَاتَّفَقُوا إِذَا كَانَ آدَمِيًّا بَالِغًا لَمْ يَضْمَنْ لَنَا أَنَّ الْأَصْلَ عَدَمُ الضَّمَانِ وَقِيَاسًا عَلَى الْآدَمِيِّ وَعَلَى الدَّابَّةِ الْمَعْرُوفَةِ بِالْأَذَى أَنَّهَا تُقْتَلُ وَلَا يَضْمَنُ إِجْمَاعًا وَلَا يَلْزَمُنَا إِذَا غَصَبَهُ فَصَالَ عَلَيْهِ لِأَنَّهُ يَضْمَنُ ثَمَنَهُ بِالْغَصْبِ لَا بِالدَّفْعِ إِذا اضطره الْجُوع لِأَن الْجُوع الْقَاتِل فِي نفس الْجُوع لَا فِي الصَّائِلِ وَالصِّيَالِ الْقَاتِلِ فِي الصَّائِلِ احْتَجُّوا بِأَنَّ مُدْرِكَ عَدَمِ الضَّمَانِ إِنَّمَا هُوَ إِذْنُ الْمَالِكِ لَا جَوَازُ الْفِعْلِ لِأَنَّهُ لَوْ أَذِنَ لَهُ فِي قَتْلِ عَبْدٍ لَمْ يَضْمَنْ وَلَوْ أَكَلَهُ لِمَجَاعَةٍ ضَمِنَ وَالْآدَمِيُّ لَهُ قَصْدٌ وَاخْتِيَارٌ فَلِذَلِكَ لم يضمن وَالْقيمَة لَا اخْتِيَارَ لَهَا لِأَنَّهُ لَوْ حَفَرَ بِئْرًا فَطَرَحَ إِنْسَانٌ نَفْسَهُ فِيهَا لَمْ يَضْمَنْهُ وَلَوْ طرحت بَهِيمَة نَفسهَا ضمنهَا وَجِنَايَةُ الْبَهِيمَةِ لَا تَتَعَلَّقُ بِرَقَبَتِهَا وَعُمُومُ قَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جُبَارٌ» أَيْ هَدَرٌ فَلَوْ ضَمِنَ لَمْ يَكُنْ جُبَارًا كَالْآدَمِيِّ وَالْجَوَابُ عَن الأول إِن الضَّمَان يتَوَقَّف على جَوَازِ الْفِعْلِ بِدَلِيلِ أَنَّ الصَّيْدَ إِذَا صَالَ عَلَى مُحْرِمٍ لَمْ يَضْمَنْهُ أَوْ صَالَ عَلَى الْعَبْدِ سَيِّدُهُ فَقَتَلَهُ الْعَبْدُ أَوِ الْأَبُ عَلَى ابْنِهِ فَقَتَلَهُ ابْنُهُ لَا يَضْمَنُونَ لِجَوَازِ الْفِعْلِ وَعَنِ الثَّانِي أَنَّ الْبَهِيمَةَ لَهَا اخْتِيَارٌ اعْتَبَرَهُ الشَّرْع لِأَنَّهُ الْكَلْبَ لَوِ اسْتَرْسَلَ بِنَفْسِهِ لَمْ يُؤْكَلْ صَيْدُهُ وَالْبَعِيرُ النَّادُّ يَصِيرُ جَمِيعُهُ مَنْحَرًا عَلَى أَصْلِهِمْ وَإِنْ فَتَحَ قَفَصًا فَقَعَدَ الطَّائِرُ سَاعَةً ثُمَّ طَارَ قُلْتُمْ لَا يَضْمَنُ لِأَنَّهُ طَارَ بِاخْتِيَارِهِ وَأما قَوْلهم فِي الْآدَمِيِّ لَوْ طَرَحَ نَفْسَهُ فِي بِئْرٍ لَا يَضْمَنُ بِخِلَافِ الْبَهِيمَةِ فَيَلْزَمُكُمْ أَنَّهُ لَوْ نَصَبَ شَبَكَةً فَوَقَعَتْ فِيهَا بَهِيمَةٌ لَا يَضْمَنُهَا وَأَمَّا تَعَلُّقُ الْجِنَايَةِ بِرَقَبَةِ الْعَبْدِ فَيَبْطُلُ بِالْعَبْدِ الصَّغِيرِ فَإِنَّهُ تَتَعَلَّقُ الْجِنَايَةُ بِرَقَبَتِهِ مَعَ مُسَاوَاتِهِ لِلدَّابَّةِ فِي الضَّمَانِ وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّ كَوْنَهُ جُبَارًا أَنَّهُ لَا قِصَاصَ فِيهِ وَلَا يَلْزَمُ عَنْ عَدَمِ اعْتِبَارِهِ فِي الْقِصَاصِ عَدَمُ اعْتِبَارِهِ مُطلقًا أَو مَعْنَاهُ يُوجِبُ ضَمَانًا عَلَى مَالِكِهِ وَالنِّزَاعُ فِي الضَّمَانِ عَلَى قَاتِلِهَا.
تَنْبِيهٌ:
إِنْ أَرْسَلَ الْمَاشِيَةَ بِالنَّهَارِ لِلرَّعْيِ أَوِ انْفَلَتَتْ فَأَتْلَفَتْ فَلَا ضَمَانَ وَإِنْ كَانَ صَاحِبُهَا مَعَهَا وَهُوَ يَقْدِرُ عَلَى مَنْعِهَا فَلَمْ يَمْنَعْهَا ضَمِنَ وَوَافَقَنَا (ش) وَ (ح) فَإِنِ انْفَلَتَتْ بِاللَّيْلِ أَوْ أَرْسَلَهَا مَعَ قُدْرَتِهِ عَلَى مَنْعِهَا ضَمِنَ وَقَالَهُ (ش) فِي الزَّرْعِ وَفِي غَيْرِ الزَّرْعِ اخْتِلَافٌ عِنْدَهُمْ وَقَالُوا يَضْمَنُ أَرْبَاب القطط الْمُعْتَادَة الْفساد لَيْلًا أَفْسَدَتْ أَوْ نَهَارًا وَإِنْ خَرَجَ الْكَلْبُ مِنْ دَارِهِ فَجَرَحَ ضَمِنَ أَوِ الدَّاخِلَ بِإِذْنٍ فَوَجْهَانِ أَوْ بِغَيْرِ إِذْنٍ لَمْ يَضْمَنْ وَإِنْ أَرْسَلَ الطَّيْرَ فَالْتَقَطَ حَبَّ الْغَيْرِ لَمْ يَضْمَنْ لَيْلًا وَنَهَارًا وَقَالَ (ح) لَا ضَمَانَ فِي الزَّرْعِ لَيْلًا كَانَ أَوْ نَهَارًا لَنَا قَوْله تَعَالَى
{وَدَاوُدَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي الْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غنم الْقَوْم} الْآيَةَ وَجْهُ الدَّلِيلِ أَنَّ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَامُ قَضَى بِتَسْلِيمِ الْغَنَمِ إِلَى أَرْبَابِ الزَّرْعِ قُبَالَةَ زرعهم وَقضى سُلَيْمَان عَلَيْهِ السَّلَام بدفعها لم يَنْتَفِعُونَ بِدَرِّهَا وَنَسْلِهَا وَخَرَاجِهَا حَتَّى يُخْلِفَ الزَّرْعُ وينبت زرع آخر والنفش رعي اللَّيْل والهمد رَعْيُ النَّهَارِ بِلَا رَاعٍ وَلِأَنَّهُ فَرَّطَ فَيَضْمَنُ كَمَا لَوْ كَانَ حَاضِرًا وَلِأَنَّهُ بِالنَّهَارِ يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ دُونَ اللَّيْلِ وَقَدِ اعْتَبَرْتُمْ ذَلِكَ فِي قَوْلِكُمْ إِنْ رَمَتِ الدَّابَّةُ حَصَاةً كَبِيرَةً أَصَابَتْ إِنْسَانًا ضَمِنَ الرَّاكِبُ بِخِلَافِ الصَّغِيرَةِ لَا يُمْكِنُهُ التَّحَفُّظُ مِنْهَا وَيَتَحَفَّظُ عَنِ الْكَبِيرِ بِالتَّنَكُّبِ عَنْهُ وقلتم يضمن مَا نفجت بِيَدِهَا لِأَنَّهُ يُمكنهَا رَدُّهَا بِلِجَامِهَا وَلَا يَضْمَنُ مَا أَفْسَدَتْ بِرِجْلِهَا وَذَنَبِهَا احْتَجُّوا بِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ «جُرْحُ الْعَجْمَاءِ جَبَّار» وَبلا قِيَاس عَلَى النَّهَارِ وَمَا ذَكَرْتُمْ مِنَ الْفَرْقِ بِالْحِرَاسَةِ بِالنَّهَارِ بَاطِل لِأَنَّهُ لِأَنَّهُ لَا فَرْقَ بَيْنَ مَنْ حَفِظَ مَالَهُ فَأَتْلَفَهُ إِنْسَانٌ أَوْ أَهْمَلَهُ فَأَتْلَفَهُ أَنَّهُ يَضْمَنُهُ فِي الْوَجْهَيْنِ وَقِيَاسًا على حراسة الْإِنْسَانِ عَلَى نَفْسِهِ وَمَالِهِ وَجِنَايَةِ مَالِهِ عَلَيْهِ وَجِنَايَتِهِ عَلَى مَالِ أَهْلِ الْحَرْبِ أَوْ أَهْلِ الْحَرْب عَلَيْهِ وَعَكسه جِنَايَة صَاحبه الْبَهِيمَةِ وَالْجَوَابُ عَنِ الْأَوَّلِ أَنَّ الْجُرْحَ عِنْدَنَا جُبَارٌ إِنَّمَا النِّزَاعُ فِي غَيْرِ الْجُرْحِ وَاتَّفَقْنَا عَلَى تَضْمِينِ السَّائِقِ وَالرَّاكِبِ وَالْقَائِدِ وَعَنِ الثَّانِي الْفَرْقُ الْمُتَقَدِّمُ وَالْجَوَابُ عَمَّا ذُكِرَ أَنَّ إِتْلَافَ المَال سَبَب الْمَالِك كمن ترك غُلَامه يصول فَيقبل فَلَا وَعَنِ الثَّالِثِ أَنَّهُ يَضْمَنُ قِيَاسٌ مُخَالِفٌ لِلْآيَةِ وَلِأَنَّهُ بِاللَّيْلِ مُفَرِّطٌ وَبِالنَّهَارِ لَيْسَ مُفَرِّطًا وَبَقِيَّةُ التَّعَرُّض لَيْسَ أحدهم من أهل الضَّمَان وَهَا هُنَا أمكن التَّضْمِين.

.كتاب الْجراح:

وَفِي التَّنْبِيهَاتِ هُوَ مُشْتَقٌ مِنَ الِاجْتِرَاحِ الَّذِي هُوَ الِاكْتِسَابُ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى {أَمْ حَسِبَ الَّذين اجترحوا السيئات} وَمِنْهُ جَوَارِحُ الصَّيْدِ لِاكْتِسَابِهَا وَلَمَّا كَانَ عَمَلُهَا فِي الصَّيْدِ فِي الْأَجْسَادِ وَالدِّمَاءِ سُمِّيَ بِذَلِكَ جُرْحًا وَصَارَ عُرْفًا فِيهِ دُونَ سَائِرِ الِاكْتِسَابَاتِ وَتَجْرِيحُ الشَّاهِدِ مَجَازٌ كَأَنَّهُ لَمَّا قَدَحَ فِي عَرْضِهِ جَرَحَهُ فِي جِسْمِهِ وَكَذَلِكَ قَالُوا طَعَنَ فِيهِ فَتَخْصِيصُ اسْمِ الْجُرْحِ بِالْكَسْبِ الْخَاصِّ كَتَخْصِيصِ الدَّابَّةِ بِالْفَرَسِ أَوِ الْحِمَارِ وَأَصْلُ تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ الْكِتَابُ وَالسُّنَّةُ وَالْإِجْمَاعُ فَالْكِتَابُ قَوْله تَعَالَى {وَلا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلا بِالْحَقِّ} وَقَالَ تَعَالَى {مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاس جَمِيعًا وَمن أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أحيى النَّاس جَمِيعًا} وَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «لَا يَحِلُّ دَمُ امْرِئٍ مُسْلِمٍ إِلَّا بِإِحْدَى ثَلَاثٍ كُفْرٍ بَعْدَ إِيمَانٍ وَزِنًى بَعْدَ إِحْصَانٍ أَوْ قَتْلِ نَفْسٍ» وَأَجْمَعَتِ الْأُمَمُ فَضْلًا عَنْ هَذِهِ الْأُمَّةِ عَلَى تَحْرِيمِ الدِّمَاءِ.
سُؤَالٌ فِي الْآيَةِ الثَّانِيَةِ:
التَّشْبِيهُ فِي لِسَانِ الْعَرَبِ إِنَّمَا يَكُونُ بَيْنَ الْمُتَقَارِبَيْنِ لَا بَيْنَ الْمُتَفَاوِتَيْنِ جِدًّا وَقَتْلُ جَمِيعِ النَّاسِ بَعِيدٌ مِنْ قَتْلِ النَّفْسِ الْوَاحِدَةِ بُعْدًا شَدِيدًا وَكَذَلِكَ إِحْيَاؤُهَا بَلْ قَتْلُ وَاحِدَةٍ لَا تُشْبِهُ قَتْلَ عَشَرَةٍ فَمَا وَجْهُ التَّشْبِيهِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ {فَكَأَنَّمَا} جَوَابُهُ قَالَ بَعْضُ الْعُلَمَاءِ إِنَّ الْمُرَادَ بِالنَّفْسِ إِمَام مسْقط أَوْ حَكَمٌ عَدْلٌ أَوْ وَلِيٌّ تُرْجَى بَرَكَتُهُ الْعَامَّةُ فَلِعُمُومِ مَفْسَدَتِهِ كَأَنَّهُ قَتَلَ كُلَّ مَنْ يَنْتَفِعُ بِهِ وَهُمُ الْمُرَادُ بِالنَّفْسِ وَكَذَلِكَ إِحْيَاؤُهُ وَإِلَّا فَالتَّشْبِيهُ مُشْكِلٌ وَقَالَ مُجَاهِدٌ لَمَّا قَالَ الله تَعَالَى {وَمن نقْتل مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا وَغَضِبَ اللَّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَابًا عَظِيمًا} وَقَتْلُ جَمِيعِ النَّاسِ لَا يَزِيدُ فِي الْعُقُوبَةِ عَلَى هَذَا وَهُوَ مُشْكِلٌ لِأَنَّ قَاعِدَةَ الشَّرْعِ تَفَاوُتُ الْعُقُوبَاتِ بِتَفَاوُتِ الْجِنَايَاتِ فَغَاصِبُ دِرْهَمٍ لَيْسَ كَغَاصِبِ دِينَارٍ وَقَاتِلُ وَاحِدٍ لَيْسَ كَقَاتِلِ عَشَرَةٍ لِأَنَّهُ الْعَدْلُ فِي الْعَادَةِ فَإِذَا تَوَعَّدَ اللَّهُ تَعَالَى قَاتِلَ الْوَاحِدِ بِالْغَضَبِ وَالْعَذَابِ الْعَظِيمِ وَغَيْرِ ذَلِكَ اعْتَقَدْنَا مُضَاعَفَةَ ذَلِكَ فِي حَقِّ الِاثْنَيْنِ فَكَيْفَ فِي الْعَشَرَةِ فَضْلًا عَنْ جَمِيعِ النَّاسِ.
فرع:
فِي الْمُقَدِّمَاتِ لَيْسَ بَعْدَ الْكُفْرِ أَعْظَمُ مِنَ الْقَتْلِ وَجَمِيعُ الذُّنُوبِ تَمْحُوهَا التَّوْبَةُ بِإِجْمَاعٍ إِلَّا الْقَتْلُ قَالَ ابْنُ عُمَرَ وَابْنُ عَبَّاسٍ وَأَبُو هُرَيْرَةَ وَزَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ إِنَّ الْوَعِيدَ محتم متحتم عَلَيْهِ لَا تَوْبَةَ لَهُ لِلْآيَةِ الْمُتَقَدِّمَةِ وَهِيَ أخص من آيَات التَّوْبَة وأحاديثها فَتقدم عَلَيْهَا وَقَالَهُ مَالِكٌ وَقَالَ لَا يَجُوزُ إِمَامَتُهُ وَإِنْ تَابَ وَعَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «كُلُّ ذَنْبٍ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُ إِلَّا مَنْ مَاتَ كَافِرًا أَوْ قَتَلَ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا» قَالَ وَلِأَنَّ مِنْ شَرْطِ التَّوْبَةِ رَدَّ التَّبعَات وَرَدُّ الْحَيَاةِ عَلَى الْمَقْتُولِ مُتَعَذِّرٌ إِلَّا أَنْ يُحَالِلَهُ الْمَقْتُولُ قَبْلَ مَوْتِهِ بِطِيبِ نَفْسِهِ قَالَ وَمَذْهَبُ أَهْلِ السُّنَّةِ أَنَّ الْقَتْلَ لَا يُحْبِطُ الْأَعْمَال الصَّالِحَة فلابد مِنْ دُخُولِ الْجَنَّةِ لِيُجَازَى عَلَى حَسَنَاتِهِ وَكَانَ ابْن شهَاب إِذا سُئِلَ عَن تَوْبَته سَأَلَ هَلْ قَتَلَ أَمْ لَا وَيُطَاوِلُهُ فِي ذَلِكَ فَإِنْ تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ لَمْ يَقْتُلْ قَالَ لَا تَوْبَةَ لَهُ وَإِلَّا قَالَ لَهُ التَّوْبَةُ وَإِنَّهُ لَحَسَنٌ فِي الْفَتْوَى وَمِنْ تَوْبَتِهِ عَرْضُ نَفْسِهِ عَلَى أَوْلِيَاءِ الْمَقْتُولِ فَإِنْ أَقَادُوا مِنْهُ وَإِلَّا قَالَ لكم الدِّيَة وَصَامَ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ أَوْ أَعْتَقَ رَقَبَةً وَيُكْثِرُ مِنَ الِاسْتِغْفَارِ وَيُسْتَحَبُّ أَنْ يُلَازِمَ الْجِهَادَ وَيَبْذُلَ نَفْسَهُ لله تعلى رُوِيَ كُلُّهُ عَنْ مَالِكٍ فِي قَبُولِ تَوْبَتِهِ فَإِنْ قُتِلَ الْقَاتِلُ قِصَاصًا قِيلَ ذَلِكَ كَفَّارَةٌ لَهُ لِقَوْلِهِ عَلَيْهِ السَّلَامُ «الْحُدُودُ كَفَّارَاتٌ لِأَهْلِهَا» وَقِيلَ لَيْسَ يَكُونُ ذَلِكَ لِأَنَّ الْمَقْتُولَ لَا يَنْتَفِعُ بِالْقِصَاصِ بَلْ مَنْفَعَتُهُ بِالْإِحْيَاءِ زَجْرًا وَتَشَفِّيًّا وَالْمرَاد بِالْحَدِيثِ قَول الله تَعَالَى المحصور النَّظَرُ فِي الْجِنَايَةِ وَفِي إِثْبَاتِهَا وَمَا يَتَرَتَّبُ عَلَيْهَا فَهَذِهِ ثَلَاثَةُ أَنْظَارٍ: